النص المفهرس
صفحات 481-500
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٥٥ و٦٥٦ - حديثا عائشة
وقوله: أيقظ أهله؛ أي: للصلاة والعبادة، وإنما خص بذلك ◌َ ﴿ آخر رمضان؛
لقرب خروج وقت العبادة ، فيجتهد فيه ؛ لأنه خاتمة العمل ، والأعمال بخواتيمها .
٦٥٥ - وعنها: أنَّ النّبيَّ صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم كان يعتكفُ العشر
الأواخر من رمضان ، حتّى توفاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، ثم اعتكف أَزْواجُهُ من بَعْده .
متفقٌ عليه .
(وعنها): أي : عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، حتّى توفاه الله عز وجل ، ثم اعتكف
أزواجه من بعده . متفق عليه) .
فيه دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله ◌َّ له، وأزواجه من
بعده .
قال أبو داود عن أحمد : لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أن الاعتكاف
مسنون . وأمّا المقصود منه ، فهو جمع القلب على الله تعالى ؛ بالخلوة مع خلوّ
المعدة والإقبال عليه تعالى ، والتنعم بذكره ، والإعراض عما عداه .
٦٥٦ - وعنها قالتْ: كان النّبيُّ ◌َ﴿﴿ إذا أَراد أَنْ يَعْتَكِفَ صلى الْفجْر، ثم
دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ . مُتّفقٌ عَلَيه .
(وعنها): أي: عائشة رضي الله عنها (قالت: كان النبي ◌َ﴾ُ إذا أراد أن
يعتكف صلى الفجر ، ثم دخل معتكفه . متفق عليه) .
فيه دليل على أن أوّل وقت الاعتكاف بعد صلاة الفجر ، وهو ظاهر في
٤٨١
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٥٧ - حديث عائشة
ذلك ؛ وقد خالف فيه من قال : إنه يدخل المسجد قبل طلوع الفجر إذا كان
معتكفاً نهاراً، وقبل غروب الشمس إذا كان معتكفاً ليلاً ، وأَوّل الحديثَ بأنه
كان يطلع الفجر، وهو له في المسجد ، ومن بعد صلاته الفجر يخلو بنفسه في
المحل الذي أعده لاعتكافه، قلت: ولا يخفى بُعده فإنها كانت عادته ◌َرلهم أنه لا
يخرج من منزله ، إلا عند الإقامة .
٦٥٧ - وعنها قالتْ: إنْ كان رسولُ الله ◌َُّهِ، لَيُدْخِلُ عليَّ رأسَهُ، وهو في
المسجد ، فأُرَجِّلُهُ ، وكان لا يدخل البيتَ إلا لحاجة، إذا كان مُعْتكفاً. متفقٌ
عليه ، واللفظ للبخاريِّ .
(وعنها): أي: عائشة رضي الله عنها (قالتْ: إنْ كان رسولُ الله ◌ِظُنِ،
لَيُدْخِلُ عليَّ رأسَهُ ، وهو في المسجد، فأَرَجِّلهُ ، وكان لا يدخل الْبيتَ إلا
لحاجة ، إذا كان مُعْتكفاً . متفقٌ عليه، واللفظ للبخاريِّ) .
في الحديث دليل على أنه لا يخرج المعتكف من المسجد بكل بدنه ، وأن
خروج بعض بدنه لا يضر .
وفيه : أنه يشرع للمعتكف النظافة والغسل والحلق والتزين .
وعلى أن العمل اليسير من الأفعال الخاصة بالإنسان ؛ يجوز فعلها ، وهو في
المسجد .
وعلى جواز استخدام الرجل لزوجته .
وقولها : إلا لحاجة ، يدل على أنه لا يخرج المعتكف من المسجد ، إلا للأمر
٤٨٢
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٥٨ - حديث عائشة
الضروري ، والحاجة فسرها الزهري بالبول والغائط ، وقد اتفق على استثنائهما ،
واختلف في غيرهما من الحاجات ، كالأكل والشرب ، وألحق بالبول والغائط ،
جواز الخروج للفصد والحجامة ونحوهما .
٦٥٨ - وعنْها قالت: السُّنّةُ على المعتكف ألا يعودَ مريضاً، ولا يشْهدَ
جنازةً ، ولا يمسَّ امرأةً ، ولا يباشرها ، ولا يخْرُجَ لحاجَةٍ إلا لما لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ؛
ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مَسْجدٍ جامع. رواهُ أَبو داودَ ،
ولا بأس برجاله ، إلا أنَّ الرَّاجحَ وقفُ آخرِهِ .
(وعنها) : أي : عائشة رضي الله عنها (قالت : السنة على المعتكف ألا
يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج
لحاجة ، إلا لما لا بد له منه): مما سلف ونحوه (ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا
اعتكاف إلا في مسجد جامع . رواه أبو داود ، ولا بأس برجاله ، إلا أن
الراجح وقف آخره) : من قولها : ولا اعتكاف إلا بصوم ، وقال المصنف : جزم
الدارقطني أن القدر الذي من حديث عائشة قولها : لا يخرج لحاجة ، وما عداه
من دونها . انتهى؛ من ((فتح الباري))، وهنا قال: إن آخره موقوف .
وفيه دلالة على أنه لا يخرج المعتكف لشيء مما عينته هذه الرواية ، وأنه
أيضاً لا يخرج لشهود الجمعة ، وأنه إن فعل أي ذلك بطل اعتكافه . وفي المسألة
خلاف كبير ، ولكن الدليل قائم على ما ذكرناه .
وأما اشتراط الصوم ففيه خلاف أيضاً ، وهذا الحديث الموقوف دال على
اشتراطه ، وفيه أحاديث ؛ منها في نفي شرطيته ، ومنها في إثباته ؛ والكل لا
٤٨٣
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٥٩ ۔ حديث ابن عباس
، ولم يعتكف إلا صائماً؛
ینهض حجة ، إلا أن الاعتكاف عُرفَ من فعله
واعتكافه في العشر الأول من شوال الظاهر أنه صامها ، ولم يعتكف إلا من ثاني
شوال ؛ لأن يوم العيد يوم شغله بالصلاة والخطبة والخروج إلى الجبانة ، إلا أنه لا
يقوم بمجرد الفعل حجة على الشرطية .
وأما اشتراط المسجد فالأكثر على شرطيته ، إلا عن بعض العلماء؛ والمراد
من كونه جامعاً أن تقام فيه الصلوات ، وإلى هذا ذهب أحمد وأبو حنيفة .
وقال الجمهور : يجوز في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة ، فاستحب له
الشافعي الجامع، وفيه مثل ما في الصوم من أنه تَّيومٍ لم يعتكف إلا في
مسجده ، وهو مسجد جامع ، ومن الأحاديث الدالة عل عدم شرطية الصيام ،
قوله :
قال: «لیس علی
٦٥٩ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أنّ النبي
المعتكف صيامٌ إلا أن يجعلَهُ على نفسه)). رواه الدارقطنيُّ والحاكم، والراجح
وقفه أيضاً .
(وعن ابن عبّاس رضيَ اللّه عنهُمَا: أنّ النبي ◌َُّ﴾ قال: ((ليس على
المعتكف صيامٌ إلا أن يجعلَهُ على نفسه)). رواه الدارقطنيُّ والحاكم، والراجح
وقفه أيضاً): على ابن عباس ، قال البيهقي : الصحيح أنه موقوف ورفعه وهم .
قلت : وللاجتهاد في هذا مسرح؛ فلا يقوم دليلاً على عدم الشرطية ، وأمّا قوله :
((إلا أن يجعله على نفسه))، فالمراد أن ينذر الصوم .
٤٨٤
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٦٠ - حديث ابن عمر
٦٦٠ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ رجالاً من أصحاب النّبي
أُرُوا ليلة القدرِ في المنام في السّبع الأواخر، فقال رسول اللّه ◌َلان : :
(أُرَى رُؤْياكُمْ قَدْ تواطأَتْ في السبّعِ الأواخِرِ ، فَمَنْ كانَ مُتَحَرِِّها فَلْيَتَحَرَّهَا في
السّبْعِ الأواخرِ)) . مُتّفقٌ عليه .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا أن رجالاً من أصحاب النبي ◌َّة):
قال المصنف : لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء، وقوله : (أَرُوا) : بضم
الهمزة على البناء للمجهول (ليلة القدر في المنام) : أي : قيل لهم في المنام :
هي في السبع الأوَاخر (فقال رسول الله عَ اءِ: ((أرى): بضم الهمزة ؛ أي :
أظن (رؤياكم قدْ تواطأت): أي : توافقت لفظاً ومعنى (في السبع الأواخر
فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر))، متفق عليه): وأخرج مسلم
من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((التمسوها في العشر الأواخر؛ فإن ضعف
أحدكم، أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي))، وأخرج أحمد : رأى
رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، أو كذا، فقال النبي ◌َ ةٍ: ((التمسوها
في العشر البواقي؛ في الوتر منها)) ، وروى أحمد من حديث عليّ مرفوعاً:
((إن غلبتم فلا تغلبوا على السبع البواقي))، وجمع بين الروايات بأن العشر
للاحتياط منها ، وكذلك السبع والتسع ؛ لأن ذلك هو المظنة ، وهو أقصى ما
يظنّ فيه الإدراك .
وفي الحديث دليل على عظم شأن الرؤيا ، وجواز الاستناد إليها في الأمور
الوجودية ، بشرط ألا تخالف القواعد الشرعية .
٤٨٥
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٦١ و٦٦٢ - حديثا معاوية وعائشة
قالَ في
٦٦١ - وَعَنْ مُعاوية بن أبي سُفيان رضيَ الله عنهُ عن النّبي
ليلةِ القَدْر: (لَيْلةُ سبْعٍ وعشرين)). رَوَاهُ أَبو داود والرَّاجحُ وَقْفُهُ، وقد اختلف
في تعيينها على أَرْبعينَ قَوْلاً؛ أَوْرَدْتُها في ((فتح الباري)) .
(وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي ◌َ ﴿ قال في ليلة
القدر: ((لَيْلة سبع وعشرين)). رواه أبو داود): مرفوعاً (والراجح وقفه): على
معاوية ، وله حكم الرفع (وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولاً ، أوردتها
في ((فتح الباري))): ولا حاجة إلى سردها ، لأن منها ما ليس في تعيينها؛
كالقول بأنها رفعت ، والقول بإنكارها من أصلها ؛ فإن هذه عدّها المصنف من
الأربعين ، وفيها أقوال أخر لا دليل عليها .
وأظهر الأقوال أنها في السبع الأواخر ، وقال المصنف في ((فتح الباري)) بعد
سرده الأقوال : وأرجحها كلها أنها في وتر العشر الأواخر وأنها تنتقل ؛ كما يفهم
من حديث هذا الباب ، وأرجاها أوتار العشر عند الشافعية : إحدى وعشرون ، أو
ثلاث وعشرون ؛ على ما في حديثي أبي سعيد وعبد الله بن أنيس ، وأرجاها
عند الجمهور ليلة سبع وعشرين .
٦٦٢ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: قُلْتُ: يا رسولَ الله! أَرأَيتَ إنْ
عِلِمْتُ أيَّ لَيْلةِ لَيْلَة القَدْر ما أَقول فيها؟ قال: ((قُولي: اللَّهُم ، إنّك عفُوَّ تُحبُ
الْعَفْوَ فاعْفُ عَني)). رواه الخمسة غير أبي داود، وصحّحه التِّرمذي والحاكمُ .
(وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: قُلْتُ: يا رسولَ الله! أَرأَيتَ إنْ
عِلِمْتُ أَيَّ ليْلةِ لَيْلَةِ القَدْرِ ما أَقول فيها؟ قال: ((قُولي: اللَّهُم، إنّك عفُوَّ تُحبُ
٤٨٦
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٦٣ - حديث أبي سعيد
الْعَفْو فاعْف عَني)). رواه الخمسة غير أبي داود، وصحّحه التِّرمذي والحاكمُ):
قيل : علاماتها أن المطلع عليها يرى كل شيء ساجداً، وقيل : يرى الأنوار في
كل مكان ساطعة ، حتّى المواضع المظلمة ، وقيل : يسمع سلاماً ، أو خطاباً من
الملائكة ، وقيل : علامتها استجابة دعاء من وقعت له .
وقال الطبري : ذلك غير لازم فإنها قد تحصل ، ولا يرى شيئاً ، ولا يسمع .
واختلف العلماء هل يقع الثواب المترتب لمن اتفق أنه وافقها ، ولم يظهر له
شيء ، أو يتوقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى الأول الطبري وابن العربي
وآخرون ، وإلى الثاني ذهب الأكثرون ، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث
أبي هريرة بلفظ: ((من يقم ليلة القدر فيوافقها))، قال النووي : أي : يعلم أنها
ليلة القدر؛ ويحتمل أن يراد : أن يوافقها في نفس الأمر ، وإن لم يعلم هو ذلك .
ورجح هذا المصنف ؛ قال : ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة
القدر ، وإن لم يوفق لها ، وإنما الكلام في حصول الثواب المعين الموعود به ، وهو
مغفرة ما تقدم من ذنبه .
٦٦٣ - وعَنْ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله ◌َان:
((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مَسَاجد: المسْجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى)) . متفقٌ عليه .
(عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ان: ((لا
تشد) : بضم الدال المهملة ؛ على أنه نفي ، ويروى بسكونها ؛ على أنه نهي
(الرحال): جمع رحل ، وهو للبعير كالسرج للفرس ، وشده هنا كناية عن السفر ؛
٤٨٧
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٦٣ - حديث أبي سعيد
لأنه لازمه غالباً (إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام): أي : المحرم (ومسجدي
هذا، والمسجد الأقصى)). متفق عليه) : اعلم أن إدخال هذا الحديث في باب
الاعتكاف؛ لأنه قد قيل : لا يصح الاعتكاف إلا في الثلاثة المساجد ، ثم المراد
بالنفي النهي مجازاً، كأنه قال : لا يستقيم شرعاً أن يقصد بالزيارة إلا هذه
البقاع ؛ لاختصاصها بما اختصت به من المزية التي شرفها الله تعالى بها .
والمراد من المسجد الحرام هو الحرم كله ؛ لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق
عطاء أنه قيل له : هذا الفضل في المسجد الحرام وحده أم في الحرم؟ قال : بل
في الحرم كله ؛ ولأنه لما أراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التعيين
للمسجد ، قال : ((مسجدي هذا)) .
والمسجد الأقصى بيت المقدس ؛ سمي بذلك لأنه لم يكن وراءه مسجد ؛
کما قاله الزمخشري .
والحديث دليل على فضيلة المساجد هذه ، ودل بمفهوم الحصر أنه يحرم شد
الرحال لقصد غير الثلاثة ؛ كزيارة الصالحين أحياء وأمواتاً ؛ لقصد التقرب ،
ولقصد المواضع الفاضلة ؛ لقصد التبرك بها والصلاة فيها ، وقد ذهب إلى هذا
الشيخ أبو محمد الجويني ، وبه قال القاضي عياض وطائفة ، ويدل عليه ما رواه
أصحاب ((السنن)) من إنكار أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى
الطور ، وقال : لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت . واستدل بهذا الحديث ،
ووافقه أبو هريرة .
وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرّم ، واستدلوا بما لا ينهض ، وتأوّوا
٤٨٨
٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٦٣ - حديث أبي سعيد
أحاديث الباب بتأويل بعيد ، ولا ينبغي التأويل بعد أن ينهض على خلاف ما
أولوه الدلیل .
وقد دل الحديث على فضل المساجد الثلاثة ، وأن أفضلها المسجد الحرام ؛
لأن التقديم ذكراً يدل على مزية المقدم، ثم مسجد المدينة ، ثم المسجد الأقصى .
وقد دل لهذا أيضاً ما أخرجه البزار - وحسن إسناده - من حديث أبي
الدرداء مرفوعاً ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في
مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) ، وفي
معناه أحاديث أخر .
ثم اختلفوا هل الصلاة في هذه المساجد تعمّ الفرض والنفل ، أو تخص
الأول؟ قال الطحاوي وغيره: إنها تخص بالفروض لقوله تعَّالله: ((أفضل الصلاة
صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))، ولا يخفى أن لفظ الصلاة المعرف بلام
الجنس عام ، فيشمل النافلة ، إلا أن يقال : إن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يتبادر
منه إلا الفريضة ؛ فلا يشملها ، والله أعلم .
٤٨٩
.
.
٦ - كتاب الحج
الحج ؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها ؛ لغتان ، وهو ركن من أركان الإسلام
الخمسة بالاتفاق ، وأول فرضه سنة ست عند الجمهور ، واختار ابن القيم في
((الهدي)) أنه فرض سنة تسع ، أو عشر ، وفيه خلاف .
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٦٤ - عَنْ أَبي هُريرة رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله تَخَاهِ قال: ((العُمرةُ إلى
العمْرة كفّارةٌ لما بَيْنَهُما ، والحجُّ الْمبرورُ ليس لهُ جَزَاءٌ إلا الجنَّة)». مُتَّفقٌ عَلَيه .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله تَ هٍ قال: ((العمرةُ إلى
العمرة كفّارةٌ لما بينهما، والحج المبرور): قيل هو الذي لا يخالطه شيء من
الإثم ؛ ورجحه النووي ، وقيل : المقبول ، وقيل : هو الذي تظهر ثمرته على
صاحبه ؛ بأن يكون حاله بعده خيراً من حاله قبله ، وأخرج أحمد والحاكم من
حديث جابر: قيل: يا رسول الله ! ما برّ الحج؟ قال: ((إطعام الطعام وإفشاء
السلام))، وفي إسناده ضعف ، ولو ثبت لتعين به التفسير (ليس لهُ جزاءٌ إلا
الجنة)) . متفق عليه) .
العمرة لغة : الزيارة ، وقيل : القصد ، وفي الشرع : إحرام وسعي وطواف
وحلق ، أو تقصير ؛ سميت بذلك لأنه يزار بها البيت ويقصد .
وفي قوله : ((العمرة إلى العمرة)) دليل على تكرار العمرة، وأنه لا كراهة في
ذلك ، ولا تحدید بوقت .
٤٩١
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٦٥ - حديث عائشة
وقالت المالكية : يكره في السنة أكثر من عمرة واحدة ، واستدلوا له بأنه
ونظرية لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله ◌َ﴿ تحمل عندهم على الوجوب،
أو الندب ، وأجيب عنه بأنه علم من أحواله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان
يترك الشيء ، وهو يستحب فعله ؛ ليرفع المشقة عن الأمة ، وقد ندب إلى ذلك
بالقول .
وظاهر الحديث عموم الأوقات في شرعيتها ، وإليه ذهب الجمهور ، وقيل :
إلا للمتلبس بالحج ، وقيل : إلا أيام التشريق ، وقيل : ويوم عرفة ، وقيل : إلا
أشهر الحج لغير المتمتع والقارن .
والأظهر أنها مشروعة مطلقاً، وفعله ◌ٍَّ لها في أشهر الحج ، يرد قول من
قال بكراهتها فيها؛ فإنه ﴿﴿ لم يعتمر عمره الأربع إلا في أشهر الحج؛ كما هو
معلوم، وإن كانت العمرة الرابعة في حجه؛ فإنه ◌َّلهُ حج قارناً كما تظاهرت
عليه الأدلة ، وإليه ذهب الأئمة الأجلة .
٦٦٥ - وعَنْ عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يا رسول الله! على النِّساءِ
جِهَادٌ؟ قال: (نَعَمْ، عَليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجُّ والعُمرةُ)). رواهُ أَحْمَدُ
وابنُ مَاجَهْ واللفْظُ لهُ. وإسْنادُهُ صحيح، وأَصْلُهُ في ((الصحيح)).
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! على النساء
جهاد؟): هو إخبار يراد به الاستفهام (قال: ((نعمْ، عليهن جهادٌ لا قتال فيه) :
كأنها قالت: ما هو؟ فقال (الحجُّ والعُمرةُ))): أطلق عليهما لفظ الجهاد مجازاً .
شبههما بالجهاد وأطلقه عليهما بجامع المشقة ، وقوله: ((لا قتال فيه))، إيضاح
٤٩٢
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٦٦ - حديث جابر
للمراد ، وبذكره خرج عن كونه استعارة ، والجواب من الأسلوب الحكيم (رواه
أحمد وابن ماجه واللفظ له) : أي : لابن ماجه (وإسناده صحيح ، وأصله في
((الصحيح))): أي: في ((صحيح البخاري))، وأفادت عبارته أنه إذا أطلق
(الصحيح))، فالمراد به البخاري .
وأراد بذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم
المؤمنين أنها قالت : يا رسول الله ! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال :
((لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور))، وأفاد تقييد إطلاق رواية أحمد للحج ،
وأفاد أن الحج والعمرة تقوم مقام الجهاد في حق النساء ، وأفاد أيضاً بظاهره أن
العمرة واجبة ، إلا أن الحديث الآتي بخلافه ؛ وهو :
** أعرابيٌّ
٦٦٦ - وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قال: أتى النبي ◌َـ
فقال: يا رسول الله! أَخبرني عن الْعُمْرَةِ أَواجبةٌ هي؟ فقال: ((لا، وأَنْ تَعْتمر
خيرٌ لكَ)) . رواهُ أحمد والتِّرمذيُّ ، والراجحُ وقفُهُ ، وأَخرجهُ ابنُ عدي من
وجْه آخر ضعيف .
ء
(وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قال: أتى النبيَّ ◌َ﴿ُ أعرابيٌّ) :
بفتح الهمزة؛ نسبة إلى الأعراب ، وهم سكان البادية الذين يطلبون مساقط
الغيث والكلأ ، سواء كانوا من العرب ، أو من مواليهم . والعربي : من كان نسبه
إلى العرب ثابتاً، وجمعه أعراب ، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعارب
(فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العمرة) : أي: عن حكمها، كما أفاده
(أواجبة هي؟ فقال: ((لا): أي : لا تجب ، وهو من الاكتفاء (وأن تعتمر خيرٌ
٤٩٣
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٦٧ - حديث جابر
لك))): أي : من تَرْكِها، والأخيرية في الأجر تدل على ندبها، وأنها غير
مستوية الطرفين حتّى تكون من المباح ، والإتيان بهذه الجملة ؛ لدفع ما يتوهم
أنها إذا لم تجب ، ترددت بين الإباحة والندب ؛ بل كان ظاهراً في الإباحة ؛
لأنها الأصل ، فأبان بها ندبها (رواه أحمد والترمذي): مرفوعاً (والراجح
وقفه) : على جابر؛ فإنه الذي سأله الأعرابي وأجاب عنه ، وهو مما للاجتهاد فيه
مسرح (وأخرجه ابن عدي من وجه آخر) : وذلك أنه رواه من طريق أبي
عصمة عن ابن المنكدر عن جابر ، وأبو عصمة كذبوه (ضعيف) : لأن في إسناده
أبا عصمة ، وفي إسناده عند أحمد والترمذي أيضاً الحجاج بن أرطاة ، وهو
ضعيف، وقد روى ابن عدي والبيهقي من حديث عطاء عن جابر: ((الحج
والعمرة فریضتان» ، وسيأتي بما فيه ، والقول بأن حديث جابر المذكور صححه
الترمذي، مردود بما في ((الإمام)» أن الترمذي لم يزد على قوله : حسن ، في
جميع الروايات عنه ، وأفرط ابن حزم فقال إنه مكذوب باطل .
وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة ، ونقل الترمذي عن الشافعي أنه
قال : ليس في العمرة شيء ثابت أنها تطوع . وفي إيجابها أحاديث لا تقوم بها
الحجة ، كحديث عائشة الماضي ، وكالحديث :
٦٦٧ - عنْ جابر رضي الله عنه مرفوعاً: ((الحجُّ والعُمْرةُ فريضتان)).
(عنْ جابر رضي الله عنه مرفوعاً ((الحجُّ والعُمْرةُ فريضتان))): ولو ثبت
لكان ناهضاً على إيجاب العمرة ، إلا أن المصنف لم يذكر هنا من أخرجه ، ولا
ما قيل فيه ، والذي في ((التلخيص)) أنه أخرجه ابن عدي والبيهقي من حديث
٤٩٤
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٦٧ - حديث جابر
ابن لهيعة عن عطاء عن جابر ، وابن لهيعة ضعيف ، وقال ابن عدي : هو غير
محفوظ عن عطاء ، وأخرجه أيضاً الدارقطني من رواية زيد بن ثابت بزيادة : ((لا
يضرك بأيهما بدأت))، وفي إحدى طريقيه ضعف ، وانقطاع في الأخرى ، ورواه
البيهقي من طريق ابن سيرين موقوفاً ، وإسناده أصح ، وصححه الحاكم .
ولما اختلفت الأدلة في إيجاب العمرة وعدمه ، اختلف العلماء في ذلك
سلفاً وخلفاً :
فذهب ابن عمر إلى وجوبها . رواه عنه البخاري تعليقاً ، ووصله عنه ابن
خزيمة والدارقطني ، وعلق أيضاً عن ابن عباس : إنها لقرينتها في كتاب الله
﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ووصله عنه الشافعي وغيره، وصرح
البخاري بالوجوب ، وبوَّب عليه بقوله : باب وجوب العمرة وفضلها ، وساق خبر
ابن عمر وابن عباس .
واستدل غيره للوجوب بحديث: ((حج عن أبيك واعتمر))، وهو حديث
صحيح . قال الشافعي : لا أعلم في إيجاب العمرة أجود منه ، وإلى الإيجاب
ذهبت الحنفية ؛ لما ذكر من الأدلة ، وأمّا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾، فقد أجيب عنه بأنه لا يفيد إلا وجوب الإتمام، وهو متفق على
وجوبه بعد الإحرام بالعمرة ، ولو تطوعاً .
وذهبت الشافعية إلى أن العمرة فرض في الأظهر . والأدلة لا تنهض عند
التحقيق على الإيجاب الذي الأصل عدمه .
٤٩٥
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٦٨ - حديث أنس
٦٦٨ - وعنْ أَنَس رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال :
((الزادُ والرَّاحلةُ)). رواهُ الدارقطنيُّ، وصححهُ الحاكم، والرَّاجحُ إرسالهُ،
وأخرجه الترمذيُّ من حديث ابن عُمر أيضاً ، وفي إسناده ضعفٌ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله ! ما السبيل؟) : أي :
الذي ذكر الله تعالى في الآية (قال: ((الزَّاد والرَّاحلةُ)). رواه الدارقطني،
وصححه الحاكم) : قلت : والبيهقي أيضاً من طريق سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة عن أنس عن النبي ◌َ ﴿ (والراجح إرساله) : لأنه قال البيهقي : الصواب
عن قتادة عن الحسن مرسلاً ، قال المصنف: يعني الذي أخرجه الدارقطني ،
وسنده صحيح إلى الحسن ، ولا أرى الموصول إلا وهماً (وأخرجه الترمذي من
حديث ابن عمر أيضاً) : أي : كما أخرجه غيره من حديث أنس (وفي إسناده
ضعف) : وإن قال الترمذي : إنه حسن ، وذلك أن فيه راوياً متروك الحديث ، وله
طرق عن علي ، وعن ابن عباس ، وعن ابن مسعود ، وعن عائشة ، وعن غيرهم
من طرق كلها ضعيفة . قال عبد الحق : طرقه كلها ضعيفة .
وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسنداً ، والصحيح رواية الحسن
المرسلة .
وقد ذهب إلى هذا التفسير أكثر الأئمة فالزاد شرط مطلقاً ، والراحلة لمن داره
على مسافة .
وقال ابن تيمية في ((شرح العمدة)) بعد سرده لما ورد في ذلك : فهذه الأحاديث
مسندة من طرق حسان ومرسلة وموقوفة ؛ تدل على أن مناط الوجوب الزاد
٤٩٦
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبیان من فُرض عليه
٦٦٩ - حديث ابن عباس
والراحلة ، مع علم النبي {8} أن كثيراً من الناس يقدرون على المشي، وأيضاً فإن
الله قال في الحج: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، إما أن يعني القدرة
المعتبرة في جميع العبادات ، وهو مطلق المكنة ، أو قدرة زائدة على ذلك ؛ فإن
كان المعتبر هو الأول لم يحتج إلى هذا التقييد ، كما لم يحتج إليه في آية الصوم
والصلاة ، فعلم أن المعتبر قدر زائد في ذلك ، وليس هو إلا المال ، وأيضاً؛ فإن الحج
عبادة مفتقرة إلى مسافة ، فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة کالجهاد ، ودليل
الأصل قوله : ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ [التوبة: ٩١]، إلى
قوله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ [التوبة: ٩٢]. انتهى .
وذهب ابن الزبير وجماعة من التابعين إلى أن الاستطاعة هي الصحة لا
غير؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ فإنه فسر
الزاد بالتقوى وأجيب بأنه غير مراد من الآية ؛ كما يدل له سبب نزولها ،
وحديث الباب يدل أنه أريد بالزاد الحقيقة ، وهو وإن ضعفت طرقه فكثرتها تشد
ضعفه، والمراد به كفاية فاضلة عن كفاية من يعول، حتّى يعود لقوله ◌َ ين:
«کفی بالمرء إثماً أن یضیع من یعول» . أخرجه أبو داود .
ويجزئ الحج ، وإن كان المال حراماً ، ويأثم عند الأكثر.
وقال أحمد : لا يجزئ .
لقي ركباً بالرّوْحاء
٦٦٩ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبي ◌ِ﴾
فقال: ((من الْقوْمُ؟))، فقالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ فقال: ((رسول الله))،
فرَفَعَتْ إِليه امرأةٌ صبياً، فقالتْ: أَلهذا حجّ؟ قال: ((نعمْ، ولك أجرٌ)).
أخرجهُ مسلمٌ .
٤٩٧
٦ - كتاب الحج
١ - باب بیان فضله وبیان من نُرض عليه
٦٦٩ - حديث ابن عباس
لقي) : قال عياض :...
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا : أن النبي
يحتمل أنه لقيهم ليلاً فلم يعرفوه ﴿، ويحتمل أنه نهاراً؛ ولكنهم لم يروه قبل
ذلك (ركباً بالرَّوْحاء): براء مهملة ، وبعد الواو حاء مهملة ؛ بزنة حمراء : محل
قرب المدينة (فقال: ((مَن القوْم؟)) ، فقالوا : المسلمون ، فقالوا : من أنت؟ فقال:
((رسول الله))، فرفعت إليه امرأة صبياً، فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعَمْ، ولكِ
أَجْرٌ))) : بسبب حملها وحجها به ، أو بسبب سؤالها عن ذلك الأمر ، أو بسبب
الأمرين (أخرجه مسلم) .
والحديث دليل على أنه يصح حج الصبي وينعقد ، سواء كان مميزاً أم لا ، حيث
فعل وليه عنه ما يفعل الحاج ، وإلى هذا ذهب الجمهور ، ولكنه لا يجزئه عن حجة
الإسلام؛ لحديث ابن عباس: ((أيما غلام حج به أهله ، ثم بلغ ، فعليه حجة
أخرى)) . أخرجه الخطيب والضياء المقدسي من حديث ابن عباس ، وفيه زيادة .
قال القاضي : أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام ، إلا
فرقة شذت فقالت : يجزئه ؛ لقوله : (نعم))؛ فإن ظاهره أنه حج، والحج إذا أطلق
يتبادر منه ما يسقط الواجب ! ولكن العلماء ذهبوا إلى خلاف ذلك .
قال النووي : والولي الذي يحرم عن الصبي إذا كان غير مميز، هو ولي ماله ؛
وهو أبوه، أو جده ، أو الوصي؛ أي : المنصوب من جهة الحاكم، وأمّا الأم فلا
يصح إحرامها عنه ، إلا أن تكون وصية عنه ، أو منصوبة من جهة الحاكم،
وقيل: يصح إحرامها وإحرام العصبة ، وإن لم يكن لهم ولاية المال ، وصفة إحرام
الولي عنه أن يقول بقلبه : جعلته محرماً .
٤٩٨
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٧٠ - حديث ابن عباس
٦٧٠ - وعنهُ رضيَ الله عنهُمَا قال: كانَ الفَضْلُ بنُ عَبّاس رديفَ رسُولٍ
الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم ، فجاءَت امْرَأَةٌ مِنْ خَتْعَم ، فجعلَ الفَضْلُ ينظُرُ
إليْها وتَنْظُرُ إليه ، وجعلَ النَّبيُّ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلّم يصْرفُ وَجْه
الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخر، فَقَالت: يا رسولَ الله ! إن فريضة الله على عبادهِ
في الحجِّ أَدْركتْ أَبي شيخاً كبيراً ، لا يثبتُ على الرَّاحِلةِ ، أَفَأَحُجُ عَنْهُ؟ قال :
(نعم)) ، وذلك في حَجّةِ الوداع. مُتّفقٌ عليه ، واللفظ للبخاري.
(وعنه) : أي : ابن عباس (رضي الله عنهما قال : كان الفضل بن عباس
رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) : أي : في حجة الوداع ، وكان
ذلك في منى (فجاءت امرأة من خَتْعم) : بالخاء المعجمة مفتوحة فمثلثة
ساكنة فعين مهملة ، قبيلة معروفة (فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ،
وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق
الآخر ، فقالت : يا رسول الله ! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت
أبي) : حال كونه (شيخاً) : منتصب على الحال وقوله (كبيراً) : يصح صفة ،
ولا ينافي اشتراط كون الحال نكرة ؛ إذْ لا يخرجه ذلك عنها (لا يثبت) : صفة
ثانية (على الراحلة): يصح صفة أيضاً ، ويحتمل الحال ، ووقع في بعض
ألفاظه: وإن شددته خشيت عليه (أفأحج): نيابة (عنه؟ قال: ((نَعَمْ))) : أي :
حجي عنه (وذلك): أي: جميع ما ذكر (في حجة الوداع . متفق عليه ،
واللفظ للبخاري) : في الحديث روايات أخر ؛ ففي بعضها أن السائل رجل وأنه
سأل : هل يحج عن أمه؟ فيجوز تعدد القضية .
٤٩٩
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه ٦٧٠ - حديث ابن عباس
وفي الحديث دليل على أنه يجزئ الحج عن المكلف ، إذا كان مأيوساً منه
القدرة على الحج بنفسه ، مثل الشيخوخة ؛ فإنه مأيوس زوالها ، وأمّا إذا كان عدم.
القدرة لأجل مرض أو جنون يرجى برؤهما ، فلا يصح .
وظاهر الحديث - مع الزيادة - أنه لا بد في صحة التحجيج عنه من الأمرين :
عدم ثباته على الراحلة ، والخشية من الضرر عليه من شده ، فمن لا يضره الشد
- كالذي يقدر على المحفة -، لا يجزئه حج الغير، إلا أنه ادعى في ((البحر))
الإجماع على أن الصحة - وهي التي يستمسك معها قاعداً - شرط بالإجماع؛
فإن صح الإجماع فذاك ، وإلا فالدليل مع من ذكرنا .
قيل : ويؤخذ من الحديث أنه إذا تبرع أحد بالحج عن غيره ، لزمه الحج عن
ذلك الغير ، وإن كان لا يجب عليه الحج ، ووجهه أن المرأة لم تبين أن أباها
مستطيع بالزاد والراحلة ، ولم يستفصل ﴿ عن ذلك ، ورد هذا بأنه ليس في
الحديث إلا الإجزاء لا الوجوب ، فلم يتعرض له ، وبأنه يجوز أنها قد عرفت
وجوب الحج على أبيها ، كما يدل له قولها : فريضة الله على عباده في الحج،
فإنها عبارة دالة على علمها بشرط دليل الوجوب ، وهو الاستطاعة .
واتفق القائلون بإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزئ إلا عن موت ، أو
عدم قدرة من عجز ونحوه ، بخلاف النفل ؛ فإنه ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى
جواز النيابة عن الغير فيه مطلقاً؛ للتوسيع في النفل .
وذهب بعضهم إلى أن الحج عن فرض الغير لا يجزئ أحداً ، وأن هذا الحكم
يختص بصاحبة هذه القصة ، وإن كان الاختصاص خلاف الأصل ، إلا أنه
٥٠٠