النص المفهرس
صفحات 481-500
٩٠ - كتاب الطلاق
١٠١٥ - حديث ابن عباس
واختلف في طلاق المكره ؛ فعند الجماهير: لا يقع .
ويروى عن النخعي ، وبه قالت الحنفية : أنه يقع . واستدل الجمهور بقوله
تعالى : ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦].
وقال عطاء : الشرك أعظم من الطلاق ، وقرر الشافعي الاستدلال بأن الله
تعالى لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإكراه ، وأسقط عنه أحكام الكفر ،
كذلك سقط عن المكره ما دون الكفر ؛ لأن الأعظم إذا سقط ، سقط ما هو دونه
بطريق الأولى .
١٠١٥ - وعَنِ ابنِ عَبّاس رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، لَيْسَ
بشيءٍ ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ في رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
رَوَاهُ البُخَارِيُّ ، ولُسْلِم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ : إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ عليهِ امْرَأَتَهُ ، فَهُوَ يمينٌ
يكَفِّرُهَا .
(وعَنِ ابنِ عَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، لَيْسَ
بشيءٍ ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ،
ولُسْلمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ عليه امْرَأَتَهُ ، فَهُوَ يِمِينٌ يَكَفِّرُهَا) :
الحديث موقوف ، وفيه دليل على أن تحريم الزوجة لا يكون طلاقاً ، وإن كان
يلزم فيه كفارة يمين ، كما دلت له رواية مسلم ؛ فمراده ليس بشيء : ليس بطلاق ،
لا أنه لا حكم له أصلاً. وقد أخرج عنه البخاري هذا الحديث بلفظ: إذا حرم
الرجل امرأته ، فإنما هي يمين يكفرها ؛ فدل على أنه المراد بقوله : ليس بشيء وأنه
ليس بطلاق .
٤٨١
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٥ - حديث ابن عباس
ويحتمل أنه أراد لا يلزم فيه شيء ، وتكون رواية أنه يمين رواية أخرى ؛ فيكون
له قولان في المسألة .
والمسألة اختلف فيها السلف من الصحابة والتابعين ، والخلف من الأئمة
المجتهدين ، حتى بلغت الأقوال إلى ثلاثة عشر قولاً أصولاً ، وتفرعت إلى
عشرين مذهباً!
الأول : أنه لغولا حكم له في شيء من الأشياء ، وهو قول جماعة من
السلف ، وقول الظاهرية ، والحجة على ذلك : أن التحريم والتحليل إلى الله
تعالى ، كما قال تعالى : ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال
وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦]، وقد قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لم تحرم
ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا
طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧].
قالوا : ولأنه لا فرق بين تحليل الحرام وتحريم الحلال ، فلما كان الأول باطلاً ،
فليكن الثاني باطلاً .
ثم قوله : هي حرام إن أراد به الإنشاء ، فإنشاء التحريم ليس إليه ، وإن أراد به
الإخبار ، فهو كذب .
قالوا : ونظرنا إلى ما سوى هذا القول - يعني : من الأقوال التي هي في
المسألة - فوجدناها أقوالاً مضطربة لا برهان عليها من الله ، فيتعين القول بهذا .
وهذا القول يدل عليه حديث ابن عباس ، وتلاوته لقوله تعالى: ﴿لقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإنه دال على أنه لا يحرم
٤٨٢
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٥ ۔ حدیث ابن عباس
بالتحريم ما حرمه على نفسه ؛ فإن الله تعالى أنكر على رسوله تحريم ما أحل الله
له ، وظاهره أنها لا تلزم الكفارة .
وأما قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]، فإنها
كفارة حلفه صلى الله عليه وآله وسلم كما أخرجه الطبري بسند صحيح عن
زيد بن أسلم التابعي المشهور قال: أصاب رسول الله عَليه أم إبراهيم ولده في
بيت بعض نسائه ، فقالت : يا رسول الله! في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها
عليه حراماً ، فقالت: يا رسول الله ! كيف تحرّم الحلال؟ فحلف بالله لا
يصيبها ؛ فنزلت .
هذا أحد القولين فيما حرّمه ◌َّةٍ وسيأتي القول الآخر في تحريم إيلائه صلى
الله عليه وآله وسلم .
