النص المفهرس

صفحات 221-240

٧ - كتاب البيوع
١٥ - باب المساقاة والإجارة
٨٦٠ - حديث ابن عباس
في سبيل الله؟، فقال: ((إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار، فاقبلها))(١) .
فاختلف العلماء في العمل بالحديثين :
فذهب الجمهور ومالك والشافعي إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ،
سواء كان المتعلم صغيراً، أو كبيراً! ولو تعين تعليمه على المعلم ؛ عملاً بحديث
ابن عباس، ويؤيده ما يأتي في النكاح؛ من جعله ◌َه تعليم الرجل لامرأته
القرآن ، مهراً لها .
قالوا : وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس ؛ إذْ حديث ابن عباس
صحيح ، وحديث عبادة من رواية مغيرة بن زياد(٢) مختلف فيه ، واستنكر أحمد
حديثه ، وفيه الأسود بن ثعلبة ؛ فيه مقال ؛ فلا يعارض الحديث الثابت .
قالوا : ولو صح ؛ فإنه محمول على أن عبادة كان متبرعاً بالإحسان وبالتعليم
غير قاصد لأخذ الأجرة؛ فحذره النبي ◌َ ﴿ من إبطال أجره وتوعده .
وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم ، كراهة ودناءة ؛ لأنهم ناس
فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس ؛ فأخذ المال منهم مكروه .
وذهب الهادوية والحنفية وغيرهما: إلى تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن
(١) له عند أبي داود طريقان؛ إحداهما بهذا اللفظ؛ وفيها الأسود بن ثعلبة ؛ مجهول .
والأخرى بلفظ: ((جمرة بين كتفيك تقلدتها - أو تعلقتها -)» . وسنده حسن .
ورواه الحاكم (٣٥٦/٣). وسنده صحيح، وصححه هو ، ووافقه الذهبي .
والمغيرة بن زياد الذي أعل الشارح الحديث به ، إنما هو في الطريق الأولى .
(٢) صدوق له أوهام .
٢٢١

٧ - كتاب البيوع
١٥ - باب المساقاة والإجارة
٨٦١ - حديث ابن عمر
مستدلین بحديث عبادة ، وفيه ما عرفت فيه قريباً .
نعم ، استطرد البخاري ذكر أخذ الأجرة على الرقية في هذا الباب ، فأخرج
من حديث أبي سعيد في رقية بعض الصحابة لبعض العرب ، وأنه لم يرقه
حتّى شرط عليه قطيعاً من غنم ، فتفل عليه ، وقرأ عليه : ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾ [الفاتحة: ١]، فكأنما نشط من عقال ، فانطلق يمشي، وما به قلبة - أي :
علة - فأوفاه ما شرط ، ولما ذكروا ذلك لرسول الله، قال: ((قد أصبتم ، اقسموا
واضربوا لي معكم سهماً)).
وذكر البخاري لهذه القصة في هذا الباب ، وإن لم تكن من الأجرة على
التعليم ، وإنّما فيها دلالة على جواز أخذ العوض في مقابلة قراءة القرآن ؛ لتأييد
جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن تعليماً، أو غيره؛ إذْ لا فرق بين قراءته
للتعليم ، وقراءته للطب .
: ((أَعطُوا
٨٦١ - وعن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رَسُولُ الله
الأجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يجفَّ عَرَقُهُ)) . رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ .
وَفي البابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه عِنْدَ أَبِي يَعْلَى والبَيْهَقِيِّ،
وَجَابِرٍ عِنْدَ الطّبراني ، وَكُلّها ضِعافٌ .
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّةِ: «أَعُوا الأجيرَ
أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يجفَّ عَرَقُهُ)). رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ .
وَفِي البَأْبِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه عِنْدَ أَبِي يَعْلَى والبَيْهَقِيِّ، وَجَابرٍ
٢٢٢

