النص المفهرس

صفحات 421-440

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٧٨ - حديث أنس
وفي قوله: ((أولم ، ولو بشاة)) دليل على وجوب الوليمة في العرس ، وإليه
ذهب الظاهرية قيل : وهو نص الشافعي في ((الأم)) ويدل له :
ما أخرجه أحمد من حديث بريدة: أنه ◌ٍَّ قال لما خطب عليّ فاطمة: (لا
بد من وليمة))، وسنده لا بأس به ، وهو يدل على لزوم الوليمة ، وهو في معنى
الوجوب .
وما أخرجه أبو الشيخ والطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً:
((الوليمة حق وسنة؛ فمن دعي ، ولم يجب ، فقد عصى))، والظاهر من الحق
الوجوب .
وقال أحمد : الوليمة سنة .
وقال الجمهور : مندوبة .
وقال ابن بطال : لا أعلم أحداً أوجبها ، وكأنه لم يعرف الخلاف ، واستدل
على الندبية بما قال الشافعي : لا أعلم أمر بذلك غير عبد الرحمن ، ولا أعلم أنه
ترك الوليمة، رواه عنه البيهقي فجعل ذلك مستنداً إلى كون الوليمة غير.
واجبة ، ولا يخفى ما فيه .
واختلف العلماء في وقت الوليمة ؛ هل هي عند العقد ، أو عقبه ، أو عند
الدخول وهي أقوال في مذهب المالكية .
ومنهم من قال عند العقد وبعد الدخول .
وصرح الماوردي من الشافعية بأنها عند الدخول ؛ قال ابن السبكي : والمنقول
٤٢١

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٧٩ - حديث ابن عمر
من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها بعد الدخول ، وكأنه يشير إلى قصة
زواج زينب بنت جحش ، لقول أنس : أصبح - يعني: النبي صلى الله عليه وآله
وسلم - عروساً بزينب ؛ فدعا القوم . وقد ترجم عليه البيهقي : باب وقت الوليمة .
وأما مقدارها ، فظاهر الحديث أن الشاة أقل ما تجزئ ، إلا أنه قد ثبت أنه
صلى الله عليه وآله وسلم أولم على أم سلمة وغيرها بأقل من شاة ، وأولم على
زينب بشاة .
وقال أنس : لم يولم على غير زينب بأكثر مما أولم عليها .
إلا أنه أولم على ميمونة بنت الحارث لما تزوجها بمكة عام القضية - وطلب من
أهل مكة أن يحضروا فامتنعوا - بأكثر من وليمته على زينب ، وكأنّ أنساً يريد أنه
وقع في وليمة زينب بالشاة من البركة في الطعام ، ما لم يقع في غيرها؛ فإنه
أشبع الناس خبزاً ولحماً؛ فكأن المراد لم يشبع أحداً خبزاً ولحماً في وليمة من
ولائمه صلى الله عليه وآله وسلم ، أكثر مما وقع في وليمة زينب رضي الله عنها .
٩٧٩ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ : ((إذا دُعِ أحَدُكُمْ إِلى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ ، ولُسْلِمٍ: ((إذا
دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؛ فَلْيُجِبْ؛ عُرْساً كانَ، أو نَحْوَهُ)) .
(وعن ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ: ((إذا دُعِ أحَدْكُمْ إِلى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا)). مُتَّفْقٌ عَلَيْهِ ، ولُسْلِم) : أي عن
ابن عمر مرفوعاً ((إذا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؛ فَلْيُحِبْ، عُرْساً كانَ، أو نَحْوَهُ)).
٤٢٢

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٧٩ - حديث ابن عمر
الحديث الأول ؛ دال على وجوب الإجابة إلى الوليمة ، والثاني ؛ دال على
وجوبها إلى كل دعوة ، ولا تعارض بين الروايتين ، وإن كانا عن راو واحد .
وقد أخذت الظاهرية وبعض الشافعية بظاهره ، فقالوا : تجب الإجابة إلى
الدعوة مطلقاً .
وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين .
ومنهم من فرَّق بين وليمة العرس وغيرها ، فنقل ابن عبد البر وعياض
والنووي الاتفاق على وجوب إجابة وليمة العرس ، وصرح جمهور الشافعية
والحنابلة بأنها فرض عين ، ونص عليه مالك .
وعن البعض فرض كفاية ، وفي كلام الشافعي ما يدل على وجوب الإجابة
في وليمة العرس وعدم الرخصة في غيرها ؛ فإنه قال : إتيان دعوة الوليمة حق ،
والوليمة التي تعرف وليمة العرس ، وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة ؛ فلا أرخص
لأحد في تركها ، ولو تركها ، لم يتبين أنه عاص كما تبين لي في وليمة العرس .
وفي ((البحر)) للمهدي : حكاية إجماع العترة على عدم وجوب الإجابة في
الولائم كلها .
هذا؛ وعلى القول بالوجوب ؛ فقد قال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)):
. وقد يسوغ ترك الإجابة لأعذار: منها : أن يكون في الطعام شبهة ، أو
يخص بها الأغنياء ، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه ، أو لا يليق
لمجالسته ، أو يدعوه ؛ لخوف شره ، أو لطمع في جاهه ، أو ليعاونه على باطل ،
٤٢٣

