النص المفهرس
صفحات 501-520
١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٤ - حديث ابن عمر أخذه من هذا الحديث ، ولا مستند له غيره ؛ فإنه قال المصنف : لم أقف على نقل صريح في ذلك ؛ فإنه لا يلزم من عدم دخوله عليهنّ أن لا تدخل إحداهنّ عليه في المكان الذي اعتزل فيه ، إلا إن كان المكان المذكور من المسجد ، فيتم استلزام عدم الدخول عليهنّ ، مع استمرار الإقامة في المسجد ، العزم على ترك الوطء ؛ لامتناع الوطء في المسجد . ١٠٢٤ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ اللّه عنهُمَا قالَ: إِذا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُر ، وَقَفَ الْمُؤْلي، حتّى يُطلِّقَ ، ولا يَقَعُ عَلَيْهِ الطّلاقُ، حتّى يُطَلِّقَ. أَخْرَجَهً البُخَاريُّ . (وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: إذا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُر، وَقَفَ الْمُوْلِي، حتّى يُطلِّقَ ، ولا يَقَعُ عَلَيْهِ الطّلاقُ، حتّى يُطَلِّقَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيِّ) . الحديث كالتفسير لقوله تعالى : ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦]. وقد اختلف العلماء في مسائل من الإيلاء : الأولى : في اليمين ، فإنهم اختلفوا فيها ؛ فقال الجمهور: ينعقد الإيلاء بكل يمين على الامتناع من الوطء ؛ سواء حلف بالله ، أو بغيره . وقالت الهادوية : إنه لا ينعقد إلا بالحلف بالله ، قالوا : لأنه لا يكون يميناً إلا ما كان بالله تعالى ؛ فلا تشمل الآية ما كان بغيره . قلت : وهو الحق . ٥٠١ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ٤ ١٠٢ - حديث ابن عمر الثانية : في الأمر الذي تعلق به الإيلاء ، وهو ترك الجماع صريحاً أو كناية ، أو ترك الكلام عند البعض؟ والجمهور على أنه لا بد فيه من التصريح بالامتناع من الوطء ، لا مجرد الامتناع عن الزوجة . ولا كلام أن الأصل في الإيلاء قوله تعالى : ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]؛ فإنها نزلت لإبطال ما كان عليه الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء ؛ فإنه كان الرجل يولي من امرأته سنة وسنتين ، فأبطل الله تعالى ذلك، وأُنْظِر المولي أربعة أشهر ؛ فإمّا أن يفيء ، أو يطلق . الثالثة : اختلفوا فى مدة الإيلاء ؛ فعند الجمهور والحنفية أنه لا بد أن يكون أكثر من أربعة أشهر ، وقال الحسن وآخرون : ينعقد بقليل الزمان وكثيره ؛ لقوله تعالی : ﴿یؤلون من نسائهم﴾ . ورُدَّ بأنه لا دليل في الآية ؛ إذْ قد قدر الله المدة فيها بقوله تعالى: ﴿أربعة أشهر﴾ . فالأربعة قد جعلها الله مدة الإمهال ؛ وهي كأجل الدين ؛ لأنه تعالى قال : ﴿فإن فاؤوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، بفاء التعقيب ، وهو بعد الأربعة فلو كانت المدة أربعة، أو أقل لكانت قد انقضت ؛ فلا يطالب بعدها ، والتعقيب للمدة لا للإيلاء ؛ لبعده . والرابعة : أن مضي المدة لا يكون طلاقاً عند الجمهور . وقال أبو حنيفة : بل إذا مضت الأربعة الأشهر، طلقت المرأة ؛ قالوا : والدليل على أنه لا يكون بمضيها طلاقاً ، أنه تعالى خيرٌ في الآية بين الفيئة والعزم على ٥٠٢ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٤ - حديث ابن عمر الطلاق ؛ فيكونان في وقت واحد ، وهو بعد مضي الأربعة ، فلو كان الطلاق يقع بمضي الأربعة والفيئة بعدها ؛ لم يكن تخييراً . لأن حق المخير فيهما أن يقع أحدهما في الوقت الذي يصح فيه الآخر ، كالكفارة ؛ لأنه تعالى أضاف عزم الطلاق إلى الرجل ، وليس مضي المدة من فعل الرجل . ولحديث ابن عمر هذا الذي نحن في سياقه ، وإن كان موقوفاً فهو مُقَوَّ للأدلة . الخامسة : الفيئة هي الرجوع ، ثم اختلفوا بماذا تكون؟ فقيل : تكون بالوطء على القادر ، والمعذور يبين عذره بقوله : لو قدرت ، لفئت ؛ لأنه الذي يقدر عليه ؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقيل بقوله : رجعت عن يميني ، وهذا للهادوية ؛ كأنهم يقولون : المراد رجوعه عن يمينه ، لا إيقاع ما حلف عليه . وقيل : تكون في حق المعذور بالنية ؛ لأنها توبة يكفي فيها العزم ، وَرُدَّ بأنها توبة عن حق مخلوق ؛ فلا بد من إفهامه الرجوع عن الأمر الذي عزم عليه . السادسة : اختلفوا هل تجب الكفارة على من فاء؟ فقال الجمهور: تجب ؛ لأنها يمين قد حنث فيها ، فتجب الكفارة؛ لحديث: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليكفر عن يمينه ، وليأت الذي هو خير)). وقيل : لا تجب ؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وأجيب بأن الغفران يختص بالذنب لا بالكفارة ، ويدل للمسألة الخامسة قوله : ٥٠٣ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٥ - حديث سليمان بن يسار ١٠٢٥ - وعن سُلَيْمانَ بن يَسَار قالَ: أدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُؤْلِي . رواهُ الشافعِيُّ . (وعن سليمان بن يسار) : بفتح المثناة فسين مهملة مخففة ، بعد الألف راء ، هو أبو أيوب سليمان بن يسار ، مولى ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو أخو عطاء بن يسار، كان سليمان من فقهاء المدينة ، وكبار التابعين ، ثقة فاضلاً ورعاً حجة ، هو أحد الفقهاء السبعة ، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة ، مات سنة سبع ومائة ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة (قال : أدركت بضعة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يقفون المولي . رواه الشافعي) . وفي ((الإرشاد)) لابن كثير: أنه قال الشافعي بعد رواية الحديث : وأقل ذلك ثلاثة عشر. اهـ. يريد أقل ما يطلق عليه لفظ بضعة عشر. وقوله : يقفون ؛ بمعنى يقفونه أربعة أشهر ، كما أخرجه إسماعيل - هو ابن أبي إدريس - عن سليمان أيضاً قال : أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة . فإطلاق رواية الكتاب محمولة على هذه الرواية المقيدة . وقد أخرج الدارقطني من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه : أنه قال : سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي؟ فقالوا : ليس عليه شيء ، حتّى تمضي أربعة أشهر فيوقف ؛ فإن فاء ، وإلا طلق . وأخرج إسماعيل المذكور من حديث ابن عمر أنه قال : إذا مضت أربعة أشهر ، يوقف حتّى يطلق ، ولا يقع عليه الطلاق ، حتّى يطلق . ٥٠٤ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٦ - حديث ابن عباس وأخرج الإسماعيلي أثر ابن عمر بلفظ : أنه كان يقول : أيما رجل آلى من امرأته ؛ فإذا مضت أربعة أشهر، يوقف حتّى يطلق أو يفيء ، ولا يقع عليها طلاق إذا مضت ، حتّی یوقف . وفي الباب آثار كثيرة عن السلف كلها قاضية بأنه : لا بد بعد مضي الأربعة الأشهر من إيقاف المولي . ومعنى إيقافه هو : أن يطالب إما بالفيء وإما بالطلاق . ولا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة ، وإلى هذا ذهب الجماهير، وعليه دلَّ ظاهر الآية؛ إذْ قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٧]، يدل قوله : ﴿سميع﴾ على أن الطلاق يقع بقول يتعلق به السمع، ولو كان يقع بمضي المدة، لكفى قوله: ﴿عليم﴾؛ لما عرف من بلاغة القرآن ، وأن فواصل الآيات تشير إلى ما دلت عليه الجملة السابقة . فإذا وقع الطلاق ؛ فإنه يكون رجعياً عند الجمهور، وهو الظاهر . ولغيرهم تفاصيل لا يقوم عليها دليل . ١٠٢٦ - وعن ابْن عَبّاس رضيَ اللهُ عنهما قَال: كَانَ إيلاءُ الجَاهليّة السّنَةَ والسّنَتَيْن ، فَوَقّتَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُر؛ فإن كانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُر؛ فليس بإيلاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ . (وَعَنِ ابْنِ عَبّاس رضي الله عنهُمَا قال: كَانَ إيلاءُ الجَاهليّة السّنَةَ والسّنَتَيْنِ ، فَوَقّتَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُر؛ فإن كانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُر، فليس بإيلاءِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ) : وأخرجه الطبراني أيضاً عنه ، وقال الشافعي : كانت ٥٠٥ ١٠٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٧ - حديث ابن عباس العرب في الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء ، وفي لفظ : كانوا يطلقون الطلاق والظهار والإيلاء ؛ فنقل تعالى الإيلاء والظهار عما كان عليه الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة ، إلى ما استقر عليه حكمهما في الشرع ، وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه . والحديث دليل على أن أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر . ١٠٢٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ من امْرَأَته ، ثم فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ؟ قَالَ: ((فَلا وَقَعَ عَلَيْها، فَأَتَّى النّبِيَّ ◌َ﴾ تَقْرَبْهَا، حتّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ)). رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِي، وَرَجّحَ النِّسَائِيُّ إِرْسَلَهُ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهِ آَخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ : ((كَفِّرْ، ولا تَعُدْ)). (وَعَن ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ مِن امْرَأَتِهِ ، ثم وَقَعَ عَلَيْها ، فَأَتَى النّبِيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ؟ قَالَ: ((فَلا تَقْرَبِهَا، حتّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ)). رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِي ، وَرَجّحَ النّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ: («كَفِّرْ، ولا تَعُدْ))) . هذا من باب الظهار، والحديث لا يضر إرساله ، كما قررناه من أن إتيانه من طريق مرسلة وطريق موصولة لا يكون علة ؛ بل يزيده قوّة . والظهار: مشتق من الظهر؛ لأنه قول الرجل لامرأته : أنت عليَّ كظهر أمي ، فأخذ اسمه من لفظه ، وكنوا بالظهر عما يستهجن ذكره . : ٥٠٦ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٧ - حديث ابن عباس وأضافه إلى الأمّ؛ لأنها أم المحرمات ، وقد أجمع العلماء على تحريم الظهار وإثم فاعله ، كما قال تعالى : ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ [المجادلة: ٢]. وأما حكمه بعد إيقاعه فيأتي . وقد اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأم ، ثم اختلفوا فيه في مسائل : الأولى : إذا شبهها بعضو منها غيره ؛ فذهب الأكثر إلى أنه يكون ظهاراً أيضاً، وقيل : يكون ظهاراً إذا شبهها بعضو يحرم النظر إليه ، وقد عرفت أن النص لم يرد إلا في الظهر . الثانية : أنهم اختلفوا أيضاً فيما إذا شبهها بغير الأم من المحارم ؛ فقالت الهادوية : لا يكون ظهاراً؛ لأن النص ورد في الأم ، وذهب آخرون منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يكون ظهاراً ، ولو شبهها بمحرم من الرضاع . ودليلهم القياس؛ فإن العلة التحريم المؤبد ، وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأم . وقال مالك وأحمد : إنه ينعقد ، وإن لم يكن المشبه به مؤبد التحريم كالأجنبية . بل قال أحمد: حتّى في البهيمة ، ولا يخفى أن النص لم يرد إلا في الأم . وما ذكر من إلحاق غيرها فبالقياس وملاحظة المعنى ، ولا ينتهض دليلاً على الحكم . الثالثة : أنهم اختلفوا أيضاً هل ينعقد الظهار من الكافر؟ فقيل : نعم ؛ لعموم الخطاب في الآية ، وقيل : لا ينعقد منه ؛ لأن من لوازمه الكفارة ، وهي لا تصح ٥٠٧ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٧ - حديث ابن عباس من الكافر ، ومن قال : ينعقد منه قال : يكفر بالعتق ، أو الإطعام ؛ لا بالصوم؛ لتعذره في حقه . وأجيب بأن العتق والإطعام إذا فعلا لأجل الكفارة ، كانا قربة ، ولا قربة لکافر . الرابعة : أنهم اختلفوا أيضاً في الظهار من الأمة المملوكة ؛ فذهبت الهادوية والحنفية والشافعية : أنه لا يصح الظهار منها؛ لأن قوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾ [المجادلة: ٢]، لا يتناول المملوكة في عرف اللغة؛ للاتفاق في الإيلاء على أنها غير داخلة في عموم النساء ، وقياساً على الطلاق . وذهب مالك وغيره إلى أنه يصح من الأمة ؛ لعموم لفظ النساء . إلا أنه اختلف القائلون بصحته منها في الكفارة ، فقيل : لا تجب إلا نصف الكفارة ؛ فكأنه قاس ذلك على الطلاق عنده . الخامسة : الحديث دليل على أنه يحرم وطء الزوجة التي ظاهر منها قبل التكفير، وهو مجمع عليه ؛ لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]، فلو وطئ، لم يسقط التكفير، ولا يتضاعف؛ لقوله تعَّهُ: ((حتى تفعل ما أمرك الله))، قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل التكفير؟ فقالوا : كفارة واحدة ، وهو قول الفقهاء الأربعة . وعن ابن عمر : أن عليه كفارتين : إحداهما للظهار الذي اقترن به العود ، والثانية للوطء المحرم كالوطء في رمضان نهاراً ، ولا يخفى ضعفه . ٥٠٨ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر وعن الزهري وابن جبير: أنها تسقط الكفارة ؛ لأنه فات وقتها ؛ فإنه قبل المسيس ، وقد فات ، وأجيب بأن فوات وقت الأداء لا يسقط الثابت في الذمة كالصلاة وغيرها من العبادات . واختلف في تحريم المقدمات ، فقيل : حكمها حكم المسيس في التحريم ؛ لأنه شبهها بمن يحرم في حقها الوطء ومقدماته ، وهذا قول الأكثر . وعن الأقل : لا تحرم المقدمات ؛ لأن المسيس هو الوطء وحده ؛ فلا يشمل المقدمات إلا مجازاً . ولا يصح أن يرادا ؛ لأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وعن الأوزاعي : يحل له الاستمتاع بما فوق الإزار . ١٠٢٨ - وعن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ رضي الله عنه قالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَنِي ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لي شَيءٌ منها لَيْلَةً ، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فقال لي رَسُولُ اللّه ◌َزِ: ((حَرِّرْ رَقَبَةً)) ، فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إلا رَقَبَتي، قَالَ: ((فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينٍ))، قُلْتُ: وهَلْ أَصَبْتُ الْذِي أَصَبْتُ إلا مِنَ الْصِّيام؟! قَالَ: ((أَطْعِمْ عَرْقاً مِنْ تَمْرِ سِتِّينَ مسْكيناً)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ إلا النسائيّ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبْنُ الْجَارُودِ . (وعن سلمة بن صخر رضي الله عنه): هو البَيّاضي ؛ بفتح الموحدة وتخفيف المثناة التحتية وضاد معجمة ؛ أنصاري خزرجي ، كان أحدَ البكائين ، روى عنه سليمان بن يسار وابن المسيب ، قال البخاري : لا يصح حديثه ؛ يعني هذا الذي في الظهار (قال : دخل رمضان ، فخفت أن أصيب امرأتي) : وفي ٥٠٩ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر ((الإرشاد)) قال : إني كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري (فظاهرت منها ، فانكشف لي شيء منها ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله عزانٍ : ((حَرِّرْ رَقَبَةً))، فقلت: ما أملك إلا رقبتي، قال: ((فصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ))، قلت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟! قال: ((أَطْعِمْ عَرْقاً مِنْ تَّمر ستِّينَ مسْكيناً)) . أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود) . وقد أعله عبد الحق بالانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة ؛ لأن سليمان لم يدرك سلمة ؛ حكى ذلك الترمذي عن البخاري . وفي الحديث مسائل : الأولى : أنه دلَّ على ما دلت عليه الآية من ترتيب خصال الكفارة ، والترتيب إجماع بين العلماء . الثانية : أنها أطلقت الرقبة في الآية ، وفي الحديث أيضاً ، ولم تقيد بالإيمان ، كما قيدت به في آية القتل . فاختلف العلماء في ذلك ؛ فذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وغيرهما إلى عدم التقييد ، وأنها تجزئ رقبة ذمية ، وقالوا : لا تقيد بما في آية القتل ؛ لاختلاف السبب . وقد أشار الزمخشري إلى عدم اعتبار القياس ؛ لعدم الاشتراك في العلة ؛ فإن المناسبة أنه لما أخرج رقبة مؤمنة من صفة الحياة إلى الموت ، كان كفارته إدخال رقبة مؤمنة في حياة الحرية ، وإخراجه عن موت الرقبة . ٥١٠ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر فإن الرق يقتضي سلب التصرف عن المملوك ؛ فأشبه الموت الذي يقتضي سلب التصرف عن الميت ، فكان في إعتاقه إثبات التصرف ؛ فأشبه الإحياء الذي يقتضي إثبات التصرف للحي . وذهبت الهادوية ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ إعتاق رقبة كافرة ، وقالوا : تقيد آية الظهار كما قيدت آية القتل ، وإن اختلف السبب . قالوا : وقد أيدت ذلك السنة ؛ فإنه لما جاءه صلى الله عليه وآله وسلم السائل يستفتيه في عتق رقبة كانت عليه ، سأل صلى الله عليه وآله وسلم الجارية : ((أين الله؟)) فقالت: في السماء فقال: ((من أنا؟)) فقالت : أنت رسول الله قال : (فأعتقها؛ فإنها مؤمنة)) . أخرجه البخاري(١) وغيره . قالوا : فسؤاله صلى الله عليه وآله وسلم لها عن الإيمان ، وعدم سؤاله عن صفة الكفارة وسببها ، دال على اعتبار الإيمان في كل رقبة تعتق عن سبب ؛ لأنه قد تقرر أن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ، كما قد تقرر . قلت : الشافعي قائل بهذه القاعدة ؛ فإن قال بها من معه من المخالفین ، كان الدليل على التقييد هو السنة لا الكتاب؛ لأنهم قرروا في الأصول أنه لا يحمل المطلق على المقيد إلا مع اتحاد السبب ؛ ولكنه وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داود ما لفظه : (١) كذا قال المؤلف رحمه الله ! والحق أن الحديث ليس في البخاري ، بل هو في مسلم برقم (٥٣٧) . (الناشر) . ٥١١ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر فقال: يا رسول الله! إن عليَّ رقبة مؤمنة ... الحديث إلى آخره. قال عز الدين الذهبي : هذا الحديث صحيح ، وحينئذ ؛ فلا دليل في الحديث على ما ذكر؛ فإنه ◌َّليٍ لم يسألها عن الإيمان إلا لأن السائل قال: عليه رقبة مؤمنة . الثالثة : اختلف العلماء في الرقبة المعيبة بأي عيب ؛ فقالت الهادوية وداود : تجزئ المعيبة ؛ لتناول اسم الرقبة لها . وذهب آخرون إلى عدم إجزاء المعيبة ؛ قياساً على الهدايا والضحايا ؛ بجامع التقرب إلى الله . وفصل الشافعي فقال : إن كانت كاملة المنفعة كالأعور ، أجزأت ، وإن نقصت منافعه ، لم تجز إذا كان ذلك ينقصها نقصاناً ظاهراً كالأقطع والأعمى ؛ إذ العتق تمليك المنفعة ، وقد نقصت . وللحنفية تفاصيل في العيب يطول تعدادها ، ويعزّ قيام الأدلة عليه . الرابعة: أن قوله ◌َّ هُ: ((فصم شهرين متتابعين))، دال على وجوب التتابع، وعليه دلت الآية ، وشرطت أن تكون قبل المسيس ؛ فلو مسَّ فيهما ، استأنف؛ وهو إجماع إذا وطئها نهاراً متعمداً . وكذا ليلاً عند الهادوية وأبي حنيفة وآخرين ، ولو ناسياً؛ للآية ، وذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه لا يضر ويجوز؛ لأن علة النهي إفساد الصوم ، ولا إفساد بوطء الليل ، وأجيب بأن الآية عامّة . واختلفوا إذا وطئ نهاراً ناسياً؛ فعند الشافعي وأبي يوسف : لا يضر؛ لأنه ٥١٢ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر لم يفسد الصوم ، وقالت الهادوية وأبو حنيفة : بل يستأنف ، كما إذا وطئ عامداً؛ لعموم الآية . قالوا : وليست العلة إفساد الصوم؛ بل دلَّ عموم الدليل للأحوال كلها على أنها لا تتم الكفارة ، إلا بوقوعها قبل المسيس . الخامسة : اختلفوا أيضاً فيما إذا عرض له في أثناء صيامه عذر مأيوس ، ثم زال ؛ هل يبني على صومه ، أو يستأنف؟ فقالت الهادوية ومالك وأحمد : إنه يبني على صومه ؛ لأنه فرقه بغير اختياره . وقال أبو حنيفة ، وهو أحد قولي الشافعي : بل يستأنف ؛ لاختياره التفريق . وأجيب بأن العذر صيره كغير المختار . وأما إذا كان العذر مرجوّاً ، فقيل : يبني أيضاً ، وقيل : لا يبني ؛ لأن رجاء زوال العذر صيره كالمختار، وأجيب بأنه مع العذر لا اختيار له . السادسة : أن ترتيب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فصم))، على قول السائل : ما أملك إلا رقبتي ، يقضي بما قضت به الآية ؛ من أنه لا ينتقل إلى الصوم إلا لعدم وجدان الرقبة ؛ فإن وجد الرقبة - إلا أنه يحتاجها لخدمته للعجز -، فإنه لا يصح منه الصوم . فإن قيل : إنه قد صح التيمم لواجد الماء ، إذا كان يحتاج إليه ؛ فهلا قستم هذا عليه ! قلت: لا يقاس؛ لأن التيمم قد شرع مع العذر؛ فكأن الاحتياج إلى الماء کان لعذر . ٥١٣ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر فإن قيل : فهل يجعل الشبق إلى الجماع عذراً يكون له معه العدول إلى الإطعام ، ويعد صاحب الشبق غير مستطيع للصوم؟ قلت : هو ظاهر حديث سلمة ، وقوله في الاعتذار عن التكفير بالصيام : وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ وإقراره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على عذره ، وقوله: ((أطعم))، يدل على أنه عذر يعدل معه إلى الإطعام. السابعة : أن النص القرآني والنبوي صريح في إطعام ستين مسكيناً ، كأنه جعل عن كل يوم من الشهرين إطعام مسكين . واختلف العلماء: هل لا بدّ من إطعام ستين مسكيناً، أو يكفي إطعام مسكين واحد ستين يوماً؟ فذهبت الهادوية ومالك وأحمد والشافعي إلى الأول ؛ لظاهر الآية . وذهبت الحنفية - وهو أحد قولي زيد بن علي ، والناصر - إلى الثاني ، وأنه يكفي إطعام واحد ستين يوماً ، أو أكثر من واحد بقدر إطعام ستين مسكيناً . قالوا : لأنه في اليوم الثاني مستحق كقبل الدفع إليه ؛ وأجيب بأن ظاهر الآية تغاير المساكين بالذات . ویروی عن أحمد ثلاثة أقوال کالقولين هذين . والثالث : إن وجد غير المسكين ، لم يجز الصرف إليه، وإلا أجزأ إعادة الصرف إليه . الثامنة : اختلف في قدر الإطعام لكل مسكين ؛ فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الواجب ستون صاعاً من تمر ، أو ذرة ، أو شعير، أو نصف صاع من بر. ٥١٤ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر وذهب الشافعي إلى أن الواجب لكل مسكين مدّ - والمدّ ربع الصاع -، واستدل بقوله في حديث الباب: ((أطعم عرقاً من تمر ستين مسكيناً))، والعرق: مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً من تمر ، ولأنه أكثر الروايات في حديث سلمة . هذا، واستدل الأوّلون بأنه ورد في رواية عبد الرزاق: ((اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق ، فقل له فليدفعها إليك ، فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً)). قالوا: والوسق : ستون صاعاً، وفي رواية لأبي داود والترمذي: ((فأطعم وسقاً من تمر ستين مسكيناً))، وجاء في تفسير العرق : أنه ستون صاعاً . وفي رواية لأبي داود : أن العرق مكتل يسع ثلاثين صاعاً؛ قال أبو داود : وهذا أصح الحديثين . ولما اختلف في تفسير العرق على ثلاثة أقوال ، واضطربت الروايات فيه ؛ جنح الشافعي إلى الترجيح بالكثرة . وأكثر الروايات خمسة عشر صاعاً . وقال الخطابي في ((معالم السنن)): العرق : السفيفة التي من الخوص ؛ فيتخذ منها المكاتل ؛ قال : وجاء تفسيره أنه ستون صاعاً ، وفي رواية لأبي داود : يسع ثلاثين صاعاً ، وفي رواية سلمة : يسع خمسة عشر صاعاً؛ فذكر أن العرق يختلف