النص المفهرس

صفحات 101-120

٧ - كتاب البيوع
٣ - باب الربا
٧٩٧ ۔ حدیث سعد بن أبي وقاص
نعم ، فنهى عن ذلك . رواه الخمسة ، وصححه ابن المديني والترمذي وابن
حبان والحاكم(١)) .
وإنَّما صححه ابن المديني ، وإن كان مالك علقه عن داود بن الحصين ؛ لأن
مالكاً لقي شيخه بعد ذلك ، فحدث به مرة عن داود ، ثم استقر رأيه على
التحديث به عن شيخه .
قال ابن المديني: إن والده حدَّث به عن مالك بتعليقه عن داود ، إلا أن
سماع والده عن مالك قديم ، ثم حدَّث به مالك عن شيخه فصح من طريق
مالك(٢) .
ومن أَعَلَّه بجهالة زيد بن عياش فقد رد عليه بأن الدارقطني قال: إنه
ثبت ثقة ، وقال المنذري : قد روى عنه ثقات ، وقد اعتمده مالك مع شدة
= لكن في رواية لأبي داود وغيره : نسيئة .
وصححها الحاكم والذهبي ! ورده الدارقطني والبيهقي، ورجحا الرواية الأولى؛ لاجتماع
أربعة من الثقات عليها ؛ منهم مالك ، وتفرد يحيى بن أبي كثير بذكر (النسيئة) .
وقد رواها الطحاوي من طريق أخرى ؛ لكنها ضعيفة . والله أعلم .
(١) ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
(٢) قلت: الحديث في ((الموطأ)) (١٢٨/٢) موصولاً عن شيخه عبدالله بن يزيد أن زيداً أبا
عياش أخبره به .
وهكذا أخرجه عنه الأربعة، وأحمد في («المسند» (١٧٥/١).
وكأن مالكاً رواه خارج ((الموطأ)) قديماً عن داود بن الحصين عن عبدالله بن يزيد ، ثم لقي شيخ
شيخه - وهو عبدالله -، فرواه عنه مباشرة في ((الموطأ)) !
١٠١

٧ - كتاب البيوع
٣ - باب الربا
٧٩٨ - حديث ابن عمر
نقده ، قال الحاكم : ولا أعلم أحداً طعن فيه .
والحديث دليل على عدم جواز بيع الرطب بالتمر ؛ لعدم التساوي ، كما تقدم .
نھَى عَنْ بَيْع الکالئ
٧٩٨ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما: أَنَّ النبيَّ
بالكالى ؛ يَعْني : الديْنَ بالدّيْنِ - رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضعيفٍ .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ◌َ ◌ّ نهى عن بيع الكالئ
بالكالئ ؛ يعني : الدين بالدين . رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف) :
ورواه الحاكم والدارقطني من دون تفسير ، لكن في إسناده موسى بن عبيدة
الربذي ، وهو ضعيف . قال أحمد : لا تحل الرواية عندي عنه ، ولا أعرف هذا
الحديث لغيره ، وصحَّفه الحاكم فقال: موسى بن عقبة ! فصححه على شرط
مسلم ، وتعجب البيهقي من تصحيفه على الحاكم .
قال أحمد : ليس في هذا حديث يصح ، لكن إجماع الناس أنه لا يجوز بيع
دين بدين .
وظاهر الحديث أن تفسيره بذلك مرفوع .
والكالئ من كلأ الدين كلوءاً ، فهو كالئ إذا تأخر ، وكلأته إذا أنسأته ، وقد
لا يهمز تخفيفاً .
قال في ((النهاية)): هو أن يشتري الرجل شيئاً إلى أجل ؛ فإذا حل الأجل لم
يجد ما يقضي به فيقول : بِعْنِيه إلى أجل آخر بزيادة شيءٍ فيبيعه ، ولا يجري
بينهما تقابض ، والحديث دلَّ على تحريم ذلك ، وإذا وقع كان باطلاً .
١٠٢

٤ - باب الرخصة فى العرايا ، وبيع أصول الثمار ٧٩٩ - حديث زيد بن ثابت
٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا(١)، وبيع أصول(٢) الثمار
٧٩٩ - عَنْ زِيْدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ رَخْصَ في
الْعَرَايا أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً. مُتّفقٌ عَلَيْه .
ولِمُسْلم : رَخّصَ فِي الْعربةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْراً يأكُلُونَهَا رُطباً .
(عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن رسول الله حلية رخص في العرايا (٣)
أن تباع بخرصها كيلاً . متفق عليه، ولمسلم (٤) : رخص في العربة يأخذها أهل
البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً) :
الترخيص في الأصل التسهيل والتيسير .
وفي عرف المتشرعة : ما شرع من الأحكام لعذر مع بقاء دليل الإيجاب
والتحريم ، لولا ذلك العذر. وهذا دليل على أن حكم العرايا مخرج من بين
المحرّمات ، مخصوص بالحكم .
وقد صرح باستثنائه في حديث جابر عند البخاري بلفظ: نهى رسول الله عَزانه
(١) جمع (عَرِيَّة) : بتشديد الياء . قال النووي :
((العربية : أن يخرص نخلات فيقول : هذا الرطب الذي عليها؛ إذا يبس يحصل منه ثلاثة
أوسق من التمر مثلاً ، فيبيعه بثلاثة أوسق تمر ، ويتقابضان في المجلس ، فيسلم المشتري التمر ،
ويسلم البائع النخل» .
(٢) أي : شجرها .
(٣) أي : ثمرها .
(٤) وفي رواية لمسلم أيضاً: أنه رخص في ذلك بعد قوله: ((لا تبتاعوا الثَّمر بالتَّمْ)). قال:
ولم يرخص لهم في غير ذلك .
١٠٣

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا، وبيع أصول الثمار ٨٠٠ - حديث أبي هريرة
عن بيع الثمر ، حتّى يطيب ، ولا يباع شيء منه إلا بالدنانير والدراهم ، إلا العرايا .
وفي قوله : في العرايا ، مضاف محذوف ؛ أي : في بيع ثمر العرايا ؛ لأن
العرية هي النخلة ، وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة ، كانت العرب
في الجدب يتطوع أهل النخل منهم بذلك على من لا ثمر له ، كما كانوا
يتطوعون بمنيحة الشاة والإبل(١) .
وقال مالك : العربية أن يعري الرجل الرجلَ النخلةَ ، ثم يتأذى المُعري بدخول
الْمُعْرَى عليه ، فرخص له أن يشتريَها ؛ أي : رطبها منه بتمر ؛ أي : يابس .
وقد وقع اتفاق الجمهور(٢) على جواز رخصة العرايا ، وهو بيع الرطب على
رؤوس النخل بقدر يقدر كيله من التمر خرصاً فيما دون خمسة أوسق ، بشرط
التقابض ؛ وإنما قلنا : فيما دون خمسة أوسق ؛ لحديث أبي هريرة ، وهو :
٨٠٠ - وعن أَبي هُرَيْرةَ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ◌ُلِ رَخْص
فِي بَيْعِ الْعَرايا بخرْصِها من التمر ، فيما دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ ، أو في خَمْسةٍ
أَوْسُق . مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله عَ لٍ رخص في بيع
العرايا بخَرْصِها من التمر، فيما دون خمسة أوسق(٣) ، أو في خمسة أوسق .
متفق عليه) .
(١) يقال: عَرِيت النخلة تعرى: إذا أفردت عن حكم أخواتها؛ بأن أعطاها المالك فقيراً .
(٢) خلافاً للحنفية ؛ فإنهم لم يقولوا ببيع العرايا؛ تمسُّكاً بالنهي عن المزابنة .
(٣) جمع (وَسْق)؛ وهو ستون صاعاً .
١٠٤

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا ، وبيع أصول الثمار ٨٠٠ - حديث أبي هريرة
وبيّن مسلم أن الشك فيه من داود بن الحصين .
وقد وقع الاتفاق بين الشافعي ومالك على صحته فيما دون الخمسة ،
وامتناعه فيما فوقها ، والخلاف بينهما فيها . والأقرب تحريمه فيها لحديث جابر :
يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها
سمعت رسول الله
يقول: ((الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة)). أخرجه أحمد(١).
وترجم له ابن حبّان: الاحتياط على ألا يزيد على أربعة أوسق(٢).
وأمّا اشتراط التقابض فلأن الترخيص إنَّما وقع في بيع ما ذكر مع عدم تيقن
التساوي فقط .
وأما التقابض فلم يقع فيه ترخيص ، فبقي على الأصل من اعتباره .
ويدل لاشتراطه ما أخرجه الشافعي(٣) من حديث زيد بن ثابت :
أنه سمى رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله عَ ال ، ولا نقد
(١) في ((المسند)) (٣٦٠/٣) بسند حسن؛ فيه ابن إسحاق، وصرّح بالتحديث . وكذا رواه
ابن حبان (١١٢٢).
(٢) لكن ذلك لا يدل على عدم جواز تجاوزه؛ وذلك لأن دون الخمسة المذكورة في حديث
أبي هريرة يقضي بجواز الزيادة على الأربعة ، كما بينه الشوكاني (١٧٢/٥)؛ فراجعه فإنه مفيد .
(٣) هذا قد يوهم أنه أخرجه بإسناد له! والواقع أنه علقه ولم يسق له إسناداً (٥٤/٣ - طبع
مكتبة الكليات الأزهرية) .
ولذلك أنكره محمد بن داود الظاهري على الشافعي . وقال ابن حزم: لم يذكر الشافعي له
إسناداً؛ فبطل. كما في ((نيل الأوطار)) (١٧١/٥).
١٠٥