٨ - كتاب النكاح
٤٠ - باب الوليمة
٩٧٩ - حديث ابن عمر
أو يكون هناك منكر من خمر ، أو لهو ، أو فراش حرير ، أو ستر لجدار البيت ،
أو صورة في البيت ، أو يعتذر إلى الداعي فيتركه ، أو كانت في الثالث ؛ كما
يأتي ، فهذه الأعذار ونحوها في تركها على القول بالوجوب ، وعلى القول
بالندب بالأولى .
وهذا مأخوذ مما علم من الشريعة ، ومن قضايا وقعت للصحابة ، كما في
((البخاري)) : أن أبا أيوب دعاه ابن عمر فرأى في البيت ستراً على الجدار ، فقال
ابن عمر: غلبنا عليه النساء . فقال : من كنت أخشى عليه ، فلم أكن أخشى
عليك ! والله ، لا أطعم لك طعاماً . فرجع . أخرجه البخاري تعليقاً، ووصله
أحمد ومسدّد في ((مسنده)) .
وأخرج الطبراني عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : عرّست في عهد أبي ،
فأذّنا الناس ، فكان أبو أيوب فيمن أذنا ، وقد ستروا بيتي ببجاد أخضر ، فأقبل
أبو أيوب فاطلع فرآه فقال : يا عبد الله! أتسترون الجدر ، فقال أبي - واستحى -:
غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب ! فقال : من خشيت أن تغلبه النساء ... فذكروه .
وفي رواية : فأقبل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدخلون؛ الأوّل
فالأوّل ، حتّى أقبل أبو أيوب . وفيه :
فقال عبد الله : أقسمت عليك ، لترجعن ! فقال : وأنا أعزم على نفسي أن لا
أدخل يومي هذا ، ثم انصرف .
وأخرج أحمد في كتاب ((الزهد)): أنّ رجلاً دعا ابن عمر إلى عرس؛ فإذا
بيته قد ستر بالكرور ، فقال ابن عمر: يا فلان ! متى تحوّلت الكعبة في بيتك ،
٤٢٤

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٧٩ - حديث ابن عمر
ثم قال لنفر معه من أصحاب محمد عَلالية : ليهتك كل رجل ما يليه . والحديث ،
وما قبله دليل على تحريم ستر الجدران .
وقد أخرج أبو داود وغيره من حديث ابن عباس مرفوعاً : ((لا تستروا الجدر
بالثياب)) ، وفيه ضعف ، وله شاهد ، وأخرج البيهقي وغيره من حديث سلمان
موقوفاً : أنه أنكر ستر البيت ، فقال : محموم بيتكم ، أو تحوّت الكعبة؟! ثم
قال : لا أدخله ، حتّی یهتك .
والمسألة فيها خلاف : جزم جماعة بالتحريم لستر الجدار ، وجمهور الشافعية
على أنه مكروه .
وقد أخرج مسلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((إنّ الله لم يأمرنا أن
نكسو الحجارة والطين))، وجذب الستر، حتّى هتكه في قصة معروفة : وقد كنا
كتبنا في هذا رسالة ؛ جواب سؤال في مدّة قديمة .
وأخرج الطبراني في «الأوسط)) من حديث عمران بن حصين : نهى رسول
الله ◌َّةٍ عن إجابة طعام الفاسقين .
وأخرج النسائي من حديث جابر مرفوعاً: ((من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر))، وإسناده جيد ، وأخرجه
الترمذي من وجه آخر عن جابر ، وفيه ضعف ، وأخرجه أحمد من حديث عمر .
وبالجملة ؛ الدعوة مقتضية للإجابة ، وحصول المنكر مانع عنها ، فتعارض
المانع والمقتضي ، والحكم للمانع .
٤٢٥

