النص المفهرس
صفحات 381-400
٤ - كتاب الزكاة
٥٨٤ - حديث عبد الله بن عمرو
٥٨٤ - وَعَنْ عَمْرو بن شُعيب عن أبيه عن جَدِّه رضي الله عنهُمْ: أَنَّ رسول
الله ◌َّهُ قالَ في كَنْز وَجَدَهُ رجلٌ فِي خَربةٍ : ((إنْ وجدتهُ في قَريْة مسْكونة
فعَرِّفه ، وإن وجدته في قرية غير مَسْكونةٍ ففيه وفي الرِّكاز الخُمُس)). أخرجه
ابن ماجهْ بإسناد حسنٍ .
(وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم : أن رسول الله
قال في كنز وجده رجلٌ في خربة : ((إن وجدته في قرية مسكونة فعرّفه ،
وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس)». أخرجه ابن ماجه
بإسناد حسن): في قوله: ((ففيه وفي الركاز)) بيان أنه قد صار ملكاً لواجده ،
وأنه يجب عليه إخراج خمسه ، وهذا الذي يجده في قرية لم يسمه الشارع ركازاً؛
لأنه لم يستخرجه من باطن الأرض ؛ بل ظاهره أنه وجد في ظاهر القرية .
وذهب الشافعي ومن تبعه إلى أنه يشترط في الركاز أمران : كونه جاهلياً ،
وكونه في موات ؛ فإن وجد في شارع أو مسجد ، فلقطة ؛ لأن يد المسلمين
عليه ، وقد جهل مالكه ، فيكون لقطة ؛ وإن وجد في ملك شخص فللشخص
المالك - إن لم ينفه عن ملكه -، فإن نفاه عن ملكه فلمن ملكه عنه ، وهكذا
حتى ينتهي إلى المحيي للأرض . ووجه ما ذهب إليه الشافعي ما أخرجه هو
عن عمرو بن شعيب بلفظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في كنز
وجده رجل في خربة جاهلية : ((إن وجدته في قرية مسكونة ، أو في سبيل
ميتاء ، فعرِّفه ، وإن وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ، ففيه وفي
الركاز الخمس)).
٣٨١
٤ - كتاب الزكاة
٥٨٥ ۔ حديث بلال بن الحارث
أَخَذَ من
٥٨٥ - وعنْ بلال بن الحارث رضي اللهُ عنهُ: أَنَّ رسولَ الله
المعادن القَبَلية الصَّدقة . رواهُ أَبو داود .
(وعن بلال بن الحارث رضي الله عنه) : هو المزني وفد على رسول الله
سنة خمس ، وسكن المدينة ، وكان أحد من يحمل ألوية مزينة يوم الفتح ، روى
عنه ابنه الحارث، مات سنة ستين وله ثمانون سنة (أن رسول الله عَ ل﴿ أخذ
من المعادن القَبَلية) : بفتح القاف وفتح الموحدة وكسر اللام وياء مشددة مفتوحة ،
وهو موضع بناحية الفرع (الصدقة . رواه أبو داود): وفي (الموطأ»: عن ربيعة ،
عن غير واحد من علمائهم: أنه ما أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية ،
وأخذ منها الزكاة دون الخمس .
قال الشافعي بعد أن روى حديث مالك : ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ،
ولم يكن فيه رواية عن النبي هم إلا إقطاعه، وأما الزكاة في المعادن دون
الخمس ، فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال البيهقي : هو
كما قال الشافعي في رواية مالك .
والحديث يدل على وجوب الصدقة في المعادن ، ويحتمل أنه أريد بها
الخمس ، وقد ذهب غيرهم إلى الثاني ، وهو وجوب الخمس ؛ لقوله: ((وفي
الركاز الخمس)»، وإن كان فيه احتمال كما سلف .
٣٨٢
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٦ - حديث ابن عمر
١ - باب صدقة الفطر
أي : الإفطار، وأضيفت إليه لأنه سببها ، كما يدل له ما في بعض روايات
البخاري: ((زكاة الفطر من رمضان)) .