والحديث وإن كان مرسلاً ، فقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس رضي
الله عنه: أن النبي ﴿﴿ كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى
حرمها ، فأنزل الله : ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ وهذا أصح طرق سبب النزول ،
والمرسل عن زيد قد شهد له هذا، فالكفارة لليمين لا مجرّد التحريم .
وقد فهم هذا زيد بن أسلم ، فقال بعد روايته القصة : يقول الرجل لامرأته :
أنت عليّ حرام؛ لغو ، وإنما يلزمه كفارة يمين إن حلف . وحينئذ فالأسوة برسول
الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلغاء التحريم والتكفير إن حلف ، وهذا القول
أقرب الأقوال المذكورة وأرجحها عندي ، فلم أسرد شيئاً منها .
٤٨٣
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٦ - حديث عائشة
١٠١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي اللهُ عَنْهَا: أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلى
رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ودَنَا مِنْهَا، قالتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ ! قَالَ
لها: (لَقَدْ عُذْتِ بعَظِيم! الْحَقِي بِأَهْلِكِ)) . رَوَاهُ البُخاريُّ .
(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ودَنَا مِنْهَا، قالتْ: أَعُوذُ بالله منْكَ! قَالَ لها: (لَقَدْ
عُذْتِ بعَظِيم! الْحَقِي بِأَهْلِكِ)) . رَوَاهُ البُخاريُّ) .
اختلف في اسم ابنة الجون المذكورة اختلافاً كثيراً ، ونفع تعيينها قليل ، فلا
نشتغل بنقله .
أخرج ابن سعد من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال : قدم النعمان بن
أبي الجون الكندي على رسول الله تَ ﴿ فقال: يا رسول الله! أزوجك أجمل أَيْم
في العرب، كانت تحت ابن عم لها فتوفي ، وقد رغبت فيك؟ قال: ((نعم))،
قال : فابعث من يحملها إليك ، فبعث معه أبا أسيد الساعدي ، قال أبو أسيد :
فأقمت ثلاثة أيام ، ثم تحملت بها معي في محفة ، فأقبلت بها حتى قدمت
المدينة ، فأنزلتها في بني ساعدة ، ووجهت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وهو في بني عمرو بن عوف ؛ فأخبرته الحديث .
قال ابن أبي عون : وكان ذلك في ربيع الأول سنة سبع ، ثم أخرج ذلك من
طريقين .
وفي تمام القصة قيل لها : استعيذي منه ؛ فإنه أحظى لك عنده ، وخدعت ؛
٤٨٤
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٦ - حديث عائشة
لما رئي من جمالها ، وذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حملها على
ما قالت .
قال : ((إنهن صواحب يوسف وكيدهن)).
والحديث دليل على أن قول الرجل لامرأته : الحقي بأهلك ، طلاق ؛ لأنه لم
يرو أنه زاد غير ذلك ، فيكون كناية طلاق ؛ إذا أريد به الطلاق ، كان طلاقاً . قال
البيهقي : زاد ابن أبي ذئب عن الزهري: ((الحقي بأهلك))؛ جعلها تطليقة .
ويدل على أنه كناية طلاق أنه قد جاء في قصة كعب بن مالك : أنه لما قيل
له : اعتزل امرأتك قال : الحقي بأهلك ، فكوني عندهم . ولم يرد الطلاق ، فلم
تطلق ، وإلى هذا ذهب الفقهاء الأربعة وغيرهم .
وقالت الظاهرية : لا يقع الطلاق بالحقي بأهلك .
قالوا : والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن قد عقد بابنة الجون ، وإنما أرسل
إليها ليخطبها ؛ إذ الروايات قد اختلفت في قصتها ، ويدل على أنه لم يكن عقد
بها ما في ((صحيح البخاري)) أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((هبي لي نفسك))،
قالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى ليضع يده عليها ؛ لتسكن ،
فقالت : أعوذ بالله منك ! قالوا : فطلب الهبة دال على أنه لم يكن عقد بها .
ويبعد ما قالوه قوله : ليضع يده ، ورواية : فلما دخل عليها ؛ فإن ذلك إنما
يكون مع الزوجة .