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٠ و٩٨١ - حديثا أبي هريرة
٩٨٠ - وعن أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ: ((شَرُّ الطّعامِ طَعامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُمْنَعُها مَنْ يَأْتِها ، ويُدْعَى إليْهَا مَنْ
يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ؛ فقد عصى الله وَرَسُولَهُ)) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((شَرُّ الطّعَامِ طَعَامُ الْوِلِيمَةِ ؛ يُمْنَعُها مَن يأتِيها): وهم الفقراء كما يدل
له حديث ابن عباس عند الطبراني : «بئس الطعام طعام الوليمة ؛ يدعى إليها
الشبعان ، ويمنع عنها الجيعان))، اهـ. فلو شملت الدعوة الفريقين ، زالت الشرية
عنها (ويُدْعَى إليْهَا مَنْ يَأْبَاهَا): يعني: الأغنياء (ومَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فقد
عصى اللهَ وَرَسُولَهُ)) . أخرجه مسلم) .
المراد من الوليمة وليمة العرس؛ لما تقدم قريباً من أنها إذا أطلقت من غير
تقييد ، انصرفت إلى وليمة العرس ، وشرية طعامها قد بين وجهه .
قوله : ((يدعى إليها من يأباها))، فإنها جملة مستأنفة ؛ بيان لوجهة شرية
الطعام .
والحديث دليل على أنه يجب على من يدعى الإجابة ، ولو كانت إلى شر
طعام ، وأنه يعصي الله ورسوله من لم يجب ، وتقدّم الكلام على ذلك.
٩٨١ - وَعَنْهُ قالَ: قالَ رسول الله عَ ﴿هُ: ((إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيجِبْ؛ فإن
كانَ صائماً، فَلْيُصَلِّ، وإِن كانَ مُفْطِراً، فَلْيَطْعَمْ)) . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَهُ مِنْ
حديثٍ جابرٍ رضيَ اللهُ عنهُ نَحْوُهُ ، وَقَالَ: ((فإنْ شاءَ طَعِمَ ، وإن شَاءَ تَرَكَ)) .
(وعنه): أي: أبي هريرة (قال: قال رسول الله تَّه: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ،
٤٢٦

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٢ - حديث ابن مسعود
فَلْيُجِبْ؛ فإن كانَ صائِماً، فلْيُصَلِّ، وإن كانَ مُفْطِراً ، فَلْيَطْعَمْ)) . أخرجه مسلم) .
فيه دليل على أنه يجب على من كان صائماً أن لا يعتذر بالصوم ، ثم إنه قد
اختلف في المراد من الصلاة .
فقال الجمهور: المراد : فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ، وقيل : المراد
بالصلاة المعروفة ؛ أي : يشتغل بالصلاة ؛ ليحصل فضلها وينال بركتها أهل الطعام
والحاضرون ، وظاهره أنه لا يلزمه الإفطار ليجيب .
فإن كان صومه فرضاً ، فلا خلاف أنه يحرم عليه الإفطار، وإن كان نفلاً ،
جاز له .
وظاهر قوله : ((فليطعم))، وجوب الأكل ، وقد اختلف العلماء في ذلك ،
والأصح عند الشافعية أنه لا يجب الأكل في طعام الوليمة ، ولا غيرها ، وقيل :
يجب ؛ لظاهر الأمر ، وأقله لقمة ، ولا تجب الزيادة .
وقال من لم يوجب الأكل : الأمر للندب ؛ والقرينة الصارفة إليه قوله (وله) :
أي: لمسلم (من حديث جابر رضي الله عنه نحوه، وقال: ((فإن شَاءَ طَعمَ ،
وإن شَاءَ تَرَكَ))) : فإِنه خيّرَه ، والتخيير دليل على عدم الوجوب للأكل؛ ولذلك
أورده المصنف عقيب حديث أبي هريرة .
٩٨٢ - وعن ابنِ مَسعُودِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِيَ ◌ّهِ: ((طَعَامُ
الوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمِ حَقٌّ ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثّانِي سُنَّةٌ ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثّالِثِ سُمْعَةٌ ، وَمَنْ
سَمَّعَ، سَمَّعَ اللّهَ بِهِ)). رَوَاهُ التِّرمِذَيُّ واسْتَغْرَبَهُ ، وَرِجَالُهُ رَجَالُ ((الصَّحيح))،
وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنْسٍ عِنْدَ ابنِ مَاجَهْ .
٤٢٧

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٢ - حديث ابن مسعود
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله تَّه: ((طَعَامُ الْوَلِيمَةِ
أوَّلَ يَوْمِ حَقِّ) : أي : واجب ، أو مندوب (وَطَعَامُ يَوْمِ الثّاني سُنّةٌ ، وطَعَامُ يَوْمٍ
الثّالثِ سمْعَة، ومَنْ سَمّعَ ، سَمّعَ الله بِهِ))، رواه الترمذي واستغربه): وقال:
لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد الله البكائي، وهو كثير الغرائب والمناكير.
قال المصنف - كالراد على الترمذي - ما لفظه: (ورجاله رجال ((الصحيح))): إلا
أنه قال المصنف : إن زياداً مختلف فيه ، وشيخه عطاء بن السائب اختلط ،
وسماعه منه بعد اختلاطه ، انتھی .
قلت: وحينئذ؛ فلا يصح قوله: إن رجاله رجال ((الصحيح))، ثم قال (وله
شاهد عن أنس عند ابن ماجه) : وفي إسناده عبد الملك بن حسين ، وهو
ضعيف ، وفي الباب أحاديث لا تخلو عن مقال .
والحديث دليل على شرعية الضيافة في الوليمة يومين ، ففي أول يوم واجبة ؛
كما يفيده لفظ: ((حق))؛ لأنه الثابت اللازم؛ وتقدم الكلام في ذلك .
وفي اليوم الثاني سنة ؛ أي : طريقة مستمرة يعتاد الناس فعلها لا يدخل
صاحبها الرياء والتسميع .
وفي اليوم الثالث رياء وسمعة ؛ فيكون فعلها حراماً ، والإِجابة إليها كذلك .
وعليه أكثر العلماء .
قال النووي : إذا أولم ثلاثاً فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة ، وفي اليوم
الثاني لا تجب مطلقاً ، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول .
٤٢٨

