النص المفهرس
صفحات 141-160
٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨١٧ - حديث كعب بن مالك هذا ، وقد حكم عمر في أسیفع جهینة کحکمه صلی الله عليه وآله وسلم في معاذ، فأخرج مالك(١) في ((الموطأ)) بسند منقطع، ورواه الدارقطني في ((غرائب مالك» بإسناد متصل : أن رجلاً من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي فيها ، فيسرع المسير فيسبق الحاج، فأفلس ، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب ، فقال : أما بعد ؛ أيها الناس ، فإن الأسيفعَ أسيفعَ جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال : سبق الحاج . وفيه : إلا أنه ادَّان معرضاً فأصبح وقد دين به (٢) - أيْ : أحاط به الدين - فمن كان له عليه دين ، فليأتنا بالغداة ، فنقسم ماله بين غرمائه . وإياكم والدين ؛ فإن أوله هم وآخره حرب ! انتھی . وأما قصة جابر مع غرماء أبيه ، وهي أنه لما قتل أبوه في أُحُد وعليه دين ؛ فاشتد الغرماء في حقوقهم ، قال : أتيت النبي ◌َ﴿ ، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ، ويحللوا أبي ، فأبوا، فلم (١) (٢٣٦/٢)، وعنه البيهقي في ((سننه)) (٤٩/٦) عن عمر بن عبدالرحمن بن دلاف عن أبيه به . ووصله الدارقطني من هذا الوجه بذكر بلال بن الحارث عن عمر. ورجح الدارقطني هذا على المنقطع، وأقره الحافظ في ((التلخيص)) (٢٤٨) .. وعبدالرحمن هذا : هو ابن عطية بن دلاف ؛ لم أجد من ذكره ، وابنه عمر ، أورده ابن أبي حاتم (١٢١/١/٣)، ولم يذكر فيه جرحاً . وله عند البيهقي طريق أخرى عن أيوب قال: نُبِّئت عن عمر بن الخطاب ... بمثل ذلك . وقال : نقسم ماله بينهم بالحصص . (٢) صححها الشيخ رحمه الله فجعلها: رين ؛ بالراء لا بالدال . (الناشر) . ١٤١ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨١٧ ۔ حدیث کعب بن مالك يعطهم النبي لة حائطي، وقال: ((سنغدوا عليك))، فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ، ودعا في ثمره بالبركة ، فجذذتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها ، فإن فيها دليلاً على أن انتظار الغلة والتمكن منها لا يعد مطلاً . قيل : ويؤخذ منها أن مَنْ كان له دخل ينظر إلى دخله ، وإن طالت مدته ؛ إذْ لا فرق بين المدة الطويلة والقصيرة في حق الآدمي ، ومَنْ لا دخل له لا ينظر ويبيع الحاكم ماله لأهل الدين . نعم ، وأمّا الحجر على البالغ لسفه وسوء تصرف ، فقال به الشافعي ، ولم يقل به زيد بن علي ، ولا أبو حنيفة. وبوّب له البيهقي في ((السنن الكبرى)) : باب الحجر على البالغين بالسفه ، وذكر فيه بسنده(١) : أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضاً بستمائة ألف درهم ، فهمَّ علي وعثمان أن يحجرا عليه ، قال : فلقيت الزبير فقال : ما اشترى أحد بيعاً أرخص مما اشتريت ! قال : فذكر له عبد الله الحجر؛ قال : لو أن عندي مالاً لشاركتك ، قال : فإني أقرضك نصف المال ، قال : فأنا شريكك . فأتاهما علي وعثمان وهما (١) أخرجه (٦١/٦) من طريقين عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن جعفر اشترى . . . وهذا سند صحيح ؛ والرواية الأخرى له . ورواه أبو عبيد في ((الأموال» من طريق أخرى نحوه ، وفيه : أنه اشترى سبخة بستين درهماً . قال عثمان : ما يسرني أنها لي بنعليَّ! ذكره في ((التلخيص)) (٢٤٩)؛ وعند الشافعي (١٩١/٢ - ١٩٢) الرواية الثانية. ١٤٢ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨١٧ - حديث كعب بن مالك يتراوضان(١). قالا: ما تراوضان؟ فذكر (٢) له الحجر على عبد الله بن جعفر، قال : أتحجران على رجل أنا شريكه؟ قالا : لا لعمري ، قال : فإني شريكه ، وفي رواية قال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟! قال الشافعي : فعليٌّ لا يطلب الحجر ، إلا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر باطلاً لقال : لا يحجر على بالغ ، وكذلك عثمان ؛ بل كلهم يعرف الحجر ، ثم ساق(٣) حديث عائشة وإرادة عبد الله بن الزبير الحجر عليها ، وغير ذلك من الأدلة من أفعال السلف . ويستدل له بالحديث الصحيح، وهو النهي عن إضاعة المال ؛ فإنَّ السفيه يضيعه بسوء تصرفه ، فيجب الإنكار عليه بحجره عنه . قال النووي : والصغير لا ينقطع عنه حكم اليُتْم بمجرد علوّ السن ، ولا بمجرد البلوغ ؛ بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله . وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمساً وعشرين سنة يجب تسليم ماله إليه ، وإن كان غير ضابط . (١) أي: يتجاذبان الحديث. في ((القاموس)): ((راوضه: داراه. والمراوضة المكروهة في الأثر: أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك ... )). (٢) فذكرا . (٣) يعني: البيهقي (٦١/٦ -٦٢). وهو عند البخاري أيضاً (٤٠٥/١٠)، و((المسند)) (٣٢٧/٤ - ٣٢٨) من طريق عوف بن الطفيل - وهو ابن أخي عائشة لأمها - أن عائشة حدثت : أن عبدالله ابن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة : والله لتنتهين عائشة أو لأحجرنّ عليها ! فقالت : أهو قال هذا؟! قالوا : نعم. قالت : هو الله عليَّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً ... الحديث . وفيه: أنها كلمت ابن الزبير ، وأعتقت في نذرها أربعين رقبة . رضي الله عنها ! ١٤٣ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨١٨ - حديث ابن عمر ٨١٨ - وعن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: عُرِضْتُ عَلَى النّبِيِّ نَ ﴿ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عشرةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدق وأَنا ابنُ خَمْسَ عَشِرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي . مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ ، وفي روايةٍ للبَيْهَقِي : فَلَم يجِزْني، ولم يرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحّحَها ابنُ خُزَيمَةَ . (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: عُرِضْتُ عَلَى النّبِيِّ :﴿ يَوْمَ أُحُد وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عشرةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدِق وأَنا ابنُ خَمْسَ عَشِرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي(١). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ ، وفي روايةٍ للبيْهَقِي(٢): فَلَم يجِزْني ، ولم يرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحّحَهُا ابنُ خُزَيمَةَ) . وجه ذكر الحديث هنا أن مَنْ لم يبلغ خمس عشرة سنة لا تنفذ تصرفاته ، من بيع وغيره . (١) أمضاني . (٢) في ((سننه)) (٥٥/٦) عن ابن جريج عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به. وقال : ((قال ابن صاعد: في هذا الحديث حرف غريب ؛ وهو قوله : ولم يرني بلغت)). قلت : وهي زيادة شاذة أو منكرة عندي ؛ لأن البيهقي قد أخرجه - كالشيخين - عن جماعة من الثقات عن عبيدالله به دونها . فهي شاذة إن كان ابن جريج سمعها من عبيدالله ؛ وإلا فهي منكرة ؛ لأن ابن جريج مدلس ، وقد عنعنه ! (تنبيه): في ((المستدرك)) (٥٥٨/٣) حديث آخر، فيه أن ابن عمر شهد أُحُداً . ورجاله ثقات؛ لكن الأحوص بن جواب صدوق ربما وهم، كما في («التقريب)». ١٤٤ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨١٩ - حديث عطية القرظي ومعنى قوله : لم يجزني : لم يجعل لي حكم الرجال المتقاتلين ؛ في إيجاب الجهاد عليَّ ، وخروجي معه . وقوله : فأجازني؛ أي : رآني فيمن يجب عليه الجهاد ، ويُؤذن له في الخروج إليه ، وفيه دليل على أن من استكمل خمس عشرة سنة ، صار مكلفاً بالغاً له أحكام الرجال ، ومَنْ كان دونها فلا . ويدل له قوله : ولم يرني بلغت . وناقش في الاستدلال به على البلوغ بعضُ المتأخرين ، قائلاً: إن الإذن في الخروج للحرب يدور على الجلادة والأهلية ؛ فليس له في رده دليل على أنه لأجل عدم البلوغ ، وَفَهْم ابن عمر ليس بحجة . قلت : وهو احتمال بعيد ، والصحابي أعرف بما رواه(١) . وفيه دليل على أن الخندق كانت سنة أربع ، والقول بأنها سنة خمس يرده هذا الحديث ، ولأنهم أجمعوا أن أحداً كانت سنة ثلاث . ٨١٩ - وعن عَطِيّةَ الْقُرَظِيِّ رضيَ الله عَنْهُ قالَ: عُرضْنَا عَلَى النّبِيِّ ◌َِله يَوْمَ قُرَيْظَةَ ، فكانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ مَمَنْ لَمْ (١) قلت: وهذا مسلّم لو أن قوله: (ولم يرني بلغت) صح سنده! وإذ قد عرفت ما فيه ؛ فلا! ومما يؤيد ما ذهب البعض المشار إليه حديث سمرة بن جندب قال : كان رسول الله يعرض غلمان الأنصار في كل عام ، فيلحق من أدرك منهم . قال : وعُرضت عاماً ، فألحق غلاماً وردّني. فقلت: يا رسول الله! لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعته! قال: ((فصارعْه))؛ فصارعته فصرعته ؛ فألحقني . أخرجه البيهقي (٢٢/٩)؛ وسنده صحيح. وهو في ((المستدرك)) (٦٠/٢). ١٤٥ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨٢٠ - حديث عبد الله بن عمرو يُثْبتْ، فَخُلِّيَ سَبيلي. رَوَاهُ الأربعة، وصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والحاكمُ ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْن . (وعن عطية القرظي رضي الله عنه) : بضم القاف فراء ؛ نسبة إلى بني قريظة (قال: عرضنا على النبي :﴿ يوم قريظة، فكان من أنبت قُتِلَ ، ومن لم يُنْبِتْ خُلِّيَ سبيلُهُ، فكُنْتُ ممن لم ينبت، فَخُلِّيَ سبيلي. رواه الأربعة(١)، وصححه ابن حبان والحاكم ، وقال: على شرط الشيخين) : وهو كما قال إلا أنهما لم يخرجا لعطية . والحديث دليل على أنه يحصل بالإنبات البلوغ ، فتجري على من أنبت أحكام المكلفين ، ولعله إجماع . ٨٢٠ - وعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ: أَنَّ رسول الله عَُّؤلِ قالَ: ((لا يجُوزُ لامِرَةٍ عَطِيَّةٌ إلاَ بإذْنِ زَوْجِها)» . وَفِي لَفْظٍ : «لا يجُوزُ للمرْأَةِ أمر في مَالها إذا مَلكَ زَوْجُها عِصْمَتَهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ ((السُّنن)»، إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ . (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه: أَنَّ رسول الله عَّهِ قالَ: ((لا يجُوزُ لامِرَةِ عَطِيّةٌ إلا بإِذْنِ زَوْجِها)» . (١) وكذا أحمد (٣٨٣/٤). وسنده صحيح على شرطهما، كما قال الحاكم (١٢٣/٢)؛ وزاد: ((وألحقني بالسبي)) ، وزاد في رواية : ((فها أنا ذا بين أظهركم)) . ورواه البيهقي أيضاً (٥٨/٥) ؛ وله عنده طرق أخرى . ورواه ابن الجارود (١٠٤٥) من الطريق الأولى. ١٤٦ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨٢١ - حديث قبيصة بن مخارق وَفِي لَفْظٍ : «لا يجُوزُ للمرْأَةِ أمر في مَالها إذا مَلكَ زَوْجُها عِصْمَتَهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَصْحَابُ ((السُّنْنِ)) إلا التِّرْمذيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ(١)): قال الخطابي : حمله الأكثر على حسن العشرة واستطابة النفس ، أو يحمل على غير الرشيدة، وقد ثبت عن النبي ◌َّةُ أنه قال للنساء: (تصدقن))، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم ، وبلال يتلقاه بردائه ، وهذه عطية بغير إذن الزوج ، انتهى . وهذا مذهب الجمهور مستدلين بمفهومات الكتاب والسنة ، ولم يذهب إلى معنى الحديث إلا طاوس ، فقال : إن المرأة محجورة عن مالها إذا كانت مزوجة ، إلا فيما أذن لها فيه الزوج . وذهب مالك إلى أن تصرفها من الثلث(٢). ٨٢١ - وعن قَبيصةَ بن مُخَارِق رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِ الهِ: ((إنَّ المسْأَلَةَ لا تحلُّ إلا لأحَدٍ ثَلاثة: رَجُلِ تَحَمّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المسْأَلَةُ، حتّى يُصِيبَهَا ، ثم يُمْسِكَ، وَرَجلِ أَصَابَتْهُ جائحة اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ ، حتّى يُصيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشَ ، وَرَجُلٍ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ ، حتّى يَقُول ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتَّ قُلاناً فاقَّةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المسْأَلَةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (١) ووافقه الذهبي (٤٧/٢)! وإنما هو حسن فقط ؛ للخلاف المعروف في (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) . وله