النص المفهرس
صفحات 21-40
٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٤ - حديث عائشة وراءين بينهما مثناة تحتية ، مولاة لعائشة (فقالت : إني كاتبت) : من المكاتبة وهي العقد بين السيد وعبده (أهلي): هم ناس من الأنصار؛ كما هو عند النسائي (على تسع أواق؛ في كل عام أوقية، فأعينيني) : بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة (فقلت : إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت ، فذهبت بريرة إلى أهلها ، فقالت لهم فأبوا عليها ، فجاءت من عندهم ، ورسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم جالس ، فقالت : إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء ، فسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ((خذيها واشترطي لهم) : قال الشافعي والمزني : يعني : اشترطي عليهم . فاللام بمعنى : على (الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق)) ، ففعلت عائشة، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الناس؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد ، فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله تعالى؟! ما كان من شرط ليس في كتاب الله) : أي : في شرعه الذي كتبه على العباد ؛ وحكمه أعم من ثبوته بالقرآن أو السنة (فهو باطل ، وإن كان مائة شرط . قضاء الله أحق) : بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الله (وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)). متفق عليه ، واللفظ للبخاري . وعند مسلم قال: ((اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء))): الحديث دليل على مشروعية الكتابة ، وهي عقد بين السيد وعبده على رقبته ، وهي مشتقة من الكتب ؛ وهو الفرض والحكم؛ كما في قوله : ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهي مندوبة . وقال عطاء وداود: واجبة إذا طلبها العبد بقدر قيمته ؛ لظاهر الأمر في : ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]، وهو الأصل في الأمر. ٢١ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٤ - حديث عائشة قلت : إلا أنه تعالى قيد الوجوب بقوله : ﴿إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]، ےے نعم ، بعد علم الخير فيهم تجب الكتابة ، وفي تفسير الخير أقوال السلف : الأول : ما جاء في حديث مرسل ومرفوع(١) عند أبي داود ؛ أنه قال : ((إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم كلاً على الناس)). والثاني: لابن عباس، قال: ﴿خيراً﴾ [النور: ٣٣]، المال. والثالث : عنه : أمانة ووفاء . الرابع : عنه : إن علمت أن مكاتبك يقضيك . وقولها : في كل عام أوقية ، وفي تقريره صلی الله عليه وآله وسلم لذلك ، دليل على جواز التنجيم لا على تحتمه وشرطيته ؛ كما ذهب إليه الشافعي والهادي وغيرهما ، وقالوا : التنجيم في الكتابة شرط ؛ وأقله نجمان ، واستدلوا بروايات عن السلف لا تنهض دليلاً ، وذهب الجمهور وأحمد ومالك إلى جواز عقد الكتابة على نجم ؛ لقوله: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]، ولم يفصل؛ وهو ظاهر، والقول بأنه قيَّد إطلاقها الآثار عن السلف ، غير صحيح؛ إذ ليس بإجماع ، وتقييد الآيات بآراء العلماء باطل . ودل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خذيها)) على جواز بيع المكاتب عند تعسر الإيفاء بمال الكتابة . وللعلماء في جواز بيع المكاتب ثلاثة أقوال : الأول: جوازه وهو مذهب أحمد ومالك، وحجتهم قوله ◌َراي: ((المكاتب رق ما بقي عليه درهم)) . أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . (١) هذا تكرار لا معنى له ؛ لأن المرسل مرفوع ، كما هو معروف ! ٢٢ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٤ - حديث عائشة والثاني : أنه يجوز بيعه برضاه إلى من يعتقه ، محتجين بظاهر حديث بريرة . والقول الثالث : أنه لا يجوز بيعه مطلقاً، وهو لأبي حنيفة وجماعة ، قالوا : لأنه خرج عن ملك السيد ، وتأولوا الحديث بأن قالوا : إن بريرة عجَّزت نفسها وفسخوا عقد كتابتها . والقول الأول أظهر؛ لأن التقييد بالواقع في قصة بريرة ليس فيه دليل على أنه شرط ، وإنما كان الواقع كذلك ، فمن أين أنه شرط؟! وأما القول بأن بيعه يوجب سقوط حق الله ، فجوابه أن حق الله تعالى ما ثبت ، فإنه لا يثبت إلا بالإيفاء ، والفرض أنه عجز المكاتب عنه . وقوله : ((واشترطي لهم الولاء))؛ إن جعلت اللام بمعنى : على ، من باب قوله : ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] و﴿يخرون للأذقان﴾ [الإسراء: ١٠٧]، كما قاله الشافعي ؛ فلا