النص المفهرس
صفحات 361-380
٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٤ - حديث فيروز الديلمي وسكون المثناة التحتية وضم الراء وسكون الواو وآخره زاي ، هو أبو عبد الله (الديلمي): ويقال : الحميري ؛ لنزوله حِمْيَر ، وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء، كان ممن وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي قتل العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة في سنة إحدى عشرة ، وأتى حين قتله النبي ◌َ لي، وهو مريض مرض موته ، وكان بين ظهوره وقتله أربعة أشهر (عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمت وتحتي أختان ، فقال رسول الله ◌َّهم: ((طَلَّقْ أَيْتَهُمَا شِئْتَ)). رواه أحمد والأربعة إلا النسائي ، وصححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي ، وأعله البخاري) : بأنه رواه الضحاك عن أبيه ، ورواه عنه أبو وهب الجَيْشاني - بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية والشين المعجمة فنون -؛ قال البخاري : لا نعرف سماع بعضهم من بعض . والحديث دليل على اعتبار أنكحة الكفار، وإن خالفت نكاح الإسلام، وأنها لا تخرج المرأة من الزوج إلا بطلاق بعد الإسلام ، وأنه يبقى بعد الإسلام بلا تجديد عقد ، وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي وداود . وعند الهادوية والحنفية أنه لا يقر منه إلا ما وافق الإسلام ، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بالطلاق الاعتزال ، وإمساك الأخت الأخرى التي بقيت عنده بعقد جدید . ولا يخفى أنه تأويل متعسف، وكيف يخاطب رسول الله عَ ليه من دخل في الإسلام ، ولم يعرف الأحكام بمثل هذا؟! وكذلك تأولوا مثل هذا قوله : ٣٦١ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٥ - حديث ابن عمر ٩٤٥ - وعن سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ غَيْلان بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلِمْنَ مَّعَهُ، فَأَمَرَهُ النّبِيُّ ◌ِ﴿ أَنْ يَتَخَيّرَ مِنْهُنَّ أَرْبعاً. رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ والْحَاكِمُ ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ . (وعن سالم عن أبيه رضي الله عنه) : عبد الله بن عمر (أن غيلان بن سلمة) : هو ممن أسلم بعد فتح الطائف ، ولم يهاجر ، وهو من أعيان ثقيف ، ومات في خلافة عمر (أسلم وله عشر نسوة ، فأسلمن معه ، فأمره النبي أن يتخير منهن أربعاً . رواه أحمد والترمذي ، وصححه ابن حبان والحاكم، وأعله البخاري وأبو زرعة) . قال الترمذي : قال البخاري : هذا الحديث غير محفوظ . وأطال المصنف في ((التلخيص)) الكلام على الحديث . وأخصر منه وأحسن إفادة كلام ابن كثير في ((الإرشاد))، قال عقب سياقه له : رواه الإمامان أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل ، والترمذي وابن ماجه ؛ وهذا الإسناد رجاله على شرط الشيخين ، إلا أن الترمذي يقول : سمعت البخاري يقول : هذا حديث غير محفوظ ، والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري قال : حدثت عن محمد بن شعيب الثقفي : أن غيلان ... فذكره . قال البخاري : وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه : أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه ، فقال له عمر: لتراجعن نساءك ... ، الحديث. ٣٦٢ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٥ ۔ حديث ابن عمر قال ابن كثير: قلت : قد جمع الإمام أحمد في روايته لهذا الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند ؛ فليس ما ذكره البخاري قادحاً ، وساق رواية النسائي له ، برجال ثقات ، إلا أنه يرد على ابن كثير ما نقله الأثرم عن أحمد أنه قال : هذا الحديث غير صحيح ، والعمل عليه . وهو دليل على ما دلّ عليه حديث الضحاك ، ومن تأول ذلك تأول هذا . فائدة : سبقت إشارة إلى قصة تطليق رجل من ثقيف نساءه ، وذلك أنه اختار أربعاً ، فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه ، فلما بلغ ذلك عمر قال : إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع ، سمع بموتك فقذفه في نفسك ، وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلاً! وايم الله ، لتراجعن نساءك، ولترجعن مالك ، أو لأورثهن منك، ولامرن بقبرك فليرجم كما رجم قبر أبي رغال ... الحديث . ووقع في ((الوسيط)» : ابن غيلان ، وهو وهم ! بل هو غيلان . وأشد منه وهماً ما وقع في ((مختصر ابن الحاجب)): ابن عيلان؛ بالعين المهملة ! وفي ((سنن أبي داود)) : أن قيس بن الحارث أسلم وعنده ثمان نسوة ؛ فأمره لنبي ◌َ ﴿ أن يختار أربعاً . وروى الشافعي والبيهقي عن نوفل بن معاوية أنه قال : أسلمت وتحتي خمس نسوة ؛ فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((فارق واحدة؛ وأمسك أربعاً)) ، فعمدت إلى أقدَمِهِنَّ عندي ، عاقر من ستين سنة ، ففارقتها . ٣٦٣ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٦ - حديث ابن عباس وعاش نوفل بن معاوية مائة وعشرين سنة ؛ ستين في الإسلام وستين في الجاهلية . وفي كلام عمر ما يدل على إبطال الحيلة لمنع التوريث ، وأن الشيطان قد يقذف في قلب العبد ما يسترقه من السمع من أحواله ، وأنه يرجم القبر عقوبة للعاصي ، وإهانة وتحذيراً عن مثل ما فعله . ٩٤٦ - وعن ابن عَبّاس رضيَ اللهُ عنهما قالَ: رَدَّ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلىَ أَبِي الْعَاصِ ابْنِ الرَّبِيعِ بَعْدَ سِتٍّ سِنِينَ بالنِّكاح الأوَّلِ ، ولم يُحْدثْ نكاحاً. رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعةُ إلا النسائيَّ، وَصَحّحَهُ أَحْمِدُ والحاکِمُ . (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: رَدَّ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بالنّكاحِ الأوَّلِ ، ولم يُحْدثْ نكاحًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعةُ إلا النسائيَّ، وَصَحّحَهُ أَحْمَدُ والحاكِمُ) . قال الترمذي : حسن ، وليس بإسناده بأس ، وفي لفظ لأحمد : كان إسلامها قبل إسلامه بست سنين ، وعنى بإسلامها هجرتها ، وإلا فهي أسلمت مع سائر بناته ﴿ ؛ وهن أسلمن منذ بعثه الله ، وكانت هجرتها بعد وقعة بدر بقليل ، ووقعة بدر كانت في رمضان من السنة الثانية من هجرته عليه ، وحرمت المسلمات على الكفار في الحديبية سنة ست من ذي القعدة منها ؛ فيكون مكثها بعد ذلك نحواً من سنتين ؛ ولهذا ورد في رواية أبي داود : ردها عليه بعد سنتين . وهكذا قرر ذلك أبو بكر البيهقي . ٣٦٤ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٦ - حديث ابن عباس قال الترمذي : لا يعرف وجه هذا الحديث ، يشير إلى أنه كيف ردها عليه بعد ست سنين ، أو ثلاث ، أو سنتين؟! وهو مشكل لاستبعاد أن تبقى عدّتها هذه المدة ، ولم يذهب أحد إلى تقرير المسلمة تحت الكافر إذا تأخر إسلامه عن إسلامها . نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر ، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر جوَّه ، ورد بالإجماع ، وتعقب بثبوت الخلاف فيه عن علي والنخعي ؛ أخرجه ابن أبي شيبة عنهما ، وبه أفتى حمّاد شيخ أبي حنيفة ، فروى عن علي أنه قال - في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما - : هو أملك لبضعها ما دامت في دار هجرتها . وفي رواية : هو أولى بها ما لم تخرج من مصرها. وفي رواية عن الزهري أنه : إن أسلمت ، ولم يسلم زوجها ، فهما على نكاحهما ، ما لم يفرق بينهما سلطان . وقال الجمهور: إن أسلمت الحربية وزوجها حربي وهي مدخول بها ؛ فإن أسلم وهي في العدة ، فالنكاح باق ، وإن أسلم بعد انقضاء عدتها ، وقعت الفرقة بينهما ، وهذا الذي ادعى عليه الإجماع في ((البحر))، وادّعاه ابن عبد البر، كما عرفت . وتأول الجمهور حديث زينب بأن عدتها لم تكن قد انقضت ، وذلك بعد نزول آية التحريم لبقاء المسلمة تحت الكافر ، وهو مقدار سنتين وأشهر ؛ لأن الحيض قد يتأخر مع بعض النساء، فردّها تَّةٍ لما كانت العدة غير منقضية . وقيل : المراد بقوله : بالنكاح الأول ؛ أنه لم يحدث زيادة شرط ، ولا مهر، ورد هذا ابن القيم وقال : ٣٦٥ ٨٠ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٦ - حديث ابن عباس لا نعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث ، ولا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل المرأة ؛ هل انقضت عدتها أم لا . ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فرقة ؛ لكانت فرقة بائنة لا رجعية ؛ فلا أثر للعدة في بقاء النكاح وإنما أثرها في منع النكاح للغير. فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما ؛ لم يكن أحق بها في العدة ولكن الذي دلّ عليه حكمه صلى الله عليه وآله وسلم أن النكاح موقوف ؛ فإن أسلم قبل انقضاء عدتها ؛ فهي زوجته . وإن انقضت عدتها ؛ فلها أن تنكح من شاءت ، وإن أحبت ؛ انتظرته ؛ فإن أسلم؛ كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح . ولا يعلم أحد جدّد بعد الإسلام نكاحه ألبتة ؛ بل كان الواقع أحد الأمرين : إما افتراقهما ونكاحها غيره ، وإما بقاؤهما عليه ، وإن تأخر إسلامه . وأما تنجيز الفرقة ومراعاة العدة ؛ فلا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده، وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه . قال : ولولا إقراره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزوجين على نكاحهما، وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية ، وزمن الفتح ؛ لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة ؛ لقوله تعالى : ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهنّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم ٣٦٦ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٧ - حديث عبد الله بن عمرو الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]، ثم سرد قضايا تأكد ما ذهب إليه ، وهو أقرب الأقوال في المسألة . ٩٤٧ - وعن عَمْرو بن شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عنْ جَدِّهِ قالَ: رَدَّ النبيُّ ◌َِله ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أبي العاص بن الربيع بِنكاح جَديدٍ. قَالَ التّرمِذِيُّ: حَديثُ ابْنِ عَبّاسٍ أَجْودُ إسْناداً ، والعَمَلُ عَلَى حديثَ عَمْروَ بْنِ شُعَيْبٍ . (وَعَنْ عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ قال: ردَّ النبيّ ◌َّهِ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أبي العاص بن الربيع بِنكاح جَدِيدٍ . قَالَ التّرمِذِيُّ : حَديثُ ابْنِ عَبّاسٍ أَجْودُ إسْناداً ، والعَمَلُ عَلى حديثٍ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ) . ء قال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)): قال الإمام أحمد: هذا حديث ضعيف ، وحجاج لم يسمعه من عمرو بن شعيب ، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي ، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئاً ، قال : والصحيح حديث ابن عباس - يعني : المتقدم -، وهكذا قال البخاري والترمذي والدارقطني والبيهقي ، وحكاه عن حفاظ الحديث . وأما ابن عبد البر، فإنه جنح إلى ترجيح رواية عمرو بن شعيب ، وجمع بينه وبين حديث ابن عباس ؛ فحمل قوله في حديث ابن عباس: بالنكاح الأول؛ أي : بشروطه ، ومعنى لم يحدث شيئاً؛ أي: لم يزد على ذلك شيئاً ، وقد أشرنا إليه آنفاً . قال : وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول ، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد ، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل . انتهى . ٣٦٧ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٨ - حديث ابن عباس قلت : يرد تأويل حديث ابن عباس تصريح ابن عباس في رواية : فلم يحدث شهادة، ولا صداقاً. رواه ابن كثير في ((الإرشاد))، ونسبه إلى إخراج الإمام أحمد له . وأما قول الترمذي : والعمل على حديث عمرو بن شعيب ، فإنه یرید عمل أهل العراق ، ولا يخفى أن عملهم بالحديث الضعيف وهجر القوي ، لا يقوي الضعيف ؛ بل يضعف ما ذهبوا إليه من العمل . ٩٤٨ - وعن ابن عَبّاس رضيَ الله عنهُمَا قالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ فَتَزَوجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُها فَقَال: يَا رَسُوَّلَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامِي. فَانْتَزَعَهَا رسولُ الله ◌َّهِ مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ وَرَدَّهَا إلَى زَوْجِهَا الأوَّلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوِدَ وابْنُ مَاجَه ، وصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والحاكِمُ . (وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: أَسلَمَتِ امْرَأَةٌ فَتَزَوجَتْ ، فَجَاءَ زَوْجُها فَقَال: يَا رَسُولُ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامِي ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ وَرَدَّهَا إلى زَوْجِهَا الأوَّلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو رسولُ الله دَاودَ وابْنُ مَاجَه ، وصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والحاكِمُ) . الحديث دليل على أنه إذا أسلم الزوج وعلمت امرأته بإسلامه ، فهي في عقد نكاحه ، وإن تزوجت ؛ فهو تزوج باطل ، تنتزع من الزوج الآخر . وقوله : وعلمت بإسلامي ، يحتمل أنه أسلم بعد انقضاء عدتها ، أو قبلها ، وأنها ترد إليه على كل حال ، وأن علمها بإسلامه قبل تزوجها بغيره ، يبطل نكاحها مطلقاً؛ سواء انقضت عدتها أم لا؛ فهو من الأدلة لكلام ابن القيم ٣٦٨ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٩ - حديث كعب بن عجرة الذي قدمناه؛ لأن تركه ◌َّاهُ الاستفصال ؛ هل علمت بعد انقضاء العدة ، أو لا؟ دليل على أنه لا حكم للعدة . إلا أنه على كلام ابن القيم الذي قدمناه أنها بعد انقضاء عدتها تزَوَّجُ من شاءت ، لا تتم هذه القصة إلا على تقدير تزوجها في العدة ؛ كذا قاله الشارح رحمه الله . ولا يخفى أنه مُشْكل ؛ لأنه إن كان عقد الآخر بعد انقضاء عدتها من الأول ، فنكاحها صحيح ، وإن كان قبل انقضاء عدتها ، فهو باطل إلا أن يقال : إنه أسلم وهي في العدة ، وإذا أسلم وهي فيها ، فالنكاح باق بينهما ، فتزوجها بعد إسلامه باطل ؛ لأنها باقية في عقد نكاحها ؛ فهذا أقرب . ٩٤٩ - وعن زَيِّدِ بنِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : تَزَوّجَ رَسولُ الله لله الْعاليةَ مِنْ بني غِفَار، فلما دَخَلَتْ عَلَيهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا ، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضاً، فقالَ: ((الْبَسِي ثِيَابَكِ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ))، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاق. رَوَاهُ الحاكمُ، وفي إسْنَادِهِ جميلُ بنُ زَيْدٍ ؛ وهو مَجْهُولٌ ، واخْتُلِفَ عَلَيْهِ في شَيْخِهِ اختلافاً كثيراً . (وعن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه قال: تزوج رسول الله ◌َ ﴿ العاليَةَ من بَني غِفَار) : بكسر الغين المعجمة ففاء خفيفة فراء بعد الألف ؛ قبيلة معروفة (فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها ؛ رأى بكشحها) : بفتح الكاف فشين معجمة فحاء مهملة ، هو ما بين الخاصرتين إلى الضلع ، كما في ((القاموس)) (بياضاً فقال: ((الْبَسي ثِيَابَك والْحَقِي بأَهْلِكٍ)) ، وأمر لها بالصداق . رواه ٣٦٩ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٩ - حديث كعب بن عجرة الحاكم ، وفي إسناده جميل بن زيد ؛ وهو مجهول ، واختلف عليه في شيخه اختلافاً كثيراً) : اختلف في الحديث عن جميل ؛ فقيل عنه ؛ كما قال المصنف ، وقيل : عن ابن عمر ، وقيل : عن كعب بن عجرة ، وقيل : عن كعب بن زيد . والحديث فيه دليل على أن البرص مُنَفِّر ، ولا يدل الحديث على أنه يفسخ به النكاح صريحاً؛ لاحتمال قوله : ((الحقي بأهلك)) أنه قصد به الطلاق ؛ إلا أنه قد روى هذا الحديث ابن كثير بلفظ: أنه عَظ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخلت عليه ، رأى بكشحها وضحاً ، فردها إلى أهلها وقال: ((دلستم عليّ))، فهو دليل على الفسخ . وهذا الحديث ذكره ابن كثير في : باب الخيار في النكاح والرد