النص المفهرس
صفحات 561-580
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٠٨ - حديث عائشة
بفتح المثلثة وفتح القاف ، وهو متاع المسافر، كما في ((النهاية)) (أو قال في
الضعفة) : شك من الراوي (من جمع) : بفتح الجيم وسكون الميم، علم لمزدلفة
سميت به؛ لأن آدم وحواء لما أهبطا اجتمعا بها؛ كما في ((النهاية)) (بليل):
وقد علم أن من السنة أنه لا بد من المبيت بجمع ، وأنه لا يفيض من بات بها
إلا بعد صلاة الفجر بها ، ثم يقف في المشعر الحرام ، ولا يدفع منه إلا بعد إسفار
الفجر جداً ويدفع قبل طلوع الشمس ، وقد كانت الجاهلية لا يفيضون من
جمع، حتّى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فخالفهم ◌َ ﴿﴿؛ إلا
أن حديث ابن عباس هذا ونحوه ، دل على الرخصة للضعفة في عدم استكمال
المبيت؛ والنساء كالضعفة أيضاً؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهُمَا :
أن رسول الله ﴿ ﴿ أذن للطعن؛ بضم الظاء والعين المهملة وسكونها، جمع
ظعينة ، وهي المرأة في الهودج ، ثم أطلق على المرأة وعلى الهودج بلا امرأة ؛ كما
في ((النهاية)) .
٧٠٨ - وَعَنْ عَائِشَة رضيَ اللّه عنهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ الله
لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ ، وَكَانَتْ ثَبْطَةُ - تَعْنِي: ثَقِيلَةٌ - فَأَذِنَ لَهَا .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت سودة رسول الله عَ ليه ليلة
المزدلفة أن تدفع قبله ، وكانت ثبطة) : بفتح المثلثة وسكون الموحودة ؛ فسرها
قوله : (- تعني : ثقيلة - فأذن لها . متفق عليهما) : على حديث ابن عباس
وعائشة ، وفيه دليل على جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر ، ولكن للعذر كما
٥٦١
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٠٩ - حديث ابن عباس
أفاده قولها : وكانت ثبطة ، وجمهور العلماء أنه يجب المبيت بمزدلفة ، ويلزم من
تركه دم ، وذهب آخرون إلى أنه سنة إن تركه فاتته الفضيلة ، ولا إثم عليه ، ولا
دم . ويبيت أكثر الليل ، وقيل : ساعة من النصف الثاني ، وقيل غير ذلك ، والذي
فعله ﴿ المبيت بها إلى أن صلى الفجر، وقد قال: ((خذوا عني مناسككم)).
٧٠٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس رضيَ الله عنهُمَا قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله
:
((لا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ، حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، إِلا النَّسَائِيِّ، وَفِيْهِ
انْقِطَاعٌ .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال لنا رسول الله عَانُ: ((لا ترموا
الجمرة، حتّى تطلع الشمس)). رواه الخمسة ، إلا النسائي، وفيه انقطاع(١)) :
وذلك لأن فيه الحسن العرني ؛ بجلي كوفي ثقة احتج به مسلم ، واستشهد به
البخاري ، غير أن حديثه عن ابن عباس منقطع ؛ قال أحمد : الحسن العرني لم
يسمع من ابن عباس . وفيه دليل على أن وقت رمي جمرة العقبة من بعد طلوع
الشمس ، وإن كان الرامي ممن أبيح له التقدم إلى منى ، وأذن له في عدم المبيت
بمزدلفة .
وفي المسألة أربعة أقوال : الأول : جواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر
(١) كذا قال! وقد رواه النسائي (٥٠/٢).
ثم هو - عند الترمدي (١٦٩/٢) - من طريق موصولة، لكن فيها المسعودي ، وكان اختلط ؛
لكن تابعه جماعة من الثقات ؛ منهم الأعمش وأبو الأحوص وغيرهما ، كما ذكرته في ((إرواء
الغليل)» (رقم ١٠٧٦) .
٥٦٢
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧١٠ - حديث عائشة
والعاجز ، قاله أحمد والشافعي ، الثاني: لا يجوز إلا بعد الفجر مطلقاً ، وهو
قول أبي حنيفة ، الثالث : لا يجوز للقادر إلا بعد طلوع الفجر ، ولمن له عذر بعد
نصف الليل ، وهو قول الهادوية ، والرابع للثوري والنخعي : أنه من بعد طلوع
الشمس للقادر ، وهذا أقوى الأقوال دليلاً ، وأرجحها قيلاً.
