النص المفهرس
صفحات 461-480
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٧ - حديث ابن عمر
فإنه ◌َرةٍ مأمور بأن يأمرنا بإقامة الصلاة ، فنحن مأمورون من الله تعالى.
وابن عمر كذلك مأمور من النبي ◌َ ◌ّه ؛ فلا يتوهم أن هذه المسألة من باب
مسألة : هل الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء؟ .
وإنما تلك المسألة مثل قوله تعَ له: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع)). الحديث؛
لا مثل هذه .
وإذا عرفت أنه مأمور منه صلى الله عليه وآله وسلم بالمراجعة فهل الأمر
للوجوب ، فتجب الرجعة ؛ أم لا؟
ذهب إلى الأول مالك، وهو رواية عن أحمد ، وصحح صاحب ((الهداية))
من الحنفية وجوبها ، وهو قول داود ، ودليلهم الأمر بها .
قالوا : فإذا امتنع الرجل منها ، أدّبه الحاكم ، فإن أصر على الامتناع ، ارتجع
الحاكم عنه .
وذهب الجمهور إلى أنها مستحبة فقط ؛ قالوا : لأن ابتداء النكاح لا يجب ،
فاستدامته كذلك ، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب .
وأجيب بأن الطلاق لما كان محرماً في الحيض ، كانت استدامة النكاح فيه
واجبة .
وفي قوله : ((حتى تطهر، ثم تحيض ، ثم تطهر))، دليل على أنه لا يطلق إلا
في الطهر الثاني دون الأول .
وقد ذهب إلى تحريم الطلاق فيه مالك ، وهو الأصح عند الشافعية .
٤٦١
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٧ - حديث ابن عمر
وذهب أبو حنيفة إلى أن الانتظار إلى الطهر الثاني مندوب ، وكذا عن أحمد
مستدلين بقوله (وفي رواية لمسلم) أي عن ابن عمر (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ
لِيُطَلِّقْهَا طَاهراً أَوْ حَاملاً))) .
فأطلق الطهر ، ولأن التحريم إنما كان لأجل الحيض ، فإذا زال ، زال موجب
التحريم ؛ فجاز طلاقها في هذا، كما جاز في الذي بعده، وكما يجوز في الطهر
الذي لم يتقدمه طلاق في حيضة ، ولا يخفى قرب ما قالوه .
وفي قوله : ((قبل أن يمس))؛ دليل على أنه إذا طلّق في الطهر بعد المس،
فإنه طلاق بدعي محرّم ، وبه صرح الجمهور .
وقال بعض المالكية : إنه يجبر على الرجعة فيه ، كما إذا طلق وهي حائض .
وفي قوله : ((ثم تطهر)) وقوله: ((طاهراً)) خلاف للفقهاء ؛ هل المراد به انقطاع
الدم؟ أو لا بد من الغسل؟
فعن أحمد روايتان ، والراجح أنه لا بد من اعتبار الغسل ، لما مرَّ في رواية
النسائي : ((فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى ، فلا يمسها حتى يطلقها ، وإن
شاء أن يمسكها، أمسكها))، وهو مفسر لقوله: ((طاهراً)). وقوله: (ثم تطهر))
وقوله : ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)) أي : أذن في قوله:
﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وفي رواية مسلم: قال ابن عمر: وقرأ النبي
عَ ﴿يا أيها النبي﴾ الآية.
وفي الحديث دليل على أن الأقراء الأطهار؛ للأمر بطلاقها في الطهر؛
٤٦٢
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٧ - حديث ابن عمر
وقوله : ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي : وقت ابتداء عدتهن .
وفي قوله: ((أو حاملاً))؛ دليل على أن طلاق الحامل سني ، وإليه ذهب
الجمهور .
وإذا عرفت أن الطلاق البدعي منهي عنه محرم ، فقد اختلف فيه ؛ هل يقع
ويعتد به أم لا يقع؟ فقال الجمهور: يقع مستدلين بقوله في هذا الحديث (وفي
أُخرى) : أي: في رواية أخرى (للبخاري: ((وحُسِبَتْ تَطْلِيقَة))) : وهو بضم
الحاء المهملة ؛ مبني للمجهول من الحساب ، والمراد : جعلها واحدة ، من الثلاث
التطليقات التي يملكها الزوج .
ولكنه لم يصرح بالفاعل هنا ؛ فإن كان الفاعل ابن عمر ، فلا حجة فيه ،
وإن كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، فهو الحجة .