في السعة والضيق . قال : فذهب الشافعي إلى رواية الخمسة عشر صاعاً . قلت : يؤيد قوله ، أن الأصل براءة الذمة عن الزائد ؛ وهو وجه الترجيح . التاسعة : في الحديث دليل على أن الكفارة لا تسقط جميع أنواعها بالعجز؛ وفيه خلاف . ٥١٥ ١٠٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر فذهب الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد إلى عدم سقوطها بالعجز؛ لما في حديث أبي داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت : ظاهر مني زوجي أوس ابن الصامت ... إلى أن قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يعتق رقبة))، قالت: لا يجد ، قال: ((يصوم شهرين متتابعين)) ، قالت : إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: ((يطعم ستين مسكينا))، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به ، قال: ((فإني سأعينه بعرق))، الحديث . فلو كان يسقط عنه بالعجز لأ بانه صلی الله عليه وآله وسلم ، ولم یعنه من عنده . وذهب أحمد في رواية ، وطائفة إلى سقوطها بالعجز، كما تسقط الواجبات بالعجز عنها ، وعن أبدالها . وقيل : إنها تسقط كفارة الوطء في رمضان بالعجز عنها ؛ لا غيرها من الكفارات . قالوا: لأن النبي ◌َ ي أمر المجامع في نهار رمضان أن يأكل الكفارة هو وعياله ، والرجل لا يكون مصرفاً لكفارته . وقال الأولون: إنَّما حَلت له ؛ لأنه إذا عجز وكفّر عنه الغير ، جاز أن يصرفها إليه ، وهو مذهب أحمد في كفارة الوطء في رمضان ، وله في غيرها من الكفارات قولان ، وهو نظير ما قالته الهادوية من أنه يجوز للإمام إذا قبض الزكاة من شخص ، أن يردّها إليه . العاشرة : قال الخطابي : دل الحديث على أن الظهار المقيد كالظهار المطلق ؛ وهو إذا ظاهر من امرأته إلى مدة ، ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة . ٥١٦ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر واختلفوا فيه إذا برّ ، ولم يحنث ؛ فقال مالك وابن أبي ليلى : إذا قال لا مرأته أنت عليَّ كظهر أمي إلى الليل ، لزمته الكفارة ، وإن لم يقربها . وقال أكثر أهل العلم : لا شيء عليه إذا لم يقربها ، وجعل الشافعي في الظهار المؤقت قولين : أحدهما أنه ليس بظهار . فائدة : قد يتوهم أن سبب نزول آية الظهار حديث سلمة هذا؛ لاتفاق الحكمين في الآية والحديث ، وليس كذلك ؛ بل سبب نزولها قصة أوس بن الصامت ؛ ذكره ابن كثير في ((الإرشاد)) من حديث خويلة بنت ثعلبة قالت : فيّ والله وفي أوس أنزل الله سورة المجادلة . قالت : كنت عنده ، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه ، وقد ضجر ، قالت : فدخل عليَّ يوماً فراجعته بشيء فغضب ، فقال : أنت عليَّ كظهر أمي ، قالت : ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ، ثم دخل عليّ؛ فإذا هو يريدني عن نفسي ، قالت : قلت : كلا والذي نفس خويلة بيده ، لا تخلص إليَّ، وقد قلت ما قلت . فحكم الله ورسوله فيهما ... الحديث . رواه الإمام أحمد وأبو داود ، وإسناده مشهور . وأخذ منه أنه إذا قصد بلفظ الظهار الطلاق ، لم يقع الطلاق ، وكان ظهاراً، وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي وغيرهما . قال الشافعي : ولو ظاهر يريد به طلاقاً، كان ظهاراً ، ولو طلق يريد ظهاراً ، كان طلاقاً . وقال أحمد : إذا قال : أنت عليَّ كظهر أمي ، وعنى به الطلاق ، كان ظهاراً ، ٥١٧ ١٠ - كتاب الرجعة ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر ولا تطلق . وعلله ابن القيم بأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية ؛ فنسخ ، فلم يجز أن يعاد إلى الأمر المنسوخ . وأيضاً؛ فأوس إنما نوى به الطلاق لما كان عليه ، فأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق . وأيضاً؛ فإنه صريح في حكمه ؛ فلم يجز في جعله كناية في الحكم الذي أبطل الله شرعه ، وقضاء الله أحق وحكمه أوجب . ٥١٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٢٩ - حديث ابن عمر ٢ - باب اللَّعان هو مأخوذ من اللعن ؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، ويقال فيه : اللعان والالتعان والملاعنة . واختلف في وجوبه على الزوج، فقال في ((الشفاء)) للأمير الحسين : يجب إذا كان ثمة ولد ، وعلم أنه لم يقربها . وفي ((المهذب)) و ((الانتصار)): أنه مع غلبة الظن بالزنا من المرأة ، أو العلم ، يجوز ، ولا يجب ، ومع عدم الظن ، يحرم . ١٠٢٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَأَلَ فُلانٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ! أَرَأَيْتَ أنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُّنَا امْرَأَتَهُ عَلى فَاحِشَةٍ ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلِّمَ تَكَلّمَ ، بِأَمْرٍ عَظيم ، وإِن سَكَتَ ، سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذلِكَ؟ فَلَمْ يُجِبُهُ . فلما كانَ بَعْدَ ذلكَ، أَتَاهَ فَقَالَ: إِنَّ الذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِتُ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآياتِ في سُورَةِ النورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكّرَهُ ، وأخْبَرْهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرَةِ ، قَالَ : لا ، والذي بَعَثَك بالْحَقِّ ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثم دَعَاهَا فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ ، قَالَتْ: لا، وَالّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ، إنّهُ لَكَاذِبٌ؛ فَبَدَأُ بِالرَّجُلِ فشهد أَرْبَعَ شَهَاداتٍ بِاللهِ ، ثم ثَنّى بِالْمَرْأَةِ، ثم فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: سَأَلَ فلانٌ) : هو عويمر العجلاني ، كما في أكثر الروايات (فقال: يا رسول الله ! أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة ، کیف یصنع؟ إن تكلم ، تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت ، سكت على ٥١٩ ١٠ - كتاب الرجعة ٢ - باب اللعان ١٠٢٩ - حديث ابن عمر مثل ذلك؟) : أي : على أمر عظيم (فلم يجبه . فلما كان بعد ذلك ، أتاه فقال : إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به ، فأنزل الله الآيات في سورة النور): والأكثر في الروايات أن سبب نزول الآيات قصة هلال بن أمية وزوجته ، وكانت متقدّمة على قصة عويمر ، وإنما تلاها صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن حكمها عامّ للأمة (فتلاهنَّ عليه وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ) : عطف تفسير؛ إذ الوعظ هو التذكير (وَأَخْبَرَهُ أنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخِرَةِ) : الموعود به في قولِهِ : ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور: ٢٣] (قال: لا، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْها ، ثم دعاها فَوَعَظَهَا كذلك ، قالت: لا ، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ، إنهُ لَكَاذِبٌ ؛ فَبَدَّأَ بالرَّجُلِ فَشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ بِالله ، ثم ثَنِی بالمرأة ، ثم فَرَّقَ بَيْنَهُما . رواه مسلم) . في الحديث مسائل : الأولى: قوله: فلم يجبه، ووقع عند أبي داود: فكره مَلُ المسائل وعابها. قال الخطابي : يريد المسألة عما لا حاجة بالسائل إليه . وقال الشافعي : كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعة ؛ لئلا ينزل في ذلك ما يوقعهم في مشقة وتعنت ، كما قال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ [المائدة: ١٠١]. وفي الحديث الصحيح: ((أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته)). وقال الخطابي : قد وجدنا المسألة في كتاب الله على وجهين : ٥٢٠