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٣ - حديث صفية بنت شيبة
وذهب جماعة إلى أنه لا تكره في الثالث لغير المدعو في اليوم الأول والثاني ؛
لأنه إذا كان المدعوون كثيرين ويشق جمعهم في يوم واحد ؛ فدعا في كل يوم
فريقاً ، لم يكن في ذلك رياء ، ولا سمعة ؛ وهذا قريب .
وجنح البخاري إلى أنه لا بأس بالضيافة ، ولو إلى سبعة أيام ، حيث قال :
باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه ، ولم يوقت النبي
يوماً ، ولا یومین .
وأشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين
قالت : لما تزوج أبي ، دعا الصحابة سبعة أيام ، وفي رواية ثمانية أيام ، وإليها
أشار البخاري بقوله : أو نحوه .
وفي قوله : ولم يوقت ، ما يدل على عدم صحة حديث الباب عنده .
قال القاضي عياض : استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعاً؛
فأخذت المالكية بما دل عليه كلام البخاري .
٩٨٣ - وعن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالَتْ: أَوْلَمَ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ عَلى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِير. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وعن صفية بنت شيبة) : أي : ابن عثمان بن أبي طلحة الحجبي ؛ من
بني عبد الدار، قيل : إنها رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل : إنها لم
تره ، وجزم ابن سعد بأنها تابعية (قالت : أَوْلَمَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم
على بَعْضِ نِسائِهِ بمدّين من شعير. أخرجه البخاري) .
٤٢٩

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٤ ۔ حديث أنس
قال المصنف : لم أقف على تعيين اسمها - يعني: بعض نسائه المذكورة هنا -،
قال : وفي الباب أحاديث تدل على أنها أم سلمة .
وقيل : إنها وليمة عليّ بفاطمة رضي الله عنها وأراد ببعض نسائه من
تنسب إليه من النساء في الجملة ، وإن كان خلاف المتبادر ، إلا أنه يدل له ما
أخرجه الطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت : لقد أولَّم عليّ بفاطمة
فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته ! رهن درعه عند يهودي بشطر
شعير. ولعله المراد بمدّين من شعير؛ لأن المدّين نصف صاع فكأنه قال : شطر
صاع؛ فينطبق على القصة التي في الباب ، ويكون نسبة الوليمة إلى رسول الله
: مجازية ؛ إما لكونه الذي وفى اليهودي من شعيره ، أو لغير ذلك .
قلت: ولا يخفى أنه تكلف، ولا مانع أن يولم تَ ﴿ بمدّين، ويولم عليٌّ أيضاً
بمدين ، والمذكور في الباب وليمته صلى الله عليه وآله وسلم .
٩٨٤ - وعن أَنَسِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: أَقَامَ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ
بَيْنَ خَيْبَرَ والمدينة ثَلاثَ لَيَالِ يُبْنى عَلَيْهِ بِصَفِيّةَ ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلمِينَ إلى
وَلِيمَتِهِ ؛ فَمَا كان فيها مِنْ خُبْزِ ، ولا لَحْم، وما كان فيها إلا أنْ أَمَرَ بالأنْطاع
فَبُسِطَتْ، فَأَلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ والأقِطُ وَالسّمَّنُ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، واللَّفْظُ للبُخاريِّ.
(وعن أنس رضي الله عنه قال: أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين
خيبرَ والمدينةِ ثلاث ليال يُبْنَى) : مغير الصيغة (عليه بصفية) : أي : يبنى
عليه خباء جديد بسبب صفية ، أو بمصاحبتها (فدَ عَوْتُ المسلمين إلى وليمته ؛
فما كان فيها من خبز، ولا لحم ، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت ،
٤٣٠