شاهد من حديث كعب بن مالك . أخرجه ابن ماجه والطحاوي ؛ وفيه رجلان مجهولان . (٢) وقال الخطابي في ((المعالم)) (١٩٤/٥) - بعد قوله الذي نقله الشارح آنفاً -: ((إلا أن مالك بن أنس قال: يرد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج)). ١٤٧ ٧ - كتاب البيوع ٦ - باب التفليس والحجر ٨٢١ - حديث قبيصة بن مخارق (وعن قبيصة) : بفتح القاف فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة (ابن مخارق رضي الله عنه) : بضم الميم فخاء معجمة فراء مكسورة (قال : قال رسول الله ◌َّهُ: ((إنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثَلاثةٍ: رَجُلٍ(١) تَحَمّلَ حَمَالَةً): بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم(٢) (فَحَلّت لَّهُ الْمَسْأَلَةُ، حتّى يُصِيبَها ، ثم يُمْسِكَ، وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ(٣) اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلّتْ لَهُ المسْأَلَةُ، حتّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشِ ، وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ(٤) ، حتّى يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَِّابَتْ فُلَاناً فاقَةٌ فَحَلّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ)). رواه مسلم) : فقد تقدم بلفظه(٥) في باب قسمة الصدقات ، ولعل إعادته هنا أن الرجل الذي تحمل حمالة قد لزمه دين ؛ فلا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه ؛ بل يترك ، حتّى يسأل الناس فيقضي دينه ، وهذا يستقيم على القواعد إذا لم یکن قد ضمن ذلك المال . (١) أي: ولو غنيّاً. (٢) وهو الدَّين . وقيل : هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ؛ ليرتفع بينهم القتال ونحوه. (ترغيب)). (٣) الآفة . (٤) حاجة . (٥) وتمامه هناك: ((فما سواهنّ من المسألة يا قبيصة! سحت يأكله صاحبه سحتاً)). وفي حديث سمرة: ((إنما المسائل كدوح ... إلا أن يسأل ذا سلطان ، أو في أمر لا يجد منه بدًا)). أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، والطحاوي بسند صحيح . ١٤٨ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٢ - حديث عمرو بن عوف ٧ - باب الصلح قد قسم العلماء الصلح أقساماً : صلح المسلم مع الكافر ، والصلح بين الزوجين ، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة ، والصلح بين المتقاضيين ، والصلح في الجراح كالعفو على مال ، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت في الأملاك والحقوق ، وهذا القسم هو المراد هنا ، وهو الذي يذكره الفقهاء في باب الصلح . ٨٢٢ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المزَنِيِّ رَضيَ الله عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهِ قالَ: ((الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِينَ إلا صُلْحاً حَرَّمَ حَلالاً ، أو أَحَلَّ حَرَاماً؛ وَالمسلمونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً حَرَّمَ حَلالاً، أو أَحَلَّ حِرَاماً)) . رَوَاهُ التِّرْمذيُّ وَصَحّحِهُ ، وأَنْكَروا عَلَيْهِ ؛ لأنه من رواية كَثِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ عَوْفٍ ، وهو ضعيفٌ . وكأنهُ اعتَبرَهُ بِكَثْرَة طُرُقِه. وقَدْ صَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. (عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه: أن رسول الله عَّةٍ قال: (الصُلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ(١) إلا صُلْحاً حَرَّمُ حَلالاً، أو أَحَلَّ حَرَاماً، والْمُسْلمونَ): وفي لفظ أبي داود : ((والمؤمنون)) (عَلى شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً حَرَّمَ حَلالاً، أو أَحَلَّ حَرَاماً)) . رواه الترمذي وصحّحهُ ، وأنكروا عليه؛ لأنه من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، وهو ضعيف(٢)): كذبه الشافعي ، (١) خرج مخرج الغالب . (٢) زاد الحافظ في ((التقريب)): ((منهم من نسبه إلى الكذب)). ولذلك كان الأولى بالمؤلف أن يقول - كما قال الشوكاني (٢١٥/٥) -: ((ضعيف جداً))! ١٤٩ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٢ ۔ حديث عمرو بن عوف وتركه أحمد ، وفي ((الميزان)): عن ابن حبان : له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة ، وقال الشافعي وأبو داود : هو ركن من أركان الكذب ، واعتذر المصنف عن الترمذي بقوله : (وكأنه اعتبره بكثرة طرقه ، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه(١)) . فيه مسألتان : الأولى : في أحكام الصلح ، وهو أن وضعه مشروط فيه المراضاة ؛ لقوله : ((جائز))؛ أي : أنه ليس بحكم لازم يُقضى به ، وإن لم يرض به الخصم ، وهو جائز أيضاً بين غير المسلمين من الكفار، فتعتبر أحكام الصلح بينهم ، وإنما خص المسلمون بالذكر ؛ لأنهم المعتبرون في الخطاب ، المنقادون لأحكام السنة والكتاب . (١) ولفظه - عند ابن حبان (١١٩٩) -: ((الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرَّم حلالاً)) . وكذلك رواه أبو داود في (الأقضية) ، والحاكم (٤٩/٢، ١٠١/٤) ، وزادا : ((المسلمون على شروطهم ... )) . ولأحمد (٣٦٦/٢)، والبيهقي (٦٣/٦) الجملة الأولى منه . ورواه الدارقطني (٣٠٠)، والحاكم أيضاً (٥٠/٢) من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال : ((صحيح على شرطهما؛ وهو معروف بعبدالله بن الحسين المصيصي، وهو ثقة))! وردّه الذهبي بقوله : ((قلت: قال ابن حبان: يسرق الحديث)). وساق له الحافظ في ((اللسان)» أخباراً سرقها ، وقلب إسنادها ؛ هذا أحدها . وللحديث شواهد : عند الدارقطني ، والحاكم ، وغيرهما ، يرتقي بها إلى درجة الحسن ، كما قال الشوكاني (٢١٦/٥)؛ بل الصحيح ؛ فإن سنده - عند ابن حبان وأبي داود وغيرهما - حسن لذاته . ١٥٠ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٢ - حديث عمرو بن عوف وظاهره عموم صحة الصلح سواء كان قبل اتضاح الحق للخصم ، أو بعده . ويدل للأول قصة الزبير والأنصاري؛ فإنَّه ◌َّه لم يكن قد أبان للزبير ما استحقه ، وأمره أن يأخذ بعض ما يستحقه على جهة الإصلاح، فلما لم يقبل الأنصاري الصلح وطلب الحق، أبان رسول اللّه ◌َاهُ للزبير قدر ما يستحقه(١)؛ كذا قال الشارح . والثابت أن هذا ليس من الصلح مع الإنكار؛ بل من الصلح مع سكوت المدعى عليه ، وهي مسألة مستقلة ، وذلك لأن الزبير لم يكن عالماً بالحق الذي له ، حتّى يدعه بالصلح ؛ بل هذا أول التشريع في قدر السقيا . والتحقيق أنه لا يكون الصلح إلا هكذا ، وأمّا بعد إبانة الحق للخصم ؛ فإنَّما يطلب من صاحب الحق أن يترك لخصمه بعض ما يستحق . وإلى جواز الصلح على الإنكار، ذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة ، وخالف في ذلك الهادوية والشافعي، وقالوا: لا يصح الصلح مع الإنكار، ومعنى عدم صحته ، أنه لا يطيب مال الخصم مع إنكار المصالح، وذلك حيث يدعي عليه آخرُ عيناً ، أو ديناً ، فيصالح ببعض العين ، أو الدين مع إنكار خصمه ؛ فإن الباقي لا يطيب له ؛ بل يجب عليه تسليمه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم؛ إلا بطيبة من نفسه))، وقوله تعالى: ﴿عن تراض﴾ [النساء: ٢٩]. وأجيب بأنها قد وقعت طيبة النفس بالرضا بالصلح ، وعقد الصلح قد صار في حكم عقد المعاوضة ، فيحل له ما بقي . ء (١) انظر ((البخاري)) (٢٧/٦ - ٢٨). ١٥١ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٢٠ - حديث عمرو بن عوف قلت : الأولی أن یقال : إن کان المدعي یعلم أن له حقاً عند خصمه ، جاز له قبض ما صولح عليه ، وإن كان خصمه منكراً . وإن كان يدَّعي باطلاً ، فإنه يحرم عليه الدعوى وأخذ ما صولح به . والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه ، وإنما ينكر لغرض ، وجب عليه تسلیم ما صولح به عليه . وإن كان يعلم أنه ليس عنده حق ، جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريم وأذيته ، وحرُم على المدعي أخذه ، وبهذا تجتمع الأدلة ؛ فلا يقال : الصلح على الإنكار لا يصح ، ولا أنه يصح على الإطلاق؛ بل يفصل فيه . المسألة الثانية : ما أفادها قوله: ((والمسلمون على شروطهم))؛ أيْ: ثابتون عليها واقفون عندها ، وفي تعديته بعلى