٧١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللّه عنهَا قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيَُّ هُ بِأُمَّ سَلَمَةَ
لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمِرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثم مَضَتْ فَأَفَاضَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ،
وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل النبي ◌َ ﴿ بأم سلمة ليلة
النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت . رواه أبو داود ،
وإسناده على شرط مسلم) : الحديث دليل على جواز الرمي قبل الفجر ؛ لأن
الظاهر أنه لا يخفى عليه ◌َّةٍ ذلك فقرره ، وقد عارضه حديث ابن عباس ،
وجمع بينهما بأنه يجوز الرمي قبل الفجر لمن له عذر، وكان ابن عباس لا عذر
له . وهذا قول الهادوية فإنهم يقولون: لا يجوز الرمي للقادر إلا بعد الفجر ،
ويجوز لغيره من بعد نصف الليل ، إلا أنهم أجازوا للقادر قبل طلوع الشمس ،
وقد ذهب الشافعي إلى جواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر والعاجز ، وقال
آخرون : إنه لا رمي إلا من بعد طلوع الشمس للقادر ، وهو الذي يدل له فعله
، وقوله في حديث ابن عباس المتقدم قريباً ، وهو ، وإن كان فيه انقطاع ؛
فقد عضده فعله مع قوله : ((خذوا عني ... )) ، الحديث ، وقد تقدمت أقوال
العلماء في ذلك .
٥٦٣
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١١ - حديث عروة بن مضرس
٧١١ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّةِ: ((مَنْ شَهِدَ
صَلاتَنَا هَذِه - يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ - فَوقَفَ مَعَنَا، حتّى نَدْفَعَ، وقد وَقَفَ بِعَرَفَةَ
قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً، أو نَهَاراً، فَقَد تَمَّ حَجِهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ،
وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن عروة بن مضرس) : بضم الميم وتشديد الراء وبالضاد المعجمة والسين
المهملة ، کوفي شهد حجة الوداع ، وصَدْر حديثه أنه قال : أتيت رسول الله
بالموقف - يعني جمعاً -، فقلت : جئت يا رسول الله ، من جبل طيء ، فأكللت
مطيتي وأتعبت نفسي . والله ، ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من
حج؟، ثم ذكر الحديث (قال: قال رسول الله تَزاله: ((من شهد صلاتنا): يعني
صلاة الفجر (هذه - يعني بالمزدلفة - فوقف معنا) : أي : في مزدلفة (حتى
ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً ، أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه)).
رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وابن خزيمة): فيه دلالة على أنه لا يتم الحج
إلا بشهود صلاة الفجر بمزدلفة ، والوقوف بها ، حتّى يدفع الإمام ، وقد وقف
بعرفة قبل ذلك في لیل ، أو نهار .
ودل على إجزاء الوقوف بعرفة في نهار يوم عرفة إذا كان من بعد الزوال ، أو
في ليلة الأضحى ، وأنه إذا فعل ذلك فقد قضى تفثه ؛ وهو قضاء المناسك ،
وقيل : إذهاب الشعر . ومفهوم الشرط أن من لم يفعل ذلك لم يتم حجه ، فأما
الوقوف بعرفة فإنه مجمع عليه ، وأمّا بمزدلفة، فذهب الجمهور إلى أنه يتم الحج،
وإن فاته ، ويلزم فيه دم .
٥٦٤
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧١٢ - حديث عمر
وذهب ابن عباس وجماعة من السلّف إلى أنه ركن كعرفة ، وهذا المفهوم
دليله ؛ ويدل له رواية النسائي: ((ومن لم يدرك جمعاً، فلا حج له))، وقوله
تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨]، وفعله
، وقوله :
«خذوا عني مناسككم)) .
وأجاب الجمهور بأن المراد من حديث عروة : من فعل جميع ما ذكر، فقد تم
حجه وأتى بالكامل من الحج ، ويدل له ما أخرجه أحمد وأهل ((السنن)) وابن
حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي: أنه أتاه عَ ليه ، وهو واقف بعرفات ناس من
أهل نجد فقالوا: كيف الحج؟ فقال: ((الحج عرفة؛ من جاء قبل صلاة الفجر
من ليلة جمع، فقد تم حجه))، وفي رواية لأبي داود: ((من أدرك عرفة قبل أن
يطلع الفجر، فقد أدرك الحج))، ومن رواية الدارقطني: ((الحج عرفة، الحج
عرفة))، قالوا: فهذا صريح في المراد ، وأجابوا عن زيادة: ((ومن لم يدرك جمعاً؛
فلا حج له))، باحتمالها التأويل؛ أي : فلا حج كامل الفضيلة ، وبأنها رواية
أنكرها أبو جعفر العقيلي وألف في إنكارها جزءاً، وعن الآية أنها لا تدل إلا
على الأمر بالذكر عند المشعر ، لا على أنه ركن ، وبأنه فعله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم بياناً للواجب المستكمل الفضيلة .
٤
٧١٢ - وعَنْ عُمَرَ رضي الله عنْهُ قالَ: إنّ المشركين كانوا لا يُفيضونَ،
حتّى تطْلُعِ الشّمسُ، ويقولونَ : أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وإن النبي ◌ِ﴿ خالَفَهمْ فَأَفاض
قبلَ أَن تَطْلِعَ الشمسُ . رواهُ الْبُخَارِيُّ .