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا، وبيع أصول الثمار ٨٠١ - حديث ابن عمر
في أيديهم يبتاعون به رطباً ، ويأكلون مع الناس ، وعندهم فضول قوتهم من
التمر ؛ فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر .
وفيه مأخذ لمن يشترط التقابض ، وإلا لم يكن لذكر وجود التمر عندهم
وجه .
واعلم أن الحديث ورد في الرطب بالتمر على رؤوس الشجر .
وأما شراء الرطب بعد قطعه بالتمر ، فقال بجوازه كثير من الشافعية ؛ إلحاقاً
له بما على رؤوس الشجر بناء على إلغاء وصف كونه على رؤوس الشجر .
كما بوَّب بذلك البخاري ؛ لأن محل الرخصة هو الرطب نفسه مطلقاً أعم
من كونه على رؤوس النخل ، أو قد قطع فيشمله النص ، ولا يكون قياساً،
ولا منع ؛ إذْ قد تدعو حكمة الترخيص إلى شراء الرطب الحاصل ؛ فإنه قد
تدعو إليه الحاجة في الحال ، وقد يكون مع المشتري تمر فيأخذه به فيدفع به
قول ابن دقيق العيد : إن ذلك لا يجوز وجهاً واحداً؛ لأن أحد المعاني في
الرخصة أن يأكل الرطب على التدريج طرياً ، وهذا القصد لا يحصل مما على
وجه الأرض .
٨٠١ - وعن ابن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: نهى رَسُولُ الله ◌َُّهِ عَنْ بَيْع
الثُّمار، حتّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا؛ نهى الْبَائِعَ والْمُبْتَاعَ . مُتّفقٌ عَلَيْهِ ، وفي روايةٍ :
كانَ إذا سُئِلَ عَنِ صَلاحِهَا قالَ: ((حَتّى تَذْهَبَ عاهَتُها)).
: عن بيع الثمار،
(وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : نهى رسول الله
١٠٦

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا ، وبيع أصول الثمار ٨٠١ - حديث ابن عمر
حتّى يبدو صلاحها(١) ؛ نهى البائع والمبتاع . متفق عليه ، وفي رواية : كان إذا
سئل عن صلاحها قال : ((حتّى تذهب عاهتها))) : وهي الآفة والعيب .
اختلف السلف في المراد ببدو الصلاح على ثلاثة أقوال :
الأول : أنه يكفي بدوّ الصلاح في جنس الثمار ، بشرط أن يكون الصلاح
منلاحقاً ، وهو قول الليث والمالكية .
والثاني : أنه لا بد أن يكون في جنس تلك الثمرة المبيعة ، وهو قول لأحمد .
والثالث : أنه يعتبر الصلاح في تلك الشجرة المبيعة ، وهو قول الشافعية .
ويفهم من قوله: يبدو ، أنه لا يشترط تكامله ، فيكفي زهو(٢) بعض الثمرة
وبعض الشجرة ، مع حصول المعنى المقصود ؛ وهو الأمان من العاهة .
وقد جرت حكمة الله ألا تطيب الثمار دفعة واحدة ؛ لتطول مدة التفكه بها
والانتفاع .
والحديث دليل على النهي عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها .
(١) وفي رواية لمسلم: ((لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، وتذهب عنه الآفة)). قال:
(يبدو صلاحه)) : حمرته وصفرته .
وفي أخرى للطيالسي : قال ابن عمر: صلاحه أن يؤكل منه ، وسنده صحيح ، وكذا قال ابن
عباس . رواه البخاري .
وفي رواية رابعة عند مسلم: نهى عن بيع النخل حتى يزهو ، وعن السنبل حتى يَبْيَضَّ
ويأمن العاهة .
(٢) الحمرة والصفرة .
١٠٧

٧ - کتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا، وبيع أصول الثمار ٨٠١ - حديث ابن عمر
والإجماع قائم على أنه لا يصح بيع الثمار قبل خروجها ؛ لأنه بيع معدوم ،
وكذا بعد خروجها قبل نفعها .
إلا أنه روى المصنف في ((الفتح)): أن الحنفية أجازوا بيع الثمار قبل بدوّ
الصلاح وبعده بشرط القطع ، وأبطلوه بشرط البقاء قبله وبعده .
وأما بعد صلاحها ففيه تفاصيل : فإن كان بشرط القطع صح إجماعاً .
وإن كان بشرط البقاء كان بيعاً فاسداً إِن جهلت المدة .
فإن علمت صح عند الهادوية ، ولا غرر .
وقال المؤيد : لا يصح ؛ للنهي عن بيع وشرط ، وإن أطلق صح عند الهادوية
وأبي حنيفة ؛ إذ المتردد بين الصحة والفساد يحمل على الصحة ؛ إذْ هي الظاهر،
إلا أن يجري عرف ببقائه مدة مجهولة فيفسده .
وأفاد نهي البائع والمبتاع : أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل ، وأمّا
المشتري فلئلا يضيع ماله .
والعاهة هي الآفة التي تصيب الثمار .
وقد بين ذلك حديث زيد بن ثابت قال : كان الناس في عهد رسول الله
يبتاعون الثمار؛ فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم ، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر
الدمان - وهو فساد الطلع ، وسواده -، أصابه مراض ، قشام ... عاهات يحتجون
لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: «فأما لا؛ فلا
بها ! فقال رسول الله
تبتاعوا ، حتّى يبدو صلاح الثمرة)) كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم .
انتهى ، وأفهم قوله : كالمشورة ، أن النهي للتنزيه لا للتحريم كأنه فهمه من
١٠٨

٧ - كتاب البيوع ٤ - باب الرخصة في العرايا، وبيع أصول الثمار ٨٠٢ - حديث أنس بن مالك
السياق ، وإلا فأصله التحريم .
وكان زيد لا يبيع ثمار أرضه ، حتّى تطلعَ الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر .
وأخرج أبو داود(١) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا طلع النجم صباحاً
رفعت العاهة من كل بلد)).
والنجم : الثريا ، والمراد طلوعها صباحاً ، وهو في أول فصل الصيف وذلك عند
اشتداد الحر ببلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار ، وهو المعتبر حقيقة وطلوع الثريا
علامة .
٨٠٢ - وعن أَنَس بن مَالكِ رَضي اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النبيِّ :﴿ِ نهَى عَنْ بَيْعِ
الثِّمار، حتّى تزهى. قيلَ: وما زَهْوُهَا؟ قالَ: ((تحْمَارُّ وَتَصْفَارُ)). مُتفقٌ عَلَيْهِ ،
وَاللفْظُ للْبُخاريِّ.
(وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي ◌َ ◌ّ نهى عن بيع الثمار،
حتّى تزهى ، قيل): في رواية النسائي(٢): قيل: يا رسول الله! فأفاد أن التفسير
مرفوع (وما زهوها؟): بفتح الزاي (قال: ((تحمار وتصفار)). متفق عليه، واللفظ
للبخاري): يقال: أزهى يزهى إذا احمر واصفر، وزها النخل يزهو إذا ظهرت
ثمرته ، وقيل : هما بمعنى الاحمرار والاصفرار، ومنهم من أنكر: يزهو ، ومنهم
(١) كذا عزاه الشارح لأبي داود؛ تبعاً للحافظ (٣١٤/٤)، وتابعه الشوكاني (١٤٧/٥)! وهو
وهم منهما !
وإنما أخرجه أحمد في ((المسند))، ومحمد بن الحسن في ((الآثار)) وغيرهما بسند ضعيف.
وقد خرجته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم ٣٩٧).
(٢) في ((سننه)) (٢١٨/٢). وإسناده صحيح .
١٠٩

٧ - كتاب البيوع ٤ - باب الرخصة في العرايا، وبيع أصول الثمار ٨٠٣ - حديث أنس بن مالك
من أنكر: يزهى؛ كذا في ((النهاية)).
قال الخطابي في هذه الرواية : هي الصواب ، ولا يقال في النخل : يزهو ، إنما
یقال : يُزْهی لا غير .
ومنهم من قال : زها ، إذا طال واكتمل ، وأزْهى: إذا احمرّ واصفر ، قال
الخطابي: قوله: ((تحمار وتصفار))، لم يرد بذلك اللون الخالص من الحمرة
والصقرة ، إنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة؛ فلذلك قال: ((تحمارٌ وتصفارّ))؛ قال :
ولو أراد اللون الخالص ، لقال : تحمرٌ وتصفّ .
قال ابن التين: أراد بقوله : ((تحمار وتصفار)) ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن
ينضج؛ قال : وإنما يقال : يفعال في الّون المتغير إذا كان يزول ذلك ، وقيل : لا فرق .
إلا أنه قد يقال في هذا المحل : المراد به ما ذكر؛ بقرينة الحديث الآتي ، وهو قوله :
٨٠٣ - وعن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النّبِيَِ ﴿ِ نهَى عَنْ بَيْعِ الْعنبِ،
حتّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْع الحبِّ ، حتّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الْخَمْسةُ، إِلاَ النّسَائِيَّ،
وصحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ وَالْحَاكِمُ .
(وعن أنس رضي الله عنه): قياس قاعدته: وعنه (أن النبي ◌َ الله نهى عن
بيع العنب ، حتّى يسود ، وعن بيع الحب، حتّى يشتد (١) . رواه الخمسة إلا
النسائي ، وصححه ابن حبان والحاكم (٢)).
(١) وفي رواية للبيهقي: (يُفْرَك). وهي رواية عبدالرزاق .
(٢) ووافقه الذهبي ، وصححه ابن حزم أيضاً (٤٠٥/٨). وقال الترمذي:
((حديث حسن)).
١١٠