إشكال ، إلا أنه قد ضعف ؛ بأنه لو كان كذلك لم ينكر عليهم اشتراط الولاء . ويجاب عنه بأن الذي أنكره اشتراطهم له أول الأمر ، وقيل : أراد بذلك الزجر والتوبيخ لهم ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان قد بيَّن لهم حكم الولاء ، وأن هذا الشرط لا يحل ، فلما ظهرت منهم المخالفة قال لعائشة ذلك . ومعناه : لا تبالي ؛ لأن اشتراطهم مخالف للحق ، فلا يكون ذلك للإباحة ، بل المقصود الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط ، وأن وجوده كعدمه ، وبعد معرفة هذه الوجوه والتأويل يزول الإشكال بأنه كيف وقع منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الإذن لعائشة بالشرط لهم ، فإنه ظاهر أنه خداع وغرر للبائع ؛ من حيث إنه يعتقد عند البيع أنه بقي له بعض المنافع ؛ وانكشف الأمر على خلافه . ولكن بعد تحقق وجوه التأويل يذهب الإشكال ، وفي قوله: ((إنما الولاء لمن ٢٣ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٥ ۔ حديث ابن عمر أعتق))، دليل على حصر الولاء فيمن أعتق لا يتعداه إلى غيره . ٧٤٥ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الأولاَدِ ، فَقَالَ: لا تَبَاعُ ، ولا تُوهَبُ ، ولا تُورَثُ. يَستَمتعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ . فإِذا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ . رَوَاهُ مالكٌ والبيهَقِيُّ ، وقال: رَفَعَهُ بَعضُ الرُّواةِ فَوَهِمَ . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد ، فقال : لا تباع ، ولا توهب ، ولا تورث. يستمتع بها ما بدا له ، فإذا مات فهي حرة . رواه مالك والبيهقي ، وقال : رفعه بعض الرواة فوهم) : وقال الدارقطني : الصحيح وقفه على عمر، ومثله قال عبد الحق ، قال صاحب ((الإلمام)): المعروف فيه الوقف ، والذي رفعه ثقة ، وفي الباب آثار عن الصحابة ، وقد أخرج الحاكم وابن عساكر، وابن المنذر عن بريدة قال : كنت جالساً عند عمر إذ سمع صائحة ، قال : يا يرفأ! انظر ما هذا الصوت؟ فنظر ، ثم جاء فقال : جارية من قريش تباع أمها . فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار. فلم يمكث ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة . فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد : فهل كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم القطيعة؟ قالوا : لا ، قال : فإنها قد أصبحت فيكم فاشية ، ثم قرأ: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]، ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ منكم ، وقد أوسع الله لكم؟! قالوا : فاصنع ما بدا لك . فكتب إلى الآفاق : أن لا تباع أم حر؛ فإنها قطيعة ، وإنه لا يحل . فهذا ونحوه من الآثار والحديث دليل على أن الأمة إذا ولدت من سيّدها حرم بيعها ؛ سواء كان الولد باقياً أو لا ؛ وإلى هذا ٢٤ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٦ - حديث جابر ذهب أكثر الأمة ، وادّعى الإجماع على المنع من بيعها جماعة من المتأخرين ، وأفرد الحافظ ابن كثير الكلام على هذه المسألة في جزء مفرد قال : وتلخص لي عن الشافعي فيها أربعة أقوال . وفي المسألة من حيث هي ثمانية أقوال . وقد ذهب الناصر والإمامية وداود إلى جواز بيعها ؛ لما أفاده الحديث الآتي . ٧٤٦ - وَعَنْ جَابِر رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرارَيَنَا أُمَهَات الأولاد، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم حَيٌّ ، لا يَرَى بِذَلكَ بَأساً. رواهُ النَّسائِيُّ وابن ماجه والدارقطني ، وصَححَهُ ابن حبانَ . (وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حي ، لا يرى بذلك بأساً . رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني ، وصححه ابن حبان): وأخرجه أحمد والشافعي والبيهقي وأبو داود والحاكم ، وزاد : في زمن أبي بكر ، وفيه : فلما كان عمر نهانا فانتهينا . ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد ، وإسناده ضعيف . قال البيهقي: ليس في شيء من الطرق أنه صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك ، وأقرهم عليه . وترده رواية النسائي التي فيها : والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حي لا يرى بذلك بأساً . واستدل القائلون بجواز بيعها أيضاً؛ بأنه صح عن علي عليه السلام أنه رجع عن تحريم بيعها إلى جوازه . وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني المرادي ، قال : سمعت علياً يقول : اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن ، ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن ... الحديث، وهو معدود في أصح الأسانيد. وأجاب في (الشرح)) عن ٢٥ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٧ ۔ حديث جابر هذه الأدلة بأنه يحتمل أن حديث جابر كان في أول الأمر ، وأن ما ذكر ناسخ، وأيضاً فإنه راجع إلى التقرير ، وما ذكر قول ، وعند التعارض القول أرجح . قلت : ولا يخفى ضعف هذا الجواب ؛ لأنه لا نسخ بالاحتمال ، فللقائل بجواز بيعها أن يقلب الاستدلال ، ويقول : يحتمل أن حديث ابن عمر كان أول الأمر ثم نسخ بحديث جابر ، وإن كان احتمالاً بعيداً ، ثم قوله : إن حديث جابر راجع إلى التقرير ، وحديث ابن عمر قول ؛ والقول أرجح عند التعارض ؛ يقال عليه : القول لم يصح رفعه ، بل صرح المصنف وغيره أن رفعه وهم ، وليس في منع بيعها إلا رأي عمر رضي الله عنه لا غير ، ومن شاوره من الصحابة ، وليس بإجماع ؛ فليس بحجة ، على أنه لو كان في المسألة نص لما احتاج عمر والصحابة إلى الرأي . ٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: فَهَانا رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمْ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ . رَوَاهُ مُسلِمٌ، وزادَ فِي رِوايَةٍ : وَعَنْ بَيْعُ ضِرَابِ الْجَمَلِ . (وعن جابر رضي الله عنه قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع فضل الماء . رواه مسلم ، وزاد في رواية : وعن بيع ضراب الجمل) : وأخرجه أصحاب ((السنن)) من حديث إياس بن عبد ، وصححه الترمذي ، وقال أبو الفتح القشيري : هو على شرطهما . والحديث دليل على أنه لا يجوز بيع ما فضل من الماء عن كفاية صاحبه . قال العلماء : وصورة ذلك أن ينبع في أرض مباحة ماء فيسقي الأعلى ، ثم يفضل عن كفايته ، فليس له المنع ؛ وكذا إذا اتخذ حفرة في أرض مملوكة يجمع فيها الماء ، أو حفر بئراً فيسقي منه ويسقي أرضه ، فليس له منع ما فضل . وظاهر الحديث يدل على أنه يجب عليه بذل ما ٢٦ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٧ ۔ حديث جابر فضل عن كفايته لشرب أو طهور أو سقي زرع ، وسواء كان في أرض مباحة أو مملوكة . وقد ذهب إلى هذا العموم ابن القيم في ((الهدي)) وقال : إنه يجوز دخول الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ؛ لأن له حقاً في ذلك ، ولا يمنعه استعمال ملك الغير ، وقال : إنه نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة الراعي ، وإلى مثله ذهب المنصور بالله والإمام يحيى في الحطب والحشيش ، ثم قال : إنه لا فائدة لإذن صاحب الأرض ؛ لأنه ليس له منعه من الدخول ، بل يجب عليه تمكينه ويحرم عليه منعه ، فلا يتوقف دخوله على الإذن ، وإنما يحتاج إلى الإذن في الدخول في الدار ، إذا كان فيها سكن ؛ لوجوب الاستئذان ، وأما إذا لم يكن فيها سكن ، فقد قال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم﴾ [النور: ٢٩]. ومن احتفر بئراً أو نهراً فهو أحق بمائه ، ولا يمنع الفضلة عن غيره ، سواء قلنا : إن الماء حق للحافر لا ملك - كما هو قول جماعة من العلماء -، أو قلنا : هو ملك ؛ فإن عليه بذل الفضلة لغيره ؛ لما أخرجه أبو داود : أنه قال رجل : يا نبي الله ! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال : ((الماء))، قال: يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الملح)). وأفاد أن في حکم الماء الملح ، وما شاكله ، ومثله الكلا ؛ فمن سبق بدوابه إلى أرض مباحة فيها عشب ، فهو أحق برعيه ما دامت فيه دوابه ؛ فإذا خرجت منه فلیس له بيعه . هذا ، وأما المحرز في الأسقية والظروف ، فهو مخصص من ذلك بالقياس على الحطب؛ فقد قال ◌َ: ((لأن يأخذ أحدكم حبلاً، فيأخذ حزمة من حطب ، فيبيع ذلك ، فيكف بها وجهه ، خير له من أن يسأل الناس أعطي أو منع)) . فيجوز بيعه ، ولا يجب بذله إلا لمضطر، وكذلك بيع البئر والعين أنفسهما؛ ٢٧ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٨ و٧٤٩ - حديثا ابن عمر فإنه جائز، فقد قال ◌َ: ((من يشتري بئر رومة، يوسع بها على المسلمين، فله الجنة))! فاشتراها عثمان . والقصة معروفة ، وقوله: ((وعن ضراب الجمل))؛ أي : نهى عن أجرة ضراب الجمل . وقد عبر عنه بالعسب في الحديث الآتي . ٧٤٨ - وَعَن ابن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهى رَسُولُ الله ◌َّهِ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله وَزله عن عسب الفحل) : وهو بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة فباء موحدة (رواه البخاري) : وفيه وفيما قبله ، دليل على تحريم استئجار الفحل للضراب ، والأجرة حرام ، وذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز ذلك ، إلا أنه يستأجره للضراب مدة معلومة ، أو تكون الضربات معلومة ؛ قالوا : لأن الحاجة تدعو إليه ؛ وهي منفعة مقصودة ، وحملوا النهي على التنزيه ، وهو خلاف أصله . ٧٤٩ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ. وَكَانَ بَيْعاً يَبْتَاعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ؛ كَانَ الرَّجُلُ يبتَاعُ الْجَزُورَ إِلىَ أَنْ تُنْتَجَ ثُمَّ تُنْتَجُ التي فِي بَطْنِهَا . متَّفَقٌ عَليهِ ، واللفظ للبخارِيِّ. (وعنه) : أي: ابن عمر (أن رسول الله نهى عن بيع حبل الحبلة) : بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة فيهما (وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية) : وفسره قوله (كان الرجل يبتاع الجزور) : بفتح الجيم وضم الزاي ؛ أي : البعير ذكراً كان أو أنثى ، وهو مؤنث وإن أطلق على مذكر؛ تقول : هذه الجزور (إلى أن تنتج) : بضم أوله وفتح ثالثه ؛ أي : تلد الناقة ، وهذا الفعل لم يأت في لغة ٢٨ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٤٩ - حديث ابن عمر العرب إلا على بناء الفعل للمجهول (ثم تنتج التي في بطنها) : وهذا التفسير من قوله : وكان بيعاً إلخ ، مدرج في الحديث من كلام نافع ، وقيل : من كلام ابن عمر (متفق عليه ، واللفظ للبخاري) : ووقع في رواية : حمل ولد الناقة ؛ من دون اشتراط الإنتاج ، وفي رواية : أن تنتج الناقة ما في بطنها ؛ من دون أن يكون نتاجها قد حمل ، أو أنتج . والحبل : مصدر حبلت تحبل ؛ سمي به المبول ، والحبلة جمع حابل ؛ مثل : ظلمة في ظالم ، وكتبة في كاتب ، ويقال : حابل وحابلة بالتاء ؛ قال أبو عبيد : لم يرد الحبل في غير الآدميات إلا في هذا الحديث ، وقال غيره : بل ثبت في غيره . والحديث دليل على تحريم هذا البيع ، واختلف العلماء في هذا المنهي عنه ؛ لاختلاف الروايات ؛ هل هو من حيث يؤجل بثمن الجزور إلى أن يحصل النتاج المذكور، أو إنه يبيع منه النتاج؟ ذهب إلى الأول مالك والشافعي وجماعة ؛ قالوا : وعلة النهي جهالة الأجل ، وذهب إلى الثاني أحمد وإسحاق وجماعة من أئمة اللغة ، وبه جزم الترمذي ؛ قالوا : وعلة النهي هو كونه بيع معدوم ، ومجهول ، وغير مقدور على تسليمه ، وهو داخل في بيع الغرر، وقد أشار إلى هذا البخاري حيث صدر الباب ببيع الغرر ، وأشار إلى التفسير الأول ورجحه أيضاً في باب السلم؛ بكونه موافقاً للحديث ؛ وإن كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني . نعم ، ويتحصل من الخلاف أربعة أقوال ؛ لأنه يقال : هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول ؛ هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني : هل المراد بيع الجنين الأول أو جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال . هذا وحكي عن ابن كيسان وأبي العباس المبرد أن المراد بالحبلة الكرمة ، وأنه ٢٩ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٠ و٧٥١ - حديثا ابن عمر وأبي هريرة نهى عن بيع ثمر العنب قبل أن يصلح ؛ فأصله على هذا بسكون الباء الموحدة ، لكن الروايات بالتحريك ، إلا أنه قد حكي في الحبلة - بمعنى: الكرمة - فتحها . ٧٥٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َِّ نَهى عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وَعَنْ هَبَتِهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . (وعنه رضي الله عنه): أي ابن عمر (أن رسول الله عَ ظيم نهى عن بيع الولاء) : بفتح الواو (وعن هبته . متفق عليه) : والولاء : هو ولاء العتق ؛ أي : وهو إذا مات المعتق ورثه معتقه ؛ كانت العرب تهبه وتبيعه ، فنهي عنه ؛ لأن الولاء كالنسب لا يزول بالإزالة . ذكره في ((النهاية)). ٧٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌ٍَّ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ يَ سُهُ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر . رواه مسلم) : اشتمل الحديث على النهي عن صورتين من صور البيع . الأولى : بيع الحصاة ؛ واختلف في تفسير بيع الحصاة ، قيل : هو أن يقول : ارم بهذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم ، وقيل : هو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة ، وقيل : هو أن يقبض على كف من حصا ، ويقول : لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع ، أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصا ، ويقول : لي بكل حصاة درهم . وقيل : أن يمسك أحدهما حصاة بيده ، ويقول : أي وقت سقطت الحصاة فقد وجب البيع ، وقيل : ٣٠ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٢ - حديث أبي هريرة هو أن يعترض القطيع من الغنم ، فيأخذ حصاة ويقول : أي شاة أصابتها فهي لك بكذا ، وكل هذه متضمنة للغرر لما في الثمن أو المبيع من الجهالة ، ولفظ الغرر يشملها ، وإنما أفردت لكونها كانت مما يبتاعها الجاهلية ، فنهى صلى الله عليه وآله وسلم عنها ، وأضيف البيع إلى الحصاة ؛ للملابسة لاعتبار الحصاة فيه . والثانية : بيع الغرر؛ بفتح الغين المعجمة والراء المتكررة ، وهو بمعنى : مغرور؛ اسم مفعول ، وإضافة المصدر إليه من إضافته إلى المفعول ، ويحتمل غير هذا ، ومعناه : الخداع الذي هو مظنة أن لا رضا به عند تحققه ؛ فيكون من أكل المال بالباطل . ويتحقق في صور: إما بعدم القدرة على تسليمه ؛ كبيع العبد الآبق ، والفرس النافر ، أو بكونه معدوماً أو مجهولاً ، أو لا يتم ملك البائع له ؛ كالسمك في الماء الكثير ، ونحو ذلك من الصور. وقد يحتمل بعض الغرر فيصح معه البيع إذا دعت إليه الحاجة ؛ كالجهل بأساس الدار وكبيع الجبة المحشوة ، وإن لم ير حشوها فإن ذلك مجمع عليه ، وكذا على جواز إجارة الدار والدابة شهراً؛ مع أنه قد يكون الشهر ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين ، وعلى دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء ، وقدر مكثهم ، وعلى جواز الشرب في السقاء بالعوض مع الجهالة . وأجمعوا على عدم صحة بيع الأجنة في البطون ، والطير في الهواء ، واختلفوا في صور كثيرة اشتملت عليها كتب الفروع . ﴿ قَالَ : ((مَن اشتَرَى طَعَاماً ٧٥٢ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َا فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَكْتَالَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وعنه رضي الله عنه): أي أبي هريرة (أن رسول الله مح ملة قال: ((من اشترى ٣١ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٢ - حديث أبي هريرة طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله)). رواه مسلم): وقد ورد في الطعام أنه لا يبيعه من اشتراه حتى يستوفيه ، من حديث جماعة من الصحابة ، وورد في أعم من الطعام حديث حكيم بن حزام عند أحمد قال : قلت : يا رسول الله ! إني أشتري بيوعاً؛ فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال : ((إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه)). وأخرج الدارقطني وأبو داود من حديث زيد بن ثابت: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)) ، وأخرجه السبعة إلا الترمذي من حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّ﴾ قال: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)). قال ابن عباس : ولا أحسب كل شيء إلا مثله ؛ فدلت الأحاديث أنه لا يجوز بيع أي سلعة شريت ، إلا بعد قبض البائع لها واستيفائها . وذهب قوم إلى أنه يختص هذا الحكم بالطعام لا غيره من المبيعات ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يختص ذلك بالمنقول دون غيره ؛ لحديث زيد بن ثابت ؛ فإنه في السلع . والجواب أن ذكر حكم الخاص لا يخص به العام ، وحديث حكيم عام فالعمل عليه ، وإليه ذهب الجمهور ، وأنه لا يجوز البيع للمشتري قبل القبض مطلقاً ، وهو الذي دل له حديث حكيم ، واستنبطه ابن عباس . فائدة: أخرج الدارقطني من حديث جابر: نهى رسول الله وخل عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان : صاع البائع وصاع المشتري . ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن ؛ فدل على أنه إذا اشترى الشيء مكايلة وقبضه ، ثم باعه ، لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ٣٢ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٣ - حديث أبي هريرة ثانياً؛ وبذلك قال الجمهور. وقال عطاء : يجوز بيعه بالكيل الأول . وكأنه لم يبلغه الحديث ، ولعل علة الأمر بالكيل ثانياً؛ لتحقق ما يجوز من النقص بإعادة الكيل ؛ لإذهاب الخداع ، وحديث الصاعين دليل على أنه لا يجوز بيع الجزاف ، إلا أن في حديث ابن عمر: أنهم كانوا يبتاعون الطعام جزافاً ، ولفظه : كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً ، فنهانا رسول الله ◌َّ م أن نبيعه حتى ننقله . أخرجه الجماعة إلا الترمذي . قال ابن قدامة : يجوز بيع الصبرة جزافاً؛ لا نعلم فيه خلافاً ، وإذا ثبت جواز بيع الجزاف حمل حديث الصاعين على أن المراد أنه إذا اشترى الطعام كيلاً ، وأريد بيعه ، فلا بد من إعادة كيله للمشتري . ٧٥٣ - وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِنَّهُ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ، وصَحّحَهُ التِّرمِذِيُّ وابْنُ حِبَّانَ . وَلْأَبِي دَاوُدَ : ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسَهُمَا، أو الرِّبَا)). عن بيعتين في بيعة . (وعنه): أي أبي هريرة (قال: نهى رسول الله عَلـ رواه أحمد والنسائي ، وصححه الترمذي وابن حبان . ولأبي داود) : من حديث أبي هريرة (((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا(١))): قال الشافعي : له تأويلان : أحدهما : أن يقول : بعتك بألفين نسيئة ، وبألف نقداً؛ فأيهما شئت أخذت به؟ وهذا بيع فاسد ؛ لأنه إبهام وتعليق . والثاني : أن يقول : بعتك عبدي على أن تبيعني فرسك . انتهى . (١) في سنده - عند الكل - محمد بن عمرو بن علقمة؛ وقد تكلم فيه غير واحد ، وأخرج له الشيخان مقروناً بغيره . ٣٣ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهى عنه ٧٥٤ - حديث عمرو بن شعيب وعلة النهي على الأول عدم استقرار الثمن ، ولزوم الربا عند من يمنع بيع الشيء بأكثر من سعر يومه ؛ لأجل النساء ، وعلى الثاني لتعليقه بشرط مستقبل يجوز وقوعه وعدم وقوعه ، فلم يستقر الملك ، وقوله : ((فله أوكسهما أو الربا))؛ يعني أنه إذا فعل ذلك فهو لا يخلو عن أحد الأمرين : إما الأوكس الذي هو أخذ الأقل أو الربا ؛ وهذا مما يؤيد التفسير الأول . ٧٥٤ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((لا يَحِلُّ سَلَفَّ وَبَيْعٌ ، وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعِ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يضْمَنْ ، وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ والْحَاكِمُ، وأَخْرَجَهُ في ((عُلُومِ الحَديثِ) مِنْ رِوَايَةٍ أبي حَنِيفَةَ عن عَمرو الْمَذكور بِلَفظ: نَهى عَنْ بَيْع وشرطٍ . ومِنْ هذا الوَجهِ أخرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ في ((الأوسَطِ)) ، وَهُوَ غَرِيبٌ . (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال : قال رسول الله عَخالٍ: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك)) . رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم ، وأخرجه): أي الحاكم (في ((علوم الحديث)) من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: نهى عن بيع وشرط . ومن هذا الوجه) : يعني : الذي أخرجه الحاكم (أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وهو غريب(١)): وقد رواه جماعة واستغربه النووي . والحديث اشتمل على أربع صور نهي عن البيع على صفتها . (١) فيه متروك، انظر ((الضعيفة)) (٤٩١). ٣٤ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٤ - حديث عمرو بن شعيب الأولى : سلف وبيع ، وصورة ذلك حيث يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ثمنها ؛ لأجل النساء ، وعنده أن ذلك لا يجوز؛ فيحتال بأن يستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه ؛ حيلة ! والثانية : شرطان في بيع ؛ اختلف في تفسيرهما ؛ فقيل : هو أن يقول : بعت هذا نقداً بكذا وبكذا نسيئة ، وقيل : هو أن يشرط البائع على المشتري ألا يبيع السلعة ولا يهبها ، وقيل : هو أن يقول : بعتك هذه السلعة بكذا؛ على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا؛ ذكره في ((الشرح)) نقلاً عن ((الغيث)). وفي ((النهاية)): لا يحل سلف وبيع ؛ هو مثل أن يقول : بعتك هذا العبد بألف على أن تسلفني ألفاً في متاع أو على أن تقرضني ألفاً؛ لأنه يقرضه ليحابيه في الثمن ، فيدخل في حد الجهالة ؛ ولأن كل قرض جر منفعة ، فهو ربا ؛ ولأن في العقد شرطاً ، ولا يصح . وقوله : ((ولا شرطان في بيع))؛ فسره في ((النهاية)) بأنه كقولك: بعتك هذا الثوب نقداً بدينار ، ونسيئة بدينارين ، وهو كالبيعتين في بيعة . والثالثة: قوله : ((ولا ربح ما لم يضمن))؛ قيل : معناه: ما لم يملك ، وذلك هو الغصب؛ فإنه غير ملك للغاصب ؛ فإذا باعه وربح في ثمنه لم يحل له الربح . وقيل معناه : ما لم يقبض ؛ لأن السلعة قبل قبضها ليست في ضمان المشتري ؛ إذا تلفت ، تلفت من مال البائع . والرابعة : قوله : ((ولا بيع ما ليس عندك))، قد فسرها حديث حكيم بن حزام عند أبي داود والنسائي أنه قال : قلت : يا رسول الله! يأتيني الرجل فيريد مني المبيع ليس عندي ، فأبتاع له من السوق؟ قال: ((لا تبع ما ليس عندك))؛ ٣٥ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٥ و٧٥٦ - حديثا عمرو بن شعيب وابن عمر فدل على أنه لا يحل بيع الشيء قبل أن يملكه . ٧٥٥ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِعَ﴿ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ ، قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بن شُعَيبٍ ... بِهِ . (وعنه رضي الله عنه): أي عمرو بن شعيب (قال: نهى رسول الله عَ زانة عن بيع العربان) : بضم العين المهملة وسكون الراء والباء الموحدة ، ويقال : أربان ، ويقال : عربون (رواه مالك ، قال: بلغني عن عمرو بن شعيب ... به) : وأخرجه أبو داود وابن ماجه ، وفيه راو لم يسم ، وسمِّي في رواية ؛ فإذا هو ضعيف ، وله طرق لا تخلو عن مقال ؛ فبيع العربان فسَّرَه مالك ، قال: هو أن يشتري الرجل العبد أو الأمة أو يكتري ، ثم يقول للذي اشترى منه أو اكترى منه: أعطيتك ديناراً أو درهماً على أني إن أخذت السلعة فهو من ثمنها ، وإلا فهو لك . واختلف الفقهاء في جواز هذا البيع ؛ فأبطله مالك والشافعي لهذا النهي ، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر، ودخوله في أكل المال بالباطل ؛ وروي عن عمر وابنه وأحمد جوازه . ٧٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : ابْتَعْتُ زَيتًا فِي السُّوق ، فَلَمَّا اسْتَوجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحاً حَسَناً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُل، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِن خَلْفِي بِذِرَاعِي ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ : لا تَبِعْه حَيْثُ ابْتَعْته، حَتى تَحُوزَهُ إلى رَحْلِكَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعِ حَيْثُ تُبْتَاعُ ، حَتى يَحُوزَهَا الُّجَّارُ إلى رِحَالِهِم . رَوَاه أحْمَد وَأَبُو دَاوُد ، وَاللفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَه ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِم . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ابتعت زيتاً في السوق ، فلما استوجبته ٣٦ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٧ - حديث ابن عمر لقيني رجل ، فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يد الرجل) : يعني : يعقد له البيع (فأخذ رجل من خلفي بذراعي ، فالتفت ، فإذا هو زيد بن ثابت ، فقال: لا تبعه حيث ابتعته، حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله عَزاله نهى أن تباع السلع حيث تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم . رواه أحمد وأبو داود ، واللفظ له ، وصححه ابن حبان والحاكم) : الحديث دليل على أنه لا يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزه إلى رحله ، والظاهر أن المراد به القبض ، لكنه عبر عنه بما ذكر لما كان غالب قبض المشتري الحيازة إلى المكان الذي يختص به ، وأما نقله من مكان إلى مكان لا يختص به ، فعند الجمهور أن ذلك قبض . وفصل الشافعي فقال : إن كان مما يتناول باليد كالدراهم والثوب ، فقبضه نقل ، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان ، فقبضه بالنقل إلى مكان آخر ، وما كان لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر ، فقبضه بالتخلية . قوله : فلما استوجبته ، في رواية أبي داود : استوفيته . وظاهر اللفظ أنه قبضه ولم يكن قد حازه إلى رحله ، ويدل له قوله : نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم . ٧٥٧ - وَعَنْه رَضِيَ اللهُ عَنْه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ . فَأَبِيعُ بِالدََّانِيرِ وأَخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِم وَأَخُذُ الدََّانِيرَ؛ آخُذُ هَذَا مَنْ هَذِه، وَأَعْطِي هَذِه مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم : ((لا بَأس أَنْ تَأخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرقَا، وَبَينَكُمَا شَيْءٌ)) . رَوَاه الخَمسَةُ ، وَصَحَّحَه الحَاكِم . ٣٧ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٧ ۔ حديث ابن عمر : (وعنه رضي الله عنه): أي ابن عمر (قال : قلت: يا رسول الله ! إني أبيع الإبل بالبقيع. فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير ؛ آخذ هذا من هذه ، وأعطي هذه من هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ، مالم تفترقا وبينكما شيء)) . رواه الخمسة ، وصححه الحاكم) : هو دليل على أنه يجوز أن يقبض عن الذهب الفضة ، وعن الفضة الذهب ؛ لأن ابن عمر كان يبيع بالدنانير فيلزم المشتري في ذمته له دنانير ، وهي الثمن ، ثم يقبض عنها الدراهم ، وبالعكس . وبوب أبو داود : باب اقتضاء الذهب عن الورق ، ولفظه : كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وأخذ الدراهم ، وأبيع بالدارهم وآخذ الدنانير، وأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ، ما لم تفترقا وبينكما شيء))، وفيه دليل على أن النقدين جميعاً غير حاضرين، والحاضر أحدهما، فبيّن ◌َ﴿ الحكم بأنهما إذا فعلا ذلك فحقه ألا يفترقا إلا وقد قبض ما هو لازم عوض ما في الذمة ، فلا يجوز أن يقبض البعض من الذهب ، ويبقى البعض في ذمة من عليه الدنانير عوضاً عنها ، ولا العكس ؛ لأن ذلك من باب الصرف ، والشرط فيه ألا يفترقا وبينهما شيء . وأما قوله في رواية أبي داود: ((بسعر يومها))، فالظاهر أنه غير شرط ، وإن كان أمراً أغلبياً في الواقع ؛ يدل على ذلك قوله : ((فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد)). ٣٨ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٨ - حديث ابن عمر ٧٥٨ - وَعَنْه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللّهِ عَلَيِهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ عَنِ النَّجْشِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وعنه): أي ابن عمر (قال: نهى رسول الله ◌َّه عن النجش): بفتح النون وسكون الجيم بعدها شين معجمة (متفق عليه) : النجش : لغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد ، وفي الشرع : الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع لا ليشتريها؛ بل ليغر بذلك غيره، وسمِّي الناجش في السلعة ناجشاً؛ لأنه يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها . قال ابن بطال : أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله ، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، فقال طائفة من أئمة الحديث : البيع فاسد ، وبه قال أهل الظاهر ، وهو المشهور في مذهب الحنابلة ، ورواية عن مالك ، إلا أن الحنابلة يقولون بفساده إن كان مواطأة من البائع أو منه ، وقالت المالكية : يثبت له الخيار - وهو قول الهادوية - قياساً على المصراة ، والبيع صحيح عندهم ، وعند الحنفية ؛ قالوا : لأن النهي عائد إلى أمر مفارق للبيع ، وهو قصد الخداع ؛ فلم يقتض الفساد ، وأما ما نقل عن ابن عبدالبر وابن العربي وابن حزم : أن التحريم إذا كانت الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل ؛ فلو أن رجلاً رأى سلعة تباع بدون قيمتها ، فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها ، لم يكن ناجشاً عاصياً؛ بل يؤجر على ذلك بنيته ؛ قالوا : لأن ذلك من النصيحة ، فهو مردود بأن النصيحة تحصل بغير إيهام أنه يريد الشراء ، وأما مع هذا فهو خداع وغرر؛ وبأنه أخرج البخاري من حديث ابن أبي أوفى في سبب نزول قوله تعالى : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاَ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية ، قال : أقام رجل سلعته بالله : لقد أعطي بها ما لم يعط ، فنزلت . قال ابن أبي أوفى : الناجش آكل رباً خائن ؛ فجعل ابن ٣٩ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٩ ۔ حديث جابر أبي أوفى من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش؛ لمشاركته لمن يزيد في السلعة ، وهو لا يريد أن يشتريها في ضرر الغير؛ فاشتركا في الحكم لذلك ، وحيث كان الناجش غير البائع ، فقد يكون آكل رباً إذا جعل له البائع جُعْلاً . ٧٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ الثُّنَيًّا، إِلا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ الْخَمسَةُ ، إلا ابْنِ مَاجَهْ ، وَصَخَّحَه التِّرْمِذِي . (وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المحاقلة) : مفاعلة ، بالحاء المهملة والقاف (والمزابنة) : بزنتها ، بالزاي بعد الألف موحدة فنون (والمخابرة) : بزنتها ، بالخاء المعجمة فألف فموحدة فراء (وعن الثنيا) : بالمثلثة مضمومة فنون مفتوحة فمثناة تحتية ، بزنة : ثريا : الاستثناء (إلا أن تعلم) : عائد إلى الأخير (رواه الخمسة ، إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي) : اشتمل الحديث على أربع صور نهى الشارع عنها : الأولى : المحاقلة ؛ وفسرها جابر راوي الحديث بأنها بيع الرجل من الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة ، وفسرها أبو عبيد بأنها بيع الطعام في سنبله ، وفسرها مالك بأن تكرى الأرض ببعض ما تنبت ، وهذه هي المخابرة ، ويبعد هذا التفسير عطفها عليها في هذه الرواية بأن الصحابي أعرف بتفسير ما روي ، وقد فسرها جابر بما عرف ؛ كما أخرجه عنه الشافعي . والثانية : المزابنة ؛ مأخوذة من الزبن ؛ بفتح الزاي وسكون الموحدة ، وهو الدفع الشديد ؛ كأن كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر عن حقه ، وفسرها ابن ٤٠