(وعن عمر رضي الله عنه قال: إن المشركين كانوا لا يفيضون) : أي : من
٥٦٥
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١٣ - حديث ابن عباس وأسامة بن زيد
مزدلفة (حتى تطلع الشمس ، ويقولون : أشرق) : بفتح الهمزة فعل أمر من
الإشراق ؛ أي : أدخل في الشروق (ثبير) : بفتح المثلثة وكسر الموحدة فمثناة
تحتية فراء ، جبل معروف على يسار الذاهب إلى منى ، وهو أعظم جبال مكة
(وإن النبي ◌َه: خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشمس . رواه البخاري):
وفي رواية بزيادة: كيما نغير. أخرجها الإسماعيلي وابن ماجه ، وهو من
الإغارة ؛ الإسراع في عدو الفرس .
وفيه أنه يشرع الدفع ؛ وهو الإفاضة قبل شروق الشمس ، وتقدم حديث
جابر : حتى أسفر جداً .
٧١٣ - وعن ابنِ عبّاسٍ وَأُسامةَ بنِ زَيّدٍ رضي الله عَنْهِمْ قالا: لمْ يزل
رسولُ الله ◌ِ ﴿ِ يُلِّي ، حتّى رمى جمرة العَقَبة. رواهُ الْبُخاريُ.
(وعن ابنِ عبّاسٍ وأُسامةَ بنِ زَيِّدٍ رضي الله عَنْهمْ قالا: لمْ يزل رسول الله
﴿ يُلِّي، حتّى رمى جمرة العَقَبة. رواهُ الْبُخاريُّ) : فيه دليل على مشروعية
الاستمرار في التلبية إلى يوم النحر ، حتّى يرمي الجمرة . وهل يقطعه عند الرمي
بأوّل حصاة ، أو مع فراغه منها؟ ذهب الجمهور إلى الأوّل ، وأحمد إلى الثاني ،
ودل له ما رواه النسائي : فلم يزل يلبي ، حتّى رمى الجمرة ، فلما رجع قطع
التلبية . وما رواه أيضاً ابن خزيمة - وقال : حديث صحيح -، من حديث ابن
عباس عن الفضل أنه قال: أفضت مع رسول الله تَ ﴿ من عرفات فلم يزل
يلبي ، حتّى رمى جمرة العقبة ، ويكبّر مع كل حصاة ، ثم قطع التلبية مع آخر
حصاة . وهو يبين المراد من قوله: حتى رمى جمرة العقبة ؛ أي : أتم رميها .
٥٦٦
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١٤ و٧١٥ - حديثا ابن مسعود وجابر
وللعلماء خلاف متى يقطع التلبية؟ وهذه الأحاديث قد بينت وقْت تَرْكِه ◌َ اللهُ لها .
٧١٤ - وعنْ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنّهُ جعل البيْتَ عَنْ
يساره ومنىِّ عنْ يمينه، ورمي الجمرة بسبع حصياتٍ وقال: هذا مَقَامُ الذي
أُنزلت عليه سورة البقرة . متفقٌ عليه .
(وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أنه جعل البيت عن يساره) :
عند رميه جمرة العقبة (ومنى عن يمينه ، ورمى الجمرة بسبع حصيات وقال :
هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة . متفق عليه) .
قام الإجماع على أن هذه الكيفية ليست بواجبة ، وإنما هي مستحبة ، وهذا
قاله ابن مسعود ردّاً على من يرميها من فوقها .
واتفقوا أن سائر الجمار ترمى من فوقها .
وخص سورة البقرة بالذكر ؛ لأن غالب أعمال الحج مذكور فيها ، أو لأنها
اشتملت على أكثر أمور الديانات والمعاملات ، وفيه جواز أن يقال سورة البقرة ؛
خلافاً لمن قال : يكره ، ولا دليل له .
الجمرةَ يَوْمَ
٧١٥ - وعن جابر رضي الله عنه قالَ: رمى رسولُ الله عَل
النّحْرِ ضُحى ، وأمّا بعد ذلك فإذا زالتِ الشمسُ . روَاهُ مُسلمٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه قالَ: رمى رسولُ الله ◌َ ﴿ِ الجمرةَ يَوْمَ النّحْر
ضُحى ، وأمّا بعد ذلك فإذا زالت الشمسُ . روَاهُ مُسلمٌ): تقدم الكلام على
وقت رمي جمرة العقبة .
٥٦٧
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧١٦ - حديث ابن عمر
والحديث دليل على أن وقت رمي الثلاث الجمار من بعد زوال الشمس ،
وهو قول جماهير العلماء .