٧٠ - كتاب البيوع
١٥ - باب المساقاة والإجارة ٨٦٢ - حديث أبي سعيد الخدري
عِنْدَ الطّبرانيِّ، وَكُلّها ضعافٌ): لأن في حديث ابن عمر شرقي بن قطامي ،
ومحمد بن زياد الراوي عنه ، وكذا في ((مسند أبي يعلى)) والبيهقي .
وتمامه عند البيهقي(١): ((وأعلمه أجره، وهو في عمله))، قال البيهقي
عقيب سياقه بإسناده : وهذا ضعيف(٢).
٨٦٢ - وعن أبي سعيد الخدريِّ رضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النّبِي ◌َ ﴿ِ قال: (مَن
استَأَجَرَ أَجيراً ، فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ)) . رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاق، وَفِيهِ انقطاعٌ ، ووصَلَهُ
البَيْهَقِيُّ مِنْ طريقٍ أَبِي حَنيفةً .
(وَعَنْ أَبي سعيدِ الخِدْرِيِّ رضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النّبيَِِّ قال: ((مَنِ استَأْجَرَ
أَجِيراً، فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ)) . رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَفِيهِ انقِطاعٌ، ووصَلَهُ البَيْهَقِيُّ
مِنْ طريقٍ أَبِي حَنِيفةَ)(٣).
(١) في هذا التخريج أوهام وأخطاء عجيبة ، تعرف من الخلاصة الآتية :
في حديث ابن عمر : عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ؛ وهو متروك .
وفي حديث أبي هريرة - عند أبي يعلى والبيهقي - : عبدالله بن جعفر المديني ؛ وهو ضعيف .
وفي حديث جابر: محمد بن زياد عن شرقي بن القطامي ؛ وكلاهما ضعيف .
قلت : لكن لحديث أبي هريرة طريق أخرى: عند الطحاوي في ((المشكل))، وكذا البيهقي
بسند صحيح .
وله شاهد عن عطاء بن يسار مرسلاً .
رواه ابن زنجویه في «الأموال» (١/٢١/١٣)، وسنده حسن.
(٢) الذي في ((البيهقي)) (١٢٠/٦): ((ضعيف بمرة))!
(٣) هو عند البيهقي (١٢٠/٦) من طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود =
٢٢٣

٧ - كتاب البيوع
١٥ - باب المساقاة والإجارة ٨٦٢ - حديث أبي سعيد الخدري
قال البيهقي : كذا رواه أبو حنيفة ، وكذا في كتابي عن أبي هريرة ، وقيل :
من وجه آخر ضعیف عن ابن مسعود .
وفي الحديث دليل على ندب تسمية أجرة الأجير على عمله ؛ لئلا تكون
مجهولة ، فتؤدي إلى الشجار والخصام .
= عن أبي هريرة مرفوعاً به . وأشار إلى تضعيفه بقوله :
(كذا رواه أبو حنيفة ... )) إلى آخر ما في ((الشرح)).
وقد أشار البيهقي إلى أن أبا حنيفة رحمه الله قد خولف في وصله وفي سنده ! فقد أخرجه
أحمد (٥٩/٣، ٦٨، ٧١) من طرق عن حماد بن سلمة عن حماد به ؛ إلا أنه قال : (عن أبي
سعيد الخدري) بدل : (أبي هريرة) .
وهو منقطع بين إبراهيم - وهو النخعي - وأبي سعيد ... ومن هذا الوجه هو عند عبدالرزاق ،
كما في «نصب الراية)) (١٣١/٤).
وكذا هو عند النسائي (١٤٧/٢) من طريق شعبة عن حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد
موقوفاً عليه .
٢٢٤

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٣ - حديث عائشة
١٦ - باب إِحْياء المَوَات
الموات؛ بفتح الميم والواو الخفيفة : الأرض التي لم تعمر ، شبهت العمارة
بالحياة ، وتعطيلها بعدم الحياة ، وإحياؤها عمارتها .
واعلم أن الإحياء ورد عن الشارع مطلقاً ، وما كان كذلك ، وجب الرجوع فيه
إلى العرف ؛ لأنه قد بين مطلقات الشارع، كما في قبض المبيعات ، والحرز في
السرقة مما يحكم به العرف .
والذي يحصل به الإحياء في العرف ، أحد خمسة أسباب :
تبييض الأرض ، وتنقيتها للزرع ، وبناء الحائط على الأرض ، وحفر الخندق
القعير الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع .
هذا كلام الإمام يحيى .
٨٦٣ - عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ِ قالَ: «مَنْ عَمْرَ
أَرْضًا لَيْسَتْ لِأحَدٍ ، فَهُو أَحَقُّ بِهَا)). قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ في خلافَتِهِ .
رَوَاهُ البُخَارِيُّ .
(عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ◌َّهِ قال: ((من عَمَرَ أَرْضاً) :
بالفعل الماضي ، ووقع: ((أعمر)) في رواية، والصحيح الأول(١) (لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ
أَحَقُّ بها)). قال عروة(٢): وقضى به عمر في خلافته . رواه البخاري).
(١) وهو بفتح العين وتخفيف الميم، كما نص عليه في ((التلخيص))، وصوّبه في ((الفتح))
(١٥/٥)؛ واحتج بـ: ﴿وعَمَرُوها أكثرَ مِمَّا عَمَرُوها﴾ [الروم/٩].
(٢) منقطع . ووصله مالك من طريق أخرى - عن عمر - صحيحة .
٢٢٥

