النص المفهرس

صفحات 241-260

٧ - كتاب البيوع
١٧ - باب الوقف
٨٧٢ - حديث أبي هريرة
١٧ - بابُ الوَقْفِ
الوقف لغة : الحبس ، يقال : وقفت كذا؛ أي : حبسته ، وهو شرعاً : حبس مال
يمكن الانتفاع به ، مع بقاء عينه ؛ بقطع التصرف في رقبته ، على مصرف مباح .
٨٧٢ - عَنْ أَبِي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النبيَّ:﴿ِ قالَ: ((إذا مَاتَ ابنُ
أَدَمَ ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أو عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ ، أو وَلَد
صَالِحِ يَدْعُولَهُ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(َعَّنْ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النبيََّهِ قالَ: ((إذا مَاتَ ابنُ آدَمَ،
انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أو عِلْم يُنْتَفَعُ بهِ ، أو وَلَد
صَالِحِ يَدْعُولَهُ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
ذكره في باب الوقف ؛ لأنه فسر العلماء الصدقة الجارية بالوقف ، وكان أوّل
وقف في الإسلام وقف عمر رضي الله عنه الآتي حديثه ، كما أخرجه ابن أبي
شيبة: أن أوّل حبس في الإسلام صدقة عمر(٢)، قال الترمذي : لا نعلم بين
الصحابة والمتقدمين من أهل الفقه خلافاً في جواز وقف الأرضين .
وأشار الشافعي أنه من خصائص الإسلام، لا يعلم في الجاهلية .
وألفاظه : وقفت وحبست وسبلت وأبدت ، فهذه صرائح ألفاظه ، وكنايته :
تصدقت ، واختلف في : حرمت ؛ فقيل : صريح ، وقيل : غير صريح .
(١) وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، وبقية الستة ؛ غير ابن ماجه.
(٢) وكذا رواه أحمد (١٥٦/٢ - ١٥٧)، والدارقطني (٥٠٣)؛ وفيه عبدالله بن عمر - وهو
العمري المكبر - ، وهو ضعيف .
٢٤١

٧ - كتاب البيوع
١٧ - باب الوقف
٨٧٢ - حديث أبي هريرة
وقوله : ((أو علم ينتفع به))، المراد النفع الأخروي ، فيخرج ما لا نفع فيه،
كعلم النجوم من حيث أحكام السعادة وضدها .
ويدخل فيه من ألف علماً نافعاً ، أو نشره فبقي من يرويه عنه وينتفع به ، أو
كتب علماً نافعاً - ولو بالأجرة مع النية - أو وقف كتباً .
ولفظ الولد شامل للأنثى والذكر ، وشرط صلاحه ؛ ليكون الدعاء مجاباً .
والحديث دليل على أنه ينقطع أجر كل عمل بعد الموت إلا هذه الثلاثة ؛
فإنه يجري أجرها بعد الموت ، ويتجدد ثوابها ؛ قال العلماء : لأن ذلك من كسبه .
وفيه دليل على أن دعاء الولد لأبويه بعد الموت يلحقهما ، وكذلك غير
الدعاء من الصدقة وقضاء الدين وغيرهما .
واعلم أنه قد زيد على هذه الثلاثة ما أخرجه ابن ماجه بلفظ: ((إن مما يلحق
المؤمن من عمله وحسناته بعد موته ، علماً نشره ، وولداً صالحاً تركه ، أو
مصحفاً ورثه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو
صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته ، تلحقه بعد موته))(١) .
ووردت خصال أخر تبلغ عشراً، ونظمها الحافظ السيوطي رحمهُ الله تعالى
قال :
(١) وإسناده حسن، كما قال المنذري (٥٠٩/١).
ورواه ابن خزيمة أيضاً، وقد تكلمت على إسناده في ((التعليق على المعجم الصغير)» (رقم:
١٠١٣).
٢٤٢