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا ، وبيع أصول الثمار
٨٠٤ ۔ حديث جابر
والمراد باسوداد العنب واشتداد الحب : بدوّ صلاحه .
قال النووي : فيه دليل لمذهب الكوفيين وأكثر العلماء في أنه يجوز بيع
السنبل المشتد ، وأمّا مذهبنا ففيه تفصيل : إن كان السنبل شعيراً ، أو ذرة ، أو مما
ے
في معناهما مما ترى حباته خارجة ، صح بيعه ، وإن كان حنطة ، أو نحوها مما
يستر حباته بالقشور التي تزال في الدياس ، ففيه قولان للشافعي : الجديد أنه لا
يصح - وهو أصح قوليه -، والقديم أنه يصح .
وأما قبل الاشتداد فلا يصح إلا بشرط القطع (١) كما ذكرنا ؛ فإذا باع الزرع
قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط ، صح تبعاً للأرض ، وكذا الثمار قبل الصلاح
إذا بيعت مع الشجر جاز بلا شرط تبعاً .
هكذا حكم القول في الأرض ؛ لا يجوز بيعها دون الزرع إلا بشرط القطع ،
وكذا لا يصلح بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه . وفروع المسألة كثيرة ، وقد
نقحت مقاصدها في ((روضة الطالبين)) و ((شرح المهذب)) وجمعت فيها جملة
مستكثرة ، وبالله التوفيق .
٨٠٤ - وعن جابر بن عَبْد اللّه رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِ: ((لَوْ
بِعْتَ مِنْ أَخِيك ثَمراً فَأَصَابَتْهُ جَائْحَةٌ ، فلا يحلُّ لكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً ، ثمَ
تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقّ؟!)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وفي روايةٍ: أَنَّ النّبِيِّ ◌َلِ أَمَرَ
بوضْع الْجَوائح .
(وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ انٍ: ((لو
(١) الصواب أنه لا يصح مطلقاً؛ لظاهر الحديث وغيره، كما بينه الشوكاني (١٤٨/٥).
١١١

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا ، وبيع أصول الثمار
٨٠٤ ۔ حديث جابر
بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة) : هي آفة تصيب الزرع (فلا يحل لك
أن تأخذ منه شيئاً ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟!)). رواه مسلم ، وفي رواية :
أن النبي {ل أمر بوضع الجوائح):
الجائحة مشتقة من الجوح ، وهو الاستئصال ، ومنه حديث : إن أبي يريد أن
يجتاحَ مَالي(١) .
وفي الحديث دليل على أن الثمار التي على رؤوس الشجر ، إذا باعها المالك
وأصابتها جائحة ، أن يكون تلفها من مال البائع ، وأنه لا يستحق على المشتري
في ذلك شيئاً .
وظاهر الحديث فيما باعه بيعاً غير منهي عنه ، وأنه وقع البيع بعد بدو
الصلاح ؛ لأنه منهي عن بيعه قبل بدوه .
ويحتمل وروده - أي : حديث وضع الجوائح - قبل النهي .
المدينة ،
صَلى الله
ويدل له ما وقع في حديث زيد بن ثابت أنه قال : قدم النبي
ونحن نبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، وسمع خصومة فقال: ((ما هذا؟))؛
فذكر الحديث ، وأنه نهى عن بيعها قبل بدو صلاحها ، فأفاد مع ذكر سبب
النهي تاريخ ذلك ؛ فيكون حديث وضع الجوائح متأخراً ، فيحمل - أيْ : حديث
وضع الجوائح - على البيع بعد بدو الصلاح .
(١) يشير إلى حديث جابر: أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً، وإن أبي يريد
أن يجتاح مالي؟! فقال ◌َ له: ((أنت ومالك لأبيك)).
رواه ابن ماجه، والطحاوي وغيرهما بسند صحيح، كما بينته في «الإرواء)» (٨٣٠).
١١٢