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٥ - حديث رجل من أصحابه
فألقي عليها التمر والأقط): وفي ((القاموس)) الأقط ككتف وإبل ؛ شيء يتخذ
من المخيض الغنمي (والسمن))): ومجموع هذه الأشياء يسمى : حيساً (متفق
عليه ، واللفظ للبخاري) : فيه إجزاء الوليمة بغير ذبح شاة ، والبناء بالمرأة في
السفر ، وإيثار الجديدة بثلاثة أيام ، وإن كانوا في السفر .
٩٨٥ - وعن رَجُل مِنْ أصْحابِ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قالَ : إذا
اجْتَمَعَ داعِيانِ ، فَأَجِبْ أَقْربهما باباً؛ فإِن سَبَقَ أَحَدُهُمَا ، فَأَجِبِ الذِي سَبَقَ .
رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ ، وَسَنَّدُهُ ضَعِيفٌ .
(وعن رَجُلٍ مِنْ أصْحابٍ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قالَ : إذا اجْتَمَعَ
داعِيانِ ، فَأَجِبُّ أَقْربهما باباً): زاد في ((التلخيص)): فإن أقربهما إليك باباً
أقربهما إليك جواراً (فإِن سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجب الذي سَبَقَ . رَوَاهُ أَبُو دَاودَ ،
وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ) .
ولکن رجال إسناده موثقون ، ولا يدرى ما وجه ضعف سنده ؛ فإنه رواه أبو
داود عن هناد بن السري ، عن عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ،
عن أبي العلاء الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، عن رجل من
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل هؤلاء وثَّقهم الأئمة إلا أبا خالد
الدالاني ، فإنهم اختلفوا فيه ؛ فوثّقه أبو حاتم ، وقال أحمد وابن معين : لا بأس
به ، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به ، وقال ابن عدي: حديثه ليِّن ، وقال
شريك : كان مرجئاً .
والحديث على سياق المصنف ظاهرُهُ الوقفُ ، وفيه دليلٌ على أنه إذا اجتمع
٤٣١

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة ٩٨٦ و٩٨٧ - حديثا أبي جحيفة وعمر بن أبي سلمة
داعيان ، فالأحق بالإجابة الأسبق ؛ فإن استويا ، قدم الجار ، والجار على مراتب ؛
فأحقهم أقربهم باباً ؛ فإن استويا ، أقرع بينهم .
٩٨٦ - وعن أَبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((لا آكُلُ مُتْكِنَا)) . رَواهُ
البخاريُ .
(وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((لا آَكُلُ مُتْكِئاً)) . رَوَاهُ
البُخاريُّ) .
الاتكاء : مأخوذ من الوكاء ، والتاء بدل الواو ، والوكاء : هو ما يشدّ به الکیس
أو غيره ؛ فكأنه أوكأ مقعدته ، ويشدّها بالقعود على الوطاء الذي تحته ، ومعناه
الاستواء على وطاء متمكناً .
قال الخطابي : المتكئ هنا هو المتمكن في جلوسه من التربع ، وشبهه المعتمد
على الوطاء تحته ، قال : ومن استوى قاعداً على وطاء فهو متكئ .
والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال على أحد شقيه . ومعنى الحديث : إذا
أكلت ، لا أقعد متكئاً؛ كفعل من يريد الاستكثار من الأكل ، ولكن آكل بُلْغة ؛
فيكون قعودي مستوفزاً ، ومن حمل الاتكاء على الميل على أحد الشقين ، تأول
ذلك على مذهب أهل الطب ؛ بأن ذلك فيه ضرر ؛ فإنه لا ينحدر في مجاري
الطعام سهلاً ، ولا يسيغه هنيئاً ، وربما تأذى به .
٩٨٧ - وعن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ قالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ عَُّهِ: ((يَا غُلامُ،
سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بَيَمِينِكَ ، وَكُلْ مَمَا يَلِيكَ)). مُتّفقٌ عَلَيهِ.
(وَعَنْ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ قالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِنَ ◌ّهِ: ((يَا غُلامُ، سَمِّ
٤٣٢

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٧ - حديث عمر بن أبي سلمة
اللهَ، وَكُلْ بَيَمِينِكَ، وَكُلْ مَمَا يَلِيكَ)). مُتّفقٌ عَلَيهِ).
الحديث دليل على وجوب التسمية ؛ للأمر بها ، وقيل : إنها مستحبة في
الأكل ، ويقاس عليه الشرب .
قال العلماء : ويستحب أن يجهر بالتسمية ؛ ليسمع غيره وينبهه عليها ؛ فإن
تركها لأي سبب : نسيان أو غيره ، في أول الطعام ، فليقل في أثنائه : بسم الله
أوله وآخره ؛ حديث أبي داود والترمذي وغيرهما - قال الترمذي : حسن صحيح - :
أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :
١
((إذا أكل أحدكم، فليذكر اسم الله ؛ فإن نسي أن يذكر الله في أوله
فليقل : بسم الله أوله وآخره)) .
وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين ؛ فإن سمّى واحد فقط ، فقد
حصل بتسميته السنة ؛ قاله الشافعي .
ويستدل بأنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن الشيطان يستحل الطعام الذي لم
يذكر اسم الله عليه ؛ فإن ذكره واحد من الآكلين ، صدق عليه أنه ذكر اسم الله
عليه .
وفي الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين ؛ للأمر به أيضاً، ويزيده
تأكيداً : أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب
بشماله ، وفعل الشيطان يحرم على الإنسان .
ويزيده تأكيداً: أن رجلاً أكل عنده عَّالله بشماله فقال: ((كل بيمينك))،
٤٣٣