٧ - كتاب البيوع
١٧ - باب الوقف
٨٧٣ - حديث ابن عمر
عليه من فعال غير عشر
إذا مات ابن آدم ليس يجري
وغرس النخل والصدقات تجري
علوم بثها ودعاء نجل
وحفر البئر، أو إجراء نهر
وراثة مصحف ورباط ثغر
إليه ، أو بناء محل ذكر
وبیت للغريب بناه یأوي
٨٧٣ - وعن ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: أَصابَ عُمَرُ أرضاً بِخَيْبَرَ،
فَأَتَى النّبِيَ نَ ◌ّهِ يسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ ! إِنِي أَصَبْتُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ،
لَمْ أُصبْ مالاً قَطُ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَقَالَ: ((إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا،
وَتَصَدَّقْتَ بها)). قالَ: فَتَصدَّقَ بها عُمَرُ: أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، ولا يُورَثُ ، ولا
يُوهَبُ ، فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ ، وفِي الْقَرْبى ، وفي الرِّقابِ ، وفي سبيلٍ
الله وابنِ السّبيل والضَّيْفِ ؛ لا جُنَاحَ عَلى مَنْ وَلِيَها أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوف،
ويُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوَّل مالاً. مُتَّفِقُ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لمسْلِمِ .
وفي روايةٍ للبُخاري: ((تَصَدَّقْ بِأَصْلِهَ؛ لا يُبَاعُ، ولا يُوهبُ؛ ولكنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ» .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: أصابَ عمرُ أرضاً بِخَيَبَر (١)) : في رواية
النسائي : أنه كان لعمر مائة رأس فاشترى بها مائة سهم من خيبر (فأتى النبي
: يستأمره فيها ، فقال : يا رسول الله ! إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً
قط هو أنفس عندي منه(٢)، فقال: ((إنْ شْتَ حَبَسْتَ أصْلَها وتصَدَّقْتَ بها)).
(١) زاد أحمد (١٢٥/٢) في رواية: من يهود بني حارثة؛ يقال لها: ثَمْغ.
وسنده صحيح على شرطهما .
(٢) في رواية مسلم (٧٤/٦) زيادة: فما تأمرني؟!
٢٤٣

٧ - كتاب البيوع
١٧ - باب الوقف
٨٧٣ - حديث ابن عمر
قال : فتصدق بها عمر : أَنّهُ لا يُبَاعُ أصْلُها ، ولا يُورَثُ ، ولا يُوهَبُ فَتَصَدّقَ بها
عَلى الفقراء وفي الْقُرْبى) : أي : ذوي قربى عمر (وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ
الله، وابْنِ السبّيل، والضَّيْفِ؛ لا جُنَاحَ عَلى مَنْ وليَهَا أَنْ يأكُلَ منها
بالمَعْرُوف، ويُطْعمَ صَديقاً غَيْرَ مُتَمَوّل مَالاً(١) . متفق عليه ، واللفظ لمسلم . وفي
رواية للبخاري: ((تَصَدّقْ بأَصْله؛ لا يُبَاعُ، ولا يُوهَبُ، ولكنْ يُنْفق ثَمَرُهُ))) .
أفادت رواية البخاري أن كونه لا يباع، ولا يوهب من كلامه ◌َ له، وأن هذا
شأن الوقف ، وهو يدفع قول أبي حنيفة بجواز بيع الوقوف .
قال أبو يوسف : إنه لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث ، لقال به ، ورجع عن بيع
الوقف .
قال القرطبي : رد الوقف مخالف للإجماع؛ فلا يلتفت إليه .
وقوله : أن يأكل منها من وليها بالمعروف ، قال القرطبي : جرت العادة أن
العامل يأكل من ثمرة الوقف ، حتّى لو اشترط الواقف أن لا يأكل منه ، لاستقبح
ذلك منه .
والمراد بالمعروف : القدر الذي جرت به العادة ، وقيل : القدر الذي يدفع
الشهوة ، وقيل : المراد أن يأخذ منه بقدر عمله ، والأول أولى .
وقوله : غير متمول ؛ أي : غير متخذ منها مالاً؛ أي : ملكاً ، والمراد : لا
(١) لفظ مسلم: «متمول فيه)).
وفي رواية له: ((غير متأثل مالاً)).
٢٤٤

٧ - كتاب البيوع
١٧ - باب الوقف
٨٧٤ - حديث أبي هريرة
يتملك شيئاً من رقابها ، ولا يأخذ من غلتها ما يشتري بدله ملكاً ؛ بل ليس له
إلا ما ينفقه .
وزاد أحمد(١) في روايته : أن عمر أوصى بها إلى حفصة أم المؤمنين ، ثم إلى
الأكابر من آل عمر . ونحوه عند الدارقطني .
٨٧٤ - وعن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّه عَّهِ عُمَرَ عَلى
الصَّدَقة. الحديث، وَفيه: ((وَأَمّا خَالدٌ، فقد احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وأَعْتَادَهُ في
سَبيلِ الله)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(وَعَنْ أَبي هُريرة رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِيَّةِ عُمَرَ عَلى
الصَّدَقة. الحديث وَفيه: ((وَأَمَّا خَالدٌ ، فقد احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ في سَبيلٍ
اللّه)). مُتّفقٌ عَلَيْه) .
تقدم تفسير الأعتاد ؛ والحديث دليل على صحة وقف العين عن الزكاة ،
وأنه يأخذ بزكاته آلات للحرب ، للجهاد في سبيل الله ، وعلى أنه يصح وقف
العروض .
(١) ليست هذه الزيادة عند أحمد ألبتة! وإنما عنده في آخر الرواية المتقدمة عن عمرو بن
دينار : أن عبدالله بن عمر كان يهدي إلى عبدالله بن صفوان منه . قال : فتصدقت حفصة
بأرض لها على ذلك ، وتصدق ابن عمر بأرض له على ذلك ، ووليتها حفصة .
وقد ذكر الحافظ (٣٠٩/٥) بعض هذه الرواية من طريق أحمد ، ثم ذكر هذه الزيادة من طريق
عمر بن شبّة والدارقطني .
وهي في «سننه)) (٥٠٥) بسند صحيح .
٢٤٥