وأما قوله : ((هبي لي نفسك)) فإنه قاله ؛ تطييباً لخاطرها، واستمالة لقلبها ،
ويؤيده ما سلف من رواية : أنها رغبت فيك .
٤٨٥
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٧ و١٠١٨ - حديثا جابر والمسور بن مخرمة
وقد روي اتفاقه مع أبيها على مقدار صداقها ، وهذه وإن لم تكن صرائح في
العقد بها ، إلا أنه أقرب الاحتمالين .
١٠١٧ - وَعَنْ جابر رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ : ((لا طَلَاقَ إلا بَعْدَ نِكاح، ولا عِثْقَ إلا بَعْدَ مِلْكِ)). رَوَاهُ أَبو يَعْلى،
وصَحّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَهُوَ مَعْلُولٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((لا طَلَاقَ إلا بَعْدَ نكاح، ولا عْقَ إلا بَعْدَ مِلْك)). رواه أبو يعلى، وصححه
الحاكم) : وقال : أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه؟! لقد صح على
شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر .
انتهى . (وهو معلول) : بما قاله الدارقطني : الصحيح مرسل ليس فيه جابر .
قال يحيى بن معين: لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا طلاق
قبل نكاح)» .
وقال ابن عبد البر: روي من وجوه إلا أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة .
انتھی .
ولکنه یشهد له قوله :
١٠١٨ - وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَة مِثْلَهُ؛ وإسْنَادُهُ حَسَنٌ ،
لكنّهُ مَعْلُولٌ أَيْضاً .
(وأخرج ابن ماجه عن المسور) : بكسر الميم وسكون السين المهملة ، وفتح
الواو فراء (ابن مَخْرَمة) : بفتح الميم فخاء معجمة ساكنة (مثله ؛ وإسناده
٤٨٦
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٨ - حديث المسور بن مخرمة
حسن ، لكنه معلول أيضاً) : لأنه اختلف فيه على الزهري .
قال علي بن الحسين بن واقد : عن هشام عن سعيد عن الزهري عن عروة
عن المسور .
وقال حماد بن خالد : عن هشام عن سعيد عن الزهري عن عروة عن عائشة ،
وعن أبي بكر ، وعن أبي هريرة وأبي موسى الأشعري ، وأبي سعيد الخدري ،
وعمران بن حصين وغيرهم ، ذكرها البيهقي في ((الخلافيات)).
وقال البيهقي : أصح حديث فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده ، قال الترمذي : هو أحسن شيء روي في هذا الباب .
ولفظه عند أصحاب ((السنن)): ((ليس على رجل طلاق فيما لا يملك)) الحديث.
قال البيهقي : قال البخاري : أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده ، ويأتي .
وحديث الزهري عن عائشة ، وعن علي ؛ ومداره على جويبر عن الضحاك
عن النزال بن سبرة عن علي ، وجويبر متروك .
ثم قال البيهقي : ورواه ابن ماجه بإسناد حسن .
والحديث دليل على أنه لا يقع الطلاق على المرأة الأجنبية ؛ فإن كان تنجيزاً
فإجماع ، وإن كان تعليقاً بالنكاح - كأن يقول : إن نكحت فلانة ، فهي طالق -،
ففيه ثلاثة أقوال :
الأول : أنه لا يقع مطلقاً ، وهو قول الهادوية والشافعية وأحمد وداود وآخرين ،
ورواه البخاري عن اثنين وعشرين صحابياً .
٤٨٧
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٨ - حديث المسور بن مخرمة
ودليل هذا القول حديث الباب ، وإن كان فيه مقال من قبل الإسناد ، فهو
متأيد بكثرة الطرق ، وما أحسن ما قال ابن عباس : قال الله تعالى : ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يقل : إذا
طلقتموهن ثم نكحتموهن ، وبأنه إذا قال المطلق : إن تزوجت فلانة ، هي طالق ،
مطلق الأجنبية ؛ فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية ، والمتجدد هو نكاحها ، فهو
كما لو قال الأجنبية : إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وهي زوجته ، لم
تطلق إجماعاً .
وذهب أبو حنيفة - وهو أحد قولَيْ المؤيد بالله -؛ إلى أنه يصح التطليق مطلقاً .