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٧ - حديث عمر بن أبي سلمة
فقال : لا أستطيع ، قال : ((لا استطعت؛ ما منعه إلا الکبر)) ، فما رفعها إلى فيه .
أخرجه مسلم ، ولا يدعو صلى الله عليه وآله وسلم إلا على من ترك الواجب .
وأما كون الدعاء ؛ لتكبره ، فهو محتمل أيضاً ، ولا ينافي أن الدعاء عليه
للأمرين معاً .
وفي قوله : ((وكل مما يليك)) دليل أنه يجب الأكل مما يليه ، وأنه ينبغي
حسن العشرة للجليس ، وأن لا يحصل من الإنسان ما يسوء جليسه ؛ مما فيه
سوء عشرة ، وترك مروءة .
فقد يتقذر جليسه ذلك ، لا سيما في الثريد والأمراق ونحوها ، إلا في مثل
الفاكهة .
فإنه قد أخرج الترمذي وغيره من حديث عكراش بن ذؤيب قال : أتينا
بجفنة كثيرة الثريد والوذر - وهو بفتح الواو وفتح الذال المعجمة فراء ؛ جمع وذرة ؛
قطعة من اللحم لا عظم فيها - فخبطت بيدي في نواحيها ، وأكل رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم من بين يديه ، فقبض بيدِهِ اليُسْرَى على يدِي اليمنى ،
ثم قال: ((يا عكراش! كل من موضع واحد ؛ فإنه طعام واحد))، ثم أتينا
بطبق فيه ألوان التمر فجعلت آکل من بين يدي ، وجالت ید رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم في الطبق .
فقال : ((يا عكراش ! كل من حيث شئت ؛ فإنه غير لون واحد)).
فهذا يدل على التفرقة بين الأطعمة والفواكه ؛ بل يدل على أنه إذا تعدّد
لون المأكول ؛ من طعام ، أو غيره ، فله أن يأكل من أي جانب ، وكذلك إذا لم
٤٣٤

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٨٨ - حديث ابن عباس
يبق تحت يد الآكل شيء ، فله أن يتبع ذلك ، ولو من سائر الجوانب .
فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس: أن خياطاً دعا النبي ◌َ ليه
لطعام صنعه، قال: فذهبت مع النبي :﴿ ، فقرب خبز شعير ومرقاً فيه دباء ،
وقديد؛ فرأيت النبي ◌َ ﴿ يتتبع الدباء من حوالي القصعة - أي : جوانبها - فلم
أزل أتتبع الدباء من يومئذ .
وفي الحديث قال أنس : فلما رأيت ذلك ، جعلت ألقيه إليه ، ولا أطعمه ،
وهو دليل على تطلبه له من جميع القصعة ؛ لمحبته له .
هذا؛ ومما نهي عنه الأكل من وسط القصعة ، كما يدل له الحديث الآتى ،
وهو قوله :
أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ
٩٨٨ - وعن ابن عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنّ النَّبيَّ
ثَريدٍ فَقَالَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِهَا ، ولا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا؛ فإن الْبِرَكَةَ تَنْزِلُ في
وَسَطِهَا)). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وهذا لَفْظُ النسائيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ .
أَتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَريد
(وَعَن ابنِ عَبّاسِ رضي الله عنه: أَنّ النَّبيَّ
فَقَالَ : ((كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا ، ولا تأكُّلُوا مِنْ وَسَطِهَا؛ فإن الْبرَكَةَ تَنْزِلُ في
ء
ے
وَسَطِهَا)). رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وهذا لَفْظُ النسائيِّ، وَسَنَّدُهُ صَحِيحٌ) .
دل على النهي عن الأكل من وسط القصعة ، وعلله بأنه تنزل البركة في
وسطها ، وكأنه إذا أكل منه لم تنزل البركة على الطعام ، والنهي يقتضي التحريم ؛
وسواء كان الآكل وحده ، أو مع جماعة .
٤٣٥