إلا أنه قد صرح بالفاعل في غير هذه الرواية ؛ كما في ((مسند ابن وهب))
بلفظ: وزاد ابن أبي ذئب في الحديث ، عن النبي بَ له: ((وهي واحدة))، وأخرجه
الدارقطني من حديث ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعاً، عن نافع ، عن ابن
١
عمر عن النبي :{ 9 قال: ((هي واحدة)).
وقد ورد أن الحاسب لها هو النبي تضي من طرق يقوّي بعضها بعضاً.
(وفي رواية لمسلم: قال ابن عمر) : أي : لما سأله سائل (أما أنت طلقتها
واحدة أو اثنتين؛ فإن رسول الله ◌َاءٍ أمرني أن أراجعها ثم أمسكها حتى
تحيض حيضة أخرى ، ثم أمهلها حتى تطهر ، ثم أطلقها قبل أن أمسّها ، وأما
٤٦٣
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٧ - حديث ابن عمر
أنت طلقتها ثلاثاً فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك) : دل
على تحريم الطلاق في الحيض .
وقد يدل له : ((أمرني أن أراجعها)) على وقوع الطلاق؛ إذ الرجعة فرع الوقوع ؛
وفيه بحث ، وخالف فيه طاوس والخوارج والروافض، وحكاه في ((البحر)) عن
الباقر والصادق والناصر ؛ قالوا : لا يقع شيء ، ونصر هذا القول ابن حزم ، ورجحه
ابن تيمية وابن القيم واستدلوا بقوله (وفي رواية أخرى) : أي : لمسلم عن ابن
عمر (قال عبد الله بن عمر: فردّها عليّ ولم يرها شيئاً ، وقال: ((إذا طهرت ،
فليطلق أو ليمسك))) .
ومثله في رواية أبي داود : فردها عليّ ولم يرها شيئاً ، وإسناده على شرط
((الصحیح)) .
إلا أنه قال ابن عبد البر في قوله : ولم يرها شيئاً؛ منكرٌ لم يقله غير أبي
الزبير ، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله ، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صح
لكان معناها والله أعلم: ولم يرها شيئاً مستقيماً؛ لكونها لم تقع على السنة .
وقال الخطابي : قال أهل الحديث : لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا!
ويحتمل أن معناه: لم يرها شيئاً تحرم معه المراجعة ، أو لم يرها شيئاً جائزاً فى
السنّة ، ماضياً في الاختيار، وإن كان لازماً له .
ونقل البيهقي في ((المعرفة)» عن الشافعي : أنه ذكر رواية أبي الزبير فقال :
نافع أثبت من أبي الزبير ، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا .
وقد وافق نافعاً غيره من أهل التثبت .
٤٦٤
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٧ - حديث ابن عمر
قال : وحمل قوله : ولم يرها شيئاً؛ على أنه لم يعدها شيئاً صواباً غير خطإ ،
بل يؤمر صاحبه ألا يقيم عليه ؛ لأنه أمره بالمراجعة ، ولو كان طلقها طاهراً لم
يؤمر بذلك .
فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه : إنه لم يصنع
شيئاً؛ أي : لم يصنع شيئاً صواباً .
وقد أطال ابن القيم الكلام على نصرة عدم الوقوع ، ولكن بعد ثبوت أنه
ية حسبها تطليقة تطيح كل عبارة، ويضيع كل صنيع. وقد كنا نفتي بعدم
الوقوع ، وكتبنا فيه رسالة وتوقفنا مدة ، ثم رأينا وقوعه .
تنبيه : ثم إنه قوي عندي ما كنت أفتي به أولاً من عدم الوقوع ؛ لأدلة قوية
سقتها في رسالة سميناها ((الدليل الشرعي في عدم وقوع الطلاق البدعي)»،
ومن الأدلة : أنه مسمى ومنسوب إلى البدعة ، وكل بدعة ضلالة والضلالة لا
تدخل في نفوذ حكم شرعي ، ولا يقع بها ، بل هي باطلة .
ولأن الرواة لحديث ابن عمر اتفقوا على أن المسند المرفوع في هذا الحديث
غير مذكور فيه أن النبي ◌َّهُ حسب تلك التطليقة على ابن عمر ، ولا قال له :
قد وقعت ، ولا رواه ابن عمر مرفوعاً .
بل في ((صحيح مسلم)) ما دل على أن وقوعها إنما هو رأي لابن عمر ، وأنه
سئل عن ذلك ، فقال : وما لي لا أعتد بها ، وإن كنت قد عجزت واستحمقت؟!
وهذا يدل على أنه لا يعلم في ذلك نصاً نبوياً؛ لأنه لو كان عنده لم يترك
٤٦٥
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٧ - حديث ابن عمر
روايته ويتعلق بهذه العلة العليلة ؛ فإن العجز والحمق لا مدخل لهما في صحة
الطلاق .
ولو كان عنده نص نبوي ، لقال : وما لي لا أعتد بها ، وقد أمرني رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم أن أعتد بها؟
وقد صرح الإمام الكبير محمد بن إبراهيم الوزير؛ بأنه قد اتفق الرواة على
عدم رفع الوقوع في الرواية إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم .
وقد ساق السيد محمد ست عشرة حجة على عدم وقوع الطلاق البدعي ،
ولخصناها في رسالتنا المذكورة ، وبعد هذا تعرف رجوعنا عما هنا فيلحق هذا في
نسخ «سبل السلام)) .
وأما الاستدلال على الوقوع بقوله : «فليراجعها))، ولا رجعة إلا بعد طلاق؛
فهو غير ناهض ؛ لأن الرجعة المقيدة بعد الطلاق عرف شرعي متأخر ، إذ هي
لغة أعم من ذلك .
ودل الحديث على تحريم الطلاق في الحيض ، وبأن الرجعة يستقل بها الزوج
من دون رضا المرأة والولي ؛ لأنه جعل ذلك إليه ، ولقوله تعالى : ﴿وبعولتهن
أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وبأن الحامل لا تحيض ، لقوله: ((طاهراً أو حاملاً)) فدل على أنها لا تحيض ؛
لإطلاق الطلاق فيه .
وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له أثر في تطويل العدّة ، لم يعتبر؛
٤٦٦
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٨ - حديث ابن عباس
قال الغزالي : ويستثنى من تحريم طلاق الحائض طلاق المخالعة ؛ لأن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل حال امرأة ثابت ؛ هل هي طاهرة أو
حائض مع أمره له بالطلاق .
والشافعي يذهب إلى أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ، ينزل منزلة
العموم في المقال .
١٠٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ : كان الطّلاقُ عَلى عَهْد
رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وآله وسلَّمَ ، وأَبِي بَكْرٍ ، وَسَنَّتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ
عُمَرَ ؛ طَلاقُ الثلاث واحدةً ، فقالَ عُمَرُ بن الخطّاب : إنَّ الناسَ قَد اسْتَعْجَلُوا
فِي أَمْر كانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ) : بفتح الهمزة؛ أي : مهملة (فلوْ أمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ .
فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: كان الطّلاقُ عَلى عَهْد رَسُول الله
صلَّى اللهُ تعالى عليه وآله وسلَّمَ ، وأَبِي بَكْرٍ ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةٍ عُمَرَ ؛ طَّلاقُ
الثلاث واحدةً ، فقالَ عُمَرُ بن الخطّاب: إنَّ الناسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْر
كانَتْ لَّهُمْ فِيهِ أَنَةٌ): بفتح الهمزة؛ أي : مهملة (فلوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ. فَأَمْضَاهُ
عَلَيْهِمْ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
الحديث ثابت من طرق عن ابن عباس .
وقد استشكل : أنه كيف يصح من عمر مخالفة ما كان في عصره صلى الله
عليه وآله وسلم ، ثم في عصر أبي بكر ، ثم في أول أيامه؟ وظاهر كلام ابن عباس
أنه كان الإجماع على ذلك ، وأجيب عنه بستة أجوبة :
٤٦٧
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٨ - حديث ابن عباس
الأول: أنه كان الحكم كذلك ثم نسخ في عصره تَرية ، فقد أخرج أبو داود
من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا طلق
امرأته فهو أحق برجعتها ، وإن طلقها ثلاثاً؛ فنسخ ذلك . اهـ .
إلا أنه لم يشتهر النسخ، فبقي الحكم المنسوخ معمولاً به إلى أن أنكره عمر .
قلت : إن ثبتت رواية النسخ فذاك؛ وإلا فإنه يضعف هذا قول عمر : إن
الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ... إلخ؛ فإنه واضح في أنه رأي
محض ، لا سنة فيه ، وما في بعض ألفاظه عند مسلم : أنه قال ابن عباس لأبي
الصهباء : لما تتابع الناس في الطلاق في عهد عمر فأجازه عليهم .
ثانيها : أن حديث ابن عباس هذا مضطرب، قال القرطبي في ((شرح
مسلم)) : وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه ، فظاهر
سياقه أن هذا الحكم منقول عن جميع أهل ذلك العصر ، والعادة تقتضي أن
يظهر ذلك وينتشر ولا ينفرد به ابن عباس ، فهذا يقتضي التوقف عن العمل
بظاهره إذا لم يقتض القطع ببطلانه . اهـ.
قلت : وهذا مجرّد استبعاد ؛ فإنه كم من سنّة وحادثة انفرد بها راو ، ولا
يضر؛ سيما مثل ابن عباس بحر الأمة .