ووصفهم بالإسلام أو الإيمان ، دلالة على علوّ مرتبتهم ، وأنهم لا يخلّون بشروطهم ، وفيه دلالة على لزوم الشرط ، إذا شرطه المسلم ، إلا ما استثناه في الحديث . وللمفرعين تفاصيل في الشروط وتقاسيم؛ منها ما يصح ، ويلزم حكمه ، ومنها ما لا يصح ، ولا يلزم ، ومنها ما يصح ويلزم منه فساد العقد ، وهي هنالك مبسوطة بعلل ومناسبات . وللبخاري في كتاب الشروط تفاصيل كثيرة معروفة . وقوله : ((إلا شرطاً حرم حلالاً)) : وذلك كاشتراط البائع أن لا يطأ الأمة . ((أو أحل حراماً)): مثل أن يشترط وطء الأمَة التي حرم الله عليه وطأها . ١٥٢ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٣ - حديث أبي هريرة ٨٢٣ - وعن أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه: أَنَّ النّبيَّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((لا يُمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جداره))؛ ثم يقُولُ أبو هُريْرةَ: مَا لِي أَرَاكِمْ عَنْهَا مُعْرضينَ؟! والله ، لأرْمِيَنَّ بها بَينَ أَكتافِكُمْ . مُتفقٌ عَلَيْهِ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ◌َ﴿ُ قال: ((لا يمنَعْ): يروى بالرفع على الخبر، والجزم على النهي (جارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً) : بالإفراد ، وفي لفظ: ((خُشُبه)) بالجمع (في جدارِهِ))؛ ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرضين؟! والله ، لأرمِيَنَّ بها بين أكتافكم) : بالتاء جمع كتف (متفق عليه) : وفي لفظ لأبي داود(١) : فنكسوا رؤوسهم . ولأحمد(١) حين حدثهم بذلك : فطأطأوا رؤوسهم ، والمراد المخاطبون ، وهذا قاله أبو هريرة أيام إمارته على المدينة في زمن مروان ؛ فإنه كان يستخلفه فيها ؛ فالمخاطبون من يجوز أنهم جاهلون بذلك وليسوا بصحابة ، وقد روى أحمد(٢) وعبدالرزاق من حديث ابن عباس: ((لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره)) . (١) في ((سننه)) (٢٨٣/٢ - الحلبي)، وأحمد (٢٤٠/٢) بلفظ: ((إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبةً في جداره. فلا يمنعه))، وإسنادهما على شرطهما ، وليس عند أبي داود: رؤوسهم. (٢) في ((المسند)) (٣١٣/١) من طريق عبدالرزاق . وفيه جابر - وهو ابن يزيد الجعفي -، وهو متروك، كما قال النسائي. وقال في ((التقريب)): (ضعيف رافضي))؛ ومن طريقه أخرج ابن ماجه منه الجملة الأولى . وله شواهد كثيرة من طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً، كما في ((الأربعين))، و((شرحه)) لابن رجب (٢١٩ - ٢٢٠). ويأتي في الكتاب (ص٢٣١). ١٥٣ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٣ - حديث أبي هريرة والحديث فيه دليل على: أنه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على جداره ، وأنه إذا امتنع عن ذلك ، أجبر؛ لأنه حق ثابت لجاره ، وإلى هذا ذهب · أحمد وإسحاق وغيرهما ؛ عملاً بالحديث . وذهب إليه الشافعي في القديم ، وقضى به عمر في أيام وفور الصحابة . وقال الشافعي : إن عمر لم يخالفه أحد من الصحابة ، وهو فيما رواه مالك(١) بسند صحيح : أن الضحاك بن خليفة سأله محمد بن مسلمة أن يسوق خليجاً له فيجريه في أرض محمد بن مسلمة ، فامتنع ، فكلمه عمر في ذلك ، فأبى ، فقال : والله ، لتمرَّنَّ به ، ولو على بطنك . وهذا نظير قصة حديث أبي هريرة ، وَعَمَّمَهُ عمر في كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه . وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز أن يضع خشبة إلا بإذن جاره ؛ فإن لم يأذن ، لم يجز . قالوا : لأن أدلة أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ، تمنع هذا الحكم ، فهو للتنزيه . وأجيب عنه بما قاله البيهقي : لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم ، إلا عمومات لا ينكر أن يخصها ، وقد حمله الراوي على ظاهره من التحريم ، وهو أعلم بالمراد بدليل قوله : ما لي أراكم عنها معرضين : فإنه استنكار لإعراضهم ، دال على أن ذلك للتحريم . (١) في ((الموطأ)) (٢١٨/٢) بسند صحيح، كما قال الشارح، وقد اختصره . ١٥٤ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٤ - حديث أبي حميد الساعدي قال الخطابي معنى قوله : بين أكتافكم : إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها ؛ أي : الخشبة على رقابكم كارهين ، قال : وأراد بذلك المبالغة . قلت : والذي يتبادر أنّ المراد لأرمين بها ؛ أي : هذه السنة المأمور بها بينكم بلاغاً لما تحملته منها ، وخروجاً عن كتمها ، وإقامة الحجة عليكم بها . ٨٢٤ - وعن أبي حُميدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله .: ((لا يحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخيه بغيرِ طِيبَةٍ نَفْسٍ مِنْهُ)) . رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ والحاكمُ في ((صَحِيحَيْهِمَا)) . (وَعَنْ أَبِي حُميدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَزَّةٍ: ((لا يحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخيه بغيرِ طِيبةٍ نَفْسٍ مِنْهُ)) . رواهُ ابْنُ حِبّانَ والحاكمُ في ((صَحِيحَيْهِمَا)(١)). وفي الباب أحاديث كثيرة في معناه. أخرج الشيخان من حديث عمر: ((لا يحْلبنَّ أحد ماشية أحد بغير إذنه))، وأخرج أبو داود والترمذي والبيهقي من حديث عبد الله (٢) بن السائب بن يزيد، عن أبيه عن جده (٣) بلفظ: ((لا يأخذ أحد كم متاع أخيه لاعباً ، ولا جاداً)). (١) وكذا أحمد (٤٢٥/٥)، وابن حبان (١١٦٦) بسند صحيح؛ وتقدم بلفظ آخر على حاشية (ص١٣١٦) . (٢) تفرد عنه ابن أبي ذئب ، ووثقه النسائي ، وابن سعد ، وابن حبان . (٣) هو يزيد بن السائب رضي الله عنه . والحديث ؛ أخرجه أحمد أيضاً (٤٢١/٤)، وحسنه الترمذي؛ وهو محتمل . ١٥٥ ٧ - كتاب البيوع ٧ - باب الصلح ٨٢٤ - حديث أبي حميد الساعدي والأحاديث دالة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من نفسه ، وإن قَلَّ . والإجماع واقع على ذلك ، وإيراد المصنف لحديث أبي حميد عقيب حديث أبي هريرة ، إشارة إلى تأويل حديث أبي هريرة ، وأنه محمول على التنزيه ، كما هو قول الشافعي في الجديد ، ويرد عليه أنه إنما يحتاج إلى التأويل إذا تعذر الجمع ، وهو هنا ممكن بالتخصيص ؛ فإن حديث أبي هريرة خاص ، وتلك الأدلة عامة كما عرفت . وقد أُخْرِج من عمومها أشياء كثيرة؛ كأخذ الزكاة كرهاً ، وكالشفعة ، وإطعام المضطر ، ونفقة القريب المعسر والزوجة ، وكثير من الحقوق المالية التي لا يخرجها المالك برضاه ؛ فإنها تؤخذ منه كرهاً ، وغرز الخشبة منها ، على أنه مجرد انتفاع والعين باقية . ١٥٦ ٨ - بابُ الحوالة والضَّمان الحوالة(١) ؛ بفتح الحاء ، وقد تكسر؛ حقيقتها عند الفقهاء : نَقْلُ دين من ذمة إلى ذمة . واختلفوا ؛ هل هي بيع دين بدين رُخِّص فيه ، وأخرج من النهي عن بيع الدين بالدين ، أو هي استيفاء؟ وقيل : هي عقد إرفاق مستقل . ويشترط فيها لفظها ، ورضا المحيل بلا خلاف ، والمحال (٢) عند الأكثر، والمحال عليه(٣) عند البعض (٤) ، وتماثل الصفات ، وأن تكون في الشيء المعلوم . ومنهم من خصها بما دون الطعام ؛ لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى . ٨٢٥ - عَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلى مليءٍ ، فَلْيُتْبَعْ)) . مُتّفقٌ عَلَيه . (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (١) اسم من: أحال الغريم بدينه على آخر: صرفه عنه إليه ؛ فهو محيل ، والغريم محال ، والغريم الآخر محال عليه . (٢) المحتال . (٣) وبه قال داود، كما في ((البداية)) (٢٤٨/٢). وما قبله مذهب مالك. (٤) الدائن والمدين والمليء .. ١٥٧ ٧ - كتاب البيوع ٨ - باب الحوالة والضمان ٨٢٥ - حديث أبي هريرة وسلم: ((مَطْلُ الْغَنيّ) : إضافة للمصدر إلى الفاعل ؛ أي : مطل الغني غريمه ، وقيل إلى المفعول؛ أي: مطل الغريم للغنيّ(١) (ظُلْمٌ): وبالأولى مطله الفقير (وإذا أُتْبِعَ(٢)): بضم الهمزة وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة (أَحَدُكُمْ عَلَى مَليءٍ) : مأخوذ من الملاء بالهمزة ، يقال: ملؤ الرجل ؛ أي: صار مليئاً (فلْيُتْبَعْ) : بإسكان المثناة الفوقية أيضاً مبني للمجهول كالأول ؛ أي : إذا أحيل ، فليحتل (متفق عليه(٣)) : دلَّ الحديث على تحريم