٧ - كتاب البيوع
١٧ - باب الوقف
٨٧٤ - حديث أبي هريرة
وقال أبو حنيفة : لا يصح ؛ لأن العروض تبدل وتغير ، والوقف موضوع على
التأبيد ! والحديث حجة عليه ، ودل على صحة وقف الحيوان ؛ لأنها قد فسرت
الأعتاد : بالخيل ، وعلى جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية .
وتعقب ابن دقيق العيد جميع ما ذكر، بأن القصة محتملة لما ذكر ولغيره ؛
فلا ينتهض الاستدلال بها على شيء مما ذكر ، قال : ويحتمل أن يكون تحبيس
خالد ، إرصاداً ، وعدم تصرف ، ولا يكون وقفاً .
٢٤٦

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة، والعمرى، والرقبى ٨٧٥ - حديث النعمان بن بشير
١٨ - بابُ الهبة، والعُمْرَى، والرقبى
الهبة ؛ بكسر الهاء ، مصدر وهبت ، وهي شرعاً : تمليك عين بعقد على غير
عوض معلوم ، في الحياة ، ويطلق على الشَّيْءِ الموهوب ، ويطلق على أَعَمَّ من ذلك .
٨٧٥ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَتِى بِهِ النبيّ ◌َ ◌ّهِ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ
ابني هذا غُلاماً كَانَ لي، فقال رسولُ الله ◌َ ◌ّةِ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نحَلْتَهُ مِثْلَ
هذا؟))، فقال: لا، فقال رسولُ الله ◌َ ◌ّةِ: ((فَأَرْجِعْهُ))، وفي لَفْظِ: فَانْطلقَ أَبي
إلى رسول الله ◌َّهُ لِيشْهِدَهُ عَلى صَدَقتي، فَقَالَ: ((أَفَعَلْتَ هذا بولَدِكَ
كُلِّهِمْ؟))، قَالَ: لا، قالَ: ((اتّقُوا الله، واعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادَكُمْ))، فَرَجَعَ أَبِي ، فَرَدّ
تلْكَ الصَّدَقَةَ . مُتّفقٌ عَلَيْه .
وفي رواية لمسْلِم قالَ: ((فَأَشْهِدْ عَلى هذا غَيري))، ثم قالَ: ((أَيَسُرُّكَ أَنْ
يَكُونُوا لك في الْبِرِ سَّواءً؟))، قالَ: بلى، قالَ: ((فَلا إذنْ)).
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ النّبِيِّ﴿ه، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابني
هذا غُلاماً كَانَ لِي، فقال رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نحَلْتَهُ مِثْلَ هذا؟)) ، فقال:
لا، فقال رسولُ الله ◌َّهُ: ((فَأَرْجِعْهُ))، وفي لَفْظِ : فَانْطلقَ أَبي إلى رسول الله.
لِيشْهِدَهُ عَلى صَدَقتي، فَقَالَ: ((أَفَعَلْتَ هذا بُولَدِكَ كُلِّهِمْ؟))، قَالَ: لا، قالَ:
(اتّقُوا الله، واعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادَكُمْ))، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ .
وفي روايةٍ لمسْلِم قالَ: ((فَأَشْهِدْ عَلى هذا غَيري))، ثم قالَ: ((أَيَسُرُكَ أَنْ
يَكُونُوا لك في الْبِرِ سَّواءً؟))، قالَ: بلى، قالَ : (فَلا إذنْ))).
الحديث دليل على وجوب المساواة بين الأولاد في الهبة ، وقد صرح به
٢٤٧