وذهب مالك وآخرون إلى التفصيل ، فقالوا : إن خَصَّ بأن يقول : كلُّ امرأةٍ
أتزوجُها من بني فلان أو من بلد كذا ، فهي طالق ، أو قال : في وقت كذا ، وقع
الطلاق .
وإن عمم ، وقال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق لم يقع شيء .
وقال في ((نهاية المجتهد)»: سبب الخلاف ؛ هل من شرط وقوع الطلاق وجود
الملك متقدماً على الطلاق بالزمان ، أو ليس من شرطه؟ فمن قال : هو من شرطه ،
قال : لا يتعلق الطلاق بالأجنبية ، ومن قال: ليس من شرطه إلا وجود الملك
فقط ، قال : يقع .
قلت : دعوى الشرطية تحتاج إلى دليل ، ومن لم يدعها فالأصل معه .
ثم قال : وأما الفرق بين التخصيص والتعميم ، فاستحسان مبني على
المصلحة ، وذلك إذا وقع فيه التعميم ، فلو قلنا بوقوعه ، امتنع منه التزويج ، فلم
٤٨٨
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٨ - حديث المسور بن مخرمة
يجد سبيلاً إلى النكاح الحلال ، فكان من باب النذر بالمعصية ، وأما إذ خصص
فلا يمتنع منه ذلك . ا. هـ.
قلت : سبق الجواب عن هذا بعدم الدليل على الشرطية .
هذا والخلاف في العتق مثل الخلاف في الطلاق ؛ فيصح عند أبي حنيفة
وأصحابه وعند أحمد في أصح قوليه ، وعليه أصحابه ومنهم ابن القيم ؛ فإنه
فرق بين الطلاق والعتاق ، فأبطله في الأول وقال به في الثاني ، مستدلاً على
الثاني بأن العتق له قوة وسراية ؛ فإنه يسري إلى ملك الغير .
ولأنه يصح أن يجعل الملك سبباً للعتق ، كما لو اشترى عبداً ليعتقه عن
كفارة أو نذر، أو اشتراه بشرط العتق .
ولأن العتق من باب القرب والطاعات ، وهو يصح النذر به ، وإن لم يكن
حال النذر به مملوكاً ، كقولك : لئن آتاني الله من فضله ، لأصدقنّ بكذا وكذا ،
ذكره في ((الهدي النبوي)).
قلت : ولا يخفى ما فيه ؛ فإن السراية إلى ملك الغير تفرعت من إعتاقه لما
يملكه من الشقص ؛ فحكم الشارع بالسراية ، لعدم تبعض العتق ، وأما قوله : ولأنه
يصح أن يجعل الملك سبباً للعتق ، كما لو اشترى عبداً؛ ليعتقه ، فيجاب عنه بأنه
لا يعتق هذا الذي اشتراه إلا بإعتاقه كما قال ليعتقه ، وهذا عتق لما يملكه .
وأما قوله : إنه يصح النذر ، ومثّله بقوله: لئن آتاني الله من فضله ، فهذه فيها
خلاف؛ ودليل المخالف أنه قد قال عَراي: ((لا نذر فيما لا يملك ابن آدم))، كما
يفيده قوله :
٤٨٩
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٩ و١٠٢٠ - حديثا ابن عمرو وعائشة
١٠١٩ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي اللهُ عَنْهُ قالَ : قالَ
رسولُ الله ◌َاءِ: ((لا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فيما لا يَمْلِكُ، وَلا عِثْقَ لَهُ فِيمَا لا يَمْلكُ،
ولا طَلَاقَ لَهُ فيما لا يُمْلِكُ)). أَخْرَجَهُ أَبُو داودَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ، وَنُقِلَ
عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنْهُ أَصَحُ مَا وَرَدَ فيه .
(وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي اللهُ عَنْهُ قالَ : قالَ رسولُ
الله ◌َيَّةِ: ((لا نَذْرَ لابْنِ أَدَمَ فيما لا يَمْلِكُ، وَلا عِثْقَ لَهُ فِيمَا لا يَمْلِكُ ، ولا
طَلَاقَ لَهُ فيما لا يْلِكُ)). أَخْرَجَهُ أَبُو داودَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ، وَنُقِلَ عَنِ
الْبُخَارِيِّ أَنّهُ أَصَحُ مَا وَرَدَ فيه) .