المطل من الغنيّ . والمطل : هو المدافعة ، والمراد هنا : تأخير ما استحق أداؤه ، بغير عذر، من قادر على الأداء . والمعنى - على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل -: أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه ، بخلاف العاجز. (١) واستبعد الحافظ (٣٦٧/٤) هذا التأويل، وعزا الأول للجمهور، وتبعه الشوكاني (٢٠٠/٥) . (٢) أي : أحيل ، فليحتل . (٣) زاد في نسخة من (المتن) ، طبع مصطفى محمد : ((وفي رواية لأحمد: ((ومن أحيل، فليحتل)) ... وهو في ((المسند)) (٤٦٣/٢) بهذا اللفظ: (( ... ومن أحيل على مليء، فليحتل)). وسنده صحيح على شرط الشيخين ، وصححها الحافظ أيضاً في ((التلخيص)) (ص ٢٥٠). ولكنها شاذة عندي ؛ لمخالفتها لجميع الثقات من هذه الطريق ، ولطريقين آخرين عن أبي هريرة ، كما بينته في ((الحوض المورود في زوائد منتقى ابن الجارود)). ١٥٨ ٧ - كتاب البيوع ٨ - باب الحوالة والضمان ٨٢٥ - حديث أبي هريرة ومعناه على التقدير الثاني : أنه يجب وفاءُ الدين ، ولو كان مستحقه غنياً؛ فلا يكون غناه سبباً لتأخير حقه ، وإذا كان ذلك في حق الغني ، ففي حق الفقير أولى . ودل الأمر على وجوب قبول الإحالة ، وحمله الجمهور على الاستحباب ، ولا أدري ما الحامل على صرفه عن ظاهره(١)؟ وعلى الوجوب حمله أهل الظاهر ، وتقدم البحث في أنَّ المطل كبيرة يَفْسُق صاحبه ؛ فلا نكرره . وإنما اختلفوا هل يفسق قبل الطلب ، أو لا بد منه؟ ، والذي يشعر به الحديث أنه لا بد من الطلب ؛ لأن المطل لا يكون إلا معه . ويشمل المطل كل مَنْ لزمه حق كالزوج لزوجته ، والسيد في نفقة عبده . ودل الحديث بمفهوم المخالفة أن مطل العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم ، ومَنْ لا يقول بالمفهوم ، يقول: لا يسمى العاجز ماطلاً . والغني الغائب عنه ماله كالمعدوم . ويؤخذ من هذا أن المعسر لا يطالب ، حتّى يوسر . قال الشافعي : لو جازت مؤاخذته لكان ظالماً ، والفرض أنه ليس بظالم ؛ لعجزه . ويؤخذ منه أنه ، إذا تعذر على المحال عليه التسليم ؛ لفقر ، لم يكن للمحتال (١) وبظاهره قال أكثر الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر، كما في ((الفتح)) (٣٦٧/٤) . ١٥٩ ٧ - كتاب البيوع ٨ - باب الحوالة والضمان ٨٢٦ - حديث جابر الرجوع إلى المحيل ؛ لأنه لو كان له الرجوع ، لم يكن لاشتراط الغنى فائدة ، فلما شرطه الشارع ، علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع له ، كما لو عوض في دينه بعوض ، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين . وقالت الحنفية : يرجع عند التعذر ، وشبَّهوا الحوالة بالضمان ، وأمّا إذا جهل الإفلاس حال الحوالة ، فله الرجوع(١) . ٨٢٦ - وعن جابر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنّا، فَغَسَلْنَاهُ وَحَتَّطْنَاهُ وَكَفْنَاهُ، ثم أَتَيْنَا بِه رَسُولَ اللّه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم فَقُلْنَا: تُصَلِّي عليْهِ؟ فَخَطا خُطاً، ثم قالَ: ((أَعَلَيْهِ دَيْنَ؟»، فقُلْنا: دينارَانِ، فَانْصَرِفَ ، فَتَحَمِّلُهُمَا أَبُو قَتَادة ، فَأَتَيْناه، فقال أبو قَتَادَةَ : الدِّينَارَانِ عَليَّ ، فقال رسول الله عَِّ: ((أحَقَّ الغَريم، وَبَرِئ مِنْهُما الميْتُ؟))، قالَ: نَعَمْ، فَصَلَى عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ والنسَائِيُّ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حبانَ وَالْحَاكِمُ . (وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال : توفي رجل منا ، فغسلناه وحنطناه وكفناه ، ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا خُطاً، ثم قال: ((أعَلَيْهِ دَيْنٌ؟))، فقلنا: ديناران، فانصرف): أي : عن الصلاة عليه (فتحملهما أبو قتادة ، فأتيناه ، فقال أبو قتادة : الديناران عليّ ، فقال رسول الله عَّهُ: ((أحَقَّ الْغريم): منصوب على المصدر، مؤكد لمضمون قوله : الديناران علي ؛ أي : حق عليك الحق ، وثبت عليك ، وكنت غريماً (وبَرئ (١) وهذا وما قبل قوله: ((وقالت الحنفية)) مذهب الجمهور، كما في ((البداية)) (٢٤٩/٢). ١٦٠