ويؤيد ما قاله ابن عباس من أنها كانت الثلاث واحدة ، ما يأتي من حديث
أبي ركانة ، وإن كان فيه كلام ، وسيأتي .
الثالث : أن هذا الحديث ورد في صورة خاصة ، هي قول المطلق : أنت طالق
أنت طالق . وذلك أنه كان في عصر النبوة ، وما بعده ، وكان حال الناس محمولاً
٤٦٨
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٨ - حديث ابن عباس
على السلامة والصدق ، فيقبل قول من ادّعى أن اللفظ الثاني تأكيد لا تأسيس
طلاق آخر ، ويصدق في دعواه ، فلما رأى عمر تَغَيُّرَ أحوال الناس وغلبة الدعاوى
الباطلة ، رأى من المصلحة أن يجري المتكلم على ظاهر قوله ، ولا يصدق في
دعوى ضميره . وهذا الجواب ارتضاه القرطبي ؛ قال النووي : هو أصح الأجوبة .
قلت : ولا يخفى أنه تقرير ، لكون نهي عمر رأياً محضاً، ومع ذلك فالناس
مختلفون في كل عصر، فيهم الصادق والكاذب ، وما يعرف ما في ضمير
الإنسان إلا من كلامه ، فيقبل قوله وإن كان مبطلاً في نفس الأمر ، فيحكم
بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، مع أن ظاهر قول ابن عباس : طلاق الثلاث
واحدة ؛ أنه كان ذلك بأية عبارة وقعت .
الرابع : أن معنى قوله : كان طلاق الثلاث واحدة ، أن الطلاق الذي يوقع في
عهده
وعهد أبي بكر ، إنما كان يوقع في الغالب واحدة ، لا يوقع ثلاثاً؛
فمراده أن هذا الطلاق الذي توقعونه ثلاثاً كان يوقع في ذلك العهد واحدة ،
فيكون قوله : فلو أمضيناه عليهم ، بمعنى : لو أجريناه على حكم ما شرع من وقوع
الثلاث .
وهذا الجواب يتنزل على قوله : استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة ؛ تنزلاً
قريباً من غير تكلف ، ويكون معناه الإخبار عن اختلاف عادات الناس في إيقاع
الطلاق ، لا في وقوعه ، فالحكم متقرّر.
وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ، ونسبه إلى أبي زرعة ، وكذا البيهقي
أخرجه عنه ؛ قال : معناه أن ما تطلقون أنتم ثلاثاً كانوا يطلقون واحدة .
٤٦٩
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٨ - حديث ابن عباس
قلت : وهذا يتم إن اتفق على أنه لم يقع في عصر النبوّة إرسال ثلاث
تطليقات دفعة واحدة ، وحديث أبي ركانة وغيره يدفعه ، وینبو عنه قول عمر :
فلو أمضيناه ، فإنه ظاهر في أنه لم يكن مضى في ذلك العصر حتى رأى
إمضاءه ، وهو دليل وقوعه في عصر النبوّة ، لكنه لم يمض ، فليس فيه أنه كان
وقوع الثلاث دفعة واحدة نادراً في ذلك العصر .
الخامس : أن قول ابن عباس : كان طلاق الثلاث ، ليس له حكم الرفع ، فهو
موقوف عليه .
وهذا الجواب ضعيف ؛ لما تقرّر في أصول الحديث وأصول الفقه ، أن : كنا
نفعل وكانوا يفعلون ، له حكم الرفع .
السادس : أنه أريد بقوله : طلاق الثلاث واحدة ، هو لفظ: ألبتة ؛ إذا قال :
أنت طالق ألبتة ، وكما سيأتي في حديث ركانة ، فكان إذا قال القائل ذلك ،
قُبلَ تَفْسِيرُهُ بالواحدة وبالثلاث ، فلما كان في عصر عمر ، لم يقبل منه التفسير
بالواحدة .
قيل : وأشار إلى هذا البخاري ؛ فإنه أدخل في هذا الباب الآثار التي فيها :
ألبتة ، والأحاديث فيها التصريح بالثلاث ؛ كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما ، وأن
ألبتة إذا أطلقت حملت على الثلاث إلا إذا أراد المطلق واحدة فيقبل ، فروى بعض .
الرواة ألبتة بلفظ الثلاث ، يريد أن أصل حديث ابن عباس : كان طلاق ألبتة على
عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وعهد أبي بكر ... إلى آخره .
قلت : ولا يخفى بعد هذا التأويل ، وتوهيم الراوي في التبديل .