٥٨٦ - عَن ابن عُمر رضي الله عنهُمَا قال: فرض رسول الله مح له زكاة
الفطر؛ صاعاً منْ تَمْر، أو صَاعاً من شعير: على الْعبد والحُرِّ ، والذكَر
والأنْثى، والصَّغير والكبير من المسلمين ، وأمر بها أَنْ تُؤدَّى قَبْلَ خُرُوج
النّاس إلى الصلاة . مُتَفَقٌ عَلَيهِ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: فرض رسول الله عَطُهِ زكاة الفطر؛
صاعاً): نصب على التمييز، أو بدل من ((زكاة)) بيان لها (من تمر ، أو صاعاً من
شعير: على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ،
وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة . متفق عليه) .
الحديث(١) دليل على وجوب صدقة الفطر؛ لقوله : فرض ؛ فإنه بمعنى : ألزم
(١) وقال الشيخ علي القاري في ((المرقاة)): ((قال الطيبي: دلّ على أنها فريضة. والحنفية
على أنها واجبة . أقول : لعدم ثبوتها بدليل قطعي ؛ فهو فرض عملي لا اعتقادي . قال ابن
الهمام: وما يستدل به على الوجوب ما استدل به الشافعي على الافتراض ؛ فإن حمل اللفظ
على الحقيقة الشرعية متعين ؛ ما لم يقم صارف عنه ، والحقيقة الشرعية في الفرض غير مجرد
التقدير ؛ خصوصاً في لفظ البخاري ومسلم في هذا الحديث : أنه عليه السلام أمر بزكاة الفطر .
ومعنى لفظ: (فرض) هو معنى لفظ: (أمر)، والأمر الثابت بظنيٌّ إنما يفيد الوجوب؛ ولا خلاف
في المعنى ؛ فإن الافتراض الذي يثبتونه ليس على وجه يكفر جاحده ؛ فهو معنى الوجوب الذي
نقول به ، غايته أن الفرض في اصطلاحهم أعم من الواجب في عرفنا؛ فأطلقناه على أحد =
٣٨٣
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٦ - حديث ابن عمر
وأوجب ، قال إسحاق : هي واجبة بالإجماع ، وكأنه ما علم فيها الخلاف لداود
وبعض الشافعية! فإنهم قالوا : إنها سنة ، وتأولوا: فرض، بأن المراد قَدَّرَ ، وَرُدَّ
هذا التأويل بأنه خلاف الظاهر .
وأما القول بأنها كانت فرضاً، ثم نسخت بالزكاة لحديث قيس بن عبادة :
بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة لم
أمرنا رسول الله
یأمرنا ، ولم ینهنا . فهو قول غیر صحیح ؛ لأن الحديث فيه راو مجهول ، ولو سُلم
بصحته ؛ فليس فيه دليل على النسخ ؛ لأن عدم أمره لهم بصدقة الفطر ثانياً ، لا
يشعر بأنها نسخت ؛ فإنه يكفي الأمر الأوّل ، ولا يرفعه عدم الأمر .
والحديث دليل على عموم وجوبها على العبيد والأحرار، الذكور والإناث ،
= جزءيه . اهـ. وفيه دليل لمذهبنا . ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب ؛ بأن الأول
ما ثبت بقطعي والثاني ما ثبت بظني ؛ قالوا : إن الفرض هنا بمعنى الواجب! وفيه نظر؛ لأن
هذا قطعي ؛ لما علمت أنه مجمع عليه ؛ فالفرض باق فيه على حاله حتى على قواعدهم ؛ فلا
يحتاج لتأويلهم الفرض هنا بالواجب. ا هـ. وفيه أن الإجماع - على تقدير ثبوته - إنما هو في.
لزوم هذا الفعل . وأما أنه على طريق الفرض أو الواجب ؛ بناء على اصطلاح الفقهاء
المتأخرين ؛ لا سيّما والأحاديث متعارضة في التعبير والوجوب . وأما قوله : ووجوبها مجمع
عليه ، كما حكاه المنذري والبيهقي ؛ فمنقوض بأن جمعاً حكوا الخلاف فيها من بعض
الصحابة وغيرهم ، وتبعهم ابن اللبان من الشافعية ، وسبقه إليه الأصم . هذا؛ وابن المسيب
والحسن البصري : أنها لا تجب إلا على من صلى وصام . وعن علي كرم الله وجهه : أنها لا
تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة . وعن عطاء وربيعة والزهري : أنها لا تجب إلا على أهل
البادية . فثبت بهذا النزاع عدم صحة الإجماع. والحديث ظني، ومدلوله غير قطعي)). انتهى
كلام القاري رحمه الباري .
