النص المفهرس

صفحات 461-480

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُهي عن صومه
٦٣٦ - حديث أبي قتادة
١ - باب صوم التطوع ، وما نُهي عن صومه
٦٣٢ - عَنْ أَبِي قَتَادة الأنصاري رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله عَ ◌ّهُ سُئلَ
عنْ صوم يوم عرفة فقال: ((يُكفِّرِ السّنةَ الماضية والباقية))، وسئل عَنْ صَوْم يوْم
عاشوراءَ فقال: ((يُكفِّر السّنَة الماضية))، وسُئل عنْ صوْم يوم الاثنين فقال:
(ذلك يوْمٌ وُلدتُ فيهِ ، ويوم بُعِثت فيه ، أو أُنْزِلَ عليَّ فيه)) . رواهُ مسلمٌ .
(عَنْ أَبِي قَتَادة الأنصاري رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله ◌َّهُ سُئِلَ عنْ
صوم يوم عرفة فقال: ((يُكفِّر السّنةَ الماضية والباقية))، وسئل عَنْ صَوْم يوْم
عاشُوراء فقال: ((يُكفِّرِ السّنَة الماضية))، وسُئل عنْ صوْم يوم الاثنين فقال:
((ذلك يوْمٌ وُلدتُ فيهِ ، ويومٍ بُعِثت فيه ، أو أُنْزِلَ عليَّ فيه)). رواهُ مسلمٌ) : قد
استشكل تكفير ما لم يقع ، وهو ذنب السنة الآتية ، وأجيب بأن المراد أنه يوفق
فيها لعدم الإتيان بذنب ؛ وسماه تكفيراً لمناسبة الماضية ، أو أنه إن أوقع فيها
ذنباً، وفق للإتيان بما يكفره .
وأما صوم يوم عاشوراء - وهو العاشر من شهر المحرم عند الجماهير -، فإنه قد
كان واجباً قبل فرض رمضان ، ثم صار بعده مستحباً .
وأفاد الحديث أن صوم يوم عرفة أفضل من صوم يوم عاشوراء ، وعلل
شرعية صوم يوم الاثنين بأنه ولد فيه وبعث فيه ، أو أنزل عليه فيه - وكأنه شك
من الراوي -، وقد اتفق أنه ﴾ ولد فيه وبعث فيه .
وفيه دلالة على أنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده
نعمة ، بصومه والتقرب فيه .
٤٦١

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٣٧ - حديث أبي أيوب الأنصاري
وقد ورد في حديث أسامة تعليل صومه :﴿ يوم الاثنين والخميس بأنه يوم
تعرض فيه الأعمال ، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم . ولا منافاة بين
التعلیلین .
٦٣٧ - وعنْ أبي أيوب الأنصاريِّ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله عَ ه قال:
((منْ صامَ رمضان، ثم أَتْبَعهُ ستّاً منْ شوَّال كانَ كصيام الدَّهر)). رواهُ مُسلمٌ .
(وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ل﴿ قال: ((من
صام رمضان ، ثم أتبعه ستاً) : هكذا ورد مؤنثاً مع أن مميزه أيام وهي مذكر ؛ لأن
اسم العدد إذا لم يذكر مميزه جاز فيه الوجهان ، كما صرح به النحاة (من شوَّال ،
كان كصيام الدهر)) . رواه مسلم) .
فيه دليل على استحباب صوم ستة أيام من شوال ، وهو مذهب جماعة من
الآل وأحمد والشافعي .
وقال مالك : يكره صومها ، قال : لأنه ما رأى أحداً من أهل العلم يصومها ،
ولئلا يظن وجوبها ، الجواب أنه بعد ثبوت النص بذلك لا حكم لهذه التعليلات ،
وما أحسن ما قاله ابن عبد البر: إنه لم يبلغ مالكاً هذا الحديث يعني : حديث
مسلم .
واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها متفرقة ، أو متوالية . ومن صامها
عقيب العيد ، أو في أثناء الشهر. وفي ((سنن الترمذي)) عن ابن المبارك أنه اختار
أن يكون ستة أيام من أول شوال ، وقد روي عن ابن المبارك أنه قال : من صام
ستة أيام من شوال متفرقاً ، فهو جائز، قلت : ولا دليل على اختيار كونها من
٤٦٢

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع ، وما نُهي عن صومه ٦٣٧ - حديث أبي أيوب الأنصاري
أول شوال ؛ إذْ من أتى بها في شوال في أي أيامه ، صدق عليه أنه أتبع رمضان
ستاً من شوال .
وإنما شبهها بصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ؛ فرمضان بعشرة أشهر ،
وست من شوال بشهرين ، وليس في الحديث دليل على مشروعية صيام الدهر،
ويأتي بيانه في آخر الباب .
واعلم أنه قال التَّقي السبكي : إنه قد طعن في هذا الحديث من لا فهم له
مغتراً بقول الترمذي : إنه حسن - يريد في رواية سعد بن سعيد الأنصاري أخي
يحيى بن سعيد ! -، قلت: ووجه الاغترار أن الترمذي لم يصفه بالصحة ؛ بل
بالحسن ؛ وكأنه في نسخة ! والذي رأيناه في ((سنن الترمذي)) بعد سياقه
للحديث ما لفظه : قال أبو عيسى : حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح ،
ثم قال : وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري ، وقد تكلم بعض
أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَل حفظه . انتهى . قلت : قال ابن دحية :
إنه قال أحمد بن حنبل : سعد بن سعيد ضعيف الحديث ، وقال النسائي : ليس
بالقوي ، وقال أبو حاتم : لا يجوز الاشتغال بحديث سعد بن سعيد . انتهى .
ثم قال ابن السبكي : وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه ؛
فأسنده عن بضعة وعشرين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد ، وأكثرهم حفاظ
ثقات ؛ منهم السفيانان ، وتابع سعداً على روايته أخوه يحيى وعبد ربه وصفوان
ابن سليم وغيرهم، ورواه أيضاً عن النبي { ﴿ ثوبان وأبو هريرة وجابر وابن عباس
والبراء بن عازب وعائشة ، ولفظ ثوبان: «من صام رمضان ، فشهره بعشرة ، ومن
٤٦٣

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٣٨ و٦٣٩ - حديثا أبي سعيد وعائشة
صام ستة أيام بعد الفطر ، فذلك صيام السنة)) . رواه أحمد والنسائي .
:
٦٣٨ - وعن أبي سعيد اخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله
((ما من عبْدٍ يَصُوم يوماً في سبيل الله ، إلا باعد الله بذلك اليوم عنْ وجههِ
النّار سبعين خريفاً». مُتّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عزال *: «ما
من عَبْد يصوم يوماً في سبيل الله) : هو إذا أطلق يراد به الجهاد (إلا باعد الله
بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفاً)) . متفق عليه ، واللفظ لمسلم) .
فيه دلالة على فضيلة الصوم في الجهاد؛ ما لم يضعف بسببه عن قتال
عدوّه ، وكأنّ فضيلة ذلك لأنه جمع بين جهاد عدوه وجهاد نفسه في طعامه
وشرابه وشهوته ، وكنى بقوله : ((باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً)) عن
سلامته من عذابها .
٦٣٩ - وعنْ عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ رسولُ الله ◌َيُّهُ يَصُوم،
حتّى نقولَ : لا يُفطر ، ويفُطر ، حتّى نقول : لا يصوم ؛ وما رأيت رسول الله
اسْتَكْمَل شهراً قطُّ ، إلا رمضانَ، وما رَأَيْتُهُ في شهرٍ أَكْثر مِنْهُ صياماً في
شَعبانَ . مُتّفقٌ عَلَيْه ، واللفظُ لمسْلم .
يصوم ، حتّی
(وعنْ عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ رسولُ الله
نقول : لا يُفطر ، ويفُطر ، حتّى نقول: لا يصوم؛ وما رأيت رسول الله عَـ
اسْتَكْمَلِ شَهْراً قطُّ ، إلا رمضَانَ، وما رَأَيْتُهُ في شهرٍ أَكْثر مِنْهُ صياماً في
شَعبانَ. مُتّفقٌ عَلَيْه ، واللفظ لمسلم) . فيه دليل على أن صومه صلى الله عليه
٤٦٤

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُهي عن صومه
٦٣٩ - حديث عائشة
وآله وسلم لم يكن مختصاً بشهر دون شهر، وأنه كان ◌َ ﴿ٍ يسرد الصيام أحياناً .
ويسرد الفطر أحياناً ولعله كان يفعل ما يقتضيه الحال من تجرده عن الأشغال ،
فيتابع الصوم ، ومن عكس ذلك فيتابع الإفطار .
ودليل على أنه يخص شعبان بالصوم أكثر من غيره ، وقد نبهت عائشة على
کان یصوم ثلاثة أيام في كل شهر ، فربما
علة ذلك ؛ فأخرج الطبراني عنها : أنه
أخر ذلك ، فيجتمع صوم السنة ، فيصوم شعبان ؛ وفيه ابن أبي ليلى ، وهو ضعيف .
وقيل : كان يصوم ذلك تعظيماً لرمضان ؛ كما أخرجه الترمذي من حديث
أنس وغيره : أنه سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم : أي
الصوم أفضل؟ فقال: ((شعبان تعظيماً لرمضان))، قال الترمذي: فيه صدقة بن
موسى ، وهو عندهم ليس بالقوي .
:
وقيل : كان يصومه لأنه شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان ؛ كما
أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة ، عن أسامة بن زيد قال : قلت : یا
رسول الله ، لم أرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: ((ذلك
شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إلى
رب العالمين ، فأَحبُّ أن يرفع فيه عملي وأنا صائم)). قلت : ويحتمل أنه كان
يصومه لهذه الحكم كلها .
وقد عورض حديث أن صوم شعبان أفضل الصوم بعد رمضان ، بما أخرجه
مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ((أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم))،
وأورد عليه أنه لو كان أفضل لحافظ على الإكثار من صيامه ، وحديث عائشة
٤٦٥

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُهي عن صومه
٦٤٠ ۔ حديث أبي ذر
يقتضي أنه كان أكثر صيامه في شعبان ، فأجيب بأن تفضيل صوم المحرّم بالنظر
إلى الأشهر الحرم، وفضِّل شعبان مطلقاً. وأمّا عدم إكثاره لصوم المحرّم ، فقال
النووي : لأنه إنما علم ذلك آخر عمره .
٦٤٠ - وعنْ أَبي ذرِّ رضي الله عنه قال: أمَرَنا رسولُ الله ◌َ هُ أَنْ نَصُوم من
الشهر ثلاثةَ أَيّام : ثلاثَ عشرة وأَرْبع عشرة وخمس عشرة . رواه النّسائي
والتِّرمذيُّ ، وصحّحه ابن حبّانَ .
(وعنْ أَبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: أمَرَنا رسولُ الله ◌َّ ◌ُ أَنْ نَصُوم من الشهر
ثلاثةَ أَيَّام) : وبيّنها بقوله (ثلاثَ عشرة وأَرْبع عشرة وخمسَ عشرة . رواه
النسائيُّ والتِّرمذيُّ، وصحّحه ابن حبّانَ): الحديث ورد من طرق عديدة من
حديث أبي هريرة بلفظ: ((فإن كنت صائماً فصم الغرّ؛ أي: البيض)). أخرجه
أحمد والنسائي وابن حبان ، وفي بعض ألفاظه عند النسائي: ((فإن كنت صائماً
فصم البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)) ، وأخرج أصحاب
((السنن)) من حديث قتادة بن ملحان : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يأمرنا أن نصوم البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ، وقال : ((هي
كهيئة الدهر))، وأخرج النسائي من حديث جرير مرفوعاً: ((صيام ثلاثة أيام من
كل شهر كصيام الدهر: ثلاث الأيام البيض)) ، الحديث ، وإسناده صحيح .
ووردت أحاديث في صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة ومبينة بغير
الثلاثة ، وأخرج أصحاب ((السنن)) ، وصححه ابن خزيمة من حديث ابن
مسعود: أن النبي ﴿ كان يصوم عدة ثلاثة أيام من كل شهر. وأخرج مسلم
٤٦٦

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُھي عن صومه
٦٤١ - حديث أبي هريرة
من حديث عائشة: كان رسول اللّه ◌َليلةٍ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، ما يبالي
في أي الشهر صام .
وأما المبينة بغير الثلاث ، فهي ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث
حفصة : كان رسول الله ﴿م يصوم في كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس
والاثنين من الجمعة الأخرى . ولا معارضة بين هذه الأحاديث ؛ فإنها كلها دالة
على ندبية صوم كل ما ورد ، وكل من الرواة حكى ما اطلع عليه ، إلا أن ما أمر
به وحث علیه ووصی به ، أولی وأفضل .
وأما فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، فلعله كان يعرض له ما
يشغله عن مراعاة ذلك . وقد عيّن الشارع أيام البيض ، وللعلماء في تعيين
الثلاثة الأيام التي يندب صومها من كل شهر أقوال عشرة ؛ سردها في (الشرح)).
٦٤١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرة رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله عَّ هِ قالَ: ((لا يحلُّ
للمرأة أَنْ تصومَ وزوْجها شاهدٌ، إلا بإذْنه)). مُتفقٌ عَلَيْه، واللفظُ للبُخاري،
زَادَ أَبو داود : «غير رَمضانَ)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله عَ لٍ قال: ((لا يحل للمرأة) :
أي : المزوّجة؛ بدليل قوله (أن تصوم وزوجها شاهد): أي: حاضر (إلا بإذنه)).
متفق عليه ، واللفظ للبخاري ، زاد أبو داود: ((غير رمضان))).
فيه دليل على أن الوفاء بحق الزوج أولى من التطوع بالصوم ؛ وأمّا رمضان
فإنه يجب عليها ، وإن كره الزوج ، ويقاس عليه القضاء ، فلو صامت النفل بغير
إذنه ، كانت فاعلة لمحرّم .
٤٦٧

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع، وما نُّهي عن صومه ٦٤٢ و٦٤٣ - حديثا أبي سعيد ونبيشة الهذلي
٦٤٢ - وَعَنْ أَبي سعيد الْخُدريِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى اللهُ
عليه وعلى آله وسلَّمْ نَهَى عَنْ صيامٍ يَوْمَيْن: يَوْم الْفطْر وَيَوْمِ النّحْر. مُتَفَقَ عَلَيْهِ .
(وَعَنْ أَبي سعيد الْخُدرِيِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى اللهُ عليه
وعلى آله وسلَّمَ نَهَى عَنْ صيامٍ يَوْمَيْن: يَوْم الْفطْرِ وَيَوْمِ النّحْر. مُتّفقٌ عَلَيْهِ):
فيه دليل على تحريم صوم هذين اليومين ؛ لأن أصل النهي التحريم ؛ وإليه ذهب
الجمهور ، فلو نذر صومهما لم ينعقد نذره في الأظهر ؛ لأنه نذر بمعصية ، وقيل :
يصوم مكانهما عنهما .
٦٤٣ - وَعَنْ نُبَيْشةَ الهُذَليِّ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ الله صلَّى الله
عليه وآله وسلَّم: ((أيام التشريق أَيَامُ أَكْل وشربٍ وذكرِ الله عَزَّ وَجَلَّ) . رواهُ
مُسْلمٌ .
(وعن نُبَيْشة): بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية وشين
معجمة ، يقال له : نبيشة الخير ، ابن عمرو ، وقيل : ابن عبد الله (الهذلي رضي
الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيام التشريق) : وهي
ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وقيل : يومان بعد النحر (أيام أكل وشرب وذكر الله
عزَّ وجل)) . رواه مسلم): وأخرجه مسلم أيضاً من حديث كعب بن مالك ، وابن
حبان من حديث أبي هريرة ، والنسائي من حديث بشر بن سحيم ، وأصحاب
((السنن)) من حديث عقبة بن عامر ، والبزار من حديث ابن عمر: ((أيام التشريق
أيام أكل وشرب وصلاة ؛ فلا يصومها أحد)).
کان یأمرهم بإفطارها
وأخرج أبو داود من حديث عمر في قصته أنه
٤٦٨

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُھي عن صومه
٦٤٤ - حديث عائشة وابن عمر
وينهاهم عن صيامها ؛ أي : أيام التشريق ، وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله
ابن حذافة السهمي: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وبعال)) ، البعال : مواقعة
النساء .
والحديث ، وما سقناه في معناه ، دال على النهي عن الصوم أيام التشريق ،
وإنما اختلف هل هو نهي تحريم ، أو تنزيه؟ فذهب إلى أنه للتحريم مطلقاً جماعة
من السلف وغيرهم ، وإليه ذهب الشافعي في المشهور ؛ وهؤلاء قالوا : لا يصومها
المتمتع ، ولا غيره، وجعلوه مخصصاً لقوله تعالى: ﴿ثلاثة أيام في الحج﴾
[البقرة: ١٩٦]؛ لأن الآية عامة فيما قبل يوم النحر، وما بعده ، والحديث خاص
بأيام التشريق ، وإن كان فيه عموم بالنظر إلى الحج وغيره ، فيرجع خصوصها ؛
لكونه مقصوداً بالدلالة على أنها ليست محلاً للصوم ، وأن ذاتها باعتبار ما هي
مؤهلة له كأنها منافية للصوم .
وذهبت الهادوية إلى أنه يصومها المتمتع الفاقد للهدي ، كما يفيده سياق
الآية ، ورواية ذلك عن عليّ عليهِ السَّلام؛ قالوا: ولا يصومها القارن والمحصر إذا
فَقَدَ الهدي .
وذهب آخرون إلى أنه يصومها المتمتع ومن تعذر عليه الهدي ؛ وهو المُحْصَر
والقارن لعموم الآية ، ولما أفاده :
٦٤٤ - وعن عائشةَ وابن عُمَر رضيَ الله عنهما قالا: لم يُرَخّص في أَيّام
التّشريقِ أَنْ يُصَمْنَ ، إلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدِيَ . رَواه البُخاريُّ .
(وعن عائشةَ وابن عُمَر رضيَ اللهُ عنهما قالا: لم يُرَخّص) : بصيغة المجهول
٤٦٩

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُھي عن صومه
٦٤٥ - حديث أبي هريرة
(فِي أَيّام التّشريقِ أَنْ يُصَمْنَ ، إلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدِيَ. رَواه البُخاريُّ) : فإنه
أفاد أن صوم أيام التشريق جائز رخصة لمن لم يجد الهدي ، وكان متمتعاً ، أو
قارناً ، أو محصراً؛ لإطلاق الحديث بناء على أن فاعل : يرخص ، هو رسول الله
وأنه مرفوع ، وفي ذلك أقوال ثلاثة :
كان حجة ؛ وإلا فلا ، وقد ورد
ثالثها : أنه إن أضاف ذلك إلی عهده
التصريح بالفاعل في رواية للدارقطني والطحاوي ، إلا أنها بإسناد ضعيف ، ولفظها :
رخص رسول الله ي طي للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق . إلا أنه
خص المتمتع ؛ فلا يكون حجة لأهل هذا القول ، وقد روي من فعل عائشة وأبي
بكر وفتيا لعليّ عليه السلام .
وذهب جماعة إلى أن النهي للتنزيه ، وأنه يجوز صومها لكل واحد ، وهو
قول لا ینهض علیه دلیل .
قال: ((لا تخُصّوا
٦٤٥ - وعَن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌ٌ
ليْلَةَ الْجُمعةِ بقيام منْ بين الليالي ، ولا تخصُّوا يومَ الجمعة بصيام منْ بين
الأيام ، إلا أن يكونَّ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحدُكم)) . رواهُ مسلمٌ.
ء
يُ قال: ((لا تخُصّوا ليْلةَ
(وعَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
الْجُمعةِ بقيام منْ بين الليالي ، ولا تخصُّوا يومَ الجُمعة بصيام منْ بين
الأيام ، إلا أن يكونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أحدُكم)) . رواهُ مسلمٌ) : الحديث دلیل
ء
على تحريم تخصيص ليلة الجمعة بالعبادة ، بصلاة وتلاوة غير معتادة ، إلا ما
ورد به النص على ذلك؛ كقراءة سورة الكهف ؛ فإنه ورد تخصيص ليلة الجمعة
٤٧٠

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُهي عن صومه ٦٤٥ - حديث أبي هريرة
بقراءتها ، وسور أُخر وردت بها أحاديث فيها مقال .
وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في أول ليلة الجمعة
من رجب ، ولو ثبت حديثها لكان مخصصاً لها من عموم النهي ، لكن حديثها
تكلم العلماء عليه ، وحكموا بأنه موضوع .
ودل على تحريم النفل بصوم يومها منفرداً ، قال ابن المنذر: ثبت النهي عن
صوم الجمعة ، كما ثبت عن صوم العيد .
وقال أبو جعفر الطبري : يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على
تحريم صوم العيد ، ولو صام قبله ، أو بعده .
وذهب الجمهور إلى أن النهي عن إفراد الجمعة بالصوم للتنزيه ، مستدلين
بحديث ابن مسعود: كان رسول الله ﴿﴿﴿ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وقلما
كان يفطر يوم الجمعة. أخرجه الترمذي وحسنه، فكان فعله ◌َ له قرينة على أن
النهي ليس للتحريم ، وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه كان يصوم يوماً قبله ، أو بعده .
ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال .
واختلف في وجه حكمة تحريم صومه على أقوال : أظهرها أنه يوم عيد ؛ كما
روي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((يوم الجمعة يوم عيد كم))، وأخرج ابن أبي
شيبة بإسناد حسن عن علي عليه السلام قال : من كان منكم متطوعاً من الشهر ،
فليصم يوم الخميس ، ولا يصم يوم الجمعة ؛ فإنه يوم طعام وشراب وذكر . وهذا
أيضاً من أدلة تحريم صومه ، ولا يلزم أن يكون كالعيد من كل وجه ؛ فإنه تزول
حرمة صومه بصيام يوم قبله ويوم بعده ؛ کما يفيده قوله :
٤٧١

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٤٦ و٦٤٧ - حديثا أبي هريرة
﴿﴿: ((لا يصومَنَّ
٦٤٦ - وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله
أَحدُكُمْ يَوْم الجمعة إلا أَنْ يَصُومَ يَوْماً قَبْلُهُ ، أو يَوْماً بَعْدِهُ)) . مُتّفقٌ عَلَيه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عَّهُ: ((لا يصومَنَّ
أَحدُكُمْ يَوْم الجمعة إلا أَنْ يَصُومَ يَوْماً قَبْلهُ، أو يَوْماً بَعْدَهُ)). مُتّفقٌ عَلَيهِ): فإِنه
دال على زوال تحريم صومه لحكمة لا نعلمها ، فلو أفرده بالصوم وجب فطره ، كما
يفيده ما أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود من حديث جويرية : أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم دخل عليها في يوم جمعة وهي صائمة ، فقال لها :
((أصمت أمس؟))، قالت: لا، قال: ((تصومين غداً؟))، قالت: لا ، قال:
((فأفطري))، والأصل في الأمر الوجوب .
٦٤٧ - وَعَنْهُ: أَنَّ رسولَ الله ◌َُّهِ قالَ: ((إذا انْتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا)).
رواه الخمسةُ ، واستنْكِرَهُ أَحْمَدُ .
قال : «إذا
(وعنه): أي: أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله نظافه
انتصف شعبان فلا تصوموا))(١). رواه الخمسة ، واستنكره أحمد) : وصححه
ابن حبان وغيره ، وإنما استنكره أحمد ؛ لأنه من رواية العلاء بن عبد الرحمن ،
قلت: وهو من رجال مسلم ، قال المصنف في ((التقريب)): إنه صدوق وربما وهم .
والحديث دليل على النهي عن الصوم في شعبان بعد انتصافه ، ولكنه مقيد
بحديث: ((إلا أن يوافق صوماً معتاداً))(٢)؛ كما تقدم، واختلف(٣) العلماء في ذلك:
(١) تقدم (ص٤١٩) مع الكلام عليه .
(٢) ص (٤١٧).
(٣) وقال العلامة شمس الدين محمد العلقمي في ((شرح الجامع الصغير)): ((وفي الصوم =
٤٧٢

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٤٨ - حديث الصماء بنت بسر
فذهب كثير من الشافعية إلى التحريم لهذا النهي ، وقيل : إنه يكره إلا قبل
رمضان بيوم، أو يومين ؛ فإنه محرم ، وقيل : لا يكره ، وقيل: إنه مندوب ، وإن
الحدیث مؤوّل بمن يُضْعِفُهُ الصوم ، وكأنهم استدلوا بحديث أنه
کان يصل
شعبان برمضان(١) ، ولا يخفى أنه إذا تعارض القول والفعل كان القول مقدماً.
٦٤٨ - وعن الصَّمّاء بنتِ بُسْر رضيَ الله عنها: أَنَّ رَسُول الله عَ﴿يُ قالَ:
((لا تَصُومُوا يَوْمَ السّبتِ إلا فيما افْتُرض عليكمْ؛ فإن لم يجد أحدُكم إلا
لجاءَ عنَب، أو عودَ شَجِرَةٍ فَلْيَمِضُغْها)). رواهُ الخمسةُ ورجالهُ ثقاتٌ إلا أنّهُ
مُضْطَرِبٌ ، وقد أَنكرهُ مالك ، وقالَ أَبو داود : هُو مَنسوخٌ .
= بعد النصف من شعبان أربعة أوجه ؛ أصحها : لا يجوز؛ للحديث (المذكور). والثاني : يجوز ولا
يكره ؛ وبه قطع المتولي . والثالث : يكره كراهة تنزيه ؛ وهو اختيار الروياني - والوجهان ضعيفان -.
والرابع : لا يتقدم الشهر بصوم يوم ولا يومين ، ويجوز بأكثر؛ وهو مقتضى كلام البَنْدَنيجي وابن
** : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)). وجوابه : أن منطوق النهي
الصباغ ؛ لمفهوم قوله
عن الصوم بعد النصف مقدم. واعترض بقوله مح لرجل: ((هل صمت من سرر شعبان
شيئاً؟)). قال: لا. قال: ((إذا أفطرت فصم يوماً أو يومين)). متفق عليه . وجوابه : أنه اختلف في
تفسير (السَّرَرِ)؛ فقيل: وسطه ؛ وهي الأيام البيض . وقيل: آخره . وقيل غير ذلك)) انتهى .
قلت: قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): ((ويحمل هذا على أن الرجل كانت له عادة بصيام
سرر الشهر ، أو قد نذره)) . انتهى .
(١) أقول : ويمكن أن يجمع بين هذا الحديث وحديث الكتاب، بما ذكره القسطلاني في
((المواهب))؛ قال: ((واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو
يومين ، وكذا ما جاء في النهي عن صوم نصف شعبان الثاني ؛ فإن الجمع بينهما ظاهر بأن
يحمل النهي على من لم تدخل تلك الأيام في صوم اعتاده)) . انتهى .
كما نص عليه بقوله : ((إلا أن يوافق صوماً معتاداً)) .
٤٧٣

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٤٨ - حديث الصماء بنت بسر
(وعن الصماء) : بالصاد المهملة (بنت بُسر رضي الله عنها) : بالموحدة
مضمومة وسين مهملة ، اسمها : بُهَيّة ؛ بضم الموحدة وفتح الهاء وتشديد المثناة
التحتية ، وقيل : اسمها : بهيمة ؛ بزيادة الميم ، هي أخت عبد الله بن بسر ، روی
عنها أخوها عبد الله (أن رسول الله ◌َ هه قال: ((لا تصوموا يوم السبت، إلا
فيما افترض عليكم ؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحَاء): بفتح اللام فحاء مهملة
ممدودة (عنب) : بكسر المهملة وفتح النون فموحدة : الفاكهة المعروفة ، والمراد
قشره (أو عود شجرة فليمضغها))) ؛ أي : يطعمها للفطر بها (رواه الخمسة ،
ورجاله ثقات إلا أنه مضطرب ، وقد أنكره مالك ، وقال أبو داود : هو منسوخ) .
أما الاضطراب فلأنه رواه عبد الله بن بسر عن أخته الصماء ، وقيل : عن
عبد الله ، وليس فيه ذكر أخته . قيل : وليست هذه بعلّة قادحة ؛ فإنه صحابي،
وقيل : عنه عن أبيه بسر ، وقيل : عن الصماء عن عائشة . قال النسائي : هذا
حديث مضطرب . قال المصنف : يحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه ، وعن
أخته ، وعند أُخته بواسطة ، وهذه طريقة صحيحة ، وقد رجح عبد الحق الطريق
الأولى ، وتبع في ذلك الدارقطني ، لكن هذا التلون في الحديث الواحد بإسناد
الواحد مع اتحاد المخرج ، يوهي الرواية ، وينبئ بقلة الضبط ، إلا أن يكون من
الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث ؛ فلا يكون ذلك دالاً على قلة
الضبط ، وليس الأمر هنا كذلك ؛ بل اختلف فيه على الراوي أيضاً عن عبد الله
ابن بسر. وأمّا إنكار مالك له ، فإنه قال أبو داود عن مالك : إنه قال : هذا
كذب . وأما قول أبي داود : إنه منسوخ ، فلعله أراد أن ناسخه قوله :
٤٧٤

٥ - كتاب الصيام ١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٤٩ و٦٥٠ - حديثا أم سلمة وأبي هريرة
٦٤٩ - وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ رَسُولَ الله عَُّهُ أَكْثِرُ ما كان
يَصُومُ من الأيامِ يَوْمُ السّبْتِ وَيَومُ الأحد ، وكان يقُولُ: ((إنهما يوما عيد
للمشركين؛ فأنا أُريد أَنْ أُخالفهم)). أخرجهُ النسائيّ، وصححهُ ابنُ خُزْيْمَةَ ،
وهذا لفظه .
(وعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ رضيَ اللّه عنهَا: أنَّ رَسُولَ الله ◌َّةٍ أَكْثِرُ ما كان يَصُومُ من
الأيام يَوْمُ السّبْتِ وَيومُ الأحدِ ، وكان يقُولُ: ((إنهما يوما عيد للمشركين ؛ فأنا
أُريد أَنْ أُخالفهم)). أَخرجهُ النسائيّ، وصححهُ ابنُ خُزْيْمَةً، وهذا لفظه) :
فالنهي عن صومه كان أول الأمر؛ حيث كان ◌َ ﴾ٍ يحب موافقة أهل الكتاب ،
ثم كان آخر آمره ◌َ ﴿ مخالفتهم؛ كما صرح به الحديث نفسه .
وقيل : بل النهي كان عن إفراده بالصوم ؛ إلا إذا صام ما قبله ، أو ما بعده .
وأخرج الترمذي من حديث عائشة قالت: كان رسول الله تَّةٍ يصوم من الشهر
السبت والأحد والاثنين ، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس .
وحديث الكتاب دال على استحباب صوم السبت والأحد ؛ مخالفة لأهل
الكتاب ، وظاهره صوم كل على الانفراد والاجتماع .
﴿ نھی عن صوم يوم
٦٥٠ - وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي
عَرَفَة بِعَرَفَةَ . رواهُ الخمسةُ ، غير الترمذي، وصحّحُهُ ابْنُ خزيمة والحاكم ،
واستنكرَهُ العُقيليُ .
(وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َُّ نهى عن صوم يوم عَرَفَة
بعَرَفَةَ . رواهُ الخمسةُ ، غير الترمذي ، وصحّحهُ ابْنُ خزيمة والحاكم ، واستنكرَهُ
٤٧٥

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٥١ - حديث عبدالله بن عمر
العُقيليُّ) : لأن في إسناده مهدياً الهجري ؛ ضعفه العقيلي وقال : لا يتابع
عليه ، والراوي عنه مختلف فيه . قلت : في الخلاصة إنه قال ابن معين : لا
أعرفه، وأمّا الحاكم فصحح حديثه، وأقره الذهبي في ((مختصر المستدرك))، ولم
يعده من الضعفاء في ((المغني))، وأمّا الراوي عنه فإنه حوشب بن عقيل؛ قال
المصنف في ((التقريب)): إنه ثقة .
والحديث ظاهر في تحريم صوم يوم عرفة بعرفة ، وإليه ذهب یحیی بن سعيد
الأنصاري وقال : يجب إفطاره على الحاج ، وقيل : لا بأس به إذا لم يضعف عن
الدعاء ، ونقل عن الشافعي واختاره الخطابي ، والجمهور على أنه يستحب
إفطاره .
وأما هو ◌ٍَّ فقد صح أنه كان يوم عرفة بعرفة مفطراً في حجته ، ولكن لا
يدل تركه الصوم على تحريمه ، نعم، يدل أن الإفطار هو الأفضل؛ لأنه ﴿ لا يفعل
إلا الأفضل ، إلا أنه قد يفعل المفضول لبيان الجواز؛ فيكون في حقه أفضل ؛ لما
فيه من التشريع والتبليغ بالفعل ، ولكن الأظهر التحريم لأنه أصل النهي .
٦٥١ - وعنْ عبد الله بن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله
:
((لا صامَ منْ صامَ الأبدَ)) . متفقٌ عليه .
(وعنْ عبد الله بن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صل): ((لا
صامَ منْ صامَ الأبدَ)). متفقٌ عَليه): اختلف في معناه، قال شارح ((المصابيح)):
فسر هذا من وجهين : أحدهما : أنه على معنى الدعاء عليه ؛ زجراً له عن صنيعه ،
والآخر على سبيل الإخبار، والمعنى : أنه بمكابدة صورة الجوع وحرّ الظمأ؛ لاعتياده
٤٧٦

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع، وما نُهي عن صومه ٦٥٢ - حديث أبي قتادة
الصوم ، حتّى خف عليه ، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب ؛
فكأنه لم يصم ، ولم تحصل له فضيلة الصوم . ويؤيد أنه للإخبار قوله :
٦٥٢ - ولمسلم منْ حديث أبي قتادة رضي اللهُ عنه: ((لا صام، ولا أَنْطر)).
(ولمسْلم منْ حديث أبي قتادة رضي الله عنه ((لا صام ، ولا أَفْطر))): ويؤيده
أيضاً حديث الترمذي عنه بلفظ: ((لم يصم، ولم يفطر))، قال ابن العربي : إن
كان معناه الدعاء، فيا ويح من أصابه دعاء النبي ◌َ له، وإن كان معناه الخبر،
فيا ويح من أخبر عنه النبي ◌َ﴾﴾ أنه لم يصم ، وإذا لم يصم شرعاً فكيف يكتب
له ثواب؟!
وقد اختلف العلماء في صيام الأبد ، فقال بتحريمه طائفة ، وهو اختيار ابن
خزيمة ؛ لهذا الحديث ، وما في معناه .
وذهب طائفة إلى جوازه ، وهو اختيار ابن المنذر ، وتأولوا أحاديث النهي عن
صيام الدهر بأن المراد : من صامه مع الأيام المنهي عنها من العيدين وأيام التشريق .
وهو تأويل مردود بنهيه ﴿ لابن عمرو عن صوم الدهر ، وتعليله بأن لنفسه عليه
حقاً ولأهله حقاً ولضيفه حقاً ، ولقوله: ((أما أنا فأصوم وأفطر ؛ فمن رغب عن
سنتي، فليس مني))، فالتحريم هو الأوجه دليلاً، ومن أدلته ما أخرجه أحمد
والنسائي وابن خزيمة من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((من صام الدهر ضيقت
عليه جهنم ، وعقد بيده)) .
قال الجمهور: ويستحب صوم الدهر لمن لا يضعفه عن حق ، وتأولوا أحاديث
النهي تأويلاً غير راجح، واستدلوا بأنه { ® شبه صوم ست من شوال مع رمضان،
٤٧٧

٥ - كتاب الصيام
١ - باب صوم التطوع ، وما نُھي عن صومه
٦٥٢ - حديث أبي قتادة
وشبه صوم ثلاثة أيام من كل شهر، بصوم الدهر ، فلولا أن صاحبه يستحق
الثواب لما شبه به .
وأجيب بأن ذلك على تقدير مشروعيته ؛ فإنها تغني عنه كما أغنت الخمس
الصلوات عن الخمسين الصلاة ، التي قد كانت فرضت ، مع أنه لو صلاها أحد
لوجوبها لم يستحق ثواباً ؛ بل يستحق العقاب . نعم ، أخرج ابن السني من
حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من صام الدهر فقد وهب نفسه من الله عز
وجل)) ؛ إلا أنا لا ندري ما صحته .
.
٤٧٨

٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٥٣ - حديث أبي هريرة
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
الاعتكاف لغة : لزوم الشيء وحبس النفس عليه ، وشرعاً: المقام فى
المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة .
وقيام رمضان ؛ أي : قيام لياليه مصلياً ، أو تالياً؛ قال النووي : قيام رمضان
يحصل بصلاة التراويح ، وهو إشارة إلى أنه لا يشترط استغراق كل الليل بصلاة
النافلة فيه ، ويأتي ما في كلام النووي .
٦٥٣ - عنْ أَبي هُريرة رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهلَ ﴾ قال: ((مَنْ قام
رمضان إيماناً واخْتسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنْبِه)) . مُتَّفقٌ عَلَيهِ .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله تَ ﴿ قال: ((من قام رمضان
إيماناً) : أي : تصديقاً بوعد الله للثواب (واحتساباً) : منصوب على أنه مفعول
لأجله ، كالذي عطف عليه ؛ أي: طلباً لوجه الله وثوابه ، والاحتساب من
الحسب؛ كالاعتداد من العدد ، وإنما قيل فيمن ينوي بعمله وجه الله : احتسبه ؛
لأنه له حينئذ أن يعتد عمله ، فجعل في حال مُبَاشَرة الفعل ، كأنه معتد به ؛
قاله في ((النهاية)) (غفر له ما تقدم من ذنبه)). متفق عليه): يحتمل أنه يريد
قيام جميع لياليه ، وأن من قام بعضها لا يحصل له ما ذكره من المغفرة ، وهو
الظاهر . وإطلاق الذنب شامل للكبائر والصغائر .
وقال النووي : المعروف أنه يختص بالصغائر ، وبه جزم إمام الحرمين ، ونسبه
عياض لأهل السنة ؛ وهو مبني على أنها لا تغفر الكبائر إلا بالتوبة .
٤٧٩

٥ - كتاب الصيام
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
٦٥٤ - حديث عائشة
وقد زاد النسائي في روايته: ((ما تقدم ، وما تأخر))، وقد أخرجها أحمد،
وأخرجت من طريق مالك ، وتقدم معنى مغفرة الذنب المتأخر .
والحديث دليل على فضيلة قيام رمضان ، والذي يظهر أنه يحصل بصلاة الوتر.
إحدى عشرة ركعة ، كما كان يفعل في رمضان وغيره ، كما سلف في حديث
عائشة؛ وأمّا التراويح على ما اعتيد الآن، فلم تقع في عصره ﴿ه ؛ إنما كان ابتدعها
عمر في خلافته ، وأمر أبياً أن يجمع بالناس ، واختلف في القدر الذي كان يصلي به
أبيّ؛ فقيل : كان يصلي بهم إحدى عشرة ركعة ، وروي : إحدى وعشرون ، وروي :
عشرون ركعة ، وقيل : ثلاث وعشرون ، وقيل غير ذلك ، وقد قدمنا تحقيق ذلك .
٦٥٤ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: كانَ رسول الله عَ﴿ إذا دخلَ
العشرُ - أي: الْعَشرُ الأخيرة منْ رمضان -، شدَّ مئزَرَهُ وَأَحْيا لَيْلَهُ وَأَيْقِظَ أَهْلَهُ.
متفقٌ عليه .
: إذا دخل العشر
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله
- أي : العشر الأخيرة من رمضان -) : هذا التفسير مدرج من كلام الراوي (شد
مئزره) : أي : اعتزل النساء (وأحيا ليله وأيقظ أهله . متفق عليه): وقيل في
تفسير : شد مئزره : إنه كناية عن التشمير للعبادة ، قيل : ويحتمل أن يكون
المعنى أنه شد مئزره: جمَعَه فلم يحلله ، واعتزل النساء وشمر للعبادة ، إلا أنه
يبعده ما روي عن علي رضي الله عنه بلفظ : فشد مئزره واعتزل النساء ؛ فإن
العطف يقتضي المغايرة . وإيقاع الإحياء على الليل مجاز عقلي ؛ لكونه زماناً
للإحياء نفسه ، والمراد به السهر .
٤٨٠
٠
.
: