النص المفهرس

صفحات 41-60

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٠ ۔ حديث أنس
عمر - كما رواه مالك - ببيع التمر - أي : رطباً - بالتمر كيلاً ، وبيع العنب بالزبيب
كيلاً، وأخرجه عنه الشافعي في ((الأم)) وقال : تفسير المحاقلة والمزابنة فى
الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منصوصاً ،
ويحتمل أنه ممن رواه ، والعلة في النهي عن ذلك هو الربا ؛ لعدم العلم بالتساوي .
والثالثة : المخابرة ؛ وهي من المزارعة ؛ وهي المعاملة على الأرض ببعض ما
يخرج منها من الزرع ، ويأتي الكلام عليها في المزارعة .
والرابعة : الثنيا ؛ فإنه منهي عنها إلا أن تعلم ، وصورة ذلك أن يبيع شيئاً
ويستثني بعضه ؛ ولكنه إذا كان ذلك البعض معلوماً ، صحت ؛ نحو أن يبيع
أشجاراً أو أعناباً ، ويستثني واحدة معينة ؛ فإن ذلك يصح اتفاقاً ، قالوا : لو قال :
إلا بعضها ، فلا يصح؛ لأن الاستثناء مجهول . وظاهر الحديث أنه إذا علم القدر
المستثنى صح مطلقاً، وقيل : لا يصح أن يستثني ما يزيد على الثلث . هذا
والوجه في النهي عن الثنيا هو الجهالة ، وما كان معلوماً فقد انتفت العلة ، فخرج
عن حكم النهي ، وقد نبه النص على العلة بقوله: ((إلا أن تعلم)).
٧٦٠ - وَعَنْ أَنَسِ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: نَهَى النبيَُّهُ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ،
والمُخَاضَرَةِ ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْنَابَدَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ)) . رَوَاهُ البُخَارِيُّ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: نهى النبي ◌َّرُ عن المحاقلة، والمخاضرة):
بالخاء والضاد معجمتين ، مفاعلة من الخضرة (والملامسة ، والمنابذة) : بالذال
المعجمة (والمزابنة . رواه البخاري) : اشتمل الحديث على خمس صور من صور
البيع منهي عنها :
٤١

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٠ ۔ حديث أنس
الأولى : المحاقلة ؛ وتقدم الكلام فيها .
والثانية : المخاضرة ، وهي : بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها ، وقد
اختلف العلماء فيما يصح بيعه من الثمار والزرع ، فقال طائفة : إذا كان قد بلغ
حداً ينتفع به ، ولو لم يكن قد أخذ الثمر ألوانه ، واشتد الحب ، صح البيع
بشرط القطع ، وأما إذا شرط البقاء فلا يصح اتفاقاً؛ لأنه شغل لملك البائع ، أو
لأنه صفقتان في صفقة ، وهو إعارة أو إجارة وبيع ، وأما إذا بلغ حد الصلاح
فاشتد الحب ، وأخذ الثمر ألوانه ، فبيعه صحيح وفاقاً ، إلا أن يشترط المشتري
بقاءه ؛ فقيل : لا يصح البيع ، وقيل : يصح ، وقيل : إن كانت المدة معلومة صح،
وإن كانت غير معلومة لم يصح ؛ فلو كان قد صلح بعض منه دون بعض ، فبيعه
غير صحيح ، وللحنفية تفاصيل ليس عليها دليل .
والثالثة : الملامسة ؛ وبيَّنها ما أخرجه البخاري عن الزهري أنها لمس الرجل
الثوب بيده بالليل أو النهار، وأخرج النسائي من حديث أبي هريرة : هي أن
يقول الرجل للرجل : أبيعك ثوبي بثوبك ، ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر؛
لكنه يلمسه ؛ لما أخرج أحمد عن عبدالرزاق عن معمر: الملامسة أن يلمس
الثوب بيده ، ولا ينشره ولا يقلبه ، إذا مسه وجب البيع . ومسلم من حديث أبي
هريرة : أن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه من غير تأمل .
والرابعة : المنابذة ؛ فسرها ما أخرجه ابن ماجه من طريق سفيان عن الزهري :
المنابذة: أن يقول : ألق إليّ ما معك ، وألقي إليك ما معي ، والنسائي من
حديث أبي هريرة : أن يقول : أنبذ ما معي ، وتنبذ ما معك ، ويشتري كل واحد
٤٢