٧١٦ - وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهُما: أَنّهُ كان يرمي الجمرةَ الدُّنْيا بسبع
حصياتٍ يُكبِّرُ على إثر كلِّ حَصَاةٍ ، ثم يتقدَّمُ ، ثم يُسْهل فيقوم فيستقبل القِبْلة،
ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً ، ثم يرْمي الوسطى ، ثم يأخُذُ ذات الشمال
فيُسهلُ ويقوم مُستقبلَ القِبْلة ، ثم يدعو ويرفع يديه ، ويقوم طويلاً ، ثم يرمي
جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ، ولا يقفُ عنْدها ، ثم ينْصرفُ فيقولُ :
هكذا رأيتُ رسول الله صلَّى اللهُ تعالَى عليه وآله وسلَّم يَفْعِلُهُ . رواه البخاريُّ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا : أنه كان يرمي الجمرة الدنيا) : بضم
الدال وبكسرها ؛ أي : الدانية إلى مسجد الخيف ، وهي أوّل الجمرات التي ترمى
ثاني النحر (بسبع حصيات يكبّر على إثر كل حصاة ، ثم يتقدم ، ثم يسهل) :
بضم حرف المضارعة وسكون المهملة ؛ أي : يقصد السهل من الأرض (فيقوم
ءُ
فيستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً ، ثم يرمي الوسطى ، ثم
يأخذ ذات الشمال) : أي : يمشي إلى جهة شماله ؛ ليقف داعياً في مقام لا
يصيبه الرمي (فيسهل ويقوم مستقبل القبلة ، ثم يدعو ويرفع يديه ، ويقوم
طويلاً ، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ، ولا يقف عندها ، ثم
ينصرف فيقول : هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
يفعله . رواه البخاري) .
فيه ما قد دلت عليه الأدلة الماضية : من الرمي بسبع حصيات لكل جمرة ،
٥٦٨
٦ - كتاب الحج
٥- باب صفة الحج ودخول مكة
٧١٧ - حديث ابن عمر
والتكبير عند كل حصاة ، وفيه زيادة أنه يستقبل القبلة بعد الرمي للجمرتين ، ويقوم
طويلاً يدعو الله تعالى ، وقد فسر مقدار القيام ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح : أن ابن عمر كان يقوم عند الجمرتين بمقدار ما يقرأ سورة البقرة . وأنه يرفع
يديه عند الدعاء . قال ابن قدامة : ولا نعلم في ذلك خلافاً، إلا ما يروى عن
مالك أنه لا يرفع يديه عند الدعاء ، وحديث ابن عمر دليل لخلاف ما قال مالك .
٧١٧ - وعنْهُ رضيَ الله عنهُمَا أنّ رسول اللهعَ ◌ّهِ قال: «اللَّهُمَّ ارْحم
الْحلِّقين)»، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال في الثالثة: ((والمقصِّرين)).
مُتّفقٌ عَلَيه .
قال: ((اللَّهُمَّ
(وعنه) : أي : ابن عمر (رضي الله عنهما : أن رسول الله
ارحم المحلقين))) : أي: الذين حلقوا رؤوسهم في حج ، أو عمرة عند الإحلال منها
(قالوا): يعني السامعين من الصحابة ، قال المصنف في ((الفتح)): إنه لم يقف في
شيء من الطرق على الذي تولى السؤال بعد البحث الشديد عنه (والمقصرين) :
هو من عطف التلقين كما في قوله تعالى: ﴿قال ومن كفر﴾ [البقرة: ١٢٦] على أحد
الوجهين في الآية ؛ كأنه قيل : وارحم المقصرين (يا رسول الله؟ قال في الثالثة :
((والمقصرين)). متفق عليه) : وظاهره أنه دعا للمحلقين مرتين وعطف المقصرين في
الثالثة ، وفي روايات أنه دعا للمحلقين ثلاثاً ، ثم عطف المقصرين .
ثم إنه اختلف في هذا الدعاء متى كان منه صلى الله عليه وآله وسلم
فقيل : في عمرة الحديبية ؛ وجزم به إمام الحرمين ، وقيل : في حجة الوداع ؛
وقواه النووي ، وقال : هو الصحيح المشهور، وقال القاضي عياض : كان في
٥٦٩
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١٨ - حديث عبدالله بن عمرو
الموضعين ، قال النووي : ولا يبعد ذلك، وبمثله قال ابن دقيق العيد، قال
المصنف : وهذا هو المتعين لتضافر الروايات بذلك .
والحديث دليل على شرعية الحلق والتقصير ، وأن الحلق أفضل ، هذا ويجب
في حلق الرأس استكمال حلقه عند الهادوية ومالك وأحمد ، وقيل : هو
الأفضل ، ويجزئ الأقل ؛ فقيل : الربع ، وقيل : النصف ، وقيل : أقل ما يجب
حلق ثلاث شعرات ، وقيل : شعرة واحدة . والخلاف في التقصير في التفضيل
مثل هذا . وأمّا مقداره ، فيكون مقدار أنملة ، وقيل : إذا اقتصر على دونها أجزأ ،
وهذا كله في حق الرجال ، ثم هو - أي : تفضيل الحلق على التقصير - أيضاً في
حق الحاج والمعتمر ، وأمّا المتمتع ، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم خيره بين الحلق
والتقصير كما في رواية البخاري بلفظ: ((ثم يحلقوا ، أو يقصروا)).
وظاهر الحديث استواء الأمرين في حق المتمتع ، وفصل المصنف في ((الفتح))
فقال : إن كان بحيث يطلع شعره فالأولى له الحلق ، وإلا فالتقصير ؛ ليقع الحلق
في الحج ، وبين وجه التفصيل في ((الفتح)).
وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير إجماعاً ، وأخرج أبو داود من حديث
ابن عباس: ((ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير)). وأخرج
الترمذي من حديث عليّ عليهِ السَّلام: نهى أن تحلق المرأة رأسها . وهل يجزئ
لو حلقت؟ قال بعض الشافعية : يجزئ ويكره لها ذلك .