٨ - كتاب النكاح ٤ - باب الوليمة ٩٨٩ و٩٩٠ ٩٩١ - أحاديث أبي هريرة وجابر وأبي قتادة
طَعَاماً
٩٨٩ - وعن أبي هُرَيْرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: مَا عابَ رسُولُ الله
قَطُّ؛ كانَ إِذا اشْتَهَى شَيْئاً أَكَلَهُ ، وإِن كَرِهَهُ تَرَكَهُ . مُتّفقٌ عَلَيْه .
طَعَاماً قَطُ ،
(وعن أَبِي هُرَيْرة رضي الله عنه قالَ : مَا عابَ رسُولُ الله
كانَ إِذا اشْتَهَى شَيْئاً أَكَلَهُ ، وإن كَرِهَهُ تَرَكَهُ . مُتّفقٌ عَلَيْهِ) .
فيه إخبار بعدم عيبه صلى الله عليه وآله وسلم للطعام وذمه له ؛ فلا يقول :
هو مالح ، أو حامض ، أو نحو ذلك .
وحاصله أنه دل على عدم عنایته صلی الله عليه وآله وسلم بالأكل ؛ بل ما
اشتهاه أكله ، وما لم يشتهه تركه ، وليس في تركه ذلك دليل على أنه يحرم
عيب الطعام .
٩٩٠ - وعن جَابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رسول الله ◌ِّهِ قالَ: ((لا تأكُلُوا
بالشِّمال ؛ فإن الشّيْطَانَ يَأْكلُ بالشَّمال)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ جَابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رسول الله عَُّهِ قالَ: ((لا تأكُلُوا بالشِّمالِ؛
فإن الشّيْطَانَ يَأْكلُ بالشِّمال)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
تقدم أنه من أدلة تحريم الأكل بالشمال ، وإن ذهب الجماهير إلى كراهته لا غير،
وقد ورد في الشرب كذلك أيضاً ، وهو دليل على أن الشيطان يأكل أكلاً حقيقياً .
٩٩١ - وعن أبي قَتَادَةَ رضي الله عنه أنَّ النّبيََّ﴿ِ قالَ: ((إذا شربَ
أَحَدُكُمْ ، فلا يَتَنَفّسْ في الإِناءِ ثلاثاً). مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ◌َ﴿ قال: ((إذَا شَرِب أَحَدُكُمْ،
فلا يَتَنَفّسْ في الإناءِ ثلاثاً) . متفق عليه).
٤٣٦

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٩٢ - حديث ابن عباس
وقد أخرج الشيخان من حديث أنس: أنه ﴿ ﴿ كان يتنفس في الشراب
ثلاثاً؛ أي : في أثناء الشراب ، لا أنه في إناء الشراب .
وورد تعليل ذلك في رواية مسلم؛ أنه أروى ؛ أي: أقمع للعطش ، وأبرأ؛
أي : أكثر برءاً؛ لما فيه من الهضم ومن سلامته من التأثير في برد المعدة ، وأَمْرَأُ؛
أي : أكثرُ مراءَةً لما فيه من السهولة .
وقيل : العلة خشية تقذيره على غيره ؛ لأنه قد يخرج شيء من الفم فيتصل
بالماء فيقذره على غيره .
٩٩٢ - ولأبي دَاوُدَ عَن ابن عَبّاس رضيَ الله عنهُمَا نَحْوُهُ، وَزَادَ: ((وَيَنْفُخ
فيه)). وَصحّحَهُ الترمذيُّ .
(ولأبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه) : أي : مرفوعاً (وزاد) :
على ما ذكر ((ويَنْفُخ فِيهِ)). وصححه الترمذي) .
فيه دلالة على تحريم النفخ في الإناء . وأخرج الترمذي من حديث أبي
سعيد: أنّ النبي ◌َّةُ نهى عن النفخ في الشراب ، فقال رجل : القذاة أراها في.
الإناء، فقال: ((أهرقها)).
قال: فإني لا أروى من نفس واحد ، قال: ((فَأَبِن القدحَ عن فِيكَ ، ثم
تنفسْ في الشرب ثلاث مرات))، ومن حديث ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تشربوا واحداً))؛ أي : شرباً
واحداً كشرب البعير ((ولكن اشربوا مثنى وثلاث ، وسموا إذا أنتم شربتم ،
واحمدوا إذا أنتم رفعتم))، وأفاد أنّ المرّتين سنة أيضاً .
٤٣٧