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة، والعمرى ، والرقبى
٨٧٦ - حديث ابن عباس
البخاري ، وهو قول أحمد وإسحاق والثوري وآخرين .
وأنها باطلة مع عدم المساواة؛ وهو الذي تفيده ألفاظ الحديث من أمره ح الية
بإرجاعه، ومن قوله: ((اتقوا الله))، وقوله: ((اعدلوا بين أولادكم))، وقوله: ((فلا
إِذَنْ))، وقوله: ((لا أشهد على جور)).
واختلف في كيفية التسوية ، فقيل : بأن تكون عطية الذكر والأنثى سواء ، وهو
ظاهر قوله في بعض ألفاظه عند النسائي: ((ألا سويت بينهم)) ، وعند ابن حبان :
((سووا بينهم))، ولحديث ابن عباس: ((سووا بين أولادكم في العطية ، فلو كنت
مفضلاً أحداً، لفضلت النساء)) . أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي بإسناد حسن .
وقيل : بل التسوية أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، على حسب التوريث .
وذهب الجمهور إلى أنها لا تجب التسوية ؛ بل تندب ، وأطالوا في الاعتذار
عن الحديث، وذكر في ((الشرح)) عشرة أعذار، كلها غير ناهضة ! .
وقد كتبنا في ذلك رسالة جواب سؤال ، أوضحنا فيها قوة القول بوجوب
التسوية ، وأن الهبة مع عدمها باطلة .
٨٧٦ - وعن ابن عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله عَّةِ: ((العائدُ
فِي هِبَتِهِ كالْكُلْبِ يَقِيءُ، ثُم يعودُ فِي قَيْئِهِ) . متفقٌ عَلَيْه .
وَفِي روَايةٍ للبُخَارِيِّ: ((لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ؛ الذي يَعودُ في هِبَتِهِ ، كالْكَلْبِ
يَقِيءُ ، ثم يَرْجع في قَيْئِهِ)) .
(وَعَنِ ابن عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسول الله عَّةِ: ((العائِدُ في
٢٤٨

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمری ، والرقبی
٨٧٧ - حديث ابن عمر وابن عباس
هِبَتِهِ ، كالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثم يعودُ في قَيْئِهِ) . متفقٌ عَلَيْه .
وَفِي روَايةٍ للبُخَارِيِّ: ((لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ؛ الذي يَعودُ في هِبَتِهِ ، كالْكَلْبِ
يَقِيءُ ، ثم يَرْجع فِي قَيْئِهِ))).
فيه دلالة على تحريم الرجوع في الهبة ، وهو مذهب جماهير العلماء ، وبوب
له البخاري : باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته .
وقد استثنى الجمهور ما يأتي من الهبة للولد ونحوه .
وذهبت الهادوية وأبو حنيفة إلى حِلِّ الرجوع في الهبة ، دون الصدقة ، إلا
الهبة لذي رحم .
قالوا : والحديث ، المراد به التغليظ في الكراهة ، قال الطحاوي : قوله :
((كالعائد في قيئه))؛ وإن اقتضى التحريم ، لكن الزيادة في الرواية الأخرى - وهو
قوله: ((كالكلب)) -، تدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد ، فالقيء
ليس حراماً عليه ، والمراد : التنزه عن فعل يشبه فعل الكلب .
وتعقب باستبعاد التأويل ، ومنافرة سياق الحديث له ، وعرف الشرع في مثل
هذه العبارة ، الزجر الشديد ، كما ورد النهي في الصلاة : عن إقعاء الكلب ، ونقر
الغراب ، والتفات الثعلب ، ونحوه ، ولا يفهم من المقام إلا التحريم، والتأويل
البعيد لا يلتفت إليه ، ويدل على التحريم الحديث الآتي ، وهو :
٨٧٧ - وعن ابن عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ رضي اللهُ عنهما ، عن النّبيِّ صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّم قالَ : ((لا يحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطيّةَ ، ثم يَرْجِعَ فيها،
٢٤٩

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٧٨ - حديث عائشة
إلا الْوَالِدَ فيما يُعْطِي وَلَدَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ، وَصَحّحَه الترْمِذِي وابْنُ
حِبّانَ وَالحاكمُ .
(وعن ابن عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ رضي اللهُ عنهما ، عن النّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم قالَ: ((لا يحِلُّ لِرَجُلٍ مُسَّلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَةَ، ثم يَرْجِعَ فيها، إلا الْوَالِدَ
فيما يُعْطِي وَلَدَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ والأَرَّبَعَةُ، وَصَحّحَه الترْمِذِي وابْنُ حِبّانَ وَالحاكمُ) :
فإن قوله : ((لا يحل)) : ظاهر في التحريم ، والقول : بأنه مجاز عن الكراهة
الشديدة ، صرف له عن ظاهره .
وقوله : ((إلا الوالد)): دليل على أنه يجوز للأب الرجوع فيما وهبه لابنه ،
كبيراً كان أو صغيراً، واختصه الهادوية بالطفل ، وهو خلاف ظاهر الحديث .
وفرق بعض العلماء ؛ فقال : يحل الرجوع في الهبة دون الصدقة ؛ لأن
الصدقة يراد بها ثواب الآخرة ؛ وهو فرق غير مؤثر في الحكم . وحكم الأم حكم
الأب عند أكثر العلماء .
نعم، وخص الهادي ما وهبته الزوجة لزوجها من صداقها ؛ بأنه ليس لها
الرجوع في ذلك ، ومثله رواه البخاري عن النخعي وعمر بن عبد العزيز تعليقاً .
وقال الزهري : يرد إليها إن كان خدعها ، وأخرج عبد الرزاق بسند منقطع: ((إن
النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع ، رجعت؟)).
٨٧٨ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنهَا قالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيّةَ وَيُثِيبُ عَلَيها . رَوَاهُ الْبُخَارِي .
(وَعَنْ عائشةَ رضيَ اللّه عنهَا قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله
٢٥٠

