النص المفهرس
صفحات 521-540
١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٢٩ - حديث ابن عمر أحدهما : ما كانت على وجه التبيين والتعليم فيما يلزم الحاجة إليه من أمر الدين . والآخر : ما كان على طريق التعنت والتكلف . فأباح النوع الأوّل وأمر به وأجاب عنه فقال: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، وقال: ﴿فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك﴾ [يونس: ٩٤] وأجابه تعالى في الآيات : ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وغيرها وقال في النوع الآخر: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال: ﴿يسألونك عن الساعة أيّان مرساها﴾ [الأعراف : ١٨٧] . فكل ما كان من السؤال على هذا الوجه فهو مكروه ؛ فإذا وقع السكوت عن جواب ، فإنَّما هو زجر وردع للسائل ؛ فإذا وقع الجواب ، فهو عقوبة وتغليظ . الثانية : في قوله : فبدأ بالرجل ، ما يدل على أنه يبدأ به ، وهو قياس الحكم الشرعي؛ لأنه المدّعي فيقدم ، وبه وقعت البداءة في الآية . وقد وقع الإجماع على أن تقديمه سنة ، واختلف ؛ هل تجب البداءة به أم لا؟ فذهب الجماهير إلى وجوبها؛ لقوله ◌َّةٍ لهلال: ((البينة وإلا حدّ في ظهرك)). فكانت البداءة؛ لدفع الحدّ عن الرجل ، فلو بدأ بالمرأة ، كان دافعاً لأمر لم يثبت . وذهب أبو حنيفة إلى أنها تصح البداءة بالمرأة ؛ لأن الآية لم تدل على لزوم البداءة للرجل ؛ لأن العطف فيها بالواو؛ وهي لا تقتضي الترتيب . ٥٢١ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٢٩ - حديث ابن عمر وأجيب عنه بأنها ، وإن لم تقتض الترتيب ؛ فإنه تعالى لا يبدأ إلا بما هو الأحق في البداءة ، والأقدم في العناية ؛ وبيّن فعله ◌َ﴿ ذلك ، فهو مثل قوله : ((نبدأ بما بدأ الله به))، في وجوب البداءة بالصفا . الثالثة : قوله : ثم فرّق بينهما ، دال على أن الفرقة بينهما لا تقع إلا بتفريق الحاكم ، لا بنفس اللعان . وإلى هذا ذهب كثير مستدلين بهذا اللفظ في الحديث ، وأنه ثبت في ((الصحيح)) بأن الرجل طلقها ثلاثاً بعد تمام اللعان ، وأقرّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك . ولو كانت الفرقة تقع بنفس اللعان، لبيّن أن طلاقه في غير محله . وقال الجمهور : بل الفرقة تقع بنفس اللعان ، وإنما اختلفوا ؛ هل تحصل الفرقة بتمام لعانه ، وإن لم تلتعن هي؟ فقال الشافعي : تحصل به . وقال أحمد : لا تحصل إلا بتمام لعانهما ، وهو المشهور عند المالكية ، وبه قالت الظاهرية . واستدلوا بما جاء في ((صحيح مسلم)) من قوله ◌َ : ((ذلكم التفريق بين كل متلاعنين)) . قال ابن العربي: أخبر ◌َ له بقوله: ((ذلكم))، عن قوله: ((لا سبيل لك عليها)). قال : وكذا حكم كل متلاعنين ؛ فإن كان الفراق لا يكون إلا بحكم ، فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((ذلكم التفريق بين كل متلاعنين)) . ٥٢٢ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٢٩ - حديث ابن عمر قالوا : وقوله : فرّق بينهما ، معناه: إظهار ذلك ، وبيان حكم الشرع فيه ، لا أنه أنشأ الفرقة بينهما . قالوا : فأما طلاقه إياها ، فلم يكن عن أمره صلى الله عليه وآله وسلم ، وبأنه لم يزد التحريم الواقع باللعان إلا تأكيداً؛ فلا يحتاج إلى إنكاره . وبأنه لو كان لا فرقة إلا بالطلاق ، لجاز له الزواج بها بعد أن تنكح زوجاً غيره . وقد أخرج أبو داود عن ابن عباس الحديث ؛ وفيه : وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا بيت لها عليه ولا قوت ، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ، ولا متوفى عنها . وأخرج أبو داود من حديث سهل بن سعد في حديث المتلاعنين قال : مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرّق بينهما ، ثم لا يجتمعان أبداً . وأخرجه البيهقي بلفظ : فرق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينهما وقال : ((لا يجتمعان أبداً)). وعن عليّ وابن مسعود قالا : مضت السنة بين المتلاعنين أن لا يجتمعا أبداً . وعن عمر : يُفَرَّق بينهما ، ولا يجتمعان أبداً . الرابعة : اختلف العلماء في فرقة اللعان ؛ هل هي فسخ ، أو طلاق بائن؟ فذهبت الهادوية والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنها فسخ ، مستدلين بأنها توجب تحريماً مؤبداً ، فكانت فسخاً كفرقة الرَّضاعة؛ إذْ لا يجتمعان أبداً . ولأن اللعان ليس صريحاً في الطلاق ، ولا كناية فيه . ٥٢٣ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٢٩ - حديث ابن عمر وذهب أبو حنيفة إلى أنها طلاق بائن ، مستدلاً بأنها لا تكون إلا من زوجة ؛ فهي من أحكام النكاح المختصة ؛ فهي طلاق ؛ إذْ هو من أحكام النكاح المختصة ، بخلاف الفسخ ؛ فإنه قد يكون من أحكام غير النكاح ؛ كالفسخ بالعيب . وأجيب بأنه لا يلزم من اختصاصه بالنكاح أن يكون طلاقاً ، كما أنه لا يلزم فيه نفقة ، ولا غيرها . الخامسة - وهي فرع الرابعة -: اختلفوا لو أكذب نفسه بعد اللعان ؛ هل تحل له الزوجة؟ فقال أبو حنيفة : تحل له ؛ لزوال المانع ، وهو قول سعيد بن المسيب ؛ فإنه قال : فإن أكذب نفسه ؛ فإنه خاطب من الخطاب . وقال ابن جبير: ترد إليه ما دامت في العدة . وقال الشافعي وأحمد: لا تحل له أبداً؛ لقوله تعَ الرؤية: ((لا سبيل لك عليها)). قلت: قد يجاب عنه بأنه ◌َّ هُ قاله لمن التعن ، ولم يكذّب نفسه . السادسة : في حديث لعان هلال بن أمية أنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك بن سحماء ... الحديث عند أبي داود وغيره . قال الخطابي : فيه من الفقه أن الزوج إذا قذف امرأته برجل بعينه ، ثم تلاعنا ، فإن اللعان يُسْقِط عنه الحد ، فيصير في التقدير ذكره المقذوف به تبعاً ، ولا يعتبر حكمه ، وذلك أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم لهلال بن أمية : ((البيِّنة، أو حدٍّ في ظهرك))، فلما تلاعنا ، لم يتعرض لهلال بالحد . ولا يروى في شيء من الأخبار أن شريك بن سحماء عفا عنه ، فعلم أن ٥٢٤ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٠ - حديث ابن عمر الحد الذي كان يلزمه بالقذف سقط عنه باللعان ؛ وذلك لأنه مضطر إلى ذكر من يقذفها به ؛ لإزالة الضرر عن نفسه ، فلم يحمل نفسه على القصد له بالقذف ، وإدخال الضرر عليه . قلت : ولا يخفى أنه لا ضرورة في تعيين من قذفها به . قال : وقال الشافعي: إنما يسقط الحد عنه إذا ذكر الرجل وسمّاه في اللعان ؛ فإن لم يفعل ذلك ، حدّ له . وقال أبو حنيفة : الحد لازم له ، وللرجل مطالبته به . وقال مالك : يحد للرجل ، ويلاعن للزوجة . انتهى . قلت : ولا دليل في حديث هلال على سقوط الحد بالقذف ؛ لأنه حق للمقذوف ، ولم يرد أنه طالب به ، حتّى يقول له صلى الله عليه وآله وسلم: قد سقط باللعان ، أو يحد القاذف ، فيتبين الحكم . والأصل ثبوت الحد على القاذف ، واللعان إنما شرع؛ لدفع الحد عن الزوج والزوجة . ١٠٣٠ - وعن ابن عمر رضي الله عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: ((حِسَابُكُمَا عَلى اللهِ؛ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لِكَ عَلَيْهَا))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بَمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وإِن كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذاكَ أَبْعَدُ لكَ مِنْهَا)) . مُتّفقٌ عَلَيهِ . (وعن ابن عمر رضيَ الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ٥٢٥ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣١ - حديث أنس قال للمتلاعنين : ((حسَابُكُما عَلى الله): بيّنه بقوله (أَحَدُكُمَا كاذبٌ) : فإذا كان أحدهما كاذباً ، فالله هو المتولي لجزائه (لاسبيل لك عليها))): هو إبانة للفرقة بينهما كما سلف (قال: يا رسول الله ، مالي؟) : يريد به الصداق الذي سلمه إليها (قال: ((إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَليْها، فهُوَ بَمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِها، وإن