٣٨٤
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٦ - حديث ابن عمر
صغيراً وكبيراً ، وغنياً وفقيراً . وقد أخرج البيهقي من حديث عبد الله بن أبي
ثعلبة ، أو ثعلبة بن عبدالله مرفوعاً: ((أدّوا صاعاً من قمح عن كل إنسان ،
ذكراً، أو أنثى ، صغيراً، أو كبيراً، غنياً، أو فقيراً، أو مملوكاً؛ أما الغني فيزكيه
الله، وأمّا الفقير فيردّ الله عليه أكثر مما أعطى))، قال المنذري في ((مختصر
السنن)) : في إسناده النعمان بن راشد ، لا يحتج بحديثه .
نعم ، العبد تلزم مولاه عند من يقول: إنه لا يملك ، ومن يقول : إنه يملك
تلزمه ، وكذلك الزوجة يلزم زوجها ، والخادم مخدومه ، والقريب من تلزمه نفقته ؛
لحديث: ((أدّوا صدقة الفطر عمن تمونون)). أخرجه الدارقطني والبيهقي، وإسناده
ضعيف ؛ ولذلك وقع الخلاف في المسألة كما هو مبسوط في ((الشرح)) وغيره .
وأما الصغير فتلزم في ماله إن كان له مال ، كما تلزمه الزكاة في ماله ، وإن
لم يكن له مال لزمت مُنْفِقَه كما يقول الجمهور ، وقيل : تلزم الأب مطلقاً،
وقيل : لا تجب على الصغير أصلاً ؛ لأنها شرعت طهرة للصائم من اللغو والرفث
وطعمة للمساكين ، كما يأتي .
وأجيب بأنه خرج على الأغلب ؛ فلا يقاومه تصريح حديث ابن عمر
بإيجابها على الصغير .
وهو أيضاً دال على أنه يجب صاع على كل إنسان من التمر والشعير ، ولا
خلاف في ذلك ، وكذلك ورد صاع من زبيب .
وقوله في الحديث ((من المسلمين))، لأئمة الحديث كلام طويل في هذه
٣٨٥
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٧ - حديث ابن عمر
الزيادة ؛ لأنه لم يتفق عليها الرواة لهذا الحديث ، إلا أنها على كل تقدير زيادة
من عدل فتقبل ، ويدل على اشتراط الإسلام في وجوب صدقة الفطر ، وأنها لا
تجب على الكافر عن نفسه . وهذا متفق عليه ؛ وهل يخرجها المسلم عن عبده
الكافر؟ فقال الجمهور : لا .
وقالت الحنفية وغيرهم: تجب ، مستدلين بحديث: ((ليس على المسلم في
عبده صدقة إلا صدقة الفطر)) ، وأجيب بأن حديث الباب خاص ، والخاص
يقضى به على العام؛ فعموم قوله : ((عبده)) مخصص بقوله : من المسلمين .
وأما قول الطحاوي: إن المسلمين صفة للمُخْرِجين لا للمُخَرج عنهم ، فإنه
يأباه ظاهر الحديث ؛ فإنه فيه العبد وكذا الصغير وهم ممن يخرَج عنهم ، فدل
على أن صفة الإسلام لا تختص بالمخرجين ، ويؤيده حديث مسلم بلفظ: ((على
كل نفس من المسلمين : حر، أو عبد)).
وقوله : وأمر بها أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة ، يدل على أن المبادرة
بها هي المأمور بها ، فلو أخرها عن الصلاة أثم ، وخرجت عن كونها صدقة فطر ،
وصارت صدقة من الصدقات ، ويؤكد ذلك قوله :
٥٨٧ - ولابن عدي والدارقطني عنه رضي اللهُ عنه بإسناد ضعيف: ((أَغْنُوهُم
عن الطوافِ في هذا اليوم)) .