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦١ - حديث ابن عباس
منهما من الآخر ، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر! وأحمد عن
عبدالرزاق عن معمر : المنابذة : أن يقول : إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع ،
ومسلم من حديث أبي هريرة : المنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر،
لم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه ، وعلمت من قوله : فقد وجب
البيع ، أن بيع الملامسة والمنابذة جعل فيه نفس اللمس والنبذ بيعاً بغير صيغته .
وظاهر النهي التحريم ، وللفقهاء تفاصيل في هذا لا تليق بهذا المختصر .
فائدة : استدل بقوله : لا ينظر إليه ؛ أنه لا يصح بيع الغائب ، وللعلماء فيه
ثلاثة أقوال : الأول : لا يصح ، وهو قول الشافعي ، والثاني : يصح ، ويثبت له
الخيار إذا رآه ، وهو للهادوية والحنفية ، والثالث: إن وصفه صح ، وإلا فلا ، وهو
قول مالك وأحمد وآخرين ، واستدل به على بطلان بيع الأعمى ، وفيه أيضاً
ثلاثة أقوال : الأول : بطلانه ، وهو قول معظم الشافعية حتى من أجاز منهم بيع
الغائب ؛ لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك . والثاني: يصح ، إن وصف له ، والثالث :
يصح مطلقاً ، وهو للهادوية والحنفية .
٧٦١ - وَعَنْ طَاؤُس عَن ابْنِ عَبَاسِ رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
نَّهِ: ((لا تَلَقُوا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَاه)»، قُلْتُ لابْن عَباس: مَا قَوْلُهُ:
(وَلَا يَبْعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ))؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاللَّفْظُّ لِلْبُخَارِيِّ.
(وعن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله بريطانية:
((لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد))، قلت لابن عباس: ما قوله: ((ولا
يبع حاضر لباد»؟ قال: لا يكون له سمساراً . متفق عليه ، واللفظ للبخاري) :
٤٣

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦١ - حديث ابن عباس
اشتمل الحديث على النهي عن صورتين من صور البيع :
الأولى : النهي عن تلقي الركبان ؛ أي : الذين يجلبون إلى البلد أرزاق العباد
للبيع ، سواء كانوا ركباناً أو مشاة، جماعة أو واحداً، وإنما خرج الحديث على
الأغلب في أن الجالب يكون عدداً ، وأما ابتداء التلقي فيكون ابتداؤه من خارج
السوق الذي تباع فيه السلعة ، وفي حديث ابن عمر: كنا نتلقى الركبان فنشتري
منهم الطعام ، فنهانا رسول الله ◌َّةٍ أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام ، وفي
لفظ آخر بيان أن التلقي لا يكون في السوق ، قال ابن عمر: كانوا يبتاعون
الطعام في أعلى السوق ، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله مح لهم أن يبيعوه
في مكانه حتى ينقلوه . أخرجه البخاري ؛ فدل على أن القصد إلى أعلى السوق
لا يكون تلقياً ، وأن منتهى التلقي ما فوق السوق ، وقالت الهادوية والشافعية :
إنه لا يكون التلقي إلا خارج البلد ؛ وكأنهم نظروا إلى المعنى المناسب للمنع ،
وهو تغرير الجالب ؛ فإنه إذا قدم إلى البلد أمكنه معرفة السعر وطلب الحظ
لنفسه ؛ فإن لم يفعل ذلك فهو من تقصيره ، واعتبرت المالكية وأحمد وإسحاق
السوق مطلقاً ، عملاً بظاهر الحديث .
والنهي ظاهر في التحريم حيث كان قاصداً التلقي ، عالماً بالنهي عنه . وعن
أبي حنيفة والأوزاعي: أنه يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس؛ فإن ضر كره ، فإن
تلقاه فاشترى صح البيع عند الهادوية والشافعية ، وثبت الخيار عند الشافعي
للبائع ؛ لما أخرجه أبو داود والترمذي - وصححه ابن خزيمة - من حديث أبي هريرة
بلفظ : ((لا تلقوا الجلب ؛ فإن تلقاه إنسان فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى
٤٤

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦١ - حديث ابن عباس
السوق))؛ ظاهر الحديث أن العلة في النهي نفع البائع ، وإزالة الضرر عنه ، وقيل :
نفع أهل السوق؛ لحديث ابن عمر: ((لا تلقوا السلع حتى تهبطوا بها السوق)).
واختلف العلماء هل البيع معه صحيح أو فاسد؟ فعند من ذكرناه قريباً أنه
صحيح؛ لأن النهي لم يرجع إلى نفس العقد ، ولا إلى وصف ملازم له ، فلا
يقتضي النهي الفساد ، وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه فاسد ؛ لأن النهي
يقتضي الفساد ؛ وهو الأقرب ، وقد اشترط جماعة من العلماء لتحريم التلقي
شرائط ؛ فقيل : يشترط في التحريم أن يكذب المتلقي في سعر البلد ، ويشتري
منهم بأقل من ثمن المثل ، وقيل : أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول ،
وقيل : أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم ، وهذه تقييدات لم يدل عليها
دليل ، بل الحديث أطلق النهي ، والأصل فيه التحريم مطلقاً .
الصورة الثانية : ما أفاده قوله : (ولا یبع حاضر لباد) ، وقد فسّه ابن عباس
بقوله : لا يكون له سمساراً؛ بسينين مهملتين ، وهو في الأصل القيم بالأمر
والحافظ ، ثم اشتهر في متولي البيع والشراء لغيره بالأجرة ؛ كذا قيده البخاري
وجعل حديث ابن عباس مقيداً لما أطلق من الأحاديث ، وأما بغير أجرة فجعله
من باب النصيحة والمعاونة ؛ فأجازه ، وظاهر أقوال العلماء أن النهي شامل لما
كان بأجرة ، وما كان بغير أجرة ، وفسَّر بعضهم صورة بيع الحاضر للبادي بأن
يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال ، فيأتيه الحاضر
فيقول : ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأعلى من هذا السعر . ثم من
العلماء ، من خص هذا الحكم بالبادي ، وجعله قيداً، ومنهم من ألحق به
٤٥