كُنْتَ كَذَبْتَ عَليْها ، فذاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْها)). متفق عليه) . الحديث أفاد ما سلف من الفراق بينهما ، وأن أحدهما كاذب في نفس الأمر، وحسابه على الله ، وأنْ لا يَرْجِعَ بشيء مما سلمه من الصداق ؛ لأنه إن كان صادقاً فى القذف ، فقد استحقت المال بما استحل منها ، وإن كان كاذباً ، فقد استحقته أيضاً بذلك ، ورجوعه إليه أبعد ؛ لأنه هضمها بالكذب عليها فكيف يرتجع ما أعطاها؟! ١٠٣١ - وعن أَنَس رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((أبصِرُوهَا؛ فإِن جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطاً، فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وإِن جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلِ جَعْداً ، فَهُوَ للَّذِي رَمَاهَا بِهِ). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ . (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أَبْصِرُوهَا؛ فإن جاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطاً) : بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة بعدها طاء مهملة ؛ وهو الكامل الخلق من الرجال (فهُوَ لِزَوْجِها، وإن جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ) : بفتح الهمزة وسكون الكاف ؛ هو الذي منابت أجفانه كلها سود ، كأن فيها كحلاً؛ وهي خلقة (جَعْداً) : بفتح الجيم وسكون العين المهملة فدال مهملة ؛ وهو من الرجال القصير (فَهُوَ للَّذِي رَمَاهَا بِه)). متفق عليه) . ٥٢٦ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣١ - حديث أنس .. ولهما في أخرى : فجاءت به على النعت المكروه . وفي الأحاديث ثبتت له عدة صفات ، وفي رواية لهما وللنسائي : أنه قال ﴿ - بعد سرد صفات ما في بطنها -: ((اللهمَّ بين))، فوضعت شبيهاً بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها . وفي الحديث دليل على أنه يصح اللعان للمرأة الحامل ، ولا يؤخر إلى أن تضع ، وإليه ذهب الجمهور ؛ لهذا الحديث . وقالت الهادوية وأبو يوسف ومحمد ؛ ويروى عن أبي حنيفة وأحمد : أنه لا لعان لنفي الحمل ؛ لجواز أن يكون ريحاً ، فلا يكون للعان حينئذ معنى . قلت : وهذا رأي في مقابلة النص ؛ وكأنهم يريدون أنه لا لعان بمجرد ظن الحمل من الأجنبي ، لا لوجدانه معها الذي هو صورة النص . وفي الحديث دليل على أنه ينتفي الولد باللعان ، وإن لم يذكر النفي في اليمين ؛ وإلى هذا ذهب أهل الظاهر . وعند بعض المالكية وبعض أصحاب أحمد : أنه لا يصح اللعان على الحمل إلا بشرط ذكر الزوج لنفي الولد دون المرأة . وأنه يصح نفي الولد ، وهو حمل ، ويؤخر اللعان إلى ما بعد الوضع ، ولا دليل عليهما . بل الحق قول الظاهرية؛ فإنه لم يقع في اللعان عنده ◌َ﴿ نفي الولد، ولم نره في حديث هلال ، ولا عويمر ، ولم يكن اللعان إلا منهما في عصره ، صلى الله عليه وآله وسلم . ٥٢٧ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٢ - حديث ابن عباس وأما لعان الحامل ؛ فقد ثبت في هذه الأحاديث ، وقد أخرج مالك عن نافع عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعن بين رجل وامرأته ، وانتفى من ولده ، ففرق بينهما ، وألحق الولد بالمرأة . وفي حديث سهل : وكانت حاملاً ، فأنكر حملها ، وذكر أنه انتفى من ولده . ولكنه لا يدل على اشتراط نفي الولد ؛ لأنه فعله الرجل من تلقاء نفسه . وقال أبو حنيفة : لا يصح نفي الحمل واللعان علیه ؛ فإن لاعنها حاملاً ، ثم أتت بالولد ، لزمه ، ولم يُمَكَّنْ من نفيه أصلاً؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين ، وهذه قد بانت بلعانهما في حال حملها . ويجاب بأن هذا رأي في مقابلة النص الثابت في حديث الباب ، وفي حديث ابن عمر هذا ، وإن كان البخاري قد بيّن أن قوله فيه : وكانت حاملاً، من كلام الزهري ، لكن حديث الباب صحيح صريح . وفي الحديث دليل على العمل