٧١٨ - وعنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ الله عنهُ: أَن رسول الله
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع ، فجعلوا يسْأَلونَهُ؛
٥٧٠
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١٨ - حديث عبد الله بن عمرو
فقال رجُلٌ : لمْ أَشْعرْ فحلقْت قبلَ أَنْ أَذْبح؟ قالَ : ((اذبحْ، ولا حرج))، وجاء
آخرُ فقالَ: لَمْ أَشْعَرْ فَتَحَرْتُ قبلَ أَن أَرْمي؟ قال: ((ارْم، ولا حَرَجَ»، فما سُئِلَ
يومئذٍ عِنْ شيءٍ قُدَّمَ ، ولا أُخِّرٍ ، إلا قالَ: ((افْعل ، ولا حرج)) . مُتّفقٌ عليه .
(وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ الله عنهُ: أن رسول الله صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع) : أي : يوم النحر بعد الزوال ، وهو
على راحلته يخطب عند الجمرة (فجعلوا يسألونه ؛ فقال رجل :) : قال المصنف :
لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد (لم أشعر) : أي : لم أفطن ، ولم أعلم
(فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: ((اذبح): أي : الهدي ، والذبح ما يكون في الحلق
(ولا حرج))): أي: لا إثم (وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت) : النحر ما يكون
في اللبة (قبل أن أرمي؟): جمرة العقبة (قال: ((ارْم، ولا حرج))، فما سئل
يومئذ عن شيء قدّم ، ولا أخر إلا قال: ((افعل، ولا حرج)). متفق عليه) .
اعلم أن الوظائف على الحاج يوم النحر أربع : الرمي لجمرة العقبة ، ثم نحر
الهدي ، أو ذبحه ، ثم الحلق أو التقصير ، ثم طواف الإفاضة ، هذا هو الترتيب
المشروع فيها، وهكذا فعل ◌ٍَّ في حجته، ففي ((الصحيحين)) أنه صلى الله
تعالی علیه وآله وسلم أتی منی فأتى الجمرة فرماها ، ثم أتی منزله بمنی فنحر ،
وقال للحالق: ((خذه))، ولا نزاع في هذا للحاج مطلقاً ، ونازع بعض الفقهاء في
القارن فقال : لا يحلق ، حتّى يطوف .
والحديث دليل على أنه يجوز تقديم بعض هذه الأشياء وتأخيرها ، وأنه لا
ضيق ، ولا إثم على من قدم ، أو أخر ، فاختلف العلماء في ذلك .
٥٧١
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١٨ - حديث عبدالله بن عمرو
فذهب الشافعي وجمهور السلف وفقهاء أصحاب الحديث والعلماء إلى
الجواز، وأنه لا يجب الدم على من فعل ذلك ؛ لقوله للسائل: ((ولا حرج))؛ فإنه
ظاهر في نفي الإثم والفدية معاً؛ لأن اسم الضيق يشملهما . قال الطبري : لم
يسقط النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل ؛ إذْ لولم
يجزئه لأمره بالإعادة ؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المكلف الحكم الذي
يلزمه في الحج ، كما لو ترك الرمي ونحوه؛ فإنه لا يأثم بتركه ناسياً ، أو جاهلاً،
لكن يجب عليه الإعادة ، وأمّا الفدية فالأظهر سقوطها عن الناسي والجاهل ،
وعدم سقوطها عن العالم .
قال ابن دقيق العيد : القول بسقوط الدم عن الجاهل والناسي ، دون العامد ،
قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم في الحج بقوله: ((خذوا عني مناسككم))، وهذه السؤالات المرخصة
بالتقديم لما وقع السؤال عنه ، إنما قرنت بقول السائل : لم أشعر، فيختص الحكم
بهذه الحالة ويحمل قوله : ((لا حرج)). على نفي الإثم والدم معاً في الناسي
والجاهل ، ويبقى العامد على أصل وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم في الحج ، والقائل بالتفرقة بين العامد وغيره ، قد مشى أيضاً على القاعدة
في أن الحكم إذا رتب على وصف يمكن بأن يكون معتبراً ، لم يجز اطراحه ، ولا
شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة ، والحكم علق به ؛
فلا يمكن اطراحه بإلحاق العامد به ؛ إذْ لا يساويه .
قال: وأمّا التمسك بقول الراوي: فما سئل عن شيء ... إلى آخره ؛
٥٧٢
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧١٩ - حديث المسور بن مخرمة
الإشعاره بأن الترتيب مطلقاً غير مراعى ، فجوابه أن هذه الأخبار من الراوي
تتعلق بما وقع السؤال عنه ، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل ، والمطلق لا يدل
على أحد الخاصين بعينه ؛ فلا تبقى حجة في حال العمد .
٧١٩ - وعن المسور بن مخْرَمَة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّم نَحَرَ قبْلِ أنْ يحْلق وأَمَرَ أصحابَه بذلك . رواه البخاري .