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦١ - حديث ابن عباس
الحاضر إذا شاركه في عدم معرفة السعر ، وقال : ذكر البادي في الحديث خرج
مخرج الغالب ، فأما أهل القرى الذين يعرفون الأسعار فليسوا بداخلين في ذلك .
ثم منهم من قيد ذلك بشرط العلم بالنهي ، وأن يكون المتاع المجلوب مما تعم
به الحاجة ، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي ، فلو عرضه البدوي على
الحضري لم يمنع ، وكل هذه القيود لا يدل عليها الحديث ؛ بل استنبطوها من
تعليلهم للحديث بعلل متصيدة من الحكم .
ثم قد عرفت أن الأصل في النهي التحريم ، وإليه هنا ذهبت طائفة من
العلماء ، وقال آخرون : إن الحديث منسوخ وإنه جائز مطلقاً كتوكيله ، ولحديث
النصيحة . ودعوى النسخ غير صحيحة ؛ لافتقارها إلى معرفة التاريخ ليعرف
المتأخر، وحديث النصيحة: ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له))، مشروط
فيه أنه إذا استنصحه ، نصحه بالقول ، لا أنه يتولى له البيع ، وهذا في حكم بيع
الحاضر للبادي ، وذلك الحكم في الشراء له ؛ فلا يشتري حاضر لباد ، وقد قال
البخاري : باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة . قال ابن حبيب المالكي : الشراء
للبادي كالبيع ؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يبع بعضكم على بيع
بعض))، فإن معناه الشراء .
وأخرج أبو عوانة في ((صحيحه)) عن ابن سيرين ، قال : لقيت أنس بن
مالك فقلت : لا يبع حاضر لباد ؛ أما نهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال : نعم .
وأخرجه أبو داود . وعن ابن سيرين عن أنس : كان يقال : لا يبع حاضر لباد ؛
وهي كلمة جامعة : لا يبع له شيئاً ، ولا يبتاع له شيئاً، فإن قيل: قد لوحظ في
٤٦

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٦٢ و٧٦٣ - حديثا أبي هريرة
النهي عن تلقي الجلوبة عدم غبن البادي ، ولوحظ في النهي عن بيع الحاضر
للبادي الرفق بأهل البلد ، واعتبر فيه غبن البادي ، وهو كالتناقض؟ فالجواب أن
الشارع يلاحظ مصلحة الناس ، ويقدم مصلحة الجماعة على الواحد ، لا الواحد
على الجماعة . ولما كان البادي إذا باع لنفسه انتفع جميع أهل السوق ، واشتروا
رخيصاً فانتفع به جميع سكان البلد - لاحظ الشارع نفع أهل البلد على نفع
البادي . ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة - وهو واحد -، لم يكن في
إباحة التلقي مصلحة ، لا سيما وقد تنضاف إلى ذلك علة ثانية ، وهي لحوق
الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص ، وقطع الموارد عليهم ،
وهم أكثر من المتلقي -، نظر الشارع لهم، فلا تناقض بين المسألتين ، بل هما
صحيحتان في الحكمة والمصلحة .
٧٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((لا تَلَقوا
الجَلَبَ. فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَار)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّ الله: ((لا تلقوا
الجلب) : بفتح اللام ، مصدر بمعنى المجلوب (فمن تلقي فاشتري منه ، فإذا أتى
سيده السوق ، فهو بالخيار)). رواه مسلم): تقدم الكلام عليه وأنه دليل على
ثبوت الخيار للبائع ، وظاهره ، ولو شراء المتلقي بسعر السوق ، فإن الخيار ثابت .
٧٦٣ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّةٍ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادِ ،
((وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِيْعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ ، وَلا يَخْطِبُ عَلَى خِطْبَةٍ
٤٧

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٣ - حديث أبي هريرة
أَخِيهِ ، وَلا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِها؛ لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا)) . مُتَفَقٌ عَلَيهِ ،
وَلِمُسْلِمٍ: ((لا يسومُ الْمُسْلِم عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِم)» .
(وعنه رضي الله عنه): أي أبي هريرة (قال: نهى رسول الله عَّةٍ : أن يبيع
حاضر لباد ، ((ولا تناجشوا ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على
خطبة) : بكسر الخاء المعجمة ، وأما في الجمعة وغيرها فبضمها (أخيه ، ولا
تسأل المرأة طلاق أختها ؛ لتكفأ ما في إنائها))): كفأت الإناء : كببته وقلبته
(متفق عليه ، ولمسلم: ((لا يسوم المسلم على سوم المسلم))) : اشتمل الحديث
على مسائل منهي عنها .
الأولى : نهى عن بيع الحاضر للبادي ، وقد تقدم .
والثانية: ما يفيده قوله: ((ولا تناجشوا)) وهو معطوف في المعنى على قوله :
نهى ؛ لأن معناه : لا يبع حاضر لباد ولا تناجشوا ، وتقدم الكلام عليه قريباً في
حديث ابن عمر: نهى رسول الله ◌َ يٍ عن النجش .
الثالثة: قوله : ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه))؛ يروى برفع المضارع على
أن لا نافية ، وبجزمه على أنها ناهية ، وإثبات الياء يقوي الأول ، وعلى الثاني
فبأنه عومل المجزوم معاملة غير المجزوم فتركت الياء ، وفي رواية بحذفها فلا
إشكال . وصورة البيع على البيع : أن يكون قد وقع البيع بالخيار، فيأتي في مدة
الخيار رجل فيقول للمشتري : افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله ، بأرخص من
ثمنه ، أو أحسن منه ؛ وكذا الشراء على الشراء ؛ هو أن يقول للبائع في مدة
الخيار: افسخ البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن .
٤٨

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٣ - حديث أبي هريرة
وصورة السوم على السوم : أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها
على البيع ، ولم يعقد ، فيقول آخر للبائع : أنا أشتريه منك بأكثر ، بعد أن كانا
قد اتفقا على الثمن ، وقد أجمع العلماء على تحريم هذه الصور كلها ، وأن فاعلها
عاص . وأما بيع المزايدة - وهو البيع ممن يزيد -، فليس من المنهي عنه ، وقد بوب
البخاري : باب بيع المزايدة ، وورد في ذلك صريحاً ما أخرجه أحمد وأصحاب
((السنن))، واللفظ للترمذي - وقال: حسن - عن أنس: أنه مَ ا﴾ باع حلساً
وقدحاً، وقال: ((من يشتري هذا الحلس والقدح؟)) فقال رجل : آخذهما
بدرهم ، فقال: ((من يزيد على درهم؟))؛ فأعطاه رجل درهمين ، فباعهما منه .
وقال ابن عبد البر: إنه لا يحرم البيع ممن يزيد اتفاقاً ، وقيل : إنه يكره ، واستدل
لقائله بحديث عن سفيان بن وهب أنه قال: سمعت رسول الله تعظخالية نهى عن
بيع المزايدة ؛ لكنه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف .
الرابعة : قوله: ((ولا يخطب على خطبة أخيه))، زاد في مسلم: ((إلا أن
یأذن له)» .
وفي رواية : ((حتى يأذن))، والنهي يدل على تحريم ذلك ، وقد أجمع العلماء
على تحريمها إذا كان قد صرح بالإجابة ، ولم يأذن ولم يترك ، فإن تزوج والحال
هذه ، عصى اتفاقاً، وصح عند الجمهور، وقال داود: يفسخ النكاح، ونِعْمَ ما
قال ! وهي رواية عن مالك ؛ وإنما اشترط التصريح بالإجابة وإن كان النهي مطلقاً
لحديث فاطمة بنت قيس ؛ فإنها قالت : خطبني أبو جهم ومعاوية ؛ فلم ينكر
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خطبة بعضهم على بعض ، بل
٤٩

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٦٤ - حديث أبي أيوب الأنصاري
خطبها مع ذلك لأسامة ؛ والقول بأنه يحتمل أنه لم يعلم أحدهما بخطبة
الآخر، وأنه ﴿ أشار بأسامة ، لا أنه خطب ، خلاف الظاهر .
وقوله : ((أخيه))؛ أي: في الدين ، ومفهومه أنه لو كان غير أخ - كأن يكون
كافراً - فلا يحرم ، وهو حيث تكون المرأة كتابية ، وكان يستجيز نكاحها ، وبه
قال الأوزاعي ، وقال غيره : يحرم أيضاً على خطبة الكافر . والحديث خرج
التقييد فيه مخرج الغالب ، فلا اعتبار لمفهومه .
الخامسة : قوله : ((ولا تسأل المرأة))، يروى مرفوعاً ومجزوماً؛ وعليه فكسر
اللام لالتقاء الساكنين ، والمراد أن المرأة الأجنبية لا تسأل الرجل أن يطلق امرأته
وينكحها ، ويصير ما هو لها من النفقة والعشرة لها ؛ وعبر عن ذلك بالإكفاء لما في
الصحفة من باب التمثيل ؛ كأن ما ذكر لما كان معداً للزوجة ، فهو في حكم ما قد
جمعته في الصحفة لتنتفع به ؛ فإذا ذهب عنها فكأنما قد كفئت الصحفة ، وخرج
ذلك عنها ؛ فعبر عن ذلك المجموع المركب بالمركب المذكور ؛ للشبه بينهما .
٧٦٤ - وَعَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِي رَضِيَ اللهُ عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
يقولُ: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةِ وَوَلَدَهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) .
رَوَاهُ أَحْمَدٍ . وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِي وَالْحَاكِم ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَقَال ، وَلَهَا شَاهِدٌ .
(وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله
يقول : ((من فرَّق بين والدة وولدها ، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)) . رواه
أحمد . وصححه الترمذي والحاكم ، ولكن في إسناده مقال) : لأن فيه حسن
ابن عبدالله المعافري ؛ مختلف فيه (ولها شاهد) : كأنه يريد به حديث عبادة بن
١٠