بالقيافة ، وكان مقتضاها إلحاق الولد بالزوج إن جاءت به على صفته ؛ لأنه للفراش ، لكنه بیَّن صلى الله عليه وآله وسلم المانع عن الحكم بالقيافة نفياً وإثباتاً، بقوله : ((لولا الأيمان ، لكان لي ولها شأن)). ١٠٣٢ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُ: أَنَّ رَسُولَ الله عَّهُ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ : ((إنّهَا مُوجِبَةٌ)) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنّسائي ، وَرَجَالُهُ ثقَاتٌ . (وَعَنِ ابنِ عَبّاس رضيَ الله عنهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَضَعَ ٥٢٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٣ - حديث سهل بن سعد يَدَهُ عِنْدَ الْخَامسَةِ عَلى فيهِ، وَقَالَ : ((إنّهَا مُوجِبَةٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنّسائي، وَرِجَالُه ثِقَاتٌ): فيه دلالة على أنه يشرع من الحاكم المبالغة في منع الحلف ؛ خشية أن يكون كاذباً؛ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم منع بالقول بالتذكير والوعظ ، كما سلف ، ثم منع ههنا بالفعل ، ولم يرو أنه أمر بوضع يد أحد على فم المرأة ، وإن أوهمه كلام الرافعي . وقوله : ((إنها الموجبة)) ؛ أي : للفرقة ولعذاب الكاذب . وفيه دليل على أن اللعنة الخامسة واجبة . وأما كيفية التحليف ؛ فأخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس في تحليف هلال بن أمية: أنه قال له رسول الله عَّالية: ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو: إني لصادق))؛ يقول ذلك أربع مرات؛ الحديث بطوله ، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري . ١٠٣٣ - وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه - في قِصّةِ الْمُتلاعِنَيْنِ - قالَ: فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلاعُنِهِمَا، قَال: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يا رَسُولَ الله، إنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلْقَهَا ثَلاثً قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ الله ◌ِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . (وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه - في قِصّةِ الْمُتلاعِنَيْنِ - قالَ: فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلاعُنِهِمَا قَال): أي: الرجل (كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلّقَهَا ثَلاثَاً قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللّهِ تَُّهِ ، مُتَفَقٌ عَلَيْه) تقدم الكلام على تحقيق المقام . ٥٢٩ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٤ - حديث ابن عباس ١٠٣٤ - وعن ابْن عَبّاس رضيَ اللهُ عنهما: أنّ رَجُلاً جَاءَ إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ، فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسِ، قالَ: ((غَرِّبْهَا)) ، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسي، قالَ : ((فَاسْتَمْتَعْ بِهَا)) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والِّرْمِذِي وَالْبَزَّارُ، وَرَجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَأَخْرَجَهُ النّسائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ ؛ بِلَفْظ : قَالَ: ((طَلِّقْهَا))، قالَ: لا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ : ((فَأَمْسِكَّهَا)) ... (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: ((غَرِّبْها))): بالغين المعجمة والراء وباء موحدة؛ قال في ((النهاية)): أي : أبعدها؛ يريد الطلاق (قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: ((فاسْتَمْتعْ بها)) . رواه أبو داود والترمذي والبزار ، ورجاله ثقات) : وأطلق عليه النووي الصحة . لكنه نقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال : لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب شيء ، وليس له أصل ، فتمسك بهذا ابن الجوزي وعده في ((الموضوعات)) مع أنه أورده بإسناد صحيح! (وأخرجه النسائي من وجه آخر عن ابن عباس؛ بلفظ: قال: ((طَلِّقْها))، قال: لا أصبر عنها ، قال: ((فأمسكها))) : اختلف العلماء في تفسير قوله : لا تردّ يد لامس ، على قولين : الأول : أن معناه الفجور ، وأنها لا تمنع من يريد منها الفاحشة ؛ وهذا قول أبي عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطّابي . ٥٣٠ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٥ - حديث أبي هريرة واستدل به الرَّافعي على أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنا ، إذا كان الرجل لا يقدر على مفارقتها . والثاني : أنها تبذر بمال زوجها ، ولا تمنع أحداً طلب منها شيئاً منه ؛ وهذا قول أحمد والأصمعي؛ ونقله عن علماء الإسلام ، وأنكر ابن الجوزي على من ذهب إلى الأول . قال في ((النهاية)): وهو أشبه بالحديث؛ لأن المعنى الأول يُشْكِل على ظاهر قوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣]، وإن كان في معنى الآية وجوه كثيرة . قلت : الوجه الأول في غاية من البعد ؛ بل لا يصح ؛ للآية ، ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر الرجل أن يكون ديّوثاً؛ فحمله على هذا لا يصح . والثاني بعيد ؛ لأن التبذير إن كان بمالها ، فمنعها ممكن ، وإن كان من مال الزوج ، فكذلك ، ولا يُوجِبُ أَمْرَهُ بطلاقها؛ على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال : فلان لا يردّ يد لامس؛ كناية عن الجود ، فالأقرب المراد أنها سهلة الأخلاق ، ليس فيها نفورٌ وحشمةٌ عن الأجانب ؛ لا أنها تأتي الفاحشة . وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة ، ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب ، لكان قاذفاً لها . ١٠٣٥ - وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌َيُّهِ يَقُولُ - حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ -: (أَيُمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلى قَوْمِ مَنْ لَّيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِن الله في شيءٍ ، ولم يُدْخِلْهَا اللَّه جَنْتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ، ٥٣١ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٦ - حديث عمر وهو يَنْظُرُ إِلَيْه، احْتَجَبَ الله عَنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلى رُؤوس الأوَّلِينَ وَالآخرِينَ)). أَخْرَجَهَ أَبُو دَاودَ والنّسائي وابنُ مَاجَه ، وَصَحّحُهُ ابنُ حِبّانَ . (وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَ ◌ّهِ يَقُولُ - حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلاعِنَيْنِ -: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلى قَوْم مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِن الله في شيءٍ ، ولم يُدْخِلْهَا اللّهَ جَنّتَهُ؛ وَأَيُّمَا رَجُلُّ جَحَدَ وَلَدَهُ، وهو يَنْظُرُ إِلَيْهِ) : أي: يعلم أنه ولده (احْتَجَبَ الله عَنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوس الأوَّلِينَ وَالآخرِينَ)). أَخْرَجَه أَبُو دَاودَ والنّسائي وابنُ مَاجَه، وَصَحّحُهُ ابنُ حِبّانَ) . وقد تفرد به عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، ولا يعرف عبد الله إلا بهذا الحديث ؛ ففي تصحيحه نظر . وصححه أيضاً الدارقطني مع اعترافه بتفرد عبد الله ! وفي الباب عن ابن عمر عند البزار ، وفيه إبراهيم بن يزيد الجوزي ؛ ضعيف ، وأخرج أحمد من طريق مجاهد عن ابن عمر نحوه ؛ أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) عن أبيه عن وكيع ؛ وقال : تفرد به وكيع ، ومعنى الحديث واضح . ١٠٣٦ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فليس لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وهو حَسَنٌ مَوْقُوفٌ . (وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عيْنِ ، فليس لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وهو حَسَنٌ مَوْقُوفٌ). فيه دليل على أنه لا يصح النفي للولد بعد الإقرار به ؛ وهو مجمع عليه ، واختلف فيما إذا سكت بعد علمه به ، ولم ينفه ؛ فقال المؤيد : إنه يلزمه ، وإن ٥٣٢ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٧ - حديث أبي هريرة لم يعلم أن له النفي ؛ لأن ذلك حق يبطل بالسكوت ، وذلك كالشفيع إذا أبطل شفعته قبل علمه باستحقاقها . وذهب أبو طالب إلى أن له النفي متى علم؛ إذْ لا يثبت التخيير من دون علم؛ فإن سكت عند العلم ، لزم ، ولم يمكن من النفي بعد ذلك ، ولا يعتبر عنده فور ، ولا تراخ ؛ بل السكوت كالإقرار . وقال الإمام يحيى والشافعي : بل يكون نفيه على الفور ، قال : وحد الفور ما لم يعد تراخیاً عرفاً، كما لو اشتغل بإسراج دابته ، أو لبس ثيابه ، أو نحو ذلك ؛ لم يعد تراخياً عرفاً ، ولهم في المسألة تقادير ليس عليها دليل إلا الرأي ، وفروع على غير أصل أصيل . ١٠٣٧ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّ رَجُلاً قَالَ: يا رسولَ الله! إِن امرأتي ولدت غُلاماً أَسْوَدَ؟ قالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إبل؟))، قالَ: نَعَمْ، قال: ((فَمَا أَلْوَانُهَا؟))، قالَ: حُمْرٌ ، قَالَ: ((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟))، قالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَنّى ذلكَ؟))، قالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: ((فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ)). متفق عَلَيْهِ ، وفي روايَةٍ لِمُسْلم: وهو يُعَرِّضُ بِأَن يَنْفِيَهُ، وقالَ في آخِرِهِ : ولم يُرَخِّصْ لَهُ في الانتفاءِ مِنْهُ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً) : قال عبد الغني: إن اسمه ضمضم بن قتادة (قال: يا رسول الله ! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود؟ قال : (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟))، قال: نعم، قال: ((فَمَا أَلْوانُها؟))، قال: حُمْرٌ ، قال: ((هَلْ فِیھا مِنْ أَوْرَق؟))): بالراء والقاف - بزنة أحمر -؛ وهو الذي في لونه سواد لیس ٥٣٣ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٧ - حديث أبي هريرة بحالك (قال: نعم ، قال: ((فأَنّى ذلكَ؟))، قال: لعله نَزَعَهُ) : بالنون فزاي وعين مهملة ؛ أي : جذبه إليه (عِرْقٌ ، قال: ((فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذا نَزَعَهُ عِرْق)). متفق عليه) . (وفي رواية لمسلم) : أي : عن أبي هريرة (وهو) : أي : الرجل (يعرض بأن ينفيه ، وقال في آخره: ولم يرخص له في الانتفاء منه) . قال الخطابي : هذا القول من الرجل تعريض بالريبة ؛ كأنه يريد نفي الولد . فحكم النبي ◌َ بأن الولد للفراش، ولم يجعل خلاف الشبه واللون دلالة يجب الحكم بها ، وضرب له المثل بما يوجد من اختلاف الألوان في الإبل ولقاحها واحد . وفي هذا إثبات القياس ، وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث الشبه واحد ، ثم قال : وفيه دليل على أن الحدّ لا يجب في المكاني ، وإنما يجب في القذف الصريح . وقال المهلب : التعريض إذا كان على جهة السؤال لا حدّ فيه ، وإنما يجب الحدّ في التعريض إذا كان على المواجهة والمشائمة . وقال ابن المنير: يفرّق بين الزوج والأجنبي في التعريض ؛ أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة ، والزوج قد يعذر بالنسبة إلى صيانة النسب . وقال القرطبي : لا خلاف أنه لا يجوز نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة ، كالسمرة والأدمة ، ولا في البياض والسواد ، إذا كان قد أقر بالوطء ، ولم تمض مدة الاستبراء . ٥٣٤ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٣٧ - حديث أبي هريرة قال في ((الشرح)): كأنه أراد في مذهبه ، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل ؛ وهو إن لم ينضم إليه قرينة زناً ، لم يجز النفي ، وإن اتهمها بولد على لون الرجل الذي اتهمها به ، جاز النفي على الصحيح . وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقاً، والخلاف إنما هو عند عدمها ، والحديث يحتمله ؛ لأنه لم يذكر أن معه قرينة الزنا ، وإنما هو مجرد مخالفة اللون . 