بالعيب . وقد اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيوب ؛ فذهب أكثر الأمة إلى ثبوته ، وإن اختلفوا في التفاصيل . فروي عن علي وعمر أنها لا تُرَد النساء إلا من أربع : من الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج ، وإسناده منقطع . وروى البيهقي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنه : أربع لا يجزن في بيع ، ولا نكاح : المجنونة والمجذومة والبرصاء والعفلاء . والرجل يشارك المرأة في ذلك ، ويرد بالجب والعنة على خلاف في العنة ، وفي أنواع من المنفرات خلاف . واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ، ولا يحصل به مقصود ٣٧٠ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٥٠ - حديث عمر النكاح من المودة والرحمة ، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع ، كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع . قال : ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته ، وما اشتملت عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة . وقال : وأمّا الاقتصار على عيبيْن ، أو ثلاثة، أو أربعة ، أو خمسة ، أو ستة ، أو سبعة ، أو ثمانية دون ما هو أولى منها ، أو مساويها ، فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين ، أو الرجلين ، أو إحداهما من أعظم المنفرات ، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش ، وهو مناف للدين . والإطلاق إنّما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفاً . قال : وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لمن تزوج امرأة ، وهو لا يولد له : أخبرها أنك عقيم . فماذا تقول في العيوب الذي هذا عندها كمال لا نقص ، انتھی . وذهب داود وابن حزم إلى أنه لا يفسخ النكاح بعيب ألبتة ؛ وكأنه لما لم يثبت الحديث به ، ولا يقولون بالقياس ، لم يقولوا بالفسخ . ٩٥٠ - وعن سَعيدِ بنِ الْمُسَيّبِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخطابِ رضي الله عنه قالَ: أَيُّمَا رَجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْضَاءَ ، أو مَجْنُونَةً ، أو مَجذومَةً ، فَلَهَا الْصَّداقُ بمسيسه إيّاها، وهو لَهُ عَلى مِنْ غَرَّهُ مِنْها. أَخْرَجَهُ سَعيدُ بنُ مَنْصُورِ وَمَالِكٌ وابنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ . ٣٧١ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٥٠ ۔ حديث عمر (وعن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيما رجل تزوّجَ امرأةً فدخلَ بها فوجدها برصاء ، أو مجنونة ، أو مجذومة ، فلها الصداق بمَسيسه إياها ، وهو لَهُ على مَنْ غَرَّهُ منها . أخرجه سعيد بن منصور ومالك وابن أبي شيبة ، ورجاله ثقات) . تقدم الكلام في الفسخ بالعيب ، وقوله : وهو ؛ أي : المهر له - أي : للزوج - على من غرّه منها ؛ أي : يرجع عليه ، وإليه ذهب الهادي ومالك وأصحاب الشافعي ؛ وذلك لأنه غرم لحقه بسببه . إلا أنهم اشترطوا علمه بالعيب ؛ فإذا كان جاهلاً ، فلا غرم عليه . وقول عمر: على من غرّه ، دال على ذلك؛ إذْ لا غرر منه إلا مع العلم . وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا رجوع ، إلا أن الشافعي قال بهذا في الجدید . قال ابن كثير في ((الإرشاد)): وقد حكى الشافعي في القديم عن عمر وعلي وابن عباس في المغرور: يرجع بالمهر على من غرّه ، ويعتضد بما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من غشنا فليس منا)). ثم قال الشافعي في الجديد: وإنما تركنا ذلك لحديث: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل ؛ فإن أصابها ، فلها الصداق بما استحل من فرجها)). قال : فجعل لها الصداق في النكاح الباطل وهي التي غرته ، فلأن يجعل لها الصداق بلا رجوع على الغارّ في النكاح الصحيح الذي الزوج فيه مخير، بطريق الأولى . انتهى . ٣٧٢ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٥١ و٩٥٢ - حديثا على وسعيد بن المسيب وقد يقال هذا مطلق مقيد بحديث الباب . ٩٥١ - وروى سعيدٌ أيضاً عن عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ نحوه وزاد : وبها قرن ؛ فزوجها بالخيار ؛ فإن مسها ؛ فلها المهر بما استحل من فرجها . (وروى سعيد أيضاً) : يعني : ابن منصور (عن عليّ رضي الله عنه نحوه وزاد : وبها قَرْنٌ): بفتح القاف وسكون الراء ، هو العفلة : بفتح العين المهملة وفتح الفاء واللام ؛ وهي تخرج في قُبُل النساء وحيا الناقة ، كالأدرة في الرجال (فزوجُها بالخيار ؛ فإن مَسّها فلها المهرُ بما استَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا) . ٩٥٢ - ومن طريق سعيد بن المسيب أيضاً قال: قضى عمر رضي الله عنه في العنين أن يؤجل سنة . ورجاله ثقات . (ومن طريق سعيد بن المسيب أيضاً) : أي : وأخرج سعيد بن منصور من طريق ابن المسيب (قال : قضى عمر رضي الله عنه في العنين أن يؤجل سنة . ورجاله ثقات) : بالمهملة فنون فمثناة تحتية فنون بزنة : سكين ، هو من لا يأتي النساء عجزاً ؛ لعدم انتشار ذكره ، ولا يريدهن . والاسم العنانة والتعنين والعنينة ، بالكسر ويشدّد ، والعنة بالضم الاسم أيضاً من عنن عن امرأته ؛ حكم عليه القاضي بذلك ، أو منع بالسحر . وهذا الأثر دال على أنها عيب يفسخ بها النكاح بعد تحققها . واختلفوا في ذلك . والقائلون بالفسخ اختلفوا أيضاً في إمهاله ؛ ليحصل التحقيق . ٣٧٣ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٥٢ - حديث سعيد بن المسيب فقيل : يمهل سنة ، وهو مروي عن عمر وابن مسعود . وروي عن عثمان : أنه لم يؤجله . وعن الحارث بن عبد الله : يؤجل عشرة أشهر . وذهب أحمد والهادي وجماعة إلى أنه لا فسخ في ذلك ، واستدلوا بأن الأصل عدم الفسخ ، وهذا أثر لا حجة فيه ، وبأنه ◌ٍَّ لم يخير امرأة رفاعة ، وقد شكت منه ذلك ، وهو في موضع التعليم . وقد أجاب في ((البحر)) بقوله : قلنا : لعل زوجها أنكر ، والظاهر معه . قلت : لا يخفى أن امرأة رفاعة لم تشك من رفاعة ؛ فإنه كان قد طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير ، فجاءت تشكو إليه صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : إنما معه مثل هدية الثوب ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا ، حتّى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته)). وفي رواية «الموطأ» : أن رفاعة طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً ، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فأعرض عنها ، فلم يستطع أن يمسها ففارقها ، فأراد رفاعة أن ينكحها - وهو زوجها الأول -، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتريدين ... )) الحديث . وبهذا يعرف عدم صحة الاستدلال بقصة رفاعة ؛ فإنها لم تطلب الفسخ ، بل فهم منها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنها تريد أن يراجعها رفاعة ؛ فأخبرها أن عبد الرحمن حيث لم يذق عسيلتها ، ولا ذاقت عسيلته ، لا يحلها لرفاعة . ٣٧٤ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٥٢ - حديث سعيد بن المسيب وكيف يحمل حديثها على طلبها الفسخ ، وقد أخرج مالك في ((الموطأ) : أن عبد الرحمن لم يستطع أن يمسها فطلقها ، فأراد رفاعة أن ينكحها - وهو زوجها الأول -؛ فجاءت تستفتي رسول الله عَ ليهٍ فأجابها بأنها لا تحل له. وأما قصة أبي ركانة وهي : أنه نكح امرأة من مزينة ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : ما يغني عني إلا كما تغني عني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ؛ ففرق بيني وبينه . فأخذت النبي حمية فدعا بركانة وإخوته ، ثم قال لجلسائه: ((أترون فلاناً - يعني ولداً له - يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد ، وفلاناً لابنه الآخر يشبه منه كذا وكذا؟)) قالوا: نعم، قال النبي صل لعبد يزيد: ((طلقها! ففعل ... )) الحديث . أخرجه أبو داود عن ابن عباس . والظاهر أنه لم يثبت عنده ◌َرةٍ ما ادعته المرأة من العنة ؛ لأنها خلاف الأصل . ولأنه ◌َ لم تعرف أولاده بالقيافة، وسأل عنها أصحابه ◌َّ هِ ، فدل أنه لم يثبت له أنه عنين فأمره بالطلاق ؛ إرشاداً إلى أنه ينبغي له فراقها حيث طلبت ذلك منه ، لا أنه يجب عليه . فائدة : قال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع ؛ فقال الأكثرون : إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين ، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق . ٣٧٥ ٨٠ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٥٢ - حديث سعيد بن المسيب وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلة ، أجل لها سنة ، وإن كان لغير علة ، فلا تأجيل . وقال عياض : اتفق كافة العلماء أن للمرأة حقاً في الجماع؛ فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما ، ويضرب للعنين أجل سنة لاختبار زوال ما به . انتهى . قلت : ولم يستدلوا على مقدار الأجل بالسنة بدليل ناهض ، إنما يذكر الفقهاء أنه لأجل أن تمر به الفصول الأربعة فيتبين حينئذ حاله . ٣٧٦ ٨ - كتاب النكاح ٢ - باب عشرة النساء ٩٥٣ - حديث أبي هريرة ٢ - باب عشرة النساء بكسر العين وسكون الشين المعجمة ؛ أي : عشرة الرجال - أي : الأزواج -، النساء - أي : الزوجات - . ٩٥٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسولُ الله ◌َّهِ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرأَةً في دُبُرها)). رَوَاهُ أَبُو داودَ والنّسَائِيُّ واللفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثقَاتٌ ، لكن أُعلَّ بالإرسالِ . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسولُ الله ◌َّهِ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَّى امْرَأَةً في دُبُرها)). رَوَاهُ أَبُو داودَ والنّسَائِيُّ واللفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لكن أُعِلَّ بالإِرْسالِ) . رُوِيَ هذا الحديث بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة ، منهم : عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وعمر وخزيمة وعلي بن طلق وطلق بن عليّ وابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر والبراء وعقبة بن عامر وأنس وأبو ذرّ، وفي طرقه جميعها كلام ، ولكنه مع كثرة الطرق واختلاف الرواة يشدّ بعض طرقه بعضاً . ويدل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن ؛ وإلى هذا ذهبت الأمة - إلا القليل - للحديث . هذا؛ ولأن الأصل تحريم المباشرة ، إلا ما أحله الله ، ولم يحل تعالى إلا القبل ، كما دل له قوله: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله : ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ٣٧٧ ٨ - كتاب النكاح ٢ - باب عشرة النساء ٩٥٤ ۔۔ حديث ابن عباس فأباح موضع الحرث ، والمطلوب من الحرث نبات الزرع ؛ فكذلك النساء الغرض من إتيانهن هو طلب النسل ، لا قضاء الشهوة ، وهو لا يكون إلا في القبل ؛ فيحرم ما عدا موضع الحرث ، ولا يقاس عليه غيره ؛ لعدم المشابهة في كونه محلاً للزرع . وأما حل الاستمتاع فيما عدا الفرج فمأخوذ من دليل آخر ، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج ، وذهبت الإمامية إلى جواز إتيان الزوجة والأمة ؛ بل المملوك في الدبر! وروي عن الشافعي أنه قال : لم يصح في تحليله ، ولا تحريمه شيء ، والقياس أنه حلال ! ولكن قال الربيع : والله الذي لا إله إلا هو ، لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب ، ويقال : إنه كان يقول بحله في القديم . وفي ((الهدي النبوي)) : عن الشافعي أنه قال : لا أرخص فيه ؛ بل أنهى عنه . وقال : إن من نقل عن الأئمة إباحته ، فقد غلط عليهم أفحش الغلط وأقبحه ، وإنما الذي أباحوه أن يكون الدبر طريقاً إلى الوطء في الفرج فيطأ من الدبر، لا في الدبر، فاشتبه على السامع . انتهى . ويروى جواز ذلك عن مالك ، وأنكره أصحابه ، وقد أطال الشارح القول في المسألة بما لا حاجة إلى استيفائه هنا ، وقرر آخراً تحريم ذلك ، ومن أدلة تحريمه قوله : ٩٥٤ - وعن ابن عَبّاس رضي الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله ثَ : ((لا يَنْظُرُ اللهُ إلى رَجُلِ أَتَى رَجَّلاً، أو امْرَأَةً فِي دُبُرهَا)). رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ والنّسَائِي وابنُ حِبّانَ ، وَأُعِلَّ بَالْوَقْفِ. ٣٧٨ ٨ - كتاب النكاح ٢ - باب عشرة النساء ٩٥٥ - حديث أبي هريرة (وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا يَنْظُرُ اللهُ إلى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً، أو امْرَأَةً في دُبُرِهَا)). رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ والنّسَائي وابنُ حِبّانَ ، وَأُعِلَّ بِالْوَقْفِ): على ابن عباس ، ولكن المسألةَ لا مسرحَ للاجتهاد فيها ، سيما ذكر هذا النوع من الوعيد ؛ فإنه لا يدرك بالاجتهاد ، فله حكم الرفع . ٩٥٥ - وعن أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قال: ((مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليوم الآَخِرِ ، فلا يُؤذِ جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْراً؛ فإنهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضَلَع ، وإنَ أَعْوجَ شيءٍ فِي الصَّلَعِ أَعْلاهُ؛ فإن ذَهَبْتَ تقيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإن تَرَكْتَهُ لِّمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بالنَسَاءِ خَيْرَاً» . مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ للبُخَارِيِّ، وَلمسْلم: ((فإن اسْتَمْتَعْتَ بها، اسْتَمْتَعْتَ بها وبها عِوَجٌ ، وإن ذَهَبْتَ تُقيمُهَا، كَسَرْتِهَا؛ وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا)). (وعن أَبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قال: ((مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر، فلا يُؤذِ جَارَهُ ، وَاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْراً؛ فإنهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَع) : بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وإسكانها ؛ واحد الأضلاع (وإن أعْوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعْلاهُ؛ فإن ذَهَبْتَ تقيمُهُ كَسَرْتَهُ ، وإن تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنَسَاءِ خَيْرَاً) : أي : اقبلوا الوصية فيهن ، والمعنى : أني أوصيكم بهن خيراً ، أو المعنى : يوصي بعضكم بعضاً فيهن خيراً (متفق عليه ، واللفظ للبخاري ، ولمسلم: ((فإن اسْتَمْتَعْتَ بها، اسْتَمْتَعْتَ بها وبها عِوَجٌ): هو بكسر أوله على الأرجح (وإن ذَهَبْتَ تُقيمُهَا ، كَسَرْتها وكَسْرُهَا طَلَاقُهَا) . ٣٧٩ ٨ - كتاب النكاح ٢ - باب عشرة النساء ٩٥٥ - حديث أبي هريرة الحديث دليل على عظم حق الجار، وأن من آذى الجار فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر ، وهذا إن كان يلزم منه كُفر من آذى جاره ، إلا أنه محمول على المبالغة ؛ لأن من حق الإيمان ذلك ؛ فلا ينبغي لمؤمن الاتصاف به . وقد عدّ أذى الجار من الكبائر؛ فالمراد من کان يؤمن إيماناً كاملاً ، وقد وصی الله على الجار في القرآن . وحدّ الجار إلى أربعين داراً كما أخرج الطبراني : أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال : يا رسول الله! إني نزلت في محل بني فلان ، وإن أشدهم لي أذى أقربهم إليَّ داراً ، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم يأتون المسجد فيصيحون على: ((أن أربعين داراً جار ، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه». وأخرج الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)): ((إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة بيت من جيرانه))، وهذا فيه زيادة على الأول ، والأذية للمؤمن مطلقاً محرمة ، قال تعالى : ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨]، ولكنه في حق الجار أشد تحريماً ؛ فلا يغتفر منه شيء ، وهو كل ما يعد في العرف أذى، حتّى ورد في الحديث: ((أنه لا يؤذيه بقتار قدره إلا أن يغرف له من مرقته ، ولا يحجز عنه الريح إلا بإذنه ، وإن اشترى فاكهة ، أهدى إليه منها)) . وحقوق الجار مستوفاة في ((الإحياء)) للغزالي . وقوله : ((واستوصوا»: تقدّم بيان معناه وعلله بقوله: ((فإنهن خلقن من ٣٨٠