تقدم الكلام في ذلك مستوفى .
١٠٢٠ - وَعَنْ عَائشَةَ رضي الله عَنْهَا عَنِ النّبِيَِ هُ: («رُفعَ الْقَلَمُ عَنْ
ثَلاثَةِ: عن النّائم حتى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الصَّغير حَتى يَكْبُرَ ، وَعَن المجنون
حتى يَعْقِلَ أَوْ يُفيقَ)). رَوَاهُ أَحَمدُ والأَرْبَعَةُ إلا الترمذيَّ، وصحّحَهُ الحاكمُ،
وأَخْرَجَهُ ابنُ حِبّانَ .
(وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ◌َ ﴾: ((رُفع الْقَلَمُ): أي ليس
يجري أصالة ؛ لا أنه رفع بعد وضع .
والمراد برفع القلم : عدم المؤاخذة ، لا قلم الثواب ، فلا ينافيه صحة إسلام
الصبي المميز، كما ثبت في غلام اليهودي الذي كان يخدم النبي ◌َ ا ، فعرض
عليه النبي :{ 8 الإسلام، فأسلم ، فقال: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار)).
٤٩٠
٩ - كتاب الطلاق
١٠٢٠ - حديث عائشة
وكذلك ثبت : أن امرأة رفعت إليه صلى الله عليه وآله وسلم صبياً فقالت :
ألهذا حج؟ فقال: ((نعم، ولك أجر)). ونحو هذا كثير في الأحاديث .
((عَنْ ثَلاثةٍ: عَنِ النّائِمِ حَتى يَسْتَبْقِظَ، وعَنِ الصّغير حَتى يَكْبُرَ ، وعَنِ
الْمَجْنونِ حَتى يَعْقِلَ أوْ يُفِيق)». رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصححه
الحاكم ، وأخرجه ابن حبان) :
الحديث فيه كلام كثير لأئمة الحديث ، وفيه دليل على أن الثلاثة لا يتعلق
بهم تكليف ؛ وهو في النائم المستغرق إجماع ، والصغير الذي لا تمييز له ، وفيه
خلاف إذا عقل وميّز .
والحديث جعل غاية رفع القلم عنه إلى أن يكبر ، فقيل : إلى أن يطيق
الصيام ويحصي الصلاة ؛ وهذا لأحمد .
وقيل : إذا بلغ اثنتي عشرة سنة ، وقيل : إذا ناهز الاحتلام ، وقيل : إذا بلغ ؛
والبلوغ يكون بالاحتلام في حق الذكر مع إنزال المني إجماعاً ، وفي حق الأنثى
عند الهادوية ، وبلوغ خمس عشرة سنة ، وإنبات الشعر الأسود المتجعد في
العانة ، بعد تسع سنين ، عند الهادوية ، وكذلك الإمناء في حال اليقظة إذا كان
لشهوة ؛ وفي الكل خلاف معروف .
وأما المجنون ؛ فالمراد به زائل العقل ؛ فيدخل فيه السكران والطفل ، كما يدخل
المجنون .
وقد اختلف في طلاق السكران على قولين :
٤٩١
٩ - كتاب الطلاق
١٠٢٠ - حديث عائشة
الأول : أنه لا يقع ، وإليه ذهب عثمان وجابر وزيد و عمر بن عبد العزيز،
وجماعة من السلف ، وهو مذهب أحمد ، وأهل الظاهر ؛ لهذا الحديث ، ولقوله
تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء:
٤٣]، فجعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول وبأنه غير مكلف ؛
لانعقاد الإجماع على أن من شرط التكليف العقل ، ومن لا يعقل ما يقول ،
فليس بمكلف ، أو بأنه كان يلزم أن يقع طلاقه إذا كان مكرهاً على شربها ، أو غير
عالم بأنها خمر ، ولا يقوله المخالف .
الثاني : وقوع طلاق السكران ، ويروى عن علي وابن عباس ، وجماعة من
الصحابة ، وعن الهادي وأبي حنيفة والشافعي ومالك؛ واحتج لهم بقوله
تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فإنه نهي لهم عن
قربانها حال السكر .
والنهي يقتضي أنهم مكلفون حال سكرهم، والمكلف يصح منه الإنشاءات .