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٦٥ - حديث علي بن أبي طالب
الصامت : ((لا يفرق بين الأم وولدها))، قيل: إلى متى؟ قال: ((حتى يبلغ الغلام
وتحيض الجارية)). أخرجه الدارقطني والحاكم ، وفي سنده عندهما عبدالله بن
عمرو الواقفي ، وهو ضعيف . ولا يخفى أن هذا الحديث والذي بعده كان يحسن
ضمهما إلى حديث ابن عمر الذي تقدم في النهي عن بيع أمهات الأولاد ، أو
يؤخر هو إلى هنا ، وهذا الحديث ظاهر في تحريم التفريق بين الوالدة وولدها ، وظاهره
عام في الملك والجهات ، إلا أنه لا يعلم أنه ذهب أحد إلى هذا العموم ، فهو
محمول على التفريق في الملك ، وهو صريح في حديث علي الآتي ، وظاهره أيضاً
تحريم التفريق ولو بعد البلوغ، إلا أنه يقيد بحديث عبادة. وفي ((الغيث)) أنه خصه
في الكبير الإجماع كما في العتق ، وكأن مستند الإجماع حديث عبادة ، ثم
الحديث نص في تحريم التفريق بين الوالدة وولدها ، وقيس عليه سائر الأرحام
المحارم ؛ بجامع الرحامة ، وكذلك ورد النص في الأخوة ، وهو ما أفاده قوله :
٧٦٥ - وَعَنْ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه قَالَ: أمرني رَسُولُ الله
أَنْ أَبِيعَ غُلامَيْنِ أَخَوَيْنٍ ، فَبِعْتُهُمَا ، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم، فَقَالَ: ((أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إِلا
جَمِيْعاً)). رَوَاه أَحْمَد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَقَدْ صَحَّحَهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابنُ الْجَارُود
وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَالطَبَرَانِي وَابْنُ القَطَّانِ .
(وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله عَالمُ أن
أبيع غلامين أخوين ، فبعتهما ، ففرقت بينهما ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله
عليه وآله وسلم، فقال: ((أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعاً)). رواه
٥١

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٦ - حديث أنس بن مالك
أحمد ، ورجاله ثقات ، وقد صححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان
والحاكم والطبراني وابن القطان): وحكى ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه :
أنه إنما سمعه الحكم من ميمون بن أبي شبيب ، وهو يرويه عن علي رضي الله
عنه ، وميمون لم يدرك علياً .
والحديث دليل على بطلان هذا البيع ، ودل على تحريم التفريق ، كما دل
عليه الحديث الأول ، إلا أن الأول دل على التفريق بأي وجه من الوجوه ، وهذا
الحديث نص في تحريمه بالبيع ، وألحقوا به تحريم التفريق بسائر الإنشاءات ؛
كالهبة والنذر، وهو ما كان باختيار المفرق ، وأما التفريق بالقسمة فليس
باختياره ؛ فإن سبب الملك قهري - وهو الميراث - وحديث علي رضي الله عنه قد
دل على بطلان البيع ؛ ولكنه عارضه الحديث الأول - حديث أبي أيوب - ؛ فإنه
دل على صحة الإخراج عن الملك بالبيع ، ونحوه المستحق للعقوبة ؛ إذ لو كان لا
يصح الإخراج عن الملك ، لم يتحقق التفريق ؛ فلا عقوبة ؛ ولذا اختلف العلماء
في ذلك ؛ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينعقد مع العصيان ؛ قالوا : والأمر بالارتجاع
للغلامين يحتمل أنه بعقد جديد برضا المشتري .
فائدة: في التفريق بين البهيمة وولدها وجهان: لا يصح لنهيه ﴿ عن
تعذيب البهائم ، ويصح قياساً على الذبح ؛ وهو الأولى .
٧٦٦ - وَعَنْ أَنَس بن مالك رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: غَلا السِّعْرُ فِي الْمَدينَة
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َّهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ الله! غَلا السَّعْرُ، فَسَعِّرْ
لَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ ◌ّهِ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، القَابِضُ، البَاسِطُ ، الرَّازِقُ،
٥٢

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٧ - حديث معمر بن عبد الله
وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلا
مَال)). رَوَاه الْخَمْسَةُ، إلا النَّسَائِي، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ .
(وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السعر) : الغلاء ممدود ، وهو
ارتفاع السعر على معتاده (في المدينة على عهد رسول الله عَزانه ، فقال الناس : يا
رسول الله! غلا السعر، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ تَّةِ: ((إن الله هو المسعر):
يعني : يفعل ذلك هو وحده بإرادته (القابض) : أي: المقتر (الباسط) : الموسع ؛
مأخوذ من قوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾ [البقرة: ٢٤٥] (الرازق، وإني لأرجو
أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال)). رواه
الخمسة ، إلا النسائي ، وصححه ابن حبان): وأخرجه ابن ماجه والدارمي والبزار
وأبو يعلى من حديث أنس ، وإسناده على شرط مسلم ، وصححه الترمذي .
والحديث دليل على أن التسعير مظلمة ، وإذا كان مظلمة فهو محرم .
وإلى هذا ذهب أكثر العلماء ، وروي عن مالك أنه يجوز التسعير ، ولو في
القوتين ، والحديث دال على تحريم التسعير لكل متاع ، وإن كان سياقه في
خاص . وقال المهدي : إنه استحسن الأئمة المتأخرون تسعير ما عدا القوتين ،
كاللحم والسمن ؛ رعاية لمصلحة الناس ودفع الضرر عنهم ، وقد استوفينا الكلام
في هذه المسألة في ((منحة الغفار)) ، وبسطنا القول هناك بما لا مزيد عليه.
٧٦٧ - وَعَنْ مَعْمَر بْن عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّه ◌َّ ◌ُهِ قَالَ: ((لا
يَحْتَكِرُ إِلا خَاطِئٍ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه): هو بفتح الميم وسكون العين وفتح
٥٣