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٧٨ - حديث عائشة
وسلم يَقْبَلُ الْهَدِيّةَ وَيُثِيبُ عَلَيها. رَوَاهُ الْبُخَارِي) .
فيه دلالة على أن عادته صلى الله عليه وآله وسلم كانت جارية بقبول
الهدية ، والمكافأة عليها .
وفي رواية لابن أبي شيبة : ويثيب عليها ما هو خير منها .
وقد استدل به على وجوب الإثابة على الهدية؛ إذْ كونه عادة له ع طارد
مستمرة يقتضي لزومه ، ولا يتم به الاستدلال على الوجوب ؛ لأنه قد يقال : إنما
فعله زال مستمراً؛ لما جبل عليه من مكارم الأخلاق ، لا لوجوبه.
وقد ذهبت الهادوية إلى وجوب المكافأة بحسب العرف ؛ قالوا : لأن الأصل
في الأعيان الأعواض .
قال في ((البحر)): ويجب تعويضها حسب العرف .
وقال الإمام يحيى : المثلي مثله ، والقيمي قيمته ، ويجب له الإيصاء بها .
وقال الشافعي في الجديد : الهبة للثواب باطلة ، لا تنعقد ؛ لأنها بيع بثمن
مجهول ، ولأن موضع الهبة التبرع، فلو أوجبناه ، لكان في معنى المعاوضة ، وقد
فرق الشرع والعرف بين الهبة والبيع ، فما يستحق العوض ، أطلق عليه لفظ.
البيع ، بخلاف الهبة .
قيل : وكأنّ من أجازها للثواب جعل العرف فيها بمنزلة الشرط ، وهو ثواب
مثلها .
وقال بعض المالكية : يجب الثواب على الهبة إذا أطلق الواهب ، أو كان مما
يطلب مثله الثواب ؛ كالفقير للغني ، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى .
٢٥١

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة، والعمرى ، والرقبى ٨٧٩ و٨٨٠ - حديثا ابن عباس وجابر
فإذا لم يرض الواهب بالثواب ، فقيل : تلزم الهبة إذا أعطاه الموهوب له
القيمة ، وقيل : لا تلزم إلا أن يرضيه . والأول المشهور عن مالك رحمهُ الله ،
ویرده الحديث الآتي ، وهو :
٨٧٩ - وعن ابْن عَبّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُول الله
نَاقَةً، فَأْثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((رضيتَ؟))، قالَ: لا، فَزَادَه، فَقَالَ: (رَضِيْتَ؟))،
قالَ: لا ، فَزَادَهُ، فَقَالَ: ((رضيت؟))، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ
حِبّانَ .
(وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِعَ ﴿ِ نَاقَةً ،
فَأْثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((رضيتَ؟))، قالَ: لا، فَزَادَه، فَقَالَ: ((رَضِيْتَ؟))، قالَ:
لا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: ((رضيت؟))، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ).
ورواه الترمذي ، وبيّن أن العوض كان ست بكرات .
وفيه دليل على اشتراط رضا الواهب ، وأنه إن سلم إليه قدر ما وهب ، ولم
يرض ، زيد له ، وهو دليل لأحد القولين الماضيين ، وهو قول ابن عمر؛ قالوا : فإذا
اشترط فيه الرضا ؛ فليس هناك بيع انعقد .
٨٨٠ - وعن جابر رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((الْعُمْرَى لِمنْ
وُهَبَتْ لَهُ)) . مُتّفقٌ عَلَيه .
ولمسْلم: ((أمسكوا عَلَيْكُمْ أموَالَكُمْ، ولا تُفْسِدُوها؛ فإنه مَنْ أَعْمَرَ عُمْرِى ،
فَهِيَ للذيِّ أُعْمِرَهَا - حَيَاً وَميتاً - وَلِعَقِبِهِ)).
٢٥٢