(وعن المِسْوَر) : بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو فراء (ابن مَخْرَمَة
رضي الله عنه) : بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ، زهري قرشي ،
مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ابن ثماني سنين ، وسمع منه وحفظ
عنه ، انتقل من المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة ، ولم يزل بها إلى أن حاصرها
عسكر يزيد ؛ فقتله حجر من حجارة المنجنيق ، وهو يصلي ، في أول سنة أربع
وستين ، وكان من أهل الفضل والدين (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك . رواه البخاري) .
فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق ، وتقدّم قريباً أن المشروع تقديم الحلق
قبل الذبح! فقيل: حديث المسور هذا إنما هو إخبار عن فعله { 18 في عمرة
الحديبية ، حيث أحصر فتحلل ﴾ بالذبح ، وقد بوّب علیه البخاري : باب
النحر قبل الحلق في الحصر . وأشار البخاري إلى أن هذا الترتيب يختص بالمحصر
على جهة الوجوب ؛ فإنه أخرجه بمعناه هذا ، وقد أخرجه بطوله في كتاب
الشروط ، وفيه أنه قال لأصحابه: ((قوموا فانحروا، ثم احلقوا))، وفيه قول أم
سلمة له صلى الله عليه وآله وسلم : اخرج ، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة ،
٥٧٣
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٢٠ و٧٢١ - حديثا عائشة وابن عباس
حتّى تنحر بدنك ؛ فخرج فنحر بدنه ، ثم دعا حالقه فحلقه ... الحديث ، وكان
الأحسن تأخير المصنف له إلى باب الإحصار .
٧٢٠ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّم: ((إذا رمَيْتُم وحلقتم ، فقد حَلَّ لكُمْ الطّيب وكلُّ شيءٍ إلا النساء)).
رواهُ أَحمد وأبو داود ، وفي إسناده ضَعْفٌ ..
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((إذا رمَيْتُم وحلقتم، فقد حَلَّ لكُم الطّيب وكلُّ شيءٍ إلا النساءَ)).
رواهُ أَحمد وأبو داود ، وفي إسناده ضَعْفٌ) : لأنه من رواية الحجاج بن أرطاة ،
وله طرق أخر مدارها عليه(١) .
وهو يدل على أنه بمجموع الأمرين - رمي جمرة العقبة ، والحلق - يحل كل
محرم على المحرم إلا النساء ؛ فلا يحل وطؤهن إلا بعد طواف الإفاضة ؛ والظاهر
أنه مجمع على حل الطيب وغيره ، إلا الوطء بعد الرمي ، وإن لم يحلق .
٧٢١ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: عن النّبيِ نَ ◌ّ هِ قالَ: ((ليس على
النّساءِ حَلقٌ وإنما يُقصِّرْن)). رواهُ أبو داود بإسْنَادٍ حَسَنٍ.
(١) وقد عنعنه في جميع الطرق عنه .
وقد اختلفوا عليه في متنه؛ فبعضهم قال: ((إذا رميتم وحلقتم))، فجمع بين الأمرين .
وبعضهم زاد: ((وذبحتم)» . وبعضهم اقتصر على الرمي فقط .
وهذا هو الأرجح ؛ لأن له شاهداً من حديث ابن عباس بهذا اللفظ ؛ وهو وإن كان منقطعاً
بينه وبين الحسن العرني؛ فإن له شاهداً من حديث عائشة: أنها طيبت رسول الله حضارةٍ حين
أحلَّ حين رمى جمرة العقبة . رواه أحمد (٢٤٤/٦) بسند صحيح؛ ولذا أوردت حديث ابن
عباس في ((الأحاديث الصحيحة)).
٥٧٤
٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٢٢ و٧٢٣ - حديثاً ابن عمر وعاصم بن عدي
(وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبي ◌َّ ◌ُ قالَ: ((ليس على
النّساءِ حَلقٌ وإنما يُقصِّرْن)). رواهُ أبو داود بإسْنَاد حَسَن): تقدم ذكر هذا الحكم
في ((الشرح)) ، وأنه ليس في حقهن ؛ فإن حلقن أجزأ .
٧٢٢ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ العباس بن عبد المطلب رضي
الله عنه استأذَنَ رسولَ الله ◌َ ﴿ أَنْ يبيتَ بمكّة ليالي منى من أجل سقايته ،
سے
فأذنَ لهُ . مُتّفقٌ عليه .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا : أن العباس بن عبد المطلب رضي الله
عنه استأذن رسول الله يريد أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته) : وهي
ماء زمزم فإنهم كانوا يغترفونه بالليل ، ويجعلونه في الحياض سبيلاً (فأذن له .
متفق عليه) .
فيه دليل على أنه يجب المبيت بمنى ليلة ثاني النحر ، وثالثه ، إلا لمن له
عذر ، وهذا یروی عن أحمد .