٤٧٠
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٩ - حديث محمود بن لبيد
ويبعده أن الطلاق بلفظ : ألبتة ، في غاية الندور ، فلا يحمل عليه ما وقع ؛
كيف وقول عمر: قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، يدل أن ذلك واقع
أيضاً في عصر النبوّة؟!
والأقرب أن هذا رأي من عمر ترجح له ، كما منع من متعة الحج وغيرها ،
وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله ◌َ الله ، وكونه خالف ما كان على
عهده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو نظير متعة الحج بلا ريب .
والتكلفات في الأجوبة ؛ ليوافق ما ثبت في عصر النبوّة لا يليق ، فقد ثبت
عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك . نعم ، إن أمكن التطبيق على وجه
صحيح فهو المراد .
١٠٠٩ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيدٍ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أُخبرَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ عَنْ رَجُلٍ طَّلَقَ امْرَأَتَهُ ثلاثَ تَطْلِيقات جميعاً، فَقَامَ غَضْبَانَ
ثُمَّ قالَ : «أَيْلْعَبُ بكتاب الله وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!))، حَتِى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يا
رسُول الله أَلا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النّسَائِي، وَرُوَاتُهُ مُؤَثَّقُون .
(وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه) : ابن أبي رافع الأنصاري الأشهلي ،
ولد على عهد رسول الله عَ ليه ، وحدث عنه أحاديث ، قال البخاري : له صحبة ،
وقال أبو حاتم : لا نعرف له صحبة ، وذكره مسلم في التابعين ، وكان من العلماء ،
مات سنة ست وتسعين ، وقد ترجم له أحمد في («مسنده))، وأخرج له أحاديث
ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع (قال: أُخْبِرَ النبي صلى الله عليه وآله
وسلم عن رجل طَلَقَ امرَأَتَهُ ثَلاثَ تطليقات جَميعاً، فقامَ غَضْبَان ثم قال :
٤٧١
٩ - كتاب الطلاق
١٠٠٩ - حديث محمود بن لبيد
((أَيُلْعَب بكِتَابِ اللهِ وأَنَا بَيْنَ أظْهرِكُمْ؟!))، حتى قام رجل فقال: يا رسولَ الله
ألا أَقْتُلُهُ؟ رواه النسائي ، ورواته موثقون) .
الحديث دليل على أن جمع الثلاث التطليقات بدعة ؛ واختلف العلماء في
ذلك فذهب الهادوية وأبو حنيفة ومالك إلى أنه بدعة .
وذهب الشافعي وأحمد والإمام يحيى إلى أنه ليس ببدعة ، ولا مكروه .
واستدل الأوّلون بغضبه ◌َ ﴿ وبقوله: ((أيلعب بكتاب الله؟))، وبما أخرجه
سعيد بن منصور بسندٍ صحيح ، عن أنس : أن عمر كان إذا أتي برجل طلق
امرأته ثلاثاً، أوجع ظهره ضرباً. وكأنه أخذ تحريمه من قوله عظ مية: ((أيلعب
بكتاب الله)). استدل آخرون بقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]،
وبقوله : ﴿الطلاق مرتان﴾ وبما يأتي في حديث اللعان أنه طلقها الزوج ثلاثاً
ء
بحضرته * ، ولم ينكر عليه .
وأجيب بأن الآيتين مطلقتان ، والحديث صريح بتحريم الثلاث ؛ فتقيد به
الآيتان .
وبأن طلاق الملاعن لزوجته ليس طلاقاً في محله ؛ لأنها بانت بمجرد اللعان
كما يأتي .
واعلم أن حديث محمود لم يكن فيه دليل على أنه لم أمضى عليه
الثلاث أو جعلها واحدة ، وإنما ذكره المصنف إخباراً بأنها قد وقعت التطليقات
الثلاث في عصره .
٤٧٢
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٠ - حديث ابن عباس
١٠١٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: طَلّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِ: ((رَاجعِ امْرَأْتَكَ)) ، فَقَالَ: إِنِّي طَلَقْتُهَا ثلاثاً، قالَ: ((قَدْ
عَلِمْتُ ، رَاجِعْهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وفي لَفْظِ لأحْمَدَ: طَلّقَ أَبو رُكانَةَ امْرَأَتَهُ
في مَجْلِس واحِدٍ ثلاثاً، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَِّ: ((فإنّهَا
واحِدَةٌ). وفِي سَنَّدِ هِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ. وَقَدْ رَوَى أَبُو داودَ مِنْ وَجْهِ
آخرَ أَحْسنَ مِنْهُ : أَنَّ أَبَا رُكانَ طَلَقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ ، فَقَالَ: والله مَا أَرَدْتُ
.