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٣ - حديث عائشة
وهو دليل على أن الإحياء تَمَلَّكُ ، إن لم يكن قد ملكها مسلم ، أو ذمي ، أو
ثبت فيها حق للغير .
وظاهر الحديث أنه لا يشترط في ذلك إذن الإمام ؛ وهو قول الجمهور .
وعن أبي حنيفة : أنه لا بد من إذنه .
ودليل الجمهور هذا الحديث ، والقياس على ماء البحر والنهر ، وما صيد من
طير وحيوان ، وأنهم اتفقوا على أنه لا يشترط فيه إذن الإمام .
وأما ما تقدم عليه يد لغير معين ، كبطون الأودية ، فلا يجوز إلا بإذن الإمام ،
مما ليس فيه ضرر لمصلحة عامة ؛ ذكره بعض الهادوية .
وقال المؤيد وأبو حنيفة : لا يجوز إحياؤها بحال ؛ لجريها مجرى الأملاك؛
لتعلق سيول المسلمين بها ؛ إذْ هي مجرى السيول .
وقال الإمام المهدي - وهو قوي -: فإن تحول عنها جَرْيُ الماء ، جاز إحياؤها
بإذن الإمام ؛ لانقطاع الحق ، وعدم تعين أهله ، وليس للإمام الإذن مع ذلك ، إلا
لمصلحة عامة لا ضرر فيها .
ولا يجوز الإذن لكافر بالإحياء؛ لقوله ◌َ : ((عاديُّ الأرض لله ولرسوله،
ثم هي لكم)) ، والخطاب للمسلمين ، وقوله : وقضى به عمر ؛ قيل : هو مرسل ؛
لأن عروة ولد في آخر خلافة عمر(١) .
(١) لكن وصله مالك من طريق آخر عن عمر صحيح بلفظ: ((من أحيا أرضاً ميتة ، فهي
له)). قال مالك (٢١٧/٢) :
((وعلى ذلك؛ الأمر عندنا)).
٢٢٦

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٤ - حديث سعيد بن زيد
قالَ: «مَنْ أَحْيا أَرْضاً مَيِّتَةً ،
٨٦٤ - وعن سَعيد بنِ زَيْدٍ عَنِ النبي
فَهِيَ لهُ)). رَوَاهُ الثّلاثةُ، وَحَسَنَهُ الترمذي ، وَقالَ : رُوي مُرْسلاً، وهو كما قال .
واخْتُلفَ في صحابيّهِ ، فقيلَ: جَابرٌ ، وَقيلَ : عائشة ، وَقيلَ: عَبْدُ الله بنُ
◌ُمَرَ ، والرَّاجحُ الأوَّلُ .
(وعن سعيد بن زيد) : تقدمت ترجمته في كتاب الوضوء (عن النبي
قال: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيِّتَةً، فَهِيَ لهُ)). رواه الثلاثة، وحسنه الترمذي(١)،
وقال: رُويَ مرسلاً، وهو كما قال واختلف في صحابيه): أي : في راويه من
الصحابة (فقيل : جابر ، وقيل : عائشة ، وقيل : عبد الله بن عمر ، والراجح) :
من الثلاثة(٢) الأقوال (الأول): وفيه(٣): أن رجلين اختصما إلى رسول الله عَ ليه؟
غرس أحدهما نخلاً في أرض الآخر ، فقضى لصاحب الأرض بأرضه ، وأمر
صاحب النخل أن يخرج نخله منها ، قال : فلقد رأيتها وإنها تضرب أصولها
بالفؤوس ، وإنها لنخل عم ، حتّى أخرجت منها .
(١) وإسناده صحيح . وحسنه الترمذي من حديث سعيد بن زيد: من رواية عروة عنه.
ثم رواه من طريق وهب بن كيسان عن جابر ... وصححه ؛ وسنده صحيح أيضاً ، وعلقه
البخاري عن جابر .
وبين الخلاف فيه في ((الفتح)) (١٥/٥).
(٢) بل الأربعة .
(٣) أي : الأول ؛ يعني : حديث سعيد .
وهذه الزيادة عند أبي داود وحده ؛ لكنه لم يسمّ الراوي من الصحابة إلا في رواية عن عروة ،
فقال: وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري ... وانظر ((الشرح)) (*) (ص ١٩٥).
(*) أي : كتابنا هذا. (الناشر).
٢٢٧