(ولابن عدي والدارقطني عنه رضي الله عنه) : أي : من حديث ابن عمر
(بإسناد ضعيف): لأن فيه محمد بن عمر الواقدي ((أغنوهم) : أي : الفقراء
(عن الطّواف): في الأزقة والأسواق لطلب المعاش (في هذا اليوم))) : أي : يوم
٣٨٦
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٨ - حديث أبي سعيد
العيد . وإغناؤهم يكون بإعطائهم صدقته أول اليوم .
٥٨٨ - وعنْ أبي سعيد رضي الله عنه قال: كُنّا نُعطيها في زمان النّبيِّ
صاعاً منْ طعام، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً منْ شعير، أو صاعاً من
زبيب. متفقٌ عَلَيه، وفي رواية: أوْ صاعاً من أَقط، قال أَبُو سعيد: أَمّا أَنا فلا
أَزالُ أُخْرِجُهُ كما كنتُ أُخرجه في زمان رسول الله ◌َ ه. ولأبي داودَ: لا
أخرجُ أَبداً إلا صاعاً.
(وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كنا نعطيها) : أي : صدقة الفطر (في
زمان النبي ◌َّ﴾ صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير، أو
صاعاً من زبيب . متفق عليه ، وفي رواية: أو صاعاً من أقط) : بفتح الهمزة ،
وهو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به ، كما في ((النهاية)).
ولا خلاف فيما ذكر أنه يجب فيه صاع ، وإنما الخلاف في الحنطة ؛ فإنه
أخرج ابن خزيمة عن سفيان عن ابن عمر : أنه لما كان معاوية عدل الناس نصف
صاع بر بصاع شعير ، وذلك أنه لم يأت نص في الحنطة أنه يخرج فيها صاع .
والقول بأن أبا سعيد أراد بالطعام الحنطة في حديثه هذا غير صحيح، كما
حققه المصنف في ((فتح الباري)) ، قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً
نعتمد عليه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكن البر في المدينة ذلك
الوقت إلا الشيء اليسير منه ، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع
منه يقوم مقام صاع من شعير؛ وهم الأئمة ، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا
إلى قول مثلهم ، ولا يخفى أنه قد خالف أبو سعيد كما يفيده قوله قال الراوي
٣٨٧
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٨ - حديث أبي سعيد
(قال أبو سعيد : أما أنا فلا أزال أخرجه) : أي : الصاع (كما كنت أخرجه في
زمان رسول الله . ولأبي داود:): عن أبي سعيد (لا أخرج أبداً إلا
صاعاً) : أي : من أي قوت .
أخرج ابن خزيمة والحاكم : قال أبو سعيد : - وقد ذكر عنده صدقة رمضان -
فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول الله عَظيم: صاعاً من تمر، أو
صاعاً من حنطة ، أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من أقط ، فقال له رجل من القوم :
أو مدّين من قمح؟ قال: لا ، تلك فعل معاوية ، لا أقبلها ، ولا أعمل بها . لكنه
قال ابن خزيمة : ذِكْرُ الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ ، ولا أدري ممن الوهم؟
وقال النووي : تمسك بقول معاوية من قال بلُدَّين من الحنطة ، وفيه نظر لأنه
فعل صحابي ، وقد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة
منه ، وأعلم بحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد صرح معاوية بأنه رأيٌ
رآه لا أنه سمعه من النبي ﴿ ، كما أخرجه البيهقي في ((السنن)) من حديث
أبي سعيد: أنه قدم معاوية حاجاً ، أو معتمراً فكلم الناس على المنبر ، فكان
فيما كلم به الناس أنه قال : إني أرى مدَّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من
تمر، فأخذ بذلك الناس ، فقال أبو سعيد : أما أنا فلا أزال أخرجه ... الحديث
المذكور في الكتاب ؛ فهذا صريح أنه رأي معاوية .
قال البيهقي بعد إيراد أحاديث في الباب ما لفظه : وقد وردت أخبار عن
النبي :{8} في صاع من برّ ، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصح شيء من
ذلك، وقد بينت علة كل واحد منها في ((الخلافيات)). انتهى.