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٦٧ - حديث معمر بن عبد الله
الميم ، ويقال له : معمر بن أبي معمر ، أسلم قديماً ، وهاجر إلى الحبشة ، وتأخرت
هجرته إلى المدينة ، ثم هاجر إليها، وسكن بها (عن رسول اللّه ◌ُ ظالم قال: لا
يحتكر إلا خاطئ) : بالهمزة هو العاصي الآثم (رواه مسلم) : وفي الباب
أحاديث دالة على تحريم الاحتكار، وفي ((النهاية)) على قوله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((من احتكر طعاماً))، قال: أي : اشتراه وحبسه ليقل فيغلو، وظاهر
حديث مسلم تحريم الاحتكار للطعام وغيره ، إلا أن يدعى أنه لا يقال : احتكر ،
إلا في الطعام . وقد ذهب أبو يوسف إلى عمومه ، فقال : كل ما أضر بالناس
حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهباً أو ثياباً ، وقيل : لا احتكار إلا في قوت الناس
وقوت البهائم ، وهو قول الهادوية والشافعية ، ولا يخفى أن الأحاديث الواردة في
منع الاحتكار وردت مطلقة ، ومقيدة بالطعام ، وما كان من الأحاديث على هذا
الأسلوب ، فإنه عند الجمهور لا يقيد فيه المطلق بالمقيد ؛ لعدم التعارض بينهما ؛
بل يبقى المطلق على إطلاقه ، وهذا يقتضي أنه يعمل بالمطلق في منع الاحتكار
مطلقاً ، ولا يقيد بالقوتين إلا على رأي أبي ثور، وقد رده أئمة الأصول ، وكأن
الجمهور خصوه بالقوتين ؛ نظراً إلى الحكمة المناسبة للتحريم ؛ وهي دفع الضرر
عن عامة الناس ، والأغلب في دفع الضرر عن العامة إنما يكون في القوتين ،
فقيدوا الإطلاق بالحكمة المناسبة ، أو أنهم قيدوه بمذهب الصحابي الراوي ؛ فقد
أخرج مسلم عن سعيد بن المسيب : أنه كان يحتكر، فقيل له : فإنك تحتكر؟!
فقال : لأن معمراً راوي الحديث كان يحتكر؟ قال ابن عبد البر: كانا يحتكران
الزيت ، وهذا ظاهر أن سعيداً قيَّد الإطلاق بعمل الراوي ، وأما معمر فلا يعلم بم
قيده . ولعله بالحكمة المناسبة التي قيد بها الجمهور .
٥٤

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٨ - حديث أبي هريرة
٧٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ قَالَ: ((لا تُصَرُّوا
الإِبِلَ وَالغَنَمَ ؛ فَمِن ابْتَاعَها بَعْدُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ
أَمْسَكَهَا. وَإِنْ شَاء رَدَّهَا، وَصاعاً مِنْ تَمْر)). متفق عليه.
وِلُسْلِمٍ: ((فَهُوَ بالخِيَار ثلاثَةَ أَيَّام)) .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ : ((وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ طَعَام ، لا سَمْرَاء)) .
قالَ البُخَارِي : وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َ ﴾ قال: ((لا تصروا): بضم
المثناة الفوقية وفتح الصاد المهملة ؛ من صَرَّى يُصَري على الأصح (الإبل
والغنم؛ فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين) : الرأيين (بعد أن يحلبها ، إن
شاء أمسكها ، وإن شاء ردها، وصاعاً) : عطف على ضمير المفعول في : ردها ،
على تقدير: ويعطي (من تمر)). متفق عليه، ولمسلم): أي عن أبي هريرة ((فهو
بالخيار ثلاثة أيام)). وفي رواية له علقها البخاري: ((ورد معها صاعاً من
طعام، لا سمراء)). قال البخاري: والتمر أكثر) : أصل التصرية حبس الماء،
يقال : صريت الماء ، إذا حبسته ، وقال الشافعي : هي ربط أخلاف الناقة والشاة ،
وترك حلبها حتى يجتمع لبنها ، فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها ! ولم
يذكر في الحديث البقر، والحكم واحد ؛ لحديث: نهى عن التصرية للحيوان إذا
أريد بيعه ؛ لأنه قد ورد تقييده في رواية النسائي بلفظ: ((ولا تصروا الإبل
والغنم للبيع))، وفي رواية له: ((إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة فليحلبها))،
وهذا هو الراجح عند الجمهور ، ويدل عليه التعليل بالتدليس والغرر، كذا قيل ،
٥٥