والحنفية قالت : إنه سنة ، قيل : إنه يختص هذا الحكم بالعباس دون غيره ،
وقيل : بل وبمن يحتاج إليه في سقايته ، وهو الأظهر ؛ لأنه لا يتم له وحده إعداد
الماء للشاربين ، وهل يختص بالماء، أو يلحق به ما في معناه من الأكل وغيره
وكذا حفظ ماله وعلاج مريضه ، وهذا الإلحاق رأي الشافعي ، ويدل للإلحاق
الحدیث ، وهو قوله :
٧٢٣ - وعنْ عاصم بن عدي رضي الله عنه: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله
وسلّم رخص لرعاءِ الإبل في الْبَيْتوتَةِ عَنْ منِى ، يَرْمونَ يَومَ النحر ، ثم يَرْمونَ
٥٧٥
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٢٤ - حديث أبي بكرة
الغدَ ومن بعد الغد ليومَيْن، ثم يرمونَ يوْم النّفر . رواهُ الخمسة، وصححهُ
الترمذي وابنُ حبَّان .
(وعن عاصم بن عدي رضي الله عنه): هو أبو عبد الله ، أو عمر ، أو عمرو،
حليف بني عبيد بن زيد من بني عمرو بن عوف من الأنصار ، شهد بدراً والمشاهد
بعدها ، وقيل: لم يشهد بدراً، وإنما أخرج إليها معه ◌َّ هه فردّه إلى أهل مسجد
الضرار لشيء بلغه عنهم ، وضرب له سهمه وأجره فكان كمن شهدها ، مات
سنة خمس وأربعين ، وقيل : استشهد يوم اليمامة ، وقد بلغ مائة وعشرين سنة
(أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن
منى ، يرمون يوم النحر) : جمرة العقبة ، ثم ينفرون ، ولا يبيتون بمنى (ثم يرمون
الغد ومن بعد الغد ليومين) : أي : يرمون اليوم الثالث لذلك اليوم ، واليوم الذي
فاتهم الرمي فيه ، وهو اليوم الثاني (ثم يرمون يوم النفر) : أي : اليوم الرابع إن لم
يتعجلوا (رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان): فإن فيه دليلاً على أنه
يجوز لأهل الأعذار عدم المبيت بمنى ، وأنه غير خاص بالعباس ، ولا بسقايته ،
وأنه لو أحدث أحد سقاية جازله ما جاز لأهل سقاية زمزم .
٧٢٤ - وعن أَبِي بَكْرَة رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا رسول الله ◌َاهِ يوْم
النّحر ، الحديث . متّفقٌ عليه .
(وعن أَبي بَكْرَة رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا رسول الله عَ زُهِ يوْم النّحر،
الحديث . متّفقٌ عليه): فيه شرعية الخطبة يوم النحر ، وليست خطبة العيد؛
فإنه ي لم يصل العيد في حجته ، ولا خطب خطبته .
٥٧٦
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٢٤ - حديث أبي بكرة
واعلم أن الخطب المشروعات في الحج ثلاث عند المالكية والحنفية : الأولى :
سابع ذي الحجة ، والثانية : يوم عرفة ، والثالثة : ثاني النحر ، وزاد الشافعي رابعة
في يوم النحر ، وجعل الثالثة في ثالث النحر لا في ثانية ، قال : لأنه أول النفر.
وقالت المالكية والحنفية : إن خطبة يوم النحر لا تعد خطبة ، إنما هي وصايا
عامة ، لا أنها مشروعة في الحج .
ورد عليهم بأن الصحابة سموها خطبة ، وبأنها اشتملت على مقاصد الخطبة ؛
كما أفاده لفظها، وهو قوله: ((تدرون أي يوم هذا؟)) قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت،
حتّى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، فقال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال :
((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم ، فسكت ، حتّى ظننا أنه سيسميه بغير
اسمه، فقال: ((أليس ذي الحجة؟))، قلنا: بلى، قال: ((أي: بلد هذا؟)) قلنا: الله
ورسوله أعلم، فسكت ، حتّى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، فقال: ((أليست البلدة
الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم
هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟))
قالوا : نعم، قال: ((اللّهمَّ اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب ؛ فرب مبلغ أوعى من
سامع؛ فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)). أخرجه البخاري .
فاشتمل الحديث على تعظيم البلد الحرام ، ويوم النحر ، وشهر ذي الحجة ،
والنهي عن الدماء والأموال ، والنهي عن رجوعهم كفاراً، وعن قتالهم بعضهم
بعضاً، والأمر بالإبلاغ عنه ؛ وهذه من مقاصد الخطب ، ويدل على شرعية
خطبة ثاني يوم النحر .
٥٧٧
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٢٥ و٧٢٦ - حديثا سراء بنت نبهان وعائشة
٦ - كتاب الحج
٧٢٥ - وعن سَرَّاءَ بنت نبهان رضيَ الله عنها قالت: خَطَبَنَا رَسُول الله
يوْمَ الرُّؤوس، فقال: ((أليس هذا أَوْسط أيام التّشريق؟)) ، الحديث . رواه أبو
داود بإسناد حسن .
(وعن سَرّاء) : بفتح المهملة وتشديد الراء ممدودة (بنت نَّبْهان رضي الله
عنها): بفتح النون وسكون الموحدة (قالت: خطبنا رسول الله عَ ليه يوم الرؤوس،
فقال: ((أليس هذا أوسط أيام التشريق؟))، الحديث . رواه أبو داود بإسناد
حسن) : وهذه هي الخطبة الرابعة ، ويوم الرؤوس ثاني يوم النحر بالاتفاق .
وقوله: ((أوسط أيام التشريق)) يحتمل أفضلها ، ويحتمل الأوسط بين الطرفين .
وفيه دليل على أن يوم النحر منها ، ولفظ حديث السراء : قالت : سمعت
◌ُ يقول: ((أتدرون أي يوم هذا؟)) - قالت : وهو اليوم الذي يدعونه
رسول الله عَ
يوم الرؤوس - قالوا : الله ورسوله أعلم. قال: ((هذا أوسط أيام التشريق)) ، قال :
((أتدرون أي بلد هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((هذا المشعر الحرام))،
قال: ((إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وإن دمائكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة بلد كم هذا ، حتّى تلقون ربكم
فيسألكم عن أعمالكم ، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت))، فلما قدمنا
المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتّى مات .
٧٢٦ - وعن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلّم
قالَ لهَا: «طوافُك بالبيت وسعيك بين الصّفا والمروة، يكفيك لحجِّك وعمرتك)).
رواهُ مسلمٌ .
٥٧٨
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٢٦ - حديث عائشة
(وعن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قالَ
لهَا: ((طوافُك بالبيت وسعيك بين الصّفا والمروة، يكفيك لحجِّك وعمرتك)).
رواهُ مسلمٌ) : فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحج
والعمرة ، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والشافعي وغيره .
وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا بد من طوافين وسعيين ؛ فالأحاديث
متواردة على معنى حديث عائشة عن ابن عمر وجابر وغيرهما .
واستدل من قال بالطوافين بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:
١٩٦]، ولا دليل في ذلك؛ فإن التمام حاصل ، وإن لم يطف إلا طوافاً واحداً،
وقد اكتفى ﴿ بطواف وسعي واحد ، وكان قارناً كما هو الحق ؛ واستدلوا أيضاً
بحديث رواه زياد بن مالك ؛ قال في («الميزان»: زياد بن مالك عن ابن مسعود
ليس بحجة ، وقال البخاري : لا يعرف له سماع من عبد الله ، وعنه روي حديث :
((القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين)).
واعلم أنّ عائشة كانت قد أهلَّت بعمرة ، ولكنها حاضت ، فقال لها رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ارفضي عمرتك))، قال النووي : معنى رفضها
إياها : رفض العمل فيها ، وإتمام أعمالها التي هي الطواف والسعي ، وتقصير شعر
الرأس؛ فأمرها ◌َّهُ بالإعراض عن أفعال العمرة ، وأن تحرم بالحج ، فتصير قارنة
وتقف بعرفات ، وتفعل المناسك كلها ، إلا الطواف فتؤخره ، حتّى تطهر .
ومن أدلة أنها صارت قارنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم لها: ((طوافك
بالبيت)) ، الحديث ؛ فإنه صريح أنها كانت متلبسة بحج وعمرة ، ويتعين تأويل
٥٧٩
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٢٧ و٧٢٨ - حديثا ابن عباس وأنس
قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((ارفضي عمرتك))، بما ذكره
النووي ؛ فليس معنى : ارفضي العمرة الخروج منها وإبطالها بالكلية ؛ فإن الحج
والعمرة لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بهما بنية الخروج، وإنما يصح
بالتحلل منهما بعد فراغهما .
٧٢٧ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النّبي ◌َ﴿ِ لمْ يرْمُل في
السبع الذي أَفاض فيه . رواه الخمسة، إلا الترمذيَّ، وصحّحهُ الحاكِمُ.
(وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النّبي ◌َّهِ لمْ يُرْمُل في السبع
الذي أفاض فيه . رواه الخمسة ، إلا الترمذيَّ، وصحّحهُ الحاکِمُ) : فيه دليل
أنه لا يشرع الرمل الذي سلفت مشروعيته في طواف القدوم ، في طواف الزيارة ،
وعلیه الجمهور .
٧٢٨ - وعن أنس رضي الله عنه: أنَّ النّبِي ◌َّهِ صلى الظُّهرِ والْعصرَ
والمغرب والعشاءَ ، ثم رقَدَ رْدَة بالمحَصَّب ، ثم ركب إلى البيت فطاف به .
رواهُ البخاريُّ .
(وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي ◌َ ◌ّ صلى الظهر والعصر والمغرب
والعشاء ، ثم رقد رقدة بالمحصب): بالمهملتين فموحدة ، بزنة : مكرم؛ اسم
مفعول : الشِّعب الذي مخرجه إلى الأبطح ، وهو خيف بني كنانة (ثم ركب
إلى البيت فطاف به) : أي : طواف الوداع (رواه البخاري) : وكان ذلك يوم
النفر الآخر، وهو ثالث أيام التشريق؛ فإنه مخل رمى الجمار يوم النفر بعد الظهر
وأخر صلاة الظهر ، حتّى وصل المحصب ، ثم صلى الصلوات فيه كما ذكر .
٥٨٠