وبأن إيقاع الطلاق عقوبه له .
وبأن ترتيب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها ، فلا يؤثر
فيه السكر .
وبأن الصحابة أقاموه مقام الصاحي في كلامه ؛ فإنهم قالوا : إذا شرب ،
سكر، وإذا سكر ، هذى ، فإذا هذى ، افترى ؛ وحد المفتري ثمانون .
وبأنه أخرج سعيد بن منصور عنه ﴿: ((لا قيلولة في الطلاق».
٤٩٢
٩ - كتاب الطلاق
١٠٢٠ - حديث عائشة
وأجيب بأن الآية خطاب لهم حال صحوهم ، ونهْيٌ لهم قبل سكرهم أن
يقربوا الصلاة حالة أنهم لا يعلمون ما يقولون ، فهي دليل لنا كما سلف .
وبأن جعل الطلاق عقوبة يحتاج إلى دليل على المعاقبة للسكران بفراق
أهله ؛ فإن الله لم يجعل عقوبته إلا الحدّ .
وبأن ترتيب الطلاق على التطليق محل النزاع .
وقد قال أحمد والبتّي : إنه لا يلزمه عقد ولا بيع ولا غيره .
على أنه يلزمهم القول بترتيب الطلاق على التطليق ، صحة طلاق المجنون
والنائم والسكران غير العاصي بسكره والصبي .
وبأن ما نقل عن الصحابة بأنهم قالوا: إذا شرب ... إلى آخره ؛ فقال ابن
حزم : إنه خبر مكذوب باطل متناقض ؛ فإن فيه إيجاب الحد على من هذى ؛
والهادي لا حد علیه !
وبأن حديث : ((لا قيلولة في طلاق)) خبر غير صحيح ، وإن صح ، فالمراد طلاق
المكلف العاقل ، دون من لا يعقل ؛ لهم أدلة غير هذه لا تنهض على المدعي .
٤٩٣
-
.
.
.
.
١٠ - كتاب الرجعة
١٠٢١ - عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْن رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنّهُ سُئِلَ عَن الرَّجُل
يُطَلَّقُ، ثم يُرَاجِعُ ، ولا يُشْهِدُ؟ فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ هكَذَا مَوْقُوفاً ، وَسَنَدُهُ صحيحٌ .
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنِ سُئِلَ عَمَنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ ،
ولم يُشْهِدْ؟ فَقَالَ: في غَيْرِ سُنّة؟ فَلْيُشْهِد الآنَ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ في روَايَةٍ :
وَيَسْتَغْفِرِ اللهَ .
(عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ، ثم
يُرَاجِعُ ، ولا يُشْهِدُ؟ فَقَالَ : أَشْهِدْ عَلى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
هكَذَا مَوْقُوفاً، وَسَنَدُهُ صحيحٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ
حُصَيْنِ سُئِلَ عَمَنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ ، ولم يُشْهِدْ؟ فَقَالَ: في غَيْرِ سُنّةٍ؟ فَلْيُشْهِد
الآنَ، وَزَادَ الطَبَرَانيُّ في روَايَةٍ: وَيَسْتَغْفِرِ اللهَ) :
دل الحديث على شرعية الرجعة ، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وبعولتهن
أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد أجمع العلماء على أن الزوج يملك رجعة زوجته
في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة ، من غير اعتبار رضاها ورضا وليها ، إذا
كان الطلاق بعد المسيس ، وكان الحكم بصحة الرجعة مجمعاً عليه ، لا إذا كان
مختلفاً فيه .
والحديث دلّ على ما دلت عليه آية سورة الطلاق ، وهي قوله : ﴿وأشهدوا
ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق : ٢] ، بعد ذكره الطلاق .
٤٩٥
١٠ - كتاب الرجعة
١٠٢١ - حدیث عمران بن حصين
وظاهر الأمر وجوب الإشهاد ، وبه قال الشافعي في القديم ، وكأنه استقرّ
مذهبه على عدم وجوبه ؛ فإنه قال المرزعي في («تيسير البيان)):
وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز .
وأما الرجعة فيحتمل أنها تكون في معنى الطلاق ؛ لأنها قرينته ؛ فلا يجب
فيها الإشهاد ؛ لأنها حق للزوج ، ولا يجب عليه الإشهاد على قبضه ، ويحتمل
أن يجب الإشهاد؛ وهو ظاهر الخطاب . انتهى .
والحديث يحتمل أنه قاله عمران اجتهاداً؛ إذْ للاجتهاد فيه مسرح .
إلا أن قوله : راجع في غير سنة ؛ قد يقال : إن السنة إذا أطلقت في لسان
الصحابي يراد بها سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيكون مرفوعاً ، إلا أنه
لا يدل على الإيجاب ؛ لتردّد كونه من سنته صلى الله عليه وآله وسلم بين
الإيجاب والندب ، والإشهاد على الرجعة ظاهر إذا كانت بالقول الصريح .
واتفقوا على الرجعة بالقول ، واختلفوا إذا كانت الرجعة بالفعل ، فقال
الشافعي والإمام يحيى: إن الفعل محرم؛ فلا تحل به ، ولأنه تعالى ذكر
الإشهاد ، ولا إشهاد إلا على القول .
وأجيب: بأنه لا إثم عليه ؛ لأنه تعالى قال: ﴿إلا على أزواجهم﴾ [المؤمنون: ٦]
وهي زوجة ، والإشهاد غير واجب كما سلف .
وقال الجمهور: يصح بالفعل ، واختلفوا هل من شرط الفعل النية؟ .
فقال مالك : لا يصح بالفعل إلا مع النية ؛ كأنه يقول ؛ لعموم : الأعمال
بالنيات .
٤٩٦
١٠ - كتاب الرجعة
١٠٢١ - حديث عمران بن حصين
وقال الجمهور: يصح ؛ لأنها زوجة شرعاً داخلة تحت قوله : ﴿إلا على
أزواجهم﴾، ولا يشترط النية في لمس الزوجة وتقبيلها وغيرهما إجماعاً .
واختلف هل يجب عليه إعلامها بأنه قد راجعها ؛ لئلا تتزوج غيره؟ فذهب
الجمهور من العلماء أنه يجب عليه ، وقيل: لا يجب ، وتفرع من الخلاف لو
تزوّجت قبل علمها بأنه راجعها ، فقال الأولون : النكاح باطل ، وهي لزوجها
الذي ارتجعها ، واستدلوا بإجماع العلماء على أن الرجعة صحيحة ، وإن لم تعلم
بها المرأة ، وبأنهم أجمعوا أن الزوج الأول أحق بها قبل أن تزوّج .
وعن مالك : أنها للثاني ؛ دخل بها ، أو لم يدخل ، واستدل بما رواه ابن
وهب عن يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنه قال : مضت السُّنة في
الذي يطلق امرأته ، ثم يراجعها، ثم يكتمها رجعتها ، فتحل ، فتنكح زوجاً
غيره ؛ أنه ليس له من أمرها شيء ، ولكنها لمن تزوّجها .
إلا أنه قيل : إنه لم يرو هذا إلا عن ابن شهاب فقط - وهو الزهري -؛ فيكون
من قوله ، وليس بحجة .
ويشهد لكلام الجمهور حديث الترمذي ، عن سمرة بن جندب : أنه صلى
الله عليه وآله وسلم قال: ((أيما امرأة تزوّجها اثنان، فهي للأول منهما))؛ فإنّه
صادق على هذه الصورة .
واعلم أنه قال تعالى : ﴿وبُعُولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً﴾
[البقرة: ٢٢٨]؛ أي: أحق بردّهن في العدّة، بشرط أن يريد الزوج بردّها الإصلاح،
وهو حُسن العشرة والقيام بحقوق الزوجية .
٤٩٧
١٠٦ - كتاب الرجعة
١٠٢٢ - حديث ابن عمر
فإن أراد بالرجعة غير ذلك ، كمن يراجع زوجته ؛ ليطلقها ، كما يفعله
العامة ؛ فإنه يطلق ، ثم ينتقل من موضعه فيراجع ، ثم يطلق ؛ إرادة لبينونة
المرأة ، فهذه المراجعة لم يرد بها إصلاحاً ، ولا إقامة حدود الله فهي باطلة .