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٥ ۔ حديث ابن عباس
وتقدم الكلام على فقهه ، وأنه: ((ليس لعرق ظالم حق)).
٨٦٥ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ الصَّعبَ بْنَ جَّامَةَ الليثي
أَخِبَرَهُ: أَنَّ النّبيَ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلّم قال: ((لا حمى إلا الله
وَلَرَسُولِهِ)) . رَوَاهُ البُخَارِيُّ .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن الصعب) : بفتح الصاد المهملة
وسكون العين المهملة فموحدة (ابن جثامة الليثي) : بفتح الجيم فمثلثة مشدّدة
(أخبره: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا حِمَى إلا الله
ولِرَسُولِهِ)) . رواه البخاري(١)).
الحمى ؛ يقصر ويمد ، والقصر أكثر، وهو المكان المحمي ، وهو خلاف المباح ومعناه:
أن يمنع الإمام الرعي في أرض مخصوصة ، لتختص برعيها إبل الصدقة مثلاً.
وكان في الجاهلية إذا أراد الرئيس أن يمنع الناس من محل يريد اختصاصه ،
استعوى كلباً من مكان عال ، فإلى حيث ينتهي صوته ، حماه من كل جانب ؛ فلا
يرعاه غيره ، ويرعى هو مع غيره ، فأبطل الإسلام ذلك ، وأثبت الحمى لله ولرسوله .
(١) ورواه عبدالله ابن الإمام أحمد في ((زوائد المسند)) (٧١/٤) عن الصعب : أن رسول الله
حمى النقيع، وقال ... فذكره . وسنده جيد .
لكن رواه البخاري (٣٤/٥ - ٣٥) بتمامه؛ إلا أنه جعل هذه الجملة: ((حمى النقيع))، من
بلاغات الزهري !
ووصله أحمد من طريق أخرى عن ابن عمر ... قال الحافظ :
((وفي إسناده العمري، وهو ضعيف)). وانظر ((ابن حبان)) (١٦٤٠)؛ فإنه عنده بسند حسن .
(النقيع) : موضع على عشرين فرسخاً من المدينة ؛ وقدره: ميل في ثمانية أميال .
٢٢٨

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٥ - حديث ابن عباس
وقال الشافعي : يحتمل الحديث شيئين :
أحدهما : ليس لأحد أن يحمي للمسلمين ، إلا ما جماه النبي
٠
والآخر : معناه : إلا على مثل ما حماه عليه رسول الله
فعلى الأول ، ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي ، وعلى الثاني ، يختص
الحمى بمن قام مقام رسول الله عظيم ، وهو الخليفة خاصة .
ورجح هذا الثاني بما ذكره البخاري عن الزهري تعليقاً(١) : أن عمر حمى
الشرف والربذة(٢) .
وأخرج ابن أبي شيبة - بإسناد صحيح - عن نافع عن ابن عمر: أن عمر
حمى الربذة لإبل الصدقة .
وقد ألحق بعض الشافعية ولاة الأقاليم في أنهم يحمون ، لكن بشرط أن لا
يضر بكافة المسلمين .
واختلف هل يحمي الإمام لنفسه، أو لا يحمي إلا لما هو للمسلمين؟
فقال المهدي : كان له صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحمي لنفسه لكنه
لم يملك لنفسه ما يحمي لأجله .
وقال الإمام يحيى والفريقان : لا يحمي إلا لخيل المسلمين ، ولا يحمي
لنفسه ، ويحمي لإبل الصدقة ، ولمن ضعف من المسلمين عن الانتجاع ؛ لقوله :
((لا حمى إلا لله))، الحديث .
(١) بل هو عند البخاري (٣٤/٥ - ٣٥) موصول عن الزهري قال: بلغنا أن عمر ...
(٢) موضع معروف بين مكة والمدينة .
٢٢٩

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٦ - حديث ابن عباس
ولا يخفى أنه لا دليل فيه على الاختصاص ، أما قصة عمر ، فإنها دالة
على الاختصاص ، ولفظها - فيما أخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة والبخاري
والبيهقي عن أسلم -: أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى: هنياً على
الحمى ، فقال له : يا هَنِيّ! اضمم جناحك عن المسلمين ، واتق دعوة المظلوم؛
فإن دعوة المظلوم مجابة ، وأدخل رب الصريمة ، ورب الغنيمة ، وإياك ونَعم ابن
عوف ، ونعم ابن عفان ؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن
رب الصريمة ، ورب الغنيمة ، إن تهلك ماشيتهما ، يأتيني ببنيه ، يقول : يا أمير
المؤمنين ، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟! فالماء والكلأ أيسر عَليَّ من الذهب والورق ،
وايم الله ، إنهم يرون أني ظلمتهم ، وإنها لبلادهم؛ قاتلوا عليها في الجاهلية ،
وأسلموا عليها في الإسلام ، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في
سبيل الله ، ما حميت على الناس في بلادهم . انتهى .
هذا صريح أنه لا يحمي الإمام لنفسه(١) .
٨٦٦ - وعن ابن عباس رضيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَةٍ: ((لا
ضَرَرَ ، ولا ضرَارَ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وابْنُ مَاجَهْ .
وَلَهُ مِنْ حَديثِ أَبي سَعيدٍ مِثْلُهُ، وهو في ((الموَطّ) مُرْسَلٌ.
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول اللّه ◌َ ا﴾: ((لا ضرر ولا
ضرار)) . رواه أحمد وابن ماجه(٢). وله): أي : لابن ماجه (من حديث أبي
(١) ورواه الدارقطني (ص٥٢٦).
(٢) ليس الحديث عنده عن أبي سعيد! والمصنف تبع في هذا العزو النووي في ((الأربعين))، وقد
نبه على أنه وهمّ الحافظُ ابن رجب في ((شرحه)) عليه (ص٢١٩)!
٢٣٫٠