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٨ - حديث أبي هريرة
إلا أني لم أر التعليل بهما منصوصاً ، وأما التصرية لا للبيع بل ليجتمع الحليب
لنفع المالك ، فهو وإن كان فيه إيذاء للحيوان ، إلا أنه ليس فيه إضرار؛ فيجوز،
وظاهر الحديث أنه لا يثبت الخيار إلا بعد الحلب ، ولو ظهرت التصرية بغير
حلب ، فالخيار ثابت ، وثبوت الخيار قاض بصحة بيع المصراة ، وفي الحديث دليل
على أن الرد بالتصرية فوري؛ لأن الفاء في قوله : ((فهو بخير النظرين))، تدل على
التعقيب من غير تراخ ، وإليه ذهب بعض الشافعية ، وذهب الأكثر إلى أنه على
التراخي ؛ لقوله : ((فله الخيار ثلاثاً))، وأجيب من طرف القائل بالفور أن ذلك
محمول على ما إذا لم يعلم أنها مصراة ، إلا في الثالث ؛ لأن الغالب أنها لا تعلم
في أقل من ذلك ؛ لجواز النقصان باختلاف العلف ، ونحوه ، ولأن في رواية أحمد
والطحاوي: ((فهو بأحد النظرين: بالخيار إلى أن يحوزها، أو يردها))؛ وأما ابتداء
الثلاث ففيه خلاف ؛ قيل : من بعد تبين التصرية ، وقيل : من عند العقد ،
وقيل : من التفرق . ودل الحديث أنه يرد عوض اللبن صاعاً من تمر ، وأما الرواية
التي علقها البخاري بذكر (صاعاً من طعام) ، فقد رجح البخاري رواية التمر ؛
لكونه أكثر، وإذا ثبت أنه يرد المشتري صاعاً من تمر ، ففي المسألة ثلاثة مذاهب :
الأول : للجمهور من الصحابة والتابعين بإثبات الرد للمصراة ، ورد صاع من
تمر ، سواء كان اللبن كثيراً أو قليلاً ، والتمر قوتاً لأهل البلد أو لا .
والثاني : للهادوية فقالوا : ترد المصراة ، ولكنهم قالوا : يرد اللبن بعينه إن كان
باقياً ، أو مثله إن كان تالفاً ، أو قيمته يوم الرد حيث لم يوجد المثل ، قالوا :
وذلك لأنه تقرر أن ضمان المتلف إن كان مثلياً فبالمثل ، وإن كان قيمياً فبالقيمة ،
٥٦

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٨ - حديث أبي هريرة
واللبن إن كان مثلياً ضمن بمثله ، وإن كان قيمياً قوِّم بأحد النقدين ، وضمن
بذلك؛ فكيف يضمن بالتمر أو الطعام؟ قالوا : وأيضاً فإنه كان الواجب أن
يختلف الضمان بقدر اللبن ، ولا يقدر بصاع قل أو كثر.
وأجيب بأن هذا القياس تضمن العموم في جميع المتلفات ؛ وهذا خاص ورد
به النص ، والخاص مقدم على العام .
أما تقدير الصاع فإنه قدره الشارع ؛ ليدفع التشاجر ؛ لعدم الوقوف على
حقيقة قدر اللبن ؛ لجواز اختلاطه بحادث بعد البيع ، فقطع الشارع النزاع وقدره
بحد لا يبعد رفعاً للخصومة ، وقدره بأقرب شيء إلى اللبن ؛ فإنهما كانا قوتين
في ذلك الزمان ، ولهذا الحكم نظائر في الشريعة ، وهو ضمان الجنايات ؛
كالموضحة ؛ فإن أرشها مقدر مع الاختلاف في الكبر والصغر، والغرة في الجنين
مع اختلافه ، والحكمة في ذلك كله دفع التشاجر .
والثالث : للحنفية ؛ فخالفوا في أصل المسألة ، وقالوا : لا يرد البيع بعيب
التصرية ؛ فلا يجب رد الصاع من التمر، واعتذروا عن الحديث بأعذار كثيرة ؛
بالقدح في الصحابي الراوي للحديث ، وبأنه حديث مضطرب ، وبأنه منسوخ ،
وبأنه معارض بقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل:
١٢٦] ، وكلها أعذار مردودة ، وقالوا : الحديث خالف قياس الأصول من جهات :
الأولى : من حيث إن اللبن التالف إن كان موجوداً عند العقد ، فقد نقص
جزء من المبيع ، فيمتنع الرد ، وإن كان حادثاً عند المشتري ، فهو غير مضمون .
٥٧