بها إلا وَاحِدَةً ، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النّبي
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : طلق أبو ركانة) : بضم الراء وبعد
الألف نون (أم ركانة، فقال له رسول اللّه نَّهُ: ((رَاجع امْرَأَتَكَ))، فقال: إني
طلقتها ثلاثاً ، قال: ((قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا)). رواه أبو داود ، وفي لفظ لأحمد):
أي : عن ابن عباس (طلق أبو ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثاً فحزن عليها ،
فقال له رسول الله ◌َّةٍ: ((فإنّها واحِدَةٌ)). وفي سندهما) : أي حديث أبي داود
وحديث أحمد (ابن إسحاق): أي: محمد صاحب ((السيرة)) (وفيه مقال) .
وقد حققنا في ((ثمرات النظر في علم أهل الأثر)) وفي ((إرشاد النقاد إلى تيسير
الاجتهاد» ، عدم صحة القدح بما يجرح روايته (وقد روى أبو داود من وجه آخر
أحسن منه : أن أبا ركانة طلّق امرأته سهيمة) : المهملة مضمومة ، تصغير سهمة
(ألبتة، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه النبي { {19).
وأخرجه أبو يعلى وصححه ، وطرقه كلها من رواية محمد بن إسحاق عن
داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس .
٤٧٣
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٠ - حديث ابن عباس
وقد عمل العلماء بمثل هذا الإسناد في عدة من الأحكام ؛ مثل حديث : أنه
﴿ رد ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول ، تقدم . وقد صححه أبو داود ؛
لأنه أخرجه أيضاً من طريق أخرى ، وهي التي أشار إليها المصنف بقوله : أحسن
منه ، وهي أنه أخرجه من حديث نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة : أن
ركانة الحديث .
وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم ، وفيه خلاف بين العلماء بين مصحح
ومضعف .
والحديث دليل على أن إرسال الثلاث التطليقات في مجلس واحد يكون
طلقة واحدة .
وقد اختلف العلماء في المسألة على أربعة أقوال :
الأول : أنه لا يقع بها شيء ؛ لأنها طلاق بدعة ؛ وتقدم ذكرهم وأدلتهم .
الثاني : أنه يقع به الثلاث ، وإليه ذهب عمر وابن عباس وعائشة ، ورواية
عن علي والفقهاء الأربعة ، وجمهور السلف والخلف ، واستدلوا بآيات الطلاق
وأنها لم تفرّق بين واحدة ولا ثلاث .
وأجيب بما سلف أنها مُطْلَقات تحتمل التقييد بالأحاديث ، واستدلوا بما في
((الصحيحين)): أن عويمراً العجلاني طلق امرأته ثلاثاً بحضرته ◌َ له، ولم ينكر
عليه ؛ فدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها ، وأجيب بأن هذا التقرير لا
يدل على الجواز ، ولا على وقوع الثلاث؛ لأن النهي إنما هو فيما يكون في طلاق
٤٧٤
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٠ - حديث ابن عباس
رافع لنكاح كان مطلوب الدوام ، والملاعن أوقع الطلاق على ظن أنه بقي له
إمساكها ، ولم يعلم أنه باللعان حصلت فرقة الأبد ، سواء كان فراقه بنفس
اللعان أو بتفريق الحاكم ؛ فلا يدل على المطلوب .
واستدلوا بما في المتفق عليه أيضاً في حديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها
طلقها ثلاثاً، وأنه عَخالٍ لما أخبر بذلك، قال: ((ليس لها نفقة، وعليها العدة)).
وأجيب بأنه ليس في الحديث تصريح بأنه أوقع الثلاث في مجلس واحد ،
فلا يدل على المطلوب ؛ قالوا: عدم استفصاله ية هل كان في مجلس أو
مجالس؟ ، دال على أنه لا فرق في ذلك .
ويجاب عنه : بأنه لم يستفصل ؛ لأنه كان الواقع في ذلك العصر غالباً عدم
إرسال الثلاث ، كما تقدم .
وقولنا : غالباً ؛ لئلا يقال : قد أسلفنا أنها وقعت الثلاث في عصر النبوة ؛ لأنا
نقول: نعم ، لكن نادراً ومثل هذا ما استدلوا به من حديث عائشة : أن رجلاً
طلق امرأته ثلاثاً ، فتزوجت فطلق الآخر ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم: أتحل للأول؟ قال: ((لا؛ حتى يذوق عسيلتها». أخرجه البخاري .
والجواب عنه هو ما سلف ، ولهم أدلة من السنة فيها ضعف ، فلا تقوم بها
حجة ، فلا نعظم بها حجم الكتاب .
