النص المفهرس
صفحات 421-440
٥ - كتاب الصيام
٦١١ - حديث ابن عمر
رمضان بيوم من شعبان))، وأخرجه الدارقطني وصححه ابن خزيمة في
((صحيحه))، ولأبي داود(١) من حديث عائشة: كان رسول الله صَ لٍ يتحفظ من
شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، يصوم لرؤية الهلال - أي هلال رمضان - فإن غم
عليه ، عدَّ ثلاثين يوماً ثم صام . وأخرج أبو داود(٢) من حديث حذيفة مرفوعاً:
((لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة)). وفي الباب أحاديث
واسعة ، دالة على تحريم صوم يوم الشك ؛ من ذلك قوله :
٦١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله عَّهُ يقول:
((إذا رأيتموهُ فصُوموا، وإذا رأيتموهُ فأَفطروا، فإن غُمَّ عليكمْ فاقْدرُوا له)).
متّفقٌ عليه، ولمسلم: ((فإن أَغمي عليكم فاقدُرُوا له ثلاثين))، وللبخاري :
((فَأَكْملوا العِدة ثلاثين)) .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله عَ راه يقول: ((إذا
رأيتموه) : أي الهلال (فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غُمَّ) : بضم الغين
المعجمة وتشديد الميم ؛ أي : حال بينكم وبينه غيم (عليكم فاقدروا لهُ)). متفق
عليه) .
الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله ، وإفطار أول يوم من
شوال لرؤية الهلال . وظاهره اشتراط رؤية الجميع له من المخاطبين ، لكن قام
(١) وكذا ابن حبان (٨٦٩)، والدارقطني (٢٢٧)، وقال:
((إسناد حسن صحيح)) .
وهو على شرط مسلم .
(٢) وكذا النسائي وغيره. وسنده صحيح: ((التعليقات)) (١٦٣/٣ - ١٦٤).
٤٢١
٥ - كتاب الصيام
٦١١ - حديث ابن عمر
الإجماع على عدم وجوب ذلك ، بل المراد ما يثبت به الحكم الشرعي من إخبار
الواحد العدل أو الاثنين ، على خلاف في ذلك .
فمعنى : ((إذا رأيتموه)) أي : إذا وجدت فيما بينكم الرؤية ، فيدل هذا على
أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد ، فيلزم الحكم .
وقيل : لا يعتبر لأن قوله : ((إذا رأيتموه)) ، خطاب لأناس مخصوصين به ،
وفي المسألة أقوال ليس على أحدها دليل ناهض ، والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية ،
وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها .
وفي قوله : (لرؤيته)) دليل على أن الواحد إذا انفرد برؤية الهلال لزمه الصوم
والإفطار، وهو قول أئمة الآل وأئمة المذاهب الأربعة في الصوم ، واختلفوا في
الإفطار؛ فقال الشافعي : يفطر ويخفيه .
وقال الأكثر: يستمر صائماً احتياطاً؛ كذا قاله في ((الشرح)). ولكنه تقدم له
في أول باب صلاة العيدين أنه لم يقل بأنه يترك يقين نفسه ويتابع حكم
الناس ، إلا محمد بن الحسن الشيباني ، وأن الجمهور يقولون : إنه يتعين عليه
حكم نفسه فيما يتيقنه ، فناقض هنا ما سلف .
وسبب الخلاف قول ابن عباس لكريب : إنه لا يعتد برؤية الهلال وهو بالشام ،
بل يوافق أهل المدينة ، فيصوم الحادي والثلاثين باعتبار رؤية الشام؛ لأنه يوم الثلاثين
عند أهل المدينة . وقال ابن عباس : إن ذلك من السنة . وتقدم الحديث ، وليس بنص
فيما احتجوا به ؛ لاحتماله كما تقدم ، فالحق أنه يعمل بيقين نفسه صوماً وإفطاراً ،
ويحسن التكتم بهما ؛ صوناً للعباد عن إثمهم بإساءة الظن به (ولمسلم) : أي: عن
٤٢٢
٥ - كتاب الصيام
٦١٢ - حديث أبي هريرة
ابن عمر (فإن أَغْمي عليكم ، فاقدروا لهُ ثلاثين)) وللبخاري) : أي عن ابن عمر
((فأكملوا العدة ثلاثين))): قوله : ((فاقدروا له)) هو أمر همزته همزة وصل ، وتكسر
الدال وتضم ، وقيل : الضم خطأ ، وفسَّر المراد به قوله : ((فاقدروا له ثلاثين : وأكملوا
العدة ثلاثين))، والمعنى : أفطروا يوم الثلاثين ، واحسبوا تمام الشهر ، وهذا أحسن
تفاسيره ، وفيه تفاسير أخر نقلها الشارح ، خارجة عن ظاهر المراد من الحديث .
قال ابن بطال : في الحديث دفع لمراعاة المنجمين ، وإنما المعول عليه رؤية
الأهلة ، وقد نهينا عن التكلف ، وقد قال الباجي - في الرد على من قال: إنه
يجوز للحاسب والمنجم وغيرهما الصوم والإفطار اعتماداً على النجوم -: إن
إجماع السلف حجة عليهم ، وقال ابن بزيزة : هو مذهب باطل قد نهت الشريعة
عن الخوض في علم النجوم ؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع .
قال الشارح : قلت : والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن
عمر: أنه ◌َ ة قال: ((إنا أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا
وهكذا))؛ يعني : تسعاً وعشرين مرة وثلاثين مرة .
٦١٢ - ولهُ في حديث أَبي هُريرةَ: ((فأَكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
(وله): أي البخاري (في حديث أبو هريرة: ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))) :
هو تصريح بمفاد الأمر بالصوم لرؤيته في رواية : «فإن غم فأكملوا العدة)» ؛ أي :
عدة شعبان .
وهذه الأحاديث نصوص في أنه لا صوم ولا إفطار ، إلا بالرؤية للهلال ، أو
إكمال العدة .
٤٢٣
٥ - كتاب الصيام
٦١٣ - حديث ابن عمر
٦١٣ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: تراءَى النّاسُ الهلال، فأَخبَرتُ
النّبِيِّ ◌َ﴿ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فصامَ وأَمَرَ النّاس بصيامِهِ. رواهُ أبو داود، وصحّحه
ابنُ حبّان والحاكم .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت
النبي ◌َ﴾ أني رأيته؛ فصام وأمر الناس بصيامه . رواه أبو داود ، وصححه
ابن حبان(١) والحاكم (٢)): الحديث دليل على العمل بخبر الواحد في الصوم
دخولاً فيه ، وهو مذهب طائفة من أئمة العلم . ويشترط فيه العدالة .
وذهب آخرون إلى أنه لا بد من الاثنين لأنها شهادة ، واستدلوا بخبر رواه
النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه قال : جالست أصحاب رسول
الله ﴿ وسألتهم وحدثوني: أن رسول الله مح له قال: ((صوموا لرؤيته ، وأفطروا
لرؤيته ؛ فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ، إلا أن يشهد
شاهد ان))(٣) ، فدل بمفهومه أنه لا يكفي الواحد .
وأجيب عنه بأنه مفهوم ، والمنطوق الذي أفاده حديث ابن عمر ، وحديث
الأعرابي الآتي أقوى منه ، ويدل على قبول خبر الواحد ، فيقبل بخبر المرأة والعبد .
وأما الخروج منه فالظاهر أن الصوم والإفطار مستويان في كفاية خبر الواحد .
وأما حديث ابن عباس وابن عمر: أنه معَ ةٍ : أجاز خبر واحد على هلال
(١) (٨٧١) .
(٢) (٤٢٣/١) .
(٣) تمامه عند النسائي (٣٠١/١): ((فصوموا وأفطروا)).
وإسناده جيد. ورواه الدارقطني أيضاً (٢٣٢).
٤٢٤
٥ - كتاب الصيام
٦١٤ - حديث ابن عباس
رمضان ، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين ؛ فإنه ضعفه الدارقطني
وقال : تفرّد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف .
ويدل لقبول خبر الواحد في الصوم دخولاً أيضاً قوله :
٦١٤ - وعن ابن عَبّاس رضي الله عنهما: أَنَّ أَعرابياً جاء إلى النبي ◌َّهُ
فقال: إِنِّي رَأَيْتُ الهلال، فقال: ((أَتشهد أَنْ لا إله إلا الله؟)) قال : نعم ، قال :
(أَتَشْهَدُ أنَّ محمداً رسول الله؟)) قال: نعمْ، قال: ((فَأَذِّنْ في النَّاس يا بلالُ أَنْ
يَصُوموا غداً)). رواهُ الخمسةُ، وصحّحِهُ ابنُ خُزيمةَ وابنُ حبّان، ورجّح
النسائيُّ إِرْسَالَهُ .
(وعن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ أَعرابياً جاءَ إلى النبي ◌َِّ فقال:
إِنِّي رَأَيْتُ الهلال، فَقال: ((أَتشهد أَنْ لا إله إلا الله؟)) قال: نعم ، قال :
(أَتَشْهَدُ أنَّ محمداً رسول الله؟)) قال: نعمْ، قال: ((فَأَذِّنْ في النَّاس يا بلالُ أَنْ
يَصُوموا غداً)). رواهُ الخمسةُ، وصحّحِهُ ابنُ خُزيمةَ وابنُ حبّان، ورجّح
النسائيُّ إِرْسَالَهُ(١)): فيه دليل كالذي قبله على قبول خبر الواحد في الصوم .
ودلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة؛ إذ لم يطلب ﴿ من الأعرابي
إلا الشهادة .
وفيه أن الأمر في الهلال جار مجرى الإخبار، لا الشهادة وأنه يكفي في
(١) قلت : فيه سماك بن حرب؛ وفيه ضعف ، وهو الذي كان يضطرب في هذا الحديث؛
فتارة يوصله ، وتارة یرسله لا يذكر فيه ابن عباس . قال النسائي :
((هذا أولى بالصواب؛ لأن سماكاً كان يلقن فيتلقن)): ((التعليقات)) (١٦٠).