إذ الآية ظاهرة في أنه لا تباح له المراجعة ، ويكون أحق بردّ امرأته إلا بشرط
إرادة الإصلاح ، وأي إرادة إصلاح في مراجعتها ؛ ليطلقها؟!
ومن قال إن قوله: ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨] ليس بشرط للرجعة ،
فإنه قول مخالف لظاهر الآية بلا دليل .
١٠٢٢ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا أَنّهُ لَمّا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ النّبيُّ
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ لِعُمَرَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا أَنَّهُ لَمَا طَلْقَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ النّبيُّ صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ لِعُمَرَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
تقدم الكلام عليه بما يكفي من غير زيادة ..
٤٩٨
١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٣ - حديث عائشة
١ - باب الإيلاء والظِّهار والكفَّارة
الإيلاء لغة : الحلف ، وشرعاً: الامتناع باليمين من وطء الزوجة .
والظهار؛ بكسر الظاء مشتق من الظهر ، لقول القائل : أنتِ عليَّ كظهر أمي .
والكفارة : وهي من التكفير ؛ التغطية .
١٠٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: أَلَى رَسُولُ الله ◌َّهِ مِنْ نِسَائِهِ
وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلالاً، وَجَعَلَ لِلْيِمِينِ كَفّارَةً. رَوَاهُ التَّزْمِذِيُّ، وَرِجَالُّهُ
ثقَاتٌ .
(عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهَا قَالَتْ: أَلَى رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ،
فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلالاً، وَجَعَلَ لِلْيمينِ كَفّارَةً . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، ورجالُهُ ثِقَاتٌ) .
ورجح الترمذي إرساله على وصله .
الحديث دليل على جواز حلف الرجل من زوجته ، وليس فيه تصريح
بالإيلاء المصطلح عليه في عرف الشرع ، وهو الحلف من وطء الزوجة .
واعلم أنها اختلفت الروايات في سبب إيلائه صلى الله عليه وآله وسلم ،
وفي الشيء الذي حرمه على روايات :
أحدها : أنه بسبب إفشاء حفصة للحديث الذي أسره إليها .
واختلف في الحديث الذي أسره إليها ، أخرجه البخاري عن ابن عباس عن
عمر في حديث طويل ، وأجمل في رواية البخاري هذه ، وفسر في رواية أخرجها
الشيخان بأنه تحريمه لمارية ، وأنه أسره إلى حفصة فأخبرت به عائشة .
٤٩٩
١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٣ - حديث عائشة
أو تحريمه للعسل .
وقيل : بل أسرَّ إلى حفصة أن أباها يلي أمر الأمّة بعد أبي بكر .
وقال : لا تخبري عائشة بتحريمي مارية .
وثانيها : السبب في إيلائه أن فرّق هدية جاءت له بين نسائه ، فلم ترض
زينب بنت جحش بنصيبها ، فزادها مرة أخرى ، فلم ترض ، فقالت عائشة : لقد
أَقْمَتْ وَجْهَكَ ؛ تردُّ عليكَ الهَديّة! فقال: ((لأنتن أهون على الله من أن
يغمني ، لا أدخل عليكنّ شهراً))، أخرجه ابن سعد عن عمرة عن عائشة،
ومن طريق الزهري عن عمرة عن عائشة نحوه ؛ وقال : ذبح ذبحاً .
ثالثها : أنه بسبب طلبهنّ النفقة ، أخرجه مسلم من حديث جابر .
فهذه أسباب ثلاثة :
إما لإفشاء بعض نسائه السر؛ وهي حفصة ، والسر أحد ثلاثة : إمّا تحريمه
مارية ، أو العسل ، أو بتحريج صدره من قبل ما فرَّقه بينهنّ من الهدية ، أو
تضييقهنّ في طلب النفقة .
قال المصنف : واللائق بمكارم أخلاقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وسعة صدره ، وكثرة صَفْحه ، أن يكون مجموع هذه الأشياء سبباً لاعتزالهنّ ..
وقولها : وحرم؛ أي : حرم مارية ، أو العسل . وليس فيه دليل على أن التحريم
للجماع ، حتّى يكون من باب الإيلاء الشرعي ؛ فلا وجه لجزم ابن بطال وغيره
أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم امتنع من جماع نسائه ذلك الشهر ، إن
٥٠٠