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٨٠ - حديث جابر
وفي لَفْظٍ: إِنَ الْعُمْرَى الّتي أَجَازَها رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ
أَنْ يَقُولَ: هِي لكَ وَلَعَقِبك . فَأَمّا إذا قالَ : هِيَ لكَ ما عِشْتَ ، فإنّها تَرْجِعُ إلى
صَاحبها .
ولأبي دَاوُدَ والنّسائي: ((لا تُرِقِبُوا، ولا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئاً، أو أُعْمِرَ
شَيْئاً ، فَهُوَ لورَثَتِهِ)) .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله تَ ◌ّهُ: ((الْعُمْرَى): بضم
المهملة وسكون الميم وألف مقصورة (لِمَنْ وُهَبَتْ لهُ)). متفق عليه، ولمسلم) :
أي: من حديث جابر: ((أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمَوَالكُم ، ولا تُفْسِدُوهَا؛ فإنه مَنْ
أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ للّذِي أُعْمِرَهَا - حَيّاً وميتاً - ولعَقبه)) .
وفي لفظ : إنّمَا الْعُمْرَى التي أَجَازَها رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم أنْ يقُولَ: هِيَ لَكَ ولعَقبِك، فأَمّا إذا قَالَ: هِي لكَ مَا عِشْتَ ، فإنّهَا
تَرْجِعُ إلى صَاحبها .
ولأبي داود والنسائي): أي: من حديث جابر («لا تُرْقِبُوا، ولا تُعْمِرُوا،
فَمَنْ أُرْقِبَ شيْئاً، أو أُعْمِرَ شَيْئاً، فهوَ لِوَرَثَتِهِ)).
الأصل في العمرى والرقبى أنه كان في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار،
ويقول : أعمرتك إياها ؛ أي : أبحتها لك مدة عمرك ؛ فقيل لها : عُمْرَى لذلك .
كما أنه قيل لها : رقبى لأن كلاً منهما يرقب موت الآخر .
وجاءت الشريعة بتقرير ذلك ، ففي الحديث دلالة على شرعيتها ، وأنها
مملكة لمن وهبت له ؛ وإليه ذهب العلماء كافة ، إلا رواية عن داود: أنها لا تصح .
٢٥٣

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٨٠ ۔ حديث جابر
واختلف إلى ماذا يتوجه التمليك؟ .
فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة ، كغيرها من الهبات .
وعند الشافعي ومالك ، إلى المنفعة دون الرقبة .
وتكون على ثلاثة أقسام :
مؤبدة ، إن قال : أبداً .
ومطلقة عند عدم التقييد .
ومقيدة بأن يقول: ما عشت؛ فإذا مت، رجعت إليّ .
واختلف العلماء في ذلك ، والأصح أنها صحيحة في جميع الأحوال ، وأن
الموهوب له يملكها ملكاً تاماً ، يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات ؛ وذلك
لتصريح الأحاديث بأنها لمن أعمرها حياً وميتاً .
وأما قوله: ((إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها))؛ فلأنها
بهذا القيد قد شرط أن تعود إلى الواهب بعد موته ؛ فيكون لها حكم ما إذا صرح
بذلك الشرط ، وهي كما لو أعمره شهراً ، أو سنة ؛ فإنها عارية إجماعاً .
وقوله: ((أمسكوا عليكم أموالكم))، وقوله: ((لا ترقبوا)) محمول على
الكراهة ، والإرشاد لهم إلى حفظ أموالهم ؛ لأنهم كانوا يعمرون ويرقبون ويرجع
إليهم ، إذا مات من أعمروه وأرقبوه ، فجاء الشرع بمراغمتهم ، وصحح العقد ،
وأبطل الشرط المضاد لذلك ؛ فإنه أشبه الرجوع في الهبة ، وقد صح النهي عنه .
وأخرج النسائي من حديث ابن عباس يرفعه : ((العمرى لمن أعمرها ،
٢٥٤

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٨١ - حديث عمر
والرقبى لمن أرقبها ، والعائد في هبته كالعائد في قيئه)).
وأما إذا صرح بالشرط كما في الحديث ، وقال : ما عشت ، فإنها عارية مؤقتة
لا هبة، ومرّ حديث: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه))، ومثله الحديث
الآتي ، وهو :
٨٨١ - وعن عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَس في سبيل اللهِ ،
فَأَضاعهُ صَاحِبُهُ ، فَظَنَنْتُ أنّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسأَلتُ رسولَ الله ◌َّهِ عَنِ
ذلك، فَقَالَ: ((لا تَبتعْهُ، وإن أَعْطَاكَهُ بدِرْهَم)). الحديثَ. مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(وَعَنْ عُمَرَ رضيَ الله عنهُ قالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَس في سبيل اللهِ ، فَأَضاعهُ
صَاحِبُهُ ، فَظَنَنْتُ أَنّهُ بائعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسأَلتُ رسولَ الله ◌َّةٍ عَن ذلك، فَقَالَ:
(لا تَبتعْهُ، وإن أَعْطاكَهُ بدِرْهَم)). الحديثَ . مُتَفِقٌ عَلَيْهِ) .
تمامه : ((فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه)).
وقوله: فأضاعه؛ أي: قصر في مؤنته ، وحسن القيام به . وقوله : ((لا تبتعه)):
أي : لا تشتره .
وفي لفظ: ((ولا تعد في صدقتك))، فسمَّى الشراء عوداً في الصدقة ،
قيل : لأن العادة جرت بالمسامحة في ذلك من البائع للمشتري ، فأطلق على
القدر الذي يقع به التسامح رجوعاً ، ويحتمل أنه مبالغة ، وأن عودها إليه بالقيمة
كالرجوع .
وظاهر النهي التحريم ، وإليه ذهب قوم .
٢٥٥

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة، والعمرى، والرقبى ٨٨٢ و٨٨٣ - حديثا أبي هريرة وأنس
وقال الجمهور : إنه للتنزيه .
وتقدم أن الرجوع في الهبة محرم ، وأنه الأقوى دليلاً ، إلا ما استثني .
قال الطبري : يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب ، وما إذا
كان الواهب الوالد لولده ، والهبة التي لم تقبض ، والتي ردها الميراث إلى
الواهب ؛ لثبوت الأخبار باستثناء ذلك ، وبما لا رجوع فيه ، مطلقاً الصدقة يراد
بها ثواب الآخرة .
قلت : هذا في الرجوع في الهبة ، فأما شراؤها ، وهو الذي فيه سياق هذا
الحديث ، فالظاهر أن النهي للتنزيه ، وإنما التحريم في الرجوع فيها ، ويحتمل أنه
لا فرق بينهما للنهي ، وأصله التحريم .
٨٨٢ - وعن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنهُ عَنِ النّبيِّفَ ﴿ قَالَ: «تَهَادُوا تَحَابُّوا)) .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في ((الأدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَأَبُو يَعْلى بإسْنادٍ حَسَنِ.
(وَعَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ِ قالَ: «تَهَادُوا تَحَابُوا)).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في ((الأدَبِ الْمُفْرَدِ) ، وَأَبُو يَعْلی بإسْنادٍ حَسَنِ) .
وأخرجه البيهقي وغيره ، وفي كل رواته مقال ، والمصنف قد حسن إسناده ،
وكأنه لشواهده التي منها الحديث - وإن كان ضعيفاً -، وهو قوله :
٨٨٣ - وعن أَنَسِ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَ ◌ّهِ: «تهادُوا ؛ فإن
الهَدِيّة تَسُلُّ السّخيمةَ)). رَوَاهُ البزَّارُ بإِسْنادٍ ضعيفٍ.
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: «تَهادُوا ؛ فإِن الْهَديةَ
٢٥٦

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٨٤ - حديث أبي هريرة
تسُلُّ السّخِيمَةَ))) : بالسين المهملة مفتوحة فخاء معجمة فمثناة تحتية ، في
((القاموس)): السخيمة والسخيمة ؛ بالضم : الحقد (رواه البزار بإسناد ضعيف):
لأن في روايته من ضعف ، وله طرق كلها لا تخلو عن مقال ، وفي بعض ألفاظه :
((تذهب وَحَرَ الصدر)) بفتح الواو والحاء المهملة ، وهو الحقد أيضاً. والأحاديث
وإن لم تخل عن مقال ؛ فإن للهدية في القلوب موقعاً لا يخفى .
٨٨٤ - وعن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ الله ◌َلهُ: (يا نساءَ
المُسْلمات! لا تَحْقِرنَّ جارَةٌ لِجارَتها ، ولو فِرْسِنَ شَاةٍ)). مُتّفقٌ عَلَيْه.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لَةٍ: ((يَا نِساءَ
الْمُسْلماتِ !) : قال القاضي : الأشهر نصب النساء على أنه منادى مضاف إلى
المسلمات ؛ من إضافة الصفة ، وقيل غير هذا (لا تَحْقِرَنَّ): بالحاء المهملة ساكنة
وفتح القاف وكسرها (جَارَةٌ لِجَارَتِهَا ، ولو فِرْسِنَ شاة))): بكسر الفاء وسكون
الراء وكسر السين المهملة آخره نون ، وهو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة ، وربما
استعير للشاة (متفق عليه) .
في الحديث حذف تقديره : لا تحقرن جارة لجارتها هدية ، ولو فرسن شاة .
والمراد من ذكره ، المبالغة في الحث على هدية الجارة لجارتها ، لا حقيقة الفرسن ؛
لأنه لم تجر العادة بإهدائه .
وظاهره النھي للمُهْدِي - اسم فاعل -، عن استحقار ما يهديه ؛ بحيث يؤدي
إلى ترك الإهداء .
ويحتمل أنه للْمُهْدَى إليه ، والمراد: لا يحقرن ما أهدي إليه ، ولو كان حقيراً.
٢٥٧

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٨٥ - حديث ابن عمر
ويحتمل إرادة الجميع ، وفيه الحث على التهادي ، سيما بين الجيران ، ولو
بالشيء الحقير ؛ لما فيه من جلب المحبة والتأنيس .
٨٨٥ - وعن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهُمَا عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ قال: ((مَنْ وَهَبَ هِبَةً، فَهُوَ أحَقُّ بها، مَا لم يُثبْ عليْها)). رَوَاهُ الحاكم
وصحّحَهُ ، والْفوظُ مِنْ روَايةِ ابنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قولُهُ .
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم
قال: ((مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بها مَا لم يُثبْ عليْها)). رَوَاهُ الحاكم وصحّحَهُ،
وانْفوظُ مِنْ روَايةِ ابنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قولُهُ) .
قال المصنف : صححه الحاكم وابن حزم ، وفيه دليل على جواز الرجوع في
الهبة التي لم يثب عليها ، وعدم جواز الرجوع في الهبة التي أثاب عليها الموهوب
له الواهب ، وتقدم الكلام في ذلك ، وفي حكم الهبة للثواب والمكافأة . وما
أحسن ما قيل في ذلك : إن الفاعل لا يفعل إلا لغرض ؛ فالهبة للأدنى كثيراً ما
تکون کالصدقة ، وهي غرض مهم .
وللمساوي معاشرة لجلب المودة وحسن العشرة ، وهي مثل عطية الأدنى؛ إلا
أن في عطية الأدنى توهم الصدقة .
والعرف جار بتخالف الهدايا باعتبار حال المهدي والمهدى إليه ؛ فإذا كان
الغرض الطمع والتحصيل ، كما يهدي المتكسب للملك ، يتحفه بشيء يرجو
فضله ، فلو اقتصر الملك على قدر قيمتها لذم ، والذم دليل الرجوع ؛ بل إما أن
يردها ، أو يعطيه خيراً منها .
٢٥٨

٧ - كتاب البيوع
١٨ - باب الهبة ، والعمرى ، والرقبى
٨٨٥ - حديث ابن عمر
وإن كان غرض المهدي تحصيل الاتصال بينهما ، والمخالفة الحسنة ، وتصفية
ذات البين ؛ أجزأه من المكافأة أدنى شيء؛ قَلَّ ، أو كثر ؛ بل الأقل أنسب ؛
لإشعاره بأن ليس الغرض المعاوضة ؛ بل تكميل المودّة ، وأنه لا فرق بين ما تملكه
أنت ، وما أملكه أنا .
٢٥٩

٧ - كتاب البيوع
١٩ - باب اللقطة
٨٨٦ ۔ حديث أنس
١٩ - باب اللقطة
اللقطة ؛ بضم اللام وفتح القاف ، قيل : لا يجوز غيره ، وقال الخليل : القاف
ساكنة لا غير ، وأمّا بفتحها ، فهو اللاقط ، قيل : وهذا هو القياس ، إلا أنه أجمع
أهل اللغة والحديث على الفتح ، ولذا قيل : لا يجوز غيره .
٨٨٦ - عَنْ أَنَسِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: مَرَّ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ بِتَمْرَةِ فِي الطريقِ ،
فَقَالَ: (لَولا أَني أَخَافُ أَنْ تَكونَ مِنَ الصَّدقةِ ، لأكَلْتُها)) . مُتَّفق عَلَيْهِ .
(عَنْ أَنَسِ قالَ: مَرَّ رسول الله عَ ◌ّهُ بِتَمْرَةٍ في الطريقِ، فَقَالَ: ((لَولا أَني
أَخافُ أَنْ تَكونَ مِنَ الصَّدقةِ ، لأكَلْتُها)). مُتّفق عَلَيْهِ) .
دل على جواز أخذ الشيء الحقير الذي يتسامح به ، ولا يجب التعريف به ،
وأن الآخذ يملكه بمجرد الأخذ له .
وظاهر الحديث أنه يجوز ذلك في الحقير ، وإن كان مالكه معروفاً ، وقيل : لا
يجوز إلا إذا جهل ، وأمّا إذا علم ، فلا يجوز إلا بإذنه ، وإن كان يسيراً .
وقد أورد عليه أنه تَّةٍ كيف تركها في الطريق ، مع أن على الإمام حفظ
المال الضائع ، وحفظ ما كان من الزكاة ، وصرفه في مصارفه؟ .
ويجاب عنه: بأنه لا دليل على أنه عَ لٍ لم يأخذها للحفظ ، وإنما ترك أكلها
تورّعاً ، أو أنه تركها عمداً؛ ليأخذها من يمر ممن تحل له الصدقة ، ولا يجب على
الإمام ، إلا حفظ المال الذي يعلم طلب صاحبه له ، لا ما جرت العادة بالإعراض
عنه لحقارته .
٢٦٠