٤٢٥
٥ - كتاب الصيام
٦١٥ - حديث حفصة أم المؤمنين
الإيمان الإقرار بالشهادتين ، ولا يلزم التبري من سائر الأديان .
٦١٥ - وعن حَفْصةَ أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها: أَنَّ النّبيَّ ◌َُّ قال: ((منْ
لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيامَ قَبْلَ الفجر فلا صيام لهُ)). رواهُ الخمْسةُ، ومَالَ التِّرمذيُّ
والنسائي إلى ترجيح وَقْفِهِ ، وصحّحهُ مَرْفُوعاً ابنُ خُزيمة وابنُ حِبّان ،
والدارقطني : «لا صيام لمن لَّم يفرضْه منَ الليل)).
(وعن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي تَ ﴿ قال: ((من لم يبيت
الصيام قبل الفجر فلا صيام لهُ)) (١). رواه الخمسة ، ومال الترمذي والنسائي إلى
ترجيح وقفه) : على حفصة (وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان ،
وللدارقطني (٢)): أي: عن حفصة ((لا صيام لمنْ لم يفرضه من الليل))) : الحديث .
(١) ((قال النووي: ((الحديث صحيح، رواه أصحاب ((السنن)) وغيرهم بأسانيد كثيرة، رفعاً
ووقفاً ، وصحة وضعفاً ، لكن كثير منها صحيح معتمد عليه ؛ لأن فيها زيادة علم برفعه ، فوجب
قبوله ، وقد قال الدارقطني في بعض طرقه الموصولة : رجال إسناده كلهم أجلة ثقات . قال ابن
حجر: وإذا ثبت صحة الحديث ، واستحضرت القاعدة المقررة أن النفي إذا أطلق ؛ إنما ينصرف
لنفي الحقيقة - دون نفي كمالها -، علم منه وجوب النية ، وردّ قول عطاء ومجاهد وزفر : لا تجب
لرمضان نية؛ لتعينه وعدم انعقاد غيره فيه)). انتهى من ((المرقاة)) (٥١١/٢).
(٢) وكذا رواه ابن ماجه (٥٢٠/١)، والخطابي في ((غريب الحديث)) (ق ١/٣٩)؛ وإسناده
صحيح؛ ومداره على الزهري ، وقد اختلف عليه في سنده ، وفي رفعه ووقفه .
لكن له طريق أخرى عن عائشة عند الدارقطني (ص٢٣٤) ، وقال :
((تفرد به عبدالله بن عباد بهذا الإسناد ، وكلهم ثقات))! كذا قال. وابن عباد ؛ قال الحافظ
في ((التلخيص)) (١٨٨) :
((وهو مجهول ، وقد ذكره ابن حبان في ((الضعفاء». وقال الذهبي :
«إنه ضعيف)».
٤٢٦
٥ - كتاب الصيام
٦١٥ - حديث حفصة أم المؤمنين
اختلف الأئمة في رفعه ووقفه ، وقال أبو محمد بن حزم : الاختلاف فيه
يزيد الخبر قوة ؛ لأن من رواه مرفوعاً قد رواه موقوفاً ، وقد أخرجه الطبراني(١) من
طريق أخرى ، وقال : رجالها ثقات .
وهو يدل على أنه لا يصح الصيام إلا بتبييت النية ، وهو أن ينوي الصيام في
أي جزء من الليل ، وأول وقتها الغروب؛ وذلك لأن الصوم عمل والأعمال
بالنيات ، وأجزاء النهار غير منفصلة من الليل بفاصل يتحقق ؛ فلا يتحقق إلا
إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل .
وتشترط النية لكل يوم على انفراده ، وهذا مشهور من مذهب أحمد ، وله
قول : أنه إذا نوى من أول الشهر تجزئه ، وقوّى هذا القول ابن عقيل بأنه
قال: ((لكل امرئ ما نوى)) وهذا قد نوى جميع الشهر، ولأن رمضان بمنزلة
العبادة الواحدة ؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضاً يستعان بها على صوم نهاره ،
وأطال في الاستدلال على هذا بما يدل على قوّته .
والحديث عام للفرض والنفل والقضاء والنذر معيناً ومطلقاً، وفيه خلاف
وتفاصيل .
واستدل من قال بعدم وجوب التبييت بحديث البخاري: أنه عَليه بعث
رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء أن ((من أكل فليتم أو فليصم ، ومن لم
(١) كذا! ولعله محرف من (الدارقطني)؛ فهو الذي أخرجه من الطريق الأخرى ، كما سبق
بيانه قريباً . ولم أر أحداً من الحفاظ عزاه للطبراني ؛ لا الزيلعي ولا العسقلاني !
٤٢٧
٥ - كتاب الصيام
٦١٦ - حديث عائشة
یأکل فلا يأكل)) ، قالوا : وقد كان واجباً ثم نسخ وجوبه بصوم رمضان ، ونسخ
وجوبه لا يرفع سائر الأحكام ؛ فقيس عليه رمضان وما في حكمه من النذر
المعين والتطوع، فخص عموم: ((فلا صيام له)) ؛ بالقياس وبحديث عائشة
الآتي، فإنه دل على أنه ◌َ هه كان يصوم تطوعاً من غير تبييت النية .
وأجيب بأن صوم عاشوراء غير مساوٍ لصوم رمضان حتى يقاس عليه ،
فإنه ◌َ ألزم الإمساك لمن قد أكل ولمن لم يأكل ؛ فعلم أنه أمر خاص . ولأنه
إنما أجزأ عاشوراء بغير تبييت لتعذره ، فيقاس عليه ما سواه كمن نام حتى
أصبح ، على أن لا يلزم من تمام الإمساك ووجوبه أنه صوم مجزئ ، وأما
حديث عائشة وهو :
ذات يوم
٦١٦ - وعنْ عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي ﴾
فقال: ((هلْ عندكمْ شيءٌ؟)) قُلنا: لا، قال : ((فإني إذاً صائمٌ))، ثمَّ أَتانا يوماً
آخر ، فقلت: أُهديَ لنا حَيْسٌ ، فقال: ((أرينيه؛ فَلَقد أَصبحْتُ صائماً))
فَأَكل . رواهُ مسلمٌ .
ذات يوم
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ النبي
فقال: ((هل عندكم شيءٌ؟)) قلنا: لا ، قال: ((فإني إذاً صائمٌ))، ثم أتانا يوماً
آخر ، فقلت : أهدي لنا حيْس) : بفتح الحاء المهملة فمثناة تحتية فسين مهملة ؛
هو التمر مع السمن والأقط (فقال: ((أَرينيه؛ فلقدْ أصبحت صائماً)) فأكل .
رواه مسلم) .
٤٢٨
٥ - كتاب الصيام
٦١٦ - حديث عائشة
فالجواب(١) عنه أنه أعم من أن يكون بيَّت الصوم أوْ لا ، فيحمل على
التبييت(٢) ؛ لأن المحتمل يرد إلى العام ونحوه ، على أن في بعض روايات حديثها :
((إني كنت أصبحت صائماً)).
والحاصل أن الأصل عموم حديث التبييت ، وعدم الفرق بين الفرض والنفل
والقضاء والنذر ، ولم يقم ما يرفع هذين الأصلين فتعين البقاء عليهما .
:: ((فإني إذاً صائم))، لا سيما وقد جاء في
(١) أقول: لكن لا يساعد هذا الجواب قوله
رواية صحيحة - كما في «المرقاة)) (٥٥٣/٢) -: ((فإني إذاً أصوم)). فهو يدل على جواز نية النفل
في النهار؛ وبه قال الأكثرون ؛ فيكون حديث تبييت النية مخصوصاً بالفرائض دون النفل .
وفي ((صحيح البخاري)) تعليقاً :
((وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا : لا؛ قال: فإني صائم
يومي هذا . وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم)) . قال العيني :
((قوله : وابن عباس ؛ أي : وفعله ابن عباس ؛ فوصل أثره الطحاوي من طريق عمرو بن أبي
عمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه كان يصبح حتى يظهر ، ثم يقول : والله
لقد أصبحت وما أريد الصوم ، وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم ، ولأصومن يومي
هذا)).
(٢) قلت: ويؤيده رواية النسائي (٣٢٠/١) بلفظ: كان يأتيها وهو صائم، فقال: ((أصبح
عندكم شيء تطعمينيه؟)). فتقول: لا، فيقول: ((إني صائم)). ثم جاءها ... الحديث . وسنده
صحيح .
وظاهر قوله : وهو صائم ... أنه كان بيت النية .
لكن قد روى الطحاوي (٣٢٦/١ -٣٢٧)، والبيهقي عن جماعة من الصحابة ، ما يدل
بظاهره أنهم كانوا يرون أن النية بعد الفجر تجزئ في صوم التطوع ؛ فلتراجع !
٤٢٩
٥ - كتاب الصيام
٦١٧ - حديث سهل بن سعد
٦١٧ - وعن سهل بن سَعْدِ رضي الله عنْهُ: أَن رسولَ الله عَظلهم قال: ((لا
يزالُ الناسُ بخير ما عجّلُوا الْفِطْر)) مُتّفَقٌ عَلَيْه.
(وعن سهل بن سعد رضي الله عنه) : هو أبو العباس سهل بن سعد بن
مالك ، أنصاري خزرجي ، يقال : كان اسمه حزناً؛ فسماه رسول الله
سهلاً، مات النبي ◌َ﴿ وله خمس عشرة سنة، ومات سهل بالمدينة (١) سنة
إحدى وتسعين ، وقيل : ثمان وثمانين ، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة
(أن رسول الله ◌َ يُ قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)). متفق
عليه): زاد أحمد(٢): ((وأخروا السحور))، زاد أبو داود: «لأن اليهود والنصارى
يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم))(٣). قال في ((شرح المصابيح)): ثم صار
في ملتنا شعاراً لأهل البدعة وسمة لهم .
والحديث دليل على استحباب تعجيل الإفطار، إذا تحقق غروب الشمس
بالرؤية أو بإخبار من يجوز العمل بقوله ، وقد ذكر العلة وهي مخالفة اليهود
والنصارى ، قال المهلب : والحكمة في ذلك أنه لا يزاد في النهار من الليل ،
ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة .
(١) تقدمت هذه الترجمة مع فارق يسير (ص ١٤٠).
(٢) لم أجد عنده هذه الزيادة، وقد أخرج الحديث في مواضع (٣٣١/٥، ٣٣٤، ٣٣٦،
٣٣٩،٣٣٧) عن سهل .
نعم ، أحدها (١٤٧/٥ ، ١٧٢) من حديث أبي ذر بسند ضعيف .
(٣) ليس عند أبي داود (٣٧٠/١) قوله: ((الإفطار إلى اشتباك النجوم)).
وكذلك رواه ابن حبان (٨٨٩)، والحاكم (٤٣٤/١)، والبيهقي (٢٣٧/٤). وسندهم حسن.
٤٣٠
٥ - كتاب الصيام
٦١٨ و٦١٩ - حديثا أبي هريرة وأنس
قال الشافعي : تعجيل الإفطار مستحب ، ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده ،
ورأى الفضل فيه .
قلت: في إباحته ا المواصلة إلى السحر، كما في حديث أبي سعيد ، ما
يدل على أنه لا كراهة إذا كان ذلك سياسة للنفس ودفعاً لشهوتها ، إلا أن قوله :
٦١٨ - وللتِّرْمذي مِنْ حديث أَبي هُريْرة رضي الله عنه عن النبيِّ ◌َه
قالَ : ((قالَ الله عَزَّ وجلَّ : أَحُّ عبادي إليَّ أَعْجَلُهُمْ نْراً) .
(وللترمذي(١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َ ﴾ قال:
((قال الله عز وجل : أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً))) : دال على أن تعجيل
الإفطار أحب إلى الله تعالى من تأخيره ، وأن إباحة المواصلة إلى السحر لا تكون
أفضل من تعجيل الإفطار، أو يراد : بعبادي : الذين يفطرون ولا يواصلون إلى
السحر ، وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه خارج عن عموم هذا
الحديث ؛ لتصريحه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ليس مثلهم - كما يأتي - فهو
أحب الصائمين إلى الله تعالى ، وإن لم يكن أعجلهم فطراً؛ لأنه قد أذن له في
الوصال ، ولو أياماً متصلة كما يأتي .
٦١٩ - وعنْ أَنس بنِ مَالكِ رضي الله عنْهُ قال: قال رسولُ الله ◌َ ثانٍ:
(تَسَخَّرُوا فإن في السّحُور بركةً)) . مُتَفقٌ عَلَيه .
(وعن أنس بن مالك؛ رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَزاله: ((تسحّروا
(١) وكذا ابن حبان (٨٨٦)، وأحمد (٣٢٩،٢٣٧/٢) ، وقال الترمذي :
«حدیث حسن)» !
قلت : ولعله لشواهده ؛ وإلا ففي سنده قرة بن عبدالرحمن ؛ وفيه ضعف !
٤٣١
ـعد
٥ - كتاب الصيام
٦٢٠ - حديث سلمان بن عامر
فإنّ في السّحور) : بفتح المهملة : اسم لما يتسحر به ، وروي بالضم على أنه مصدر
(بركة)). متفق عليه): زاد أحمد(١) من حديث أبي سعيد: ((فلا تدعوه ولو أن
يتجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)).
وظاهر الأمر وجوب التسحر ، ولکنه صرفه عنه إلی الندب ما ثبت من
مواصلته ﴿ ومواصلة أصحابه ، ويأتي الكلام في حكم الوصال .
ونقل ابن المنذر الإجماع على أن التسحر مندوب .
والبركة المشار إليها فيه ، اتباع السنَّة ، ومخالفة أهل الكتاب ؛ لحديث مسلم
مرفوعاً : ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب ، أكلة السحر))، والتقوي به
على العبادة ، وزيادة النشاط ، والتسبب للصدقة على من سأل وقت السحر .
٦٢٠ - وعَنْ سلمان بن عامر الضُّبِّيِّ رضي الله عنهُ عن رسول الله
قال: ((إذا أَفْطَرِ أَحَدُكُمْ فَلْيَفطر على تمرٍ ، فإن لم يجدْ فَلْيُفطر على ماءٍ فإِنّهُ
طَهُورٌ)) . رواهُ الخمسة، وصحّحهُ ابنُ خزيمة وابن حبَّان والحاكمُ .
(وعن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه) : قال ابن عبد البر في
((الاستيعاب)): إنه ليس من الصحابة ضبي غير سلمان بن عامر المذكور (عن
رسول اللّه ◌َ ﴿ قال: ((إذا أَفْطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر
على ماءٍ فإنّه طهورٌ)). رواه الخمسة ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم).
والحديث قد روي من حديث عمران بن حصين وفيه ضعف ، ومن حديث
أنس رواه الترمذي والحاكم وصححه ، ورواه أيضاً الترمذي والنسائي وغيرهم من
(١) في ((المسند)) (١٢/٣، ٤٤) من طريقين عنه .
٤٣٢
٥ - كتاب الصيام
٦٢١ - حديث أبي هريرة
حديث أنس من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : كان رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي ، فإن لم يكن فعلى تمرات ، فإن
لم يكن حسا حسوات من الماء .
وورد في عدد التمر أنها ثلاث ، وفي الباب روايات في معنى ما ذكرناه .
ودل على أن الإفطار بما ذكر هو السنة . قال ابن القيم : وهذا من كمال
شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلوّ المعدة
أدعى إلى قبوله ، وانتفاع القوى به ، لا سيما القوة الباصرة ، فإنها تقوى به ، وأما
الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس ، فإن رطبت بالماء كمل انتفاعها
بالغذاء بعده ، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح
القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب .
٦٢١ - وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: نَهى رسُولُ الله ◌َ لِ عن
الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين : فإنك تواصلُ يا رسُولَ الله؟ فقال: ((وأيُّكمْ
مِثْلي؟! إني أَبيتُ يُطْعمني ربِّي وَيَسْقيني)) ، فلمّا أَبوا أَن يَنْتَهُوا عن الوصال ،
واصل بهم يوماً ثمَّ يوماً، ثمَّ رَأَوُا الهلال، فقال: ((لوْ تأَخَّرَ الهلالُ لزدتُكُمْ))؛
كالمُنَكِّل لهُم حين أَبُوْا أَن يَنْتهوا . مُتّفَقٌ عَلَيه .
عن الوصال) :
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله
هو ترك الفطر بالنهار وفي ليالي رمضان بالقصد (فقال رجل من المسلمين) : قال
المصنف : لم أقف على اسمه (فإنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: ((وأيكم مثلي؟!
إني أبيت يطعمني ربي ويسْقيني))، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، واصل
٤٣٣
٥ - كتاب الصيام
٦٢١ - حديث أبي هريرة
بهم يوماً ثمَّ يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: ((لوْ تأَخرَ الهلالُ لزدتكُمْ))؛ كالمنكل
لهم حين أبوا أن ينتهوا . متفق عليه) : الحديث عند الشيخين من حديث أبي
هريرة وابن عمر وعائشة وأنس ، وتفرّد مسلم بإخراجه عن أبي سعيد .
وهو دليل على تحريم الوصال؛ لأنه الأصل في النهي ، وقد أبيح الوصال إلى
السحر؛ لحديث أبي سعيد: ((فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)).
وفي حديث أبي سعيد هذا دليل على أن إمساك بعض الليل مواصلة . وهو
يردّ على من قال: إن الليل ليس محلاً للصوم فلا ينعقد بنيته .
وفي الحديث دلالة على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم ،
وقد اختلف في حق غيره ، فقيل بالتحريم مطلقاً ، وقيل : محرّم في حق من يشق
عليه ، ويباح لمن لا يشق عليه ، الأول رأي الأكثر للنهي وأصله التحريم .
واستدل من قال: إنه لا يحرم، بأنه سي واصل بهم ، ولو كان النهي للتحريم ،
لما أقرّهم عليه فهو قرينة أنه للكراهة رحمة لهم وتخفيفاً عنهم، ولأنه أخرج أبو
داود عن رجل من الصحابة : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن
الحجامة والمواصلة ولم يحرّمهما؛ إبقاء على أصحابه .. إسناده صحيح(١)، و:
إبقاء ، متعلق بقوله : نهى . وروى البزار والطبراني في الأوسط من حديث
سمرة: نهى النبي صل عن الوصال وليس بالعزيمة(٢). ويدل له أيضاً مواصلة
(١) وهو كما قال، وكذا قال الحافظ في ((الفتح)) (١٤٤/٤، ١٦٤).
وهو في «المسند» (٣١٤/٤، ٣١٥ و٣٦٣/٥، ٣٦٤)، وعنه أخرجه أبو داود (٣٧٣/١).
(٢) وسنده ضعيف، كما في ((المجمع)) (١٥٨/٣).
٤٣٤
٥ - كتاب الصيام
٦٢١ - حديث أبي هريرة
الصحابة ، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : أن ابن الزبير كان يواصل
خمسة عشر يوماً . وذكر ذلك عن جماعة غيره ، فلو فهموا التحريم لما فعلوه ،
ويدل للجواز أيضاً ما أخرجه ابن السكن مرفوعاً: ((إن الله لم يكتب الصيام
بالليل ، فمن شاء فليتبعني ولا أجر له)).
قالوا: والتعليل بأنه من فعل النصارى(١) لا يقتضي التحريم .
واعتذر الجمهور عن مواصلته ◌َّ هِ بالصحابة ؛ بأن ذلك كان تقريعاً لهم
وتنكيلاً بهم . واحتمل جواز ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم ؛
لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي ، وکان ذلك أدعى إلى قبوله ؛ لما
يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه ، وأرجح من وظائف
العبادات ، والأقرب من الأقوال هو التفصيل .
وقوله تعَ ﴿هُ: ((وأيكم مثلي))؟! استفهام إنكار وتوبيخ ؛ أي : أيكم على صفتي
ومنزلتي من ربي؟!
واختلف في قوله : ((يطعمني ويسقيني))؛ فقيل: هو على حقيقته ؛ كان
يطعم ويسقى من عند الله، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً.
وأجيب عنه بأنه ما كان من طعام الجنة على جهة التكريم ، فإنه لا ينافي
التکلیف ، ولا یکون له حکم طعام الدنیا .
وقال ابن القيم : المراد ما يغذيه الله من معارفه ، وما يفيضه على قلبه من
(١) يشير إلى حديث بشير بن الخصاصية في النهي عن الوصال، وقال ◌َ له: ((يفعل ذلك
النصارى)).
أخرجه أحمد (٢٢٥/٥) وغيره ؛ سند رجاله ثقات، غير ليلى امرأة بشير؛ مجهولة .
٤٣٥
٥ - كتاب الصيام
٦٢١ - حديث أبي هريرة
لذة مناجاته ، وقرة عينه بقربه ، وتنعمه بحبه والشوق إليه ، وتوابع ذلك من
الأحوال ، التي هي غذاء القلوب ، وتنعيم(١) الأرواح ، وقرة العين ، وبهجة
النفوس ، وللقلب(٢) والروح بها(٣) أعظم وأجود غذاء وأنفعه ، وقد يقوي هذا
الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام برهة من الزمان ، كما قيل شعراً :
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها أحادیث من ذكراك تشغلها
ومن حديثك في أعقابها حادي
لها بوجهك نور یستضاء به
ومن له أدنى معرفة أو تشوّق ، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن
كثير من الغذاء الحيواني ، ولا سيما المسرور الفرحان ، الظافر بمطلوبه ، الذي قرّت
عينه بمحبوبه ، وتنعم بقربه والرضا عنه . وساق هذا المعنى واختار هذا الوجه في
الإطعام والإسقاء .
وأما الوصال إلى السَّحَر فقد أذن ◌َ ﴿ فيه كما في حديث البخاري عن أبي
سعيد : أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ((لا تواصلوا فأيكم
أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)).
وأما حديث عمر في (الصحيحين)) مرفوعاً: ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر
النهار من ههنا وغربت الشمس ، فقد أفطر الصائم))، فإنه لا ينافي الوصال؛
لأن المراد بـ ((أفطر)): دخل في وقت الإفطار، لا أنه صار مفطراً حقيقة كما
قيل ؛ لأنه لو صار مفطراً حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي
(١) نعيم .
(٢) القلب .
(٣) بما هو ((زاد))
٤٣٦
٥ - كتاب الصيام
٦٢٢ و٦٢٣ - حديثا أبي هريرة وعائشة
عن الوصال ، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر .
٦٢٢ - وعَنْهُ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ
الزُّور والعَمَلَ بِهِ والجهْلَ، فَلَيْسَ للّه حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشرابَهُ)). رواهُ
البُخاريُّ وأَبو داود ، واللّفْظُ لهُ .
(وعنه): أي: أبي هريرة (رضي الله عنه قال: قال رسول الله عز له: ((من لم يدع
قول الزور): أي : الكذب (والعمل به والجهل) : أي : السفه (فليس لله حاجة) :
أي : إرادة (في أن يدع طعامه وشرابه)). رواه البخاري وأبو داود ، واللفظ له) .
الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به ، وتحريم السفه على الصائم ،
وهما محرمان على غير الصائم أيضاً ، إلا أن التحريم في حقه آكد ، كتأكد تحريم
الزنا من الشيخ ، والخيلاء من الفقير .
والمراد من قوله: ((فليس لله حاجة)) - أي: إرادة بيان -، عظم ارتكاب ما
ذكر ، وأن صيامه كلا صيام ، ولا معنى لاعتبار المفهوم هنا ، فإن الله لا يحتاج
إلى أحد، وهو الغني سبحانه ــ ذكره ابن بطال -، وقيل : هو كناية عن عدم
القبول ، كما يقول المغضب لمن ردّ شيئاً عليه : لا حاجة لي في كذا ، وقيل : إن
معناه أن ثواب الصيام لا يقاوم - في حكم الموازنة - ما يستحق من العقاب لما ذكر .
هذا وقد ورد في الحديث الآخر: ((فإن شاتمه أحد أو سابه ، فليقل : إني
صائم)) ، فلا تشتم مبتدئاً ولا مجاوباً .
٦٢٣ - وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ رسول الله ◌َُّرٍ يُقَبِّلُ وَهُو
صائمٌ ، ويُباشرُ وهُوَ صائمٌ ، ولكنه كانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ . مُتّفقٌ عليه ، واللفظ
٤٣٧
٥ - كتاب الصيام
٦٢٣ - حديث عائشة
المسلم ، وزاد في روايةٍ : في رَمَضَان .
یقبل وهو صائم ،
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله
ويباشر) : المباشرة : الملامسة ، وقد ترد بمعنى الوطء في الفرج ، وليس بمراد هنا
(وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه): بكسر الهمزة وسكون الراء فموحدة(١)؛
وهو حاجة النفس ووطرها، وقال المصنف في ((التلخيص)): معناه : لعضوه
(متفق عليه ، واللفظ لمسلم، وزاد): أي: مسلم (في رواية: في رمضان).
قال العلماء : معنى الحديث : أنه ينبغي لكم الاحتراز من القُبْلة ، ولا تتوهموا
أنكم مثل رسول الله ◌َ لله في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه ، ويأمن من وقوع
القبلة أن يتولد عنها إنزال أو شهوة ، أو هيجان نفس ، أو نحو ذلك ، وأنتم لا
تأمنون ذلك ، فطريقكم كف النفس عن ذلك . وأخرج النسائي من طريق
الأسود : قلت لعائشة : أيباشر الصائم؟ قالت : لا ، قلت : أليس رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم كان يباشر وهو صائم؟ قالت : إنه كان أملككم لإربه . وظاهر
هذا : أنها اعتقدت أن ذلك خاص به صلى الله عليه وآله وسلم .
قال القرطبي : وهو اجتهاد منها . وقيل : الظاهر أنها ترى كراهة القبلة لغيره
كراهة تنزيه لا تحريم؛ كما يدل له قولها: أملككم لإربه . وفي كتاب
((الصيام)) لأبي يوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة : سئلت عائشة عن
المباشرة للصائم ، فكرهتها .
(١) ضبطه في ((الفتح)) (١٢٢/٤): بفتح الهمزة والراء وبالموحدة؛ أي: حاجته . ثم ذكر
الضبط الذي في الكتاب ، وقال :
((أي عضوه . والأول أشهر)».
٤٣٨
٥ - كتاب الصيام
٦٢٣ - حديث عائشة
وظاهر حديث الباب جواز القبلة والمباشرة للصائم ؛ لدليل التأسي به
صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأنها ذكرت عائشة الحديث جواباً عمَّن سأل عن
القبلة وهو صائم، وجوابها قاض بالإباحة مستدلة بما كان يفعله عليه ، وفي
المسألة أقوال :
الأول للمالكية : أنه مكروه مطلقاً .
الثاني : أنه محرّم مستدلين بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]؛
فإنه منع المباشرة في النهار، وأجيب بأن المراد بها في الآية الجماع، وقد بين
ذلك فعله عملية كما أفاده حديث الباب ، وقال قوم : إنها تحرم القبلة ، وقالوا : إن
من قبَّل بطل صومه .
الثالث : أنه مباح ، وبالغ بعض الظاهرية فقال : إنه مستحب .
الرابع : التفصيل : فقال : يكره للشاب ، ويباح للشيخ ، ويروى عن ابن عباس ؛
ودليله ما أخرجه أبو داود(١): أنه أتاه ◌َّ ةٍ رجل فسأله عن المباشرة للصائم فرخص
له ، وأتاه آخر فسأله فنهاه ؛ فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب .
الخامس : أن من ملك نفسه جازله وإلا فلا ، وهو مروي عن الشافعي
واستدل له بحديث عمر بن أبي سلمة: لما سأل النبي ◌َ ﴿ فأخبرته أمه أم
سلمة أنه ﴿﴿ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من
(١) في ((سننه)) (٣٧٤/١)، وسنده محتمل للتحسين . والحديث جيد ؛ فإن له شواهد ، كما
بينته في ((التعليقات الجياد)) (٢٥/٤).
٤٣٩
٥ - كتاب الصيام
٦٢٣ - حديث عائشة
ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((إني أخشاكم لله))(١) . فدل على أنه لا فرق بين الشاب
والشيخ، وإلا لبينه ﴿ لعمر ، لا سيما وعمر كان في ابتداء تكليفه .
وقد ظهر مما عرفت أن الإباحة أقوى الأقوال . ويدل لذلك ما أخرجه أحمد
وأبو داود(٢) من حديث عمر بن الخطاب قال: هششت يوماً فقبلت وأنا صائم ،
فأتيت النبي :{ 8 فقلت : صنعت اليوم أمراً عظيماً ، فقبلت وأنا صائم؟ فقال
رسول الله عَزاله: ((أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟)) قلت : لا بأس بذلك،
فقال رسول الله ﴿﴿: ((فقيم؟)). انتهى.
قوله : هششت - بفتح الهاء وكسر الشين المعجمة بعدها شين معجمة ساكنة -
معناه : ارتحت وخففت .
واختلفوا أيضاً فيما إذا قَبَّل أو نظر أو باشر فأنزل أو أمذى؛ فعن الشافعي
وغيره أنه يقضي إذا أنزل في غير النظر ، ولا قضاء في الإمذاء .
وقال مالك : يقضي في كل ذلك ، ويكفر إلا في الإمذاء فيقضي فقط .
وثمة خلافات أخر؛ الأظهر أنه لا قضاء ولا كفارة إلا على من جامع ، وإلحاق
غير المجامع به بعيد .
تنبيه : قوله : وهو صائم ، لا يدل أنه قبلها وهي صائمة ، وقد أخرج ابن
حبان في ((صحيحه)) عن عائشة : كان يقبل بعض نسائه في الفريضة والتطوع .
(١) لفظه في ((مسلم)) (١٣٧/٣): ((أما والله إني أتقاكم الله وأخشاكم له)).
(٢) وسنده صحيح ، وصححه الطحاوي ، وابن حبان (٩٠٥) والنووي وغيرهم ، كما بينته
في ((التعليقات الجياد)) (٢٢/٤) .
٤٤٠