٧- كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٦ ۔ حديث ابن عباس
سعيد مثله ، وهو في ((الموطأ)) مرسل) .
وأخرجه ابن ماجه أيضاً ، والبيهقي من حديث عبادة بن الصامت ، وأخرجه
مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلاً بزيادة : ((من ضارّ ضاره الله ،
ومن شاق شاقّ الله عليه))(١) .
وأخرجه بها الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد مرفوعاً .
وأخرجه عبد الرزاق وأحمد عن ابن عباس أيضاً ، وفيه زيادة : ((وللرجل أن
يضع خشبته في حائط جاره ، والطريق الميتاء(٢) سبعة أذرع)).
وقوله : ((لا ضرر(٣))؛ الضرر ضد النفع، يقال: ضره يضره ضراً وضراراً،
وأضر به يضر إضراراً ؛ ومعناه : لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه .
والضرار فعال من الضر؛ أي : لا يجازيه بإضراره ؛ بإدخال الضر عليه ؛
فالضر ابتداء الفعل ، والضرار الجزاء عليه .
قلت : يبعده جواز الانتصار لمن ظلم: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ [الشورى: ٤١]،
﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] .
وقيل : الضرر ما تضربه صاحبك وتنتفع أنت به ، والضرار أن تضره من غير
أن تنتفع ، وقيل : هما بمعنى ، وتكرارهما للتأكيد .
(١) هذه الزيادة ليست عند مالك (٢١٨/٢) عن عمرو به! ولا عند الدارقطني (٥٢٢) عن
أبي سعيد ! والحديث حسنه النووي وابن الصلاح بمجموع طرقه .
(٢) ((أي: طريق مسلوكة؛ مِفْعالٌ من الإتيان، والميم زائدة)): ((نهاية)).
(٣) الضرر خلاف النفع ، والضرار بين الاثنين ، والمعنى : ليس لأحد أن يضر صاحبه بوجه ،
ولا لاثنين أن يضر كل منهما صاحبه ظناً أنه من باب التبادل فلا إثم فيه ؛ ولهذا ذكره بعد
الأول . سندي .
٢٣١

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٧ - حديث سمرة بن جندب
وقد دل الحديث على تحريم الضرر؛ لأنه إذا نفى ذاته ، دل على النهي عنه ؛
لأن النهي لطلب الكف عن الفعل ، وهو يلزم منه عدم ذات الفعل ، فاستعمل
اللازم في الملزوم .
وتحريم الضرر معلوم عقلاً وشرعاً ، إلا ما دل الشرع على إباحته ؛ رعاية
للمصلحة التي تربو على المفسدة ، وذلك مثل إقامة الحدود ونحوها ، وذلك
معلوم في تفاصيل الشريعة .
ويحتمل أن لا تسمى الحدود من القتل والضرب ونحوه ، ضرراً من فاعلها لغيره ؛
لأنه إنما امتثل أمر الله له بإقامة الحد على العاصي ؛ فهو عقوبة من الله تعالى ، لا
أنه إنزال ضرر من الفاعل ؛ ولذا لا يذم الفاعل لإقامة الحد ؛ بل يمدح على ذلك .
٨٦٧ - وعن سَمُرَةَ بن جُنْدب قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم :
(مَنْ أَحَاطَ حَائِطاً على أَرْضِ، فَهَيَ لَهُ)) . رَوَاهُ أَبُو داوُدَ ، وَصَحّحَهُ ابنُ الْجَارُود .
(وَعَن سَمُرَةَ بنِ جُنْدبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم :
((مَنْ أَحَاطَ حَائطاً على أَرْض فهيَ لَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَصَحّحَهُ ابنُ الْجَارُود(١)).
وتقدم أن من عمر أرضاً ليست لأحد فهي له ، وهذا الحديث بيّن نوعاً من
(١) وذلك بأن رواه في كتابه ((المنتقى)) (رقم ١٠١٥)؛ لكن في ذلك نظر؛ فإنه عندهما من
رواية الحسن عن سمرة معنعناً !
ولو أن المصنف ذكر الطريق الأخرى عن جابر مرفوعاً - كما فعل في ((التلخيص)) (ص٢٥٦) -؛
لأحسن بذلك صنعاً؛ لأن فيها تقوية لرواية سمرة؛ لا سيّما وسندها صحيح ؛ لأنها من رواية
سلیمان الیشکري عن جابر .
وهي عند أحمد بسند صحيح، كما بينته في ((الحوض المورود)) في (الأحكام) رقم ( ).
٢٣٢

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٨ - حديث عبد الله بن مغفل
أنواع العمارة ، ولا بد من تقييد الأرض بأنه لا حق فيها لأحد كما سلف .
٨٦٨ - وعن عَبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ النّبِيَّ ◌ِ﴿ِ قالَ: ((مَنْ
حَفَرَ بئراً ، فَلَهُ أَربِعونَ ذِرَاعاً عَطَنَاً لَّاشِيَتِهِ) . رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ بإِسْنادٍ ضعيفٍ .
(وعن عبد الله بن مُغَفّلِ رضي الله عنه أن النبي :﴿ه قال: ((مَنْ حَفَرَ بِئراً
فَلَهُ أَرْبِعُونَ ذَرَاعاً عَطَناً): بفتح العين المهملة وفتح الطاء فنون ؛ في ((القاموس)):
العطن محركة ، وطن الإبل ، ومبركها حول الحوض (لمَاشِيَتِه)). رواه ابن ماجه(١)
بإسناد ضعيف) .
(١) في (الرهون) (٩٦/٢)، وكذا الدارمي (٢٧٣/٢)، وضعفه البوصيري في ((الزوائد))
بإسماعيل بن مسلم ؛ قال :
((تركه ابن مهدي وابن المبارك ... )) .
قلت : وفيه علة أخرى ، وهي عنعنة الحسن عن عبدالله بن مغفل .
وإعلاله بذلك أولى من إعلاله بإسماعيل؛ لمتابعة أشعت له ، كما تراه في ((الشرح)).
وأشعث هذا هو واحد من أربعة كلهم ثقات ؛ سوى أشعث بن سوار ، وهو يعتبر به ؛ كما قال
الدارقطني .
وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ: ((حريم البئر أربعون ذراعاً من حواليها ؛ كلها لأعطان
الإبل والغنم)).
أخرجه أحمد (٤٩٤/٢) بسند رجاله ثقات ؛ إلا أن تابعيه لم يسمَّ .
فالحديث حسن إن شاء الله تعالى ، وقد أوردته في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)).
(تنبيه): هذا هو لفظ أحمد في («المسند».
وأما اللفظ الذي عزاه إليه الشارح ، فلا أصل له عنده ! وإنما هو عند الدارقطني ، وهو ضعيف
من جميع طرقه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة .
والصواب فيه: عن سعيد مرسلاً. كما بينته في ((السلسلة الأخرى)».
٢٣٣

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٨ - حديث عبد الله بن مغفل
لأن فيه إسماعيل بن مسلم ، وقد أخرجه الطبراني من حديث أشعث عن
الحسن .
وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد: ((حريم البئر البديء خمسة وعشرون
ذراعاً، وحريم البئر العاديّ خمسون ذراعاً)).
وأخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن المسيب عنه ، وأعله بالإرسال ، وقال :
من أسنده ، فقد وهم ، وفي سنده محمد بن يوسف المقري شيخ شيخ الدارقطني ،
وهو متهم بالوضع .
ورواه البيهقي من طريق يونس عن الزهري عن ابن المسيب مرسلاً ، وزاد
فيه: ((وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها)).
وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة موصولاً ومرسلاً ، والموصول فيه عمر
.
ابن قيس ؛ ضعيف .
والحديث دليل على ثبوت الحريم للبئر، والمراد بالحريم ما يمنع منه المحيي
والمحتفر ؛ لإضراره .
وفي ((النهاية)) : سُمِّيَ بالحريم؛ لأنه يحرم منع صاحبه منه ، ولأنه يحرم على
غيره التصرف فيه . والحديث نص في حريم البئر ، وظاهر حديث عبد الله أن العلة
في ذلك هي ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقي إبله لاجتماعها على الماء .
وحديث أبي هريرة دال على أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه البئر ؛ لئلا
تحصل المضرة عليها بقرب الإحياء منها ، ولذلك اختلف الحال في البديء والعاديِّ.
٢٣٤

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٩ - حديث وائل بن حجر
والجمع بين الحديثيْن أنه يقدم ما يحتاج إليه ، إما لأجل السقي للماشية ،
أو لأجل البئر.
وقد اختلف العلماء في ذلك ؛ فذهب الهادي والشافعي وأبو حنيفة إلى أن
حريم البئر الإسلامية أربعون ، وذهب أحمد إلى أن الحريم خمسة وعشرون .
وأما العيون ، فذهب الهادي إلى أن حريم العين الكبيرة الفوارة خمسمائة
ذراع من كل جانب ؛ استحساناً .
قيل : وكأنه نظر إلى أرض رخوة تحتاج إلى ذلك القدر ، وأمّا الأرض الصلبة
فدون ذلك .
والدار المنفردة حريمها فناؤها ، وهو مقدار طول جدار الدار، وقيل : ما تصل
إليه الحجارة إذا انهدمت ، وإلى هذا ذهب زيد بن علي وغيره .
وحريم النهر قدر ما يلقى منه كسحه ، وقيل : مثل نصفه من كل جانب ،
وقيل : بل بقدر أرض النهر جميعاً .
وحريم الأرض ما تحتاج إليه وقت عملها ، وإلقاء كسحها ، وكذا المسيل حريمه
مثل البئر على الخلاف .
وكل هذه الأقوال قياس على البئر بجامع الحاجة ، وهذا في الأرض المباحة .
وأما الأرض المملوكة ؛ فلا حريم في ذلك ؛ بل كل يعمل في ملكه ما شاء .
٨٦٩ - وعن عَلْقَمَةَ بنِ وائلٍ عَنْ أَبيهِ رضيَ اللهُ عنهما: أَنَّ النبيَّ صلَّى
اللهُ عليه وآله وسلَّمْ أَقْطَعَهُ أَرْضًّاً بحضرَمَوْتَ . رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ والترْمذي ،
وصحّحَهُ ابنُ حِبّانَ .
٢٣٥