وكذلك ما استدلوا به من فتاوى الصحابة أقوال أفراد لا تقوم بها حجة .
القول الثالث : أنها تقع بها واحدة رجعية ؛ وهو مروي عن علي وابن عباس ،
٤٧٥
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٠ - حديث ابن عباس
وذهب إليه الهادي والقاسم والصادق والباقر ، ونصره أبو العباس ابن تيمية ،
وتبعه ابن القيم تلميذه على نصره .
واستدلوا بما مرّ من حديثي ابن عباس؛ وهما صريحان في المطلوب ، وبأن
أدلة غيره من الأقوال غير ناهضة .
أما الأول والثاني ، فلما عرفت ويأتي ما في غيرهما .
القول الرابع : أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها ، فتقع الثلاث على المدخول
بها ، وتقع على غير المدخول بها واحدة وهو قول جماعة من أصحاب ابن
عباس ، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه واستدلوا بما وقع في رواية أبي داود :
أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها ، جعلوها
واحدة على عهد رسول الله عَ اءٍ . الحديث .
وبالقياس فإنه إذا قال : أنت طالق ، بانت منه بذلك ، فإذا أعاد اللفظ لم
يصادف محلاً للطلاق ، فكان لغواً .
وأجيب بما مرّ من ثبوت ذلك في حق المدخولة وغيرها ؛ فمفهوم حديث أبي
داود ، لا يقاوم عموم أحاديث ابن عباس .
واعلم أن ظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين أن يقول : أنت طالق ثلاثاً ، أو
يكرر هذا اللفظ ثلاثاً ، وفي كتب الفروع أقوال وخلاف في التفرقة بين الألفاظ ،
لم يستند إلى دليل واضح .
وقد أطال الباحثون في الفروع في هذه المسألة الأقوال ، وقد أطبق أهل
المذاهب الأربعة على وقوع الثلاث ؛ متابعة لإمضاء عمر لها ، واشتد نكيرهم
٤٧٦
٩ - كتاب الطلاق
١٠١١ - حديث أبي هريرة
على من خالف ذلك ، وصارت هذه المسألة علماً عندهم للرافضة والمخالفين ،
وعوقب بسبب الفتيا بها شيخ الإسلام ابن تيمية ، وطيف بتلميذه الحافظ ابن
القيم على جمل بسبب الفتوى بعدم وقوع الثلاث .
ولا يخفى أن هذه محض عصبية شديدة في مسألة فرعية ، قد اختلف فيها
سلف الأمة وخلفها ؛ فلا نكير على من ذهب إلى قول من الأقوال المختلف فيها ،
كما هو معروف ، وها هنا يتميز المنصف من غيره من فحول النظار ، والأتقياء من
الرجال .
١٠١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ : ((ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ ، وَهَزْلُهُنَّ جِدّ : النَّكَاحُ وَالطّلَاقُ والرَّجْعَةُ)) .
رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إلا النّسائيَّ، وَصَحّحَهُ الحاكمُ .
وفي رواية لابن عَدِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعيفٍ : ((الطّلاقُ والعِتَاقُ وَالنِّكَاحُ)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ ، وهَزْلُهُنَّ جِدٍّ : النكاحُ والطّلاقُ والرَّجْعَة)). رواه
الأربعة إلا النسائي ، وصححه الحاكم(١). وفي رواية): عن أبي هريرة رضي
الله عنه (لابن عدي من وجه آخر ضعيف: ((الطَّلاقُ والْعتاقُ والنِّكَاحُ))) : وقد
بين معناها قوله :
(١) وقال الحافظ في ((تخريج الكشاف)) (ص٢٠) بعد أن عزاه للدارقطني والبيهقي مع
المذكورين هنا :
((وفي إسناده ضعف)).
٤٧٧
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٢ و١٠١٣ - حديثا عبادة بن الصامت وأبي هريرة
١٠١٢ - والحارث بن أبي أسامة من حديث عبادة بن الصامت يرفعه :
((لا يجُوزُ اللّعِبُ في ثَلاثٍ: الطّلاقِ والنَّكَاحِ والْعِتَاقِ؛ فَمَنْ قَالَهُنَّ، فَقَدْ
وَجَبْنَ)) . وسنده ضعيف .
(وللحارث بن أبي أسامة من حديث عبادة بن الصامت يرفعه: ((لا يجُوزُ
اللّعِبُ في ثَلاثٍ: الطّلاقِ والنَّكَاحِ والْعِتَاقِ؛ فَمَنْ قَالهُنَّ، فَقَدْ وَجَبْنَ)).
وسنده ضعيف) : لأن فيه ابن لهيعة . وفيه انقطاع أيضاً.