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا ، وبيع أصول الثمار
٨٠٤ ۔ حديث جابر
وقد اختلف العلماء في وضع الجوائح ؛ فذهب الأقل إلى أن الجائحة ، إذا
أصابت الثمر جميعه ، أن يوضع الثمن جميعه ، وأن التلف من مال البائع ؛
عملاً بظاهر الحديث .
وذهب الأكثر إلى أن التلف من مال المشتري ، وأنه لا وضع لأجل الجائحة
إلا ندباً، واحتجوا له بحديث أبي سعيد: أنه ◌َ لهم أمر الناس أن يتصدقوا على
الذي أصيب في ثماره ، وسيأتي(١) .
قالوا : ووجه تلفه من مال المشتري أنَّ التَخْلِية في العقد الصحيح بمنزلة
القبض ، وقد سلمه البائع للمشتري بالتخلية ، فكأنه قبضه .
وأجيب عنه بأن قوله: ((فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً))، الحديث دال
على التحريم، وأنه تلف على البائع؛ لقوله: ((مال أخيك))؛ إذْ يدل أنه لم يستحق
منه الثمن ، وأنه مال أخيه لا ماله ، وحديث التصدق محمول على الاستحباب
بقرينة قوله : ((لا يحل لك)).
وفائدة الأمر بالتصدّق الإرشاد إلى الوفاء بغرضين : جبر البائع ، وتعريض
المشتري لمكارم الأخلاق ، كما يدل له قوله في آخر الحديث لما طلبوا الوفاء :
(ليس لكم إلا ذلك))، فلو كان لازماً لأمرهم بالنظرة إلى ميسرة (٢).
(١) وسيأتي (ص١٣٧).
(٢) وأجاب الشوكاني بجواب آخر، فقال (١٥١/٥):
((إنه لا تصريح في الحديث أن ذهاب ثمرة ذلك الرجل كان بعاهات سماوية، وأيضاً؛ عدم
نقل تضمين بائع الثمرة ، لا يصلح للاستدلال به ؛ لأنه قد نقل ما يشعر بالتضمين على العموم ؛
فلا ينافيه عدم النقل في قضية خاصة)) .
١١٣

٧ - كتاب البيوع
٤ - باب الرخصة في العرايا ، وبيع أصول الثمار ٨٠٥ - حديث ابن عمر
٨٠٥ - وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قال: ((مَنِ ابْتَاعَ
نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبّرَ فَثَمَرَتُها للبائع الذي باعَهَا ، إلا أَنْ يَشْتَرِطِ المُبْتَاعُ» . مُتّفَقٌّ عَليهِ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن النبي ◌َّهُ أنه قال: ((من ابتاعَ
نَخْلاً): هو اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل (بَعْدَ أَنْ تُؤَبّرَ) : والتأبير
التشقيق والتلقيح ، وهو شق طلع النخلة الأنثى ؛ ليذر فيها شيء من طلع النخلة
الذكر (فَثَمَرَتُها للبائع الذي باعها؛ إلاّ أَنْ يَشْتَرِطِ الْمُبْتَاعُ)). متفق عليه (١)):
دل الحديث على أن الثمرة بعد التأبير للبائع ، وهذا منطوقه .
ومفهومه أنها قبله للمشتري ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء عملاً بظاهر
الحديث .
وقال أبو حنيفة : هي للبائع قبل التأبير وبعده ؛ فعمل بالمنطوق ، ولم يعمل
بالمفهوم؛ بناء على أصله من عدم العمل بمفهوم المخالفة .
ورد عليه بأن الفوائد المستترة تخالف الظاهرة في البيع ؛ فإن ولد الأمة
المنفصل لا يتبعها والحمل يتبعها .
وفي قوله : ((إلا أن يشترط المبتاع)» دليل على أنه إذا قال المشتري : اشتريت
الشجرة بثمرتها كانت الثمرة له .
ودل الحديث على أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد ، لا يفسد البيع ؛
فيخص النهي عن بيع وشرط ، وهذا النص في النخل ويقاس عليه غيره من
الأشجار .
(١) وزاد في رواية: ((ومن باع عبداً؛ فماله للذي باعه؛ إلا أن يشترط المبتاع)).
١١٤

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨٠٦ - حديث ابن عباس
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨٠٦ - عَن ابن عَبّاس رضيَ اللهُ عنهُما قالَ: قَدمَ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّم المدينةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثّمَارِ السّنَةَ والسّنَتَيْنِ ، فَقَالَ: ((مَنْ
أَسْلَفَ في ثَمَرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلى أَجَلٍ مَعْلُوم)» . مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ ، وَلْبُخَارِيِّ: ((مَنْ أَسْلَفَ في شيءٍ)) .
(عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قَدِمَ النّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم
المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار السنةَ والسنتين) : منصوبان بنزع الخافض ؛ أي :
إلى السنة والسنتين (فقال: ((مَنْ أَسْلَفَ في ثَمَر) : روي بالمثناة والمثلثة فهو بها أعم
(فَلْيُسْلِفْ في كيل مَعْلوم (١)): إذا كان مما يكال (ووزن معلوم) : إذا كان مما يوزن
(إلى أَجَلٍ مَعْلوم)). متفق عليه، وللبخاري: ((مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ)).
السلف - بفتحتين - هو السلم وزناً ومعنى ، قيل : وهو لغة أهل العراق ،
والسلم لغة أهل الحجاز.
وحقيقته شرعاً : بيع موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً .
وهو مشروع إلا عند ابن المسيب .
واتفقوا على أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع (٢)، وعلى تسليم رأس المال
(١) ((احترز بالكيل عن السلم في الأعيان. وبقوله: ((معلوم)) عن المجهول من المكيل والموزون .
وقد كانوا في المدينة حين قدم النبي ﴿ يُسْلمون في ثمار نخيل بأعيانها؛ فنهاهم عن ذلك ؛ لما
فيه من الغرر؛ إذ قد تصاب تلك النخيل بعاهة فلا تثمر شيئاً)). كذا في ((نيل الأوطار)) (١٩٢/٥).
(٢) كخيار المجلس .
١١٥