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٩٢ - حديث ابن عباس
نعم قد ورد النهي عن الشرب من فم السقاء ؛ فأخرج الشيخان من حديث ابن
عباس : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرب من في السقاء .
وأخرجا من حديث أبي سعيد قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
عن اختناث الأسقية ، زاد في رواية : واختنائها أن يقلب رأسها ، ثم يشرب منه .
وقد عارضه حديث كبشة قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فشرب من في قربة معلقة قائماً ، فقمت إلى فيها فقطعته ؛ أي : أخذته
شفاء نتبرك به ونستشفي به . أخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب صحيح .
وأخرجه ابن ماجه ، وجمع بينهما بأنّ النهي إنما هو في السقاء الكبير ،
والقربة هي الصغيرة .
أو أن النهي للتنزيه ؛ لئلا يتخذه الناس عادة ، دون الندرة .
وعلة النهي أنها قد تكون فيه دابة فتخرج إلى في الشارب ، فيبتلعها مع
الماء ، كما ورد أنه شرب رجل من في السقاء فخرجت منه حية ، وكذلك ثبت
النهي عن الشرب قائماً .
فأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((لا يشربن أحدكم قائماً؛ فمن نَسِيَ فليستقئ)) ؛ أي : يتقيأ ، وفي
رواية عن أنس : زجر عن الشرب قائماً؛ قال قتادة: قلنا: فالأكل ، قال : أشد
وأخبث .
ولكنه عارضه ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس قال : سقيت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم من زمزم فشرب ، وهو قائم .
٠ ٤٣٨

٨ - كتاب النكاح
٤ - باب الوليمة
٩٩٢ - حديث ابن عباس
وفي لفظ: أن رسول اللّه ◌َ اللهُ شرب من زمزم، وهو قائم، وفي ((صحيح
البخاري)): أن علياً رضي الله عنه شرب قائماً وقال: رأيت رسول الله عَ ليه فعل
كما رأيتموني. وجمع بينهما بأن النهي للتنزيه؛ فعله مميزة، بياناً لجواز ذلك فهو
واجب في حقه عليه الصلاة والسلام لبيان التشريع ، وقد وقع منه عليه الصلاة
والسلام مثل هذا في صور كثيرة .
وأما التقيؤ لمن شرب قائماً ، فإنه يستحب للحديث الصحيح الوارد بذلك .
وظاهر حديث التقيؤ أنه يستحب مطلقاً لعامد وناس ونحوهما .
وقال القاضي عياض: إنه من شرب ناسياً؛ فلا خلاف بين العلماء أنه
ليس عليه أن يتقيأ .
نعم ، ومن آداب الشرب أنه إذا كان عند الشارب جلساء ، وأراد أن يعمم
الجلساء ، أن يبدأ بمن عن يمينه ، كما أخرج الشيخان من حديث أنس : أنه أعطى
النبي ◌َ﴾ القدح فشرب وعن يساره أبو بكر وعن يمينه ، أعرابي، فقال عمر : أعط
أبا بكر يا رسول الله! فأعطى الأعرابي الذي عن يمينه، ثم قال: ((الأيمن فالأيمن)).
وأخرجا من حديث سهل بن سعد قال: أَتِيَ النبي ﴿ بقدح فشرب منه ،
وعن يمينه غلام ، أصغر القوم ، هو عبد الله بن عباس والأشياخ عن يساره ،
فقال: ((يا غلام! أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟)) فقال: ما كنت لأوثر بفضل منك
أحداً يا رسول الله ! فأعطاه إياه .
ومن مكروهات الشرب أن تشرب من ثلمة القدح ، لما أخرجه أبو داود من
حديث أبي سعيد الخدري : نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الشرب من
ثلمة القدح .
٤٣٩

٨- کتاب النكاح
٥ - باب القسم بين الزوجات
٩٩٣ - حديث عائشة
٥ - باب القسم بين الزوجات
يَقْسِمُ بین
٩٩٣ - عَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قالَتْ: كانَ رسولُ الله
نِسَائِهِ ويَعْدِلُ وَيَقولُ : («اللهُمَّ هذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ؛ فلا تلُمْني فيمَا تْلِكُ،
وَلَا أَمْلِكُ)). رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابنُ حبانَ والحاكِمُ ، وَلَكِنْ رَجَحَ التِّرْمِذِيُّ
إِرْسَالَهُ .
(عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله عَّةِ يقسم بين نسائه
ويعدل ويقول: ((اللهُمَّ هذَا قَسْمِي): بفتح القاف (فِيمَا أَمْلِكُ): وهو المبيت مع
كل واحدة في نوبتها (فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، ولا أَمْلِكُ))): قال الترمذي :
يعني به الحب والمودّة (رواه الأربعة ، وصححه ابن حبان والحاكم ، ولكن رجح
الترمذي إرساله) .
قال أبو زرعة : لا أعلم أحداً تابع حماد بن سلمة على وصله ، لكن صححه
ابن حبان من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن
عبد الله بن يزيد عن عائشة موصولاً .
والذي رواه مرسلاً هو حماد بن يزيد عن أيوب عن أبي قلابة عن عائشة .
قال الترمذي : المرسل أصح ، قلت : بعد تصحيح ابن حبان الوصل ؛ فقد
تعاضد الموصول والمرسل .
دل الحديث على أنه :﴿ كان يقسم بين نسائه ، وتقدمت الإشارة إلى أنه ؛
غير واجب ؛ لقوله
هل كان واجباً عليه أم لا؟ قيل : وكان القسم علیه
٤٤٠