والأحاديث دلت على وقوع الطلاق من الهازل ، وأنه لا يحتاج إلى النية في
الصريح ، وإليه ذهب الهادوية والحنفية والشافعية .
وذهب أحمد والناصر والصادق والباقر إلى أنه لا بد من النية ؛ لعموم حديث :
الأعمال بالنيات .
وأجيب بأنه عام خصه ما ذكر من الأحاديث ، ويأتي الكلام في العتق .
١٠١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ عَنِ النّبِيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إنّ اللَّهَ تَعَالَى
تَجَاوَزَ عَنْ أُمّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النّبِيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إِنّ اللهَ تَعَالَى
تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ)) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ) .
ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: ((عما توسوس به صدورها)»
بدل : ((ما حدثت به أنفسها)» وزاد في آخره «وما استكرهوا عليه)).
قال المصنف : وأظن الزيادة هذه مدرجة ؛ كأنها دخلت على هشام بن عمار
من حديث في حديث .
٤٧٨
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٤ - حديث ابن عباس
والحديث دليل على أنه لا يقع الطلاق بحديث النفس ، وهو قول الجمهور .
وروي عن ابن سيرين والزهري ورواية عن مالك ؛ بأنه إذا طلق في نفسه ، وقع
الطلاق ، وقواه ابن العربي ؛ بأن من اعتقد الكفر بقلبه ، ومن أصر على المعصية ،
أثم ، وكذلك من قذف مسلماً بقلبه ، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان .
ويجاب عنه ؛ بأن الحديث المذكور أخبر عن الله تعالى ، بأنه لا يؤاخذ الأمة
بحديث نفسها ، وأنه تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
وحديث النفس يخرج عن الوسع . نعم ، الاسترسال مع النفس في باطل
أحاديثها ، يصيّر العبد عازماً على الفعل ؛ فيخاف منه الوقوع فيما يحرم ، فهو
الذي ينبغي أن يسارع بقطعه إذا خطر .
وأما احتجاج ابن العربي بالكفر والرياء ؛ فلا يخفى أنهما من أعمال
القلب ، فهما مخصوصان من الحديث .
على أن الاعتقاد وقصد الرياء قد خرجا عن حديث النفس ، وأما المصر على
المعصية ؛ فالإثم على عمل المعصية المتقدم ، على الإصرار ؛ فإنه دال على أنه لم
يتب عنها . واستدل به على أن من كتب الطلاق طلقت امرأته ؛ لأنه عزم بقلبه
وعمل بکتابته ، وهو قول الجمهور .
وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك ، وسيأتي .
١٠١٤ - وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عَنْهُمَا، عَنِ النّبي ◌َّهِ قالَ: ((إن الله
وَضَعَ عَنْ أُمّتِي الْخَطَأَ والنِّسياَنَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))). رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ والحاكِم ،
وقالَ أَبو حاتم : لا يَثْبُتُ .
٤٧٩
٩ - كتاب الطلاق
١٠١٤ - حديث ابن عباس
(وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عَنْهُمَا، عَن النّبِيِ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إن الله وَضَعَ
عَنْ أُمّتِى الْخَطَأَ والِّسيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)). رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ والحاكِم ، وقالَ
أبو حاتم : لا يَثْبُتُ) .
وقال النووي في ((الروضة)) في تعليق الطلاق : إنه حديث حسن ، وكذا قال
في أواخر الأربعين له . اهـ .
وللحديث أسانيد ، وقال ابن أبي حاتم : إنه سأل أباه عن أسانيده؟ فقال :
هذه أحاديث منكرة كلها موضوعة .
وقال عبد الله بن أحمد في ((العلل)): سألت أبي عنه فأنكره جداً، وقال :
ليس يروى هذا إلا عن الحسن عن النبي
.
ونقل الخلال عن أحمد أنه قال : من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع ، فقد خالف
كتاب الله وسنة رسول الله ◌َّةٍ ؛ فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة .
والحديث دليل على أن الأحكام الأخروية من العقاب ، معفوّة عن الأمة
المحمدية ، إذا صدرت عن خطإ أو نسيان أو إكراه .
وأما ابتناء الأحكام والآثار الشرعية عليها ، ففي ذلك خلاف بين العلماء .
فاختلفوا في طلاق الناسي ؛ فعن الحسن أنه كان يراه كالعمد إلا إذا اشترط .
أخرجه ابن أبي شيبة عنه .
وعن عطاء وهو قول الجمهور: أنه لا يكون طلاقاً ، للحديث ؛ وكذا ذهب
الجماهير : أنه لا يقع طلاق الخاطئ ، وعن الحنفية : يقع .
٤٨٠