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨٠٦ - حديث ابن عباس
في المجلس ، إلا أنه أجاز مالك تأجيل الثمن يوماً ، أو يومين ، ولا بد من أن يقدر
بأحد المقدارين كما في الحديث .
فإن كان مما لا يكال ، ولا يوزن ، فقال المصنف في ((فتح الباري)): فلا بد فيه
من عدد معلوم . رواه ابن بطال وادعى عليه الإجماع .
وقال المصنف : أو ذرع معلوم ؛ فإن العدد والذرع يلحقان بالوزن والكيل
للجامع بينهما ، وهو ارتفاع الجهالة بالمقدار .
واتفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه بالكيل ؛ كصاع الحجاز
وقفيز العراق وإردب مصر ؛ فإذا أطلق انقلب إلى الأغلب في الجهة التي وقع
فيها عقد السلم .
واتفقوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشيء المسلم في صفة تميزه عن
غيره ، ولم يتعرّض له في الحديث لأنهم كانوا يعلمون به .
وظاهر الحديث أن التأجيل شرط في السلم؛ فإن كان حالاً لم يصح ، أو كان
الأجل مجهولاً ، وإلى هذا ذهب ابن عباس وجماعة من السلف .
وذهب آخرون إلى عدم شرطية ذلك وأنه يجوز السلم في الحال ، والظاهرُ أنه
لم يقع في عصر النبوّة إلا في المؤجل ، وإلحاق الحال بالمؤجل قياس على ما
خالف القياس ؛ لأن السلم خالف القياس ؛ إذ هو بيع معدوم وعقد غرر .
واختلفوا أيضاً في شرطية المكان الذي يسلم فيه ، فأثبته جماعة قياساً على
الكيل والوزن والتأجيل ، وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه ، وفصلت الحنفية
١١٦

٧ - كتاب البيوع ٥- أبواب السلم والقرض والرهن ٨٠٧ - حديث عبدالله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى
فقالت : إن كان لحمله مؤونة فيشترط وإلا فلا .
وقالت الشافعية : إن عقد حيث لا يصلح للتسليم كالطريق ، فيشترط ، وإلا
فقولان ، وكل هذه التفاصيل مستندها العرف .
٨٠٧ - وعن عَبد الله بن أبي أوفَى وعبد الرَّحْمن بن أَبْزى قال: كُنّا نُصيبُ
الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ الله عَزُهُ، وكان يأتِينا أَنْباطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَتُسْلِفُهُمْ في
الحِنْطَةِ وَالشّعِيرِ والزَّبيب - وفي روايةٍ: والزَّيْتِ - إلى أَجَلٍ مُسَمّى. قِيلَ:
أَكَانَ لَّهُمْ زَرْعَ؟ قالا : ما كُنَا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلكَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
(وعن عَبد الله بن أبي أوفَى وعبد الرَّحْمن بن أبْزى) : - بفتح الهمزة
وسكون الموحدة وفتح الزاي - الخزاعي ، سكن الكوفة واستعمله علي بن أبي
طالب عليهِ السَّلام على خراسان، وأدرك النبي ◌َ ل وصلى خلفه .
(قال: كنا نصيب المغانم مع رسول الله مطهية ، وكان يأتينا أنباط من أنباط
الشام) :
هم من العرب دخلوا في العجم والروم ، فاختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم ،
سموا بذلك لكثرة معرفتهم بإنباط الماء ؛ أي : استخراجه .
(فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب - وفي رواية: والزيت - إلى أجل
مسمى .
قيل : أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك . رواه البخاري) :
الحديث دليل على صحة السلف في المعدوم حال العقد ؛ إذْ لو كان العقد
١١٧