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٦٨ - حديث أبي هريرة
وأجيب - أولاً - بأن الحديث أصل مستقل برأسه ، ولا يقال : إنه خالف قياس
الأصول .
وثانياً بأن النقص إنما يمنع الرد إذا لم يكن لاستعلام العيب ، وهو هنا
لاستعلام العيب فلا يمنع .
والثانية : من حيث إنه جعل الخيار فيه ثلاثاً ، مع أن خيار العيب ، وخيار
المجلس ، وخيار الرؤية لا يقدر شيء منها بالثلاث . وأجيب بأن المصراة انفردت
بالمدة المذكورة ؛ لأنه لا يتبين حكم التصرية في الأغلب إلا بها ، بخلاف غيرها .
والثالثة : أنه يلزم ضمان الأعيان مع بقائها حيث كان اللبن موجوداً .
وأجيب عنه بأنه غير موجود متميز؛ لأنه مختلط باللبن الحادث ، فقد تعذر رده
بعينه بسبب الاختلاط ، فيكون مثل ضمان العبد الآبق المغصوب .
والرابعة : من حيث إنه يلزم إثبات الرد بغير عيب ؛ لأنه لو كان نقصان اللبن
عيباً لثبت به الرد من دون تصرية ، ولا اشتراط لأنه لم يشترط الرد .
وأجيب بأنه في حكم خيار الشرط من حيث المعنى ؛ فإن المشتري لما رأى
ضرعها ملوءاً فكأن البائع شرط له أن ذلك عادة لها ، وقد ثبت لهذا نظائر مثل ما
تقدم في تلقي الجلوبة .
وإذا تقرر عندك ضعف القولين الآخرين ، علمت أن الحق هو الأول وعرفت أن
الحديث أصل في النهي عن الغش ، وفي ثبوت الخيار لمن دلس عليه ، وفي أن
التدليس لا يفسد أصل العقد ، وفي تحريم التصرية للمبيع وثبوت الخيار بها . وقد
أخرج أحمد وابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعاً ((بيع المحفلات خلابة ،
: ٥٨

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٦٩ و٧٧٠ - حديثا ابن مسعود وأبي هريرة
ولا تحل الخلابة لمسلم)) ، وفي إسناده ضعف ، ورواه ابن أبي شيبة موقوفاً بسند
صحيح ، والمحفلات : جمع محفلة ؛ بالحاء المهملة والفاء : التي تجمع لبنها في
ضروعها ، والخلابة ؛ بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام بعدها موحدة : الخداع .
٧٦٩ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَن اشْتَرِى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا
فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعاً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَزَادَ الإِسْمَاعِيلِيُّ: مِنْ تَمْرٍ .
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من اشترى شاة محفّلة فردها فلیرد
معها صاعاً . رواه البخاري وزاد الإسماعيلي : من تمر) : لم يرفعه المصنف بل وقفه
على ابن مسعود ؛ لأن البخاري لم يرفعه ، وقد تقدم الكلام على معناه مستوفىَّ .
٧٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَ ◌ّهِ مَرَّ عَلى صُبْرَة
مِنْ طَعَامِ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا ، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بِلَلاً. فَقَالَ : «مَا هَذَا يا صَاحِبَ
الطَّعام؟!) قَالَ: أَصَابِتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّه! قَالَ: ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ
كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وَعَن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله عَظُنّةٍ مر على صبرة):
الصبرة بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة : الكومة المجموعة من الطعام (من
طعام، فأدخل يده فيها ، فنالت أصابعه بللاً ، فقال: ((ما هذا يا صاحب
الطعام؟!)) قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام
كي يراه الناس، من غش فليس مني)). رواه مسلم): قال النووي : كذا في
الأصول : مني ؛ بياء المتكلم ، وهو صحيح . ومعناه: ليس من اهتدى بهديي ،
واقتدى بعلمي ، وعملي وحسن طريقتي . وقال سفيان بن عيينة : يكره تفسير
٥٩

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧١ - حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه
مثل هذا ، ونقول : نمسك عن تأويله ؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر .
والحديث دليل على تحريم الغش ، وهو مجمع على تحريمه شرعاً ، مذموم فاعله عقلاً .
٧٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيه رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَال رسُولُ
الله ◌َّةٍ: ((مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامِ القِطَافِ، حَتَّى يَبِيعه مِمَّن يَتَّخِذَهُ خَمراً،
فَقَدْ تَقَحم النَّار علَى بَصِيرةٍ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ في ((الأَوْسَطِ)) بِإِسْنَاد حسنِ .
(وعن عبد الله بن بريدة) : هو أبو سهل عبد الله بن بريدة بن الحصيب
الأسلمي ، قاضي مرو، تابعي ثقة ، سمع أباه وغيره (عن أبيه رضي الله عنه
قال: قال رسول اللّه ◌َالٍ: ((من حبس العنب أيام القطاف): الأيام التي
يقطف فيها (حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً ، فقد تقحم النار على بصيرة) :
أي : على علم بالسبب الموجب لدخوله (رواه الطبراني في ((الأوسط)) بإسناد
حسن): وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) من حديث بريدة ، بزيادة :
((حتى يبيعه من يهودي أو نصراني ، أو ممن يعلم أنه يتخذه خمراً فقد تقحم
النار على بصيرة)) والحديث دليل على تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمراً؛ لوعيد
البائع بالنار ، وهو مع القصد محرم إجماعاً ، وأما مع عدم القصد ، فقال الهادوية :
يجوز البيع مع الكراهة ، ويؤول بأن ذلك مع الشك في جعله خمراً، وأما إذا.
علمه فهو محرم ، ويقاس على ذلك ما يستعان به في معصية ، وأما ما لا يفعل
إلا لمعصية كالمزامير والطنابير ونحوهما ، فلا يجوز بيعها ، ولا شراؤها إجماعاً،
وكذلك بيع السلاح والكراع من الكفار والبغاة ، إذا كانوا يستعينون بها على
حرب المسلمين ؛ فإنه لا يجوز، إلا أن يباع بأفضل منه ، جاز .
٦٠