1 ٥٣٥ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة ٣ - باب العدّة والإحداد والاستبراء ، وغير ذلك بكسر العين المهملة : اسم لمدّة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها ، وفراقه لها؛ إما بالولادة ، أو الأقراء ، أو الأشهر. والإحداد ؛ بالحاء بعدها دالان مهملتان بينهما ألف ؛ وهو لغة : المنع ، وشرعاً : ترك الطيب والزينة للمعتدة عن وفاة . ١٠٣٨ - عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أنْ تَنْكِحَ ، فَأَذِنَ لِهَا فَنَكَحَتْ . زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَجَاءَتِ النّبيَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَصْلَهُ في ((الصَّحِيْخَيْنٍ))، وفي لَفْظٍ: أَنّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاة زَوْجِهَا بِأَربعين لَيْلَةً ، وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلا أَرَى بأساً أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا ، غَير أنّه لا يَقْرَبُها زَوْجُهًا، حتّى تَطْهُرَ . (عن المسور) : بكسر الميم وسكون السين المهملة فواو مفتوحة فراء (ابن مخرمة) : بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ، تقدمت ترجمته (أن سُبَيْعَةَ) : بضم السين المهملة فباء موحدة فمثناة تحتية ؛ تصغير سبع ، وتاء التأنيث (الأسْلَميّةَ نُفِسَتْ): بضم النون وكسر الفاء (بعد وفاة زوجها) : هو سعيد بن خولة ، توفي بمكة بعد حجة الوداع (بليال) : وقع في تقدیرها خلاف ﴿ فاستأذنته أن كبير لا حاجة إلى ذكره ، ويأتي بعضه قريباً (فجاءت النبي تنكح، فأذن لها فنكحت . رواه البخاري، وأصله في ((الصحيحين))، وفي لفظ) : للبخاري (أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة ، وفي لفظ المسلم): أي : عن المسور (قال الزهري : ولا أرى بأساً أن تزوّج وهي في دمها): ٥٣٦ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة أي: دم نفاسها (غير أنه لا يقربها زوجها، حتّى تطهر) . الحديث دليل على أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدّتها بوضع الحمل ، وإن لم يمض عليها أربعة أشهر وعشراً ، ويجوز بعده أن تنكح . وفي المسألة خلاف ؛ فهذا الذي أفاده الحديث قول جماهير العلماء من الصحابة وغيرهم؛ لهذا الحديث ، ولعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]، والآية، وإن كان ما قبلها في المطلقات ؛ لكن ذلك لا یخص عمومها . وأيد بقاء عمومها على أصله ما أخرجه عبد الله بن أحمد في ((رواية المسند»، والضياء في ((المختارة)) ، وابن مردويه عن أبي بن كعب ، قال : قلت: يا رسول الله! ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ هي المطلقة ثلاثاً أم المتوفى عنها؟ قال: ((هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها)). وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني عن أُبيّ من وجه آخر قال : لما نزلت هذه الآية ، قلت: يا رسول الله! هذه الآية مشتركة أم مبهمة؟ قال رسول اللّه ◌َا: ((أية آية؟)) قلت: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ قال: ((نعم)). وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه عدة روايات دالّة على قوله بهذا . وأخرج عنه ابن مردويه قال : نسخت سورة النساء القصرى كل عدة : ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ أجَلُ كل حامل مطلقة ، أو ٥٣٧ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة متوفى عنها زوجها أن تضع حملها . وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين . وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة رضيَ الله عنهُ فجاء رجل فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة ؛ أحلت؟ قال ابن عباس : تعتد آخر الأجلين ، قلت أنا : ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ . قال ابن عباس : ذلك في الطلاق ، قال أبو سلمة : أرأيت لو أن امرأة جرت حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس : آخر الأجلين . قال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي ، يعني أبا سلمة ، فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها؛ أمضت في ذلك سنة؟ فقالت : قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها رسول · 葉 山 وأخرجه عبد بن حميد من حديث أبي سلمة ؛ وفيه : أنهم أرسلوا إلى عائشة فسألوها ، فقالت : ولدت سبيعة - مثل ما مضى -، إلا أنها قالت : بعد وفاة زوجها بلیال . ٥٣٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة وفي الباب عدة روايات عن السلف دالة على أن الآية باقية على عمومها في جميع العدد ، وأن عموم آية البقرة منسوخ بهذه الآية الكريمة ، ومع تأخر نزولها كما صرحت به الروايات ؛ ينبغي أن يكون التخصيص ، أو النسخ متفقاً عليه . وذهبت الهادوية وغيرهم ويروى عن عليّ: أنها تعتد بآخر الأجلين ؛ إما وضع الحمل إن تأخر عن الأربعة الأشهر والعشر، أو بالمدة المذكورة إن تأخرت عن وضع الحمل مستدلين بقوله تعالى : ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قالوا : فالآية الكريمة فيها عموم وخصوص من وجه ، وقوله : ﴿وأولات الأحمال أجلهن﴾ [الطلاق: ٤]، كذلك فجمع بين الدليلين بالعمل بهما ، والخروج من العهدة بيقين ، بخلاف ما إذا عمل بأحدهما . وأجيب عنه بأن حديث سبيعة نص في الحكم ، مبين بأن آية النساء القصرى شاملة للمتوفى عنها زوجها ، وأيد حديثها ما سمعته من الأحاديث والآثار . وأما الرواية عن علي رضي الله عنه ، فقال الشعبي : ما أصدق أن علي بن أبي طالب كان يقول : عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين . هذا ؛ وكلام الزهري صريح أنه يعقد بها ، وإن كانت لم تطهر من دم نفاسها ، وإن حرم وطؤها ؛ لأجل علة أخرى هي بقاء الدم . وقال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء من أصحابنا وغيرهم : سواء كان الحمل ولداً، أو أكثر ، كامل الخلقة ، أو ناقصها ، أو علقة ، أو مضغة ؛ فإنها ٥٣٩ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٩ - حديث عائشة تنقضي العدة بوضعه ، إذا كان فيه صورة خلقة آدمي ، سواء كانت صورة خفية تختص النساء بمعرفتها ، أو صورة جلية يعرفها كل أحد . وتوقف ابن دقيق العيد فيه من أجل أن الغالب في إطلاق وضع الحمل ؛ هو الحمل التام المتخلق ، وأمّا خروج المضغة والعلقة فهو نادر، والحمل على الغالب أقوى . قال المصنف : ولهذا نقل عن الشافعي قولٌ بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس فيها صورة بينة ، ولا خفية . وظاهر الحديث والآية الإطلاق فیما یتحقق کونه حملاً ، وأمّا ما لا يتحقق كونه حملاً، فلا؛ لجواز أنه قطعة لحم ، والعدة لازمة بيقين ؛ فلا تنقضي بمشكوك فيه . ١٠٣٩ - وعن عَائشَةَ رضي الله عنهَا، قَالَتْ: أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثِ حِيَضِ . رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاتُهُ ثقَاتٌ ، لكنّهُ مَعْلُولٌ . (وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: ((أُمِرَتْ): مغير الصيغة؛ والأمر هو النبي ﴾ (بريرة أن تعتد بثلاث حيض . رواه ابن ماجه ، ورواته ثقات، لكنه معلول) . وقد ورد ما يؤيده ، وهو دليل على أن العدة تعتبر بالمرأة - عند من يجعل عدة المملوكة دون عدة الحرة - لا بالزوج ؛ على القول الأظهر من أن زوج بريرة كان عبداً . ٥٤٠