٧ - كتاب البيوع ٥ - أبواب السلم والقرض والرهن ٨٠٧ - حديث عبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى
من شروطه وجود المسلم فيه ، لاستفصلوهم ، وقد قالا : ما كنا نسألهم ، وترك
الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ، وقد ذهب إلى
هذا الهادوية والشافعية ومالك واشترطوا إمكان وجوده عند حلول الأجل ،
ولا يضر انقطاعه قبل حضور الأجل ؛ لما عرفت من ترك الاستفصال ؛ كذا في
((الشرح)) .
قلت : وهو استدلال بفعل الصحابي(١)، أو تركه ، ولا دليل على أنه صلى
الله عليه وآله وسلم علم ذلك وأقره (٢) .
: أقرّ أهل المدينة على السلم سنة وسنتين ،
وأحسن منه في الاستدلال أنه
والرطب ينقطع في ذلك .
ويعارض ذلك حديث ابن عمر عند أبي داود: ((ولا تسلفوا في النخل ،
حتّى يبدو صلاحه))؛ فإن صح ذلك(٣) كان مقيداً؛ لتقريره لأهل المدينة على
سلم السَّنة والسَّنتين ، وأنه أمرهم بألا يسلفوا ، حتّى يبدو صلاح النخل ، ويقوي
(١) بل الصحابة .
(٢) قلت : فيه نظر من وجهين :
الأول : أنه ليس هو فعل صحابي؛ بل جماعة منهم ، كما يدل عليه قولهما : كنا ...
الثاني: لا يشترط في مثل هذا اطلاعه 18؛ بل يكفي فيه أن يقع في عهده قضية ثم لا
ينزل عليه وحي في إنكاره . وقد أجاب الشارح بنحو هذا في قصة إمامة عمرو بن سلمة ؛
فراجعه (رقم ٣٨١) ؛ فإنه مفيد .
(٣) يشير إلى أنه ضعيف، وقد صرّح بذلك الحافظ (٣٤٣/٤).
وعلته أنه من رواية رجل نجراني عن ابن عمر؛ وهو مجهول، كما صرّح الشوكاني (١٩٣/٥).
١١٨
.

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨٠٨ - حديث أبي هريرة
ما ذهب إليه الناصر وأبو حنيفة من أنه يشترط في المسلّم فيه أن يكون موجوداً
من العقد إلى الحلول .
٨٠٨ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنْهُ عن النّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه
وعلى آله وسلَّم قالَ: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا ، أَدَّى اللهُ عَنْهُ،
وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتلافَهَا، أَتْلَفَهُ اللهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها ، أدى الله عنه ، ومن أخذها
يريد إتلافها ، أتلفه الله)) . رواه البخاري):
التعبير بأخذ أموال الناس يشمل أخذها بالاستدانة وأخذها لحفظها .
والمراد من إرادته التأدية قضاؤها في الدنيا .
وتأدية الله عنه يشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا ؛ بأن يسوق إلى
المستدين ما يقضي به دينه ، وأداؤها عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء تعالى .
وقد أخرج ابن ماجه وابن حبان والحاكم مرفوعاً (١): ((ما من مسلم يَدَّانُ ديناً
يعلم الله أنه يريد أداءه، إلا أدَّاه الله عنه في الدنيا والآخرة)).
(١) هو من حديث ميمونة: عند ابن ماجه، وابن حبان (١١٥٧)، وكذا النسائي.
وأما الحاكم؛ فلم أجده عنده، ولا عزاه إليه المنذري (٣٣/٣)! ثم إن لفظه عندهم: ((ما من
أحد .. )) إلخ؛ دون قوله: ((والآخرة)) .
وفي سنده عمران بن حذيفة ؛ وهو مجهول ، كما في ((الميزان)) للذهبي .
١١٩

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨٠٨ - حديث أبي هريرة
وقوله: ((يريد إتلافها))، الظاهر أنه من يأخذها بالاستدانة مثلاً لا لحاجة ،
ولا لتجارة ؛ بل لا يريد إلا إتلاف ما أخذ على صاحبه ، ولا ينوي قضاءها .
وقوله : ((أتلفه الله)) ، الظاهر إتلاف الشخص نفسه في الدنيا بإهلاكه ؛ وهو
يشمل ذلك ويشمل إتلاف طيب عيشه وتضييق أموره وتعسر مطالبه ومحق
بركته ، ويحتمل إتلافه في الآخرة بتعذيبه .
قال ابن بطال : فيه الحث على ترك استئكال أموال الناس ، والترغيب في
حسن التأدية إليهم عند المداينة ، وأن الجزاء يكون من جنس العمل .
وأخذ منه الداودي أن من عليه دين ، فليس له أن يتصدق ، ولا يعتق ؛ وفيه بعد .
وفي الحديث الحث على حسن النية والترهيب عن خلافه ، وبيان : أن مدار
الأعمال عليها ، وأن من استدان ناوياً الإيفاء أعانه الله عليه .
وقد كان عبد الله بن جعفر يرغب في الدين فيسأل عن ذلك ، فقال سمعت
رسول الله عَ لُ يقول: ((إن الله مع الدائن، حتّى يُقضى دينه)) . رواه ابن ماجه
والحاكم وإسناده حسن، إلا أنه اختلف فيه على محمد بن عليّ(١)، ورواه الحاكم (٢)
(١) قلت : وفي الطريق إليه : سعيد بن سفيان الأسلمي؛ قال الذهبي :
((لا يكاد يعرف. قواه ابن حبان)).
فالسند ضعيف .
(٢) ورجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع بين عائشة وراويه عنها: محمد بن علي، وهو أبو جعفر
الباقر .
لكن له طريقان آخران يتقوى الحديث بهما ، كما بينته في («أحاديث البيوع وآثاره)).
١٢٠