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٦٩ - حدیث وائل بن حجر
(وَعَنْ عَلْقَمَةَ بنِ وائلٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه
وآله وسلم أَقْطَعَهُ أَرْضاً بحضرَمَوْتَ . رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ والترْمذي(١) ، وصحّحَهُ
ابنُ حِبّانَ): وصححه أيضاً الترمذي والبيهقي(٢).
ومعناه أنه خصه ببعض الأرض الموات ، فيختص بها ، ويصير أولى بها
بإحيائه ، ممن لم يسبق إليها بالإحياء .
واختصاص الإحياء بالموات ، متفق عليه في كلام الشافعية والهادوية وغيرهم .
وحكى القاضي عياض : أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يراه
أهلاً لذلك .
قال : وأكثر ما يستعمل في الأرض ، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه ؛
إما بأن يملكه إياه فيعمره ، وإما بأن يجعل له غلتها مدة .
قال(٣): والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعاً، ولم أر أحداً من
أصحابنا ذكره ، وتخريجه على طريقة فقهية مُشْكِل ، والذي يظهر أنه يحصل
للمقطع بذلك اختصاص ، كاختصاص المتحجر ، ولكنه لا يملك الرقبة بذلك،
انتهى . وبه جزم المحب الطبري .
وادعى الأذرعي(٤) نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة
أرض ، إذا كان مستحقاً لذلك .
(١) وكذا الدارمى
(٢٦٨/٢) . وسنده صحيح .
(٢) (١٤٤/٦) .
(٣) السبكي، كما في ((الفتح)) (٣٧/٥).
(٤) كما في ((الفتح)). واسمه: أحمد بن حمدان (٧٠٨ - ٧٨٣).
٢٣٦

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٧٠ ۔ حديث ابن عمر
قال ابن التين: إنما يسمى : إقطاعاً ، إذا كان من أرض ، أو عقار ، وإنما يقطع
من الفيء ، ولا يقطع من حق مسلم ، ولا معاهد . قال : وقد يكون الإقطاع
تمليكاً وغير تمليك ، وأمّا ما يقطع في أرض اليمن ، في هذه الأزمنة المتأخرة ؛ من
إقطاع جماعة من أعيان الآل قُرَّى من البلاد العشرية ؛ يأخذون زكاتها وينفقونها
على أنفسهم مع غناهم ، فهذا شيء محرم لم تأت به الشريعة المحمدية ؛ بل
أتت بخلافه ، وهو تحريم الزكاة على آل محمد ، وتحريمها على الأغنياء من الأمة ،
فإنا لله وإنا إليه راجعون ! .
٨٧٠ - وعن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النبيَّ ◌َّهُ أَقْطَعَ الزبَيْرَ حُضْرَ
فَرَسِه، فَأَجْرَى الْفَرَسَ، حتّى قامَ، ثم رَمَى بَسوْطِهِ ، فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ
السّوْطُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وفيه ضَعْفٌ .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ◌َ﴿ أقطع الزبيرَ حُضْرَ) : بضم
الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة فراء (١) (فرسه): أي : ارتفاع الفرس في
عدوه (فَأَجرَى الفرس ، حتّى قامَ، ثم رَمى بسوطِهِ ، فقال: ((أَعْطُوهُ حَيْثُ بلَغَ
السّوْطُ)) . رواه أبو داود ، وفيه ضعف): لأن فيه العمري المكبر ، وهو عبد الله
ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وفيه مقال(٢) .
وأخرجه أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر (٣)، وفيه : أن الإقطاع كان
(١) أي : عَدْوَ .
(٢) في ((التقريب)): ((ضعيف عابد)).
(٣) هو في («المسند» (٣٤٧/٦) في أثناء حديث لها :... وكنت أنقل النوى من أرض الزبير =
٢٣٧

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٧١ - حديث رجل من الصحابة
من أموال بني النضير .
قال في ((البحر)): وللإمام إقطاع الموات؛ لإقطاع النبي ◌َطمة الزبير حضر
فرسه ، ولفعل أبي بكر وعمر .
٨٧١ - وعن رَجُل مِنَ الصَّحابةِ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ النبي صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم فَسَمِعْتُهُ يُقُولُ: ((النّاس شُرَكاءُ في ثلاثةٍ : في الكَلأ والماءِ والنّارِ)). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو داودَ ، وَرجالُهُ ثِقَاتٌ .
(وعن رجل من الصحابة قال : غزوت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
فسمعته يقول : ((النّاسُ شُرَكاءُ في ثلاثة: في الكلأ) : مهموز ومقصور
(والْمَاءِ والنّار)). رواه أحمد وأبو داود(١) ، ورجاله ثقات).
وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة - مرفوعاً -: ((ثلاث لا يمنعن: الكلأ
والماء والنار))، وإسناده صحيح .
وفي الباب روايات كثيرة لا تخلو من مقال ، ولكن الكل ينهض على الحجية .
ويدل للماء بنصوصه أحاديث في مسلم وغيره .
= التي أقطعه رسول الله
وهذا متفق عليه بين الشيخين ؛ فلا وجه لعزوه لأحمد وحده !
(١) في ((المسند)) (٣٤٦/٥)، و((أبي داود)) (٢٤٩/٢).
وسنده صحيح؛ وجهالة الصحابي لا تضر؛ لا سيّما وفي رواية لأبي داود : أنه رجل من
المهاجرين . ووهم المناوي ؛ فزعم أن الحديث مرسل !
ورواه البيهقي أيضاً (١٥٠/٦).
٢٣٨

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٧١ - حديث رجل من الصحابة
وإلكلأ؛ النبات رطباً كان، أو يابساً، وأمّا الحشيش والهشيم، فمختص
باليابس ، وأمّا الخلا ، مقصور غير مهموز، فيختص بالرطب ، ومثله العشب .
والحديث دليل على عدم اختصاص أحد من الناس بأحد الثلاثة ، وهو
إجماع في الكلا في الأرض المباحة ، والجبال التي لم يحرزها أحد ؛ فإنه لا يمنع
من أخذ كلئها أحد ، إلا ما حماه الإمام كما سلف .
وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ؛ ففيه خلاف بين العلماء ، فعند
الهادوية وغيرهم ! أن ذلك مباح أيضاً ، وعموم الحديث دليل لهم .
وأما النار ، فاختلف في المراد بها ؛ فقيل : أريد بها الحطب الذي يحطبه
الناس وقيل : أريد بها الاستصباح منها ، والاستضاءة بضوئها ، وقيل : الحجارة
التي تورى منها النار ، إذا كانت في موات .
والأقرب أنه أريد بها النار حقيقة ؛ فإن كانت من حطب مملوك ، فقيل :
حكمها حكم أصلها .
وقيل : يحتمل أنه يأتي فيها الخلاف الذي في الماء ؛ وذلك لعموم الحاجة ،
وتسامح الناس في ذلك .
وأما الماء فقد تقدم الكلام فيه(١)، وأنه يحرم منع المياه المجتمعة من الأمطار
في أرض مباحة ، وأنه ليس أحد أحق بها من أحد إلا لقرب أرضه منها ، ولو
كان في أرض مملوكة ، فكذلك ، إلا أن صاحب الأرض المملوكة أحق به ؛
(١) (ص٢٦) .
٢٣٩

٧ - كتاب البيوع
١٦ - باب إحياء الموات
٨٧١ - حديث رجل من الصحابة
يسقيها ويسقي ماشيته ، ويجب بذله لما فضل من ذلك ، فلو كان في أرضه ، أو
داره عين نابعة ، أو بئر احتفرها ، فإنه لا يملك الماء ؛ بل حقه فيه تقديمه في
الانتفاع به على غيره ، وللغير دخول أرضه ، كما سلف .
فإن قيل : فهل يجوز بيع العين والبئر نفسهما؟ ، قيل : يجوز بيع العين والبئر؛
لأن النهي وارد عن بيع فضل الماء ، لا البئر والعيون في قرارهما ؛ فلا نهي عن
بيعهما ، والمشتري لهما أحق بمائهما بقدر كفايته ، وقد ثبت شراء عثمان لبئر رومة
من اليهودي بأمره صلى الله عليه وآله وسلم وسبلها للمسلمين .
فإن قيل : إذا كان الماء لا يملك ، فكيف تحجّر اليهودي البئر، حتّى باعها من
عثمان؟
قيل : هذا كان في أوّل الإسلام حين قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم
المدينة، وقبل تَقَرُّرِ الأحكام على اليهودي، والنبي ◌َّةُ أبقاهم أوّل الأمر على ما
كانوا عليه ، وقرّرهم على ما تحت أيديهم .
٢٤٠