٣٨٨
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٩ ۔ حديث ابن عباس
٥٨٩ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: فرض رسولُ الله عَّهِ زكاة
الفطر ؛ طُهْرةً للصائم منَ اللّغو والرّفث ، وطُعْمةً للمساكين ، فَمَنْ أَدَّاها قبلَ
الصَّلاة فهيَ زكاةٌ مَقْبُولةٌ ، ومَنْ أَدَّها بَعْد الصَّلاة فَهي صَدقةٌ مَن
الصَّدقات . رواهُ أَبُو داود وابن ماجَه ، وَصحّحه الحاكم .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: فرض رسول اللّه ◌َ ا﴾ زكاة الفطر؛
طُهْرة للصَّائم من اللغو والرَّفث) : والواقع منه في صومه (وطعمة للمساكين ، فمن
أَدَّاها قبْل الصلاة) : أي : صلاة العيد (فهي زكاةٌ مقبولةٌ ، ومن أدَّاها بعد الصَّلاة
فهي صدقةٌ من الصَّدقات . رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم) .
فيه دليل على وجوبها ؛ لقوله : فرض ؛ كما سلف .
ودليل على أن الصدقات تكفر السيئات .
ودليل على أن وقت إخراجها قبل صلاة العيد ، وأن وجوبها مؤقت ، فقيل :
تجب من فجر أول شوال ؛ لقوله: ((أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم))، وقيل:
من غروب آخر يوم من رمضان لقوله : طهرة للصائم ، وقيل : تجب بمضي الوقتين
عملاً بالدليلين .
وفي جواز تقديمها أقوال : منهم من ألحقها بالزكاة فقال : يجوز تقديمها ، ولو
إلى عامين ، ومنهم من قال : يجوز في رمضان لا قبله ؛ لأن لها سببين : الصوم
والإفطار؛ فلا تتقدمهما كالنصاب والحول ، وقيل : لا تقدم على وقت وجوبها
إلا ما يغتفر كاليوم واليومين ؛ وأدلة الأقوال كما ترى .
٣٨٩
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب صدقة الفطر
٥٨٩ ۔ حديث ابن عباس
وفي قوله : ((طعمة للمساكين))، دليل على اختصاصهم بها؛ وإليه ذهب
جماعة من الآل .
وذهب آخرون إلى أنها كالزكاة تصرف في الثمانية الأصناف ، واستقواه
المهدي ؛ لعموم ﴿إنما الصدقات﴾ [التوبة: ٦٠]، والتنصيص على بعض الأصناف
لا يلزم منه التخصيص ؛ فإنه قد وقع ذلك في الزكاة ، ولم يقل أحد بتخصيص
مصرفها ؛ ففي حديث معاذ: أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم .
:
٣٩٠
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٠ - حديث أبي هريرة
٢ - باب صدقة التطوع
أي : النفل
٥٩٠ - عَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم
قال: ((سبْعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه يَوْم لا ظلَّ إلا ظلّه))؛ فَذَكَرَ الحديث ، وفيه :
((رجلٌ تصدَّق بصَدقة فأخفاها، حتّى لا تعْلَمَ شمَالُهُ ما تُنْفِقُ يمِينُهُ)) . مُتّفقٌ عليه .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
((سبعة يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله))؛ فذكر الحديث): في تعداد
السبعة ، وهم : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة ربه ، ورجل قلبه معلق
بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله ؛ اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ، ورجل دعته
امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت
عيناه (وفيه: ((رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها، حتّى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه)). متفق عليه): قيل : المراد بالظل : الحماية والكنف؛ كما يقال : أنا في
ظل فلان ، وقيل : المراد : ظل عرشه ، ويدل له ما أخرجه سعيد بن منصور من
حديث سلمان: ((سبعة يظلهم الله في ظل عرشه))، وبه جزم القرطبي .
وقوله : ((أخفى)) ، بلفظ الفعل الماضي حال بتقدير : قد .
وقوله : ((حتى لا تعلم شماله))، مبالغة في الإخفاء وتبعيد الصدقة عن
مظان الرياء ، ويحتمل أنه على حذف مضاف ؛ أي : عن شماله .
وفيه دليل على فضل إخفاء الصدقة على إبدائها ، إلا أن يعلم أن في
إظهارها ترغيباً للناس في الاقتداء ، وأنه يحرس سره عن داعية الرياء ، وقد قال
تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية .
٣٩١
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩١ - حديث عقبة بن عامر
والصدقة في الحديث عامة للواجبة والنافلة ؛ فلا يظن أنها خاصة بالنافلة
حيث جعله المصنف في بابها .
واعلم أنه لا مفهوم يعمل به في قوله : ((ورجل تصدق))؛ فإن المرأة كذلك
إلا في الإمامة ، ولا مفهوم أيضاً للعدد ؛ فقد وردت خصال تقتضي الظل ،
وأبلغها المصنف في ((الفتح)) إلى ثمان وعشرين خصلة ، وزاد عليها الحافظ
السيوطي ، حتّى أبلغها إلى سبعين وأفردها بالتأليف ، ثم لخصها في كراسة
سماها : ((بزوغ الهلال في الخصال المقتضية للظلال)).
٥٩١ - وعنْ عُقبةَ بن عامر رضي الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله
يقُول : ((كلُّ امرئ في ظلِّ صدقتِهِ، حتّى يُفْصَل بين النّاس)). رواهُ ابنُ حِبّان
والحاكمُ .
(وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول:
((كلُّ امرئٍ في ظلِّ صَدقَتِهِ) : أي : يوم القيامة ، أعم من صدقته الواجبة
والنافلة (حتى يفصل بين الناس)) . رواه ابن حبان والحاكم).
فيه حث على الصدقة ، وأمّا كونه في ظلها فيحتمل الحقيقة ، وأنها تأتي
أعيان الصدقة فتدفع عنه حرّ الشمس ؛ أو المراد في كنفها وحمايتها .
ومن فوائد صدقة النفل أنها تكون توفية لصدقة الفرض ، إن وجدت في
الآخرة ناقصة ؛ كما أخرجه الحاكم في ((الكنى)) من حديث ابن عمر ؛ وفيه :
((وانظروا في زكاة عبدي؛ فإن كان ضيع منها شيئاً ، فانظروا هل تجدون
٣٩٢
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٢ ٥٩٣ - حديثا أبي سعيد وحكيم بن حزام
لعبدي نافلة من صدقة ؛ لتتموا بها ما نقص من الزكاة)) ، فيؤخذ ذلك على
فرائض الله ، وذلك برحمة الله وعدله .
: قال: «أَيُّما
٥٩٢ - وعَنْ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي
مُسْلم كسَا مُسْلماً ثَوْباً على عُرْي ، كساهُ الله من خُضْر الجنّة ، وأَيُّما مسلم
أَطعم مُسلماً على جوع، أَطعمهُ اللَّه من ثمار الجنّة ، وَأَيُّما مُسْلم سقى مُسلماً
على ظَمَأ ، سقاه اللهُ منَ الرَّحيق المختوم)). رواهُ أبو داود ، وفي إسناده لينٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّهُ قال: «أَيُّمَا مُسلم
كسا مُسْلماً ثوباً على عُرْي ، كساهُ الله من خضر الجنّة): أي : من ثيابها الخضر
(وأَيُّما مُسلم أطْعمَ مُسلماً) : متصفاً بكونه (على جوع ، أطعمه الله من ثمار
الجنّة ، وأَيُّما مسلم سقى مسلماً): متصفاً بكونه (على ظمأ، سقاهُ الله من
الرحيق) : هو الخالص من الشراب الذي لا غش فيه (المختوم))): الذي تختم
أوانيه ، وهو عبارة عن نفاستها (رواه أبو داود ، وفي إسناده لين): لم يبين
الشارح وجهه ، وفي ((مختصر السنن)) للمنذري : في إسناده أبو خالد يزيد بن عبد
الرحمن المعروف بالدالاني ، وقد أثنى عليه غير واحد وتكلم فيه غير واحد .
وفي الحديث الحث على أنواع البر ، وإعطائها من هو مفتقر إليها ، وكون
الجزاء عليها من جنس الفعل .
قال: ((اليَدُ
٥٩٣ - وعنْ حكيم بن حزام رضي الله عنه: عن النبي ◌َّ
العُلْيا خَيرٌ من اليد السفلى ، وابدأ بمنْ تَعُول ، وخيْرُ الصَّدقة ما كان عِنْ ظَهْر
غنِىِّ، ومَنْ يسْتَعْففْ يُعفَّه الله، وَمَنْ يسْتَغْنِ يُغْنِه اللهُ)). مُتّفقٌ عليه، واللّفْظُ
٣٩٣
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٣ ۔ حدیث حكيم بن حزام
للبخاريِ.
(وعنْ حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي ◌َّهُ قال: ((اليَدُ العُلْيا
خَيْرٌ من اليدِ السفلى ، وابْدأ بمنْ تَعُول ، وخيْرُ الصَّدقة ما كان عنْ ظهْر غنَّى ،
ومَنْ يسْتَعْفِفْ يُعفه الله، وَمَنْ يسْتَغْنِ يُغْنِه الله)). مُتّفقٌ عليه، واللّفْظُ
للبخاريِّ) : أكثر التفاسير، وعليه الأكثرون أن اليد العليا يد المعطي ، والسفلى
يد السائل ، وقيل : يد المتعفف ، ولو بعد أن يمد إليه المعطي ، وعلوها معنوي،
وقيل : يد الآخذ بغير سؤال ، وقيل : العليا المعطية ، والسفلى المانعة .
وقال قوم من المتصوفة : اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً ، قال ابن قتيبة :
ما أرى هؤلاء إلا قوماً استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة ، ونِعْم ما قال !
وقد ورد التفسير النبوي بأن اليد العليا التي تعطي ، ولا تأخذ ، أخرجه إسحاق
في ((مسنده)) عن حكيم بن حزام قال : يا رسول الله! ما اليد العليا؟ فذكره .
وفي الحديث دليل على البداءة بنفسه وعياله لأنهم الأهم .
وفيه أن أفضل الصدقة ما بقي بعد إخراجها صاحبها مستغنياً؛ إذْ معنى
أفضل الصدقة : ما أبقى المتصدق من ماله ما يستظهر به على حوائجه ومصالحه ؛
لأن المتصدق بجميع ماله يندم غالباً ، ويحب إذا احتاج أنه لم يتصدق ، ولفظ :
الظَّهْر؛ كما قال الخطابي : يورد في مثل هذا اتساعاً في الكلام ، وقيل غير ذلك .
واختلف العلماء في صدقة الرجل بجميع ماله ، فقال القاضي عياض : إنه
جوزه العلماء وأئمة الأمصار، قال الطبراني ومع جوازه فالمستحب ألا يفعله وأن
٣٩٤
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٤ - حديث أبي هريرة
يقتصر على الثلث .
والأولى أن يقال : من تصدق بماله كله ، وكان صبوراً على الفاقة ، ولا عيال
له ، أو له عيال يصبرون ، فلا كلام في حسن ذلك ، ويدل له قوله تعالی :
﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ [الحشر: ٩] الآية، ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾
[الإنسان: ٨] ، ومن لم يكن بهذه المثابة كره له ذلك .
وقوله : ((ومن يستعفف))؛ أي: عن المسألة ((يعفه الله))؛ أي: يعينه الله على
العفة ((ومن يستغن))، بما عنده، وإن قل ((يغنه الله))، بإلقاء القناعة في قلبه
والقنوع بما عنده .
٥٩٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله ! أي
الصَّدقة أَفضلُ؟ قال: ((جُهْدُ المُقِلِّ، وابدأ بمن تَعولُ)). أَخْرِجَهُ أَحْمَدُ وأَبو
داود ، وصححه ابنُ خزيمة والحاكم وابن حبّان .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيلَ: يا رسول الله! أي الصَّدقة
أَفضلُ؟ قال: ((جُهْدُ الْمُقلِّ، وابدأ بمن تَعولُ)). أَخْرِجَهُ أَحْمَدُ وأَبو داود ،
وصححه ابنُ خزيمة والحاكم وابن حبّان) : الجهْد ؛ بضم الجيم وسكون الهاء :
الوسع والطاقة ، وبالفتح : المشقة ، وقيل : المبالغة والغاية ، وقيل : هما لغتان
بمعنى ، قال في ((النهاية)): أي: قدر ما يحتمله القليل من المال ، وهذا بمعنى
حديث : ((سبق درهم مائة ألف درهم ؛ رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق
به ، ورجل له مال كثير؛ فأخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها» .
أخرجه النسائي من حديث أبي ذر، وأخرجه ابن حبان والحاكم من حديث
٣٩٥
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٥ - حديث أبي هريرة
أبي هريرة ، ووجه الجمع بين هذا الحديث والذي قبله ما قاله البيهقي ، ولفظه :
والجمع بين قوله ﴿: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى))، وقوله: «أفضل
الصدقة جهد المقل)) ، أنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة
والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية ، وساق أحاديث تدل على ذلك .
: (تصَدَّقوا)) ، فقال رَجُلٌ : يا رسولَ
٥٩٥ - وعنْهُ قال : قال رسولُ الله
الله! عندي دينارٌ؟ قالَ: ((تَصَدَّق به على نَفْسك))، قال: عِنْدي آخر، قالَ:
(تصدق به على ولدك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصَدَّق به على خادمك))،
قال: عِنْدي آخر، قال: ((أَنْتَ أَبْصَرُ به)). رواهُ أَبو داود والنسائيُّ، وصحّحه
ابن حبّان والحاكم .
(وعنْهُ): أي: أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسولُ الله ◌َّانِ :
(تصَدَّقوا))، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! عندي دينارٌ؟ قالَ: ((تَصَدَّق به على
نَفْسك)»، قال: عِنْدي آخرُ ، قالَ: «تصدق به على ولدك) ، قال: عندي
آخرُ، قال: ((تصَدَّق به على خادمك))، قال: عنْدي آخر، قال: ((أَنْتَ أَبْصَرُ
به)). رواهُ أَبو داود والنسائيُّ، وصحّحه ابن حبّان والحاكم): ولم يذكر في
هذا الحديث الزوجة ، وقد وردت في ((صحيح مسلم)) مقدمة على الولد .
وفيه أن النفقة على النفس صدقة وأنه يبدأ بها ، ثم على الزوجة ، ثم على
الولد ، ثم على العبد إن كان ، أو مطلق من يخدمه ، ثم حيث شاء ؛ ويأتي في
النفقات تحقيق النفقة على من تجب له أوّلاً فأوّلاً .
: (إذا أَنفَقَتْ
٥٩٦ - وعَنْ عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: قال النبي
٣٩٦
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٦ - حديث عائشة
المرْأَة من طعام بَيْتها غيرَ مُفْسدة ، كان لها أَجرُها بما أَنْفَقَتْ ، ولزوجها أَجْرُهُ بما
اكْتَسَبَ، وللخادم مِثْلُ ذلك؛ لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ من أَجْر بعض شيئاً)). مُتّفقٌ
عَلَيْه .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ ◌َ اهُ: ((إذا أَنفقت المرأة من
طعام بيتها غير مفسدة) : كأن المراد : غير مسرفة في الإنفاق (كان لها أجرُها بما
أَنفقتْ ، ولزوْجها أَجْرُهُ بما اكتسب ، وللخادم مثل ذلك ؛ لا ينقص بعضهم من
أَجْر بعض شيئاً)) . متفق عليه) .
فيه دليل جواز تصدق المرأة من بيت زوجها ، والمراد : إنفاقها من الطعام
الذي لها فيه تصرف بصفته للزوج ومن يتعلق به ، شرط أن يكون ذلك بغير
إضرار ، وألا يخل بنفقتهم .
قال ابن العربي : قد اختلف السلف في ذلك ؛ فمنهم من أجازه في الشيء
اليسير الذي لا يُؤْبَهُ له ، ولا يظهر به النقصان ، ومنهم من حمله على ما إذا أذن
الزوج ، ولو بطريق الإجمال ، وهو اختيار البخاري ، ويدل له ما أخرجه الترمذي
عن أبي أمامة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا
بإذنه))، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ((ذلك أفضل أموالنا))، إلا أنه
قد عارضه ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: ((إذا أنفقت المرأة
من كسب زوجها من غير أمره ، فلها نصف أجره)) ، ولعله يقال في الجمع
بينهما: إن إنفاقها مع إذنه تستحق به الأجر كاملاً ، ومع عدم الإذن نصف
الأجر ، وإن النهي عن إنفاقها من غير إذنه ، إذا عرفت منه الفقر ، أو البخل ،
٣٩٧
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٧ - حديث أبي سعيد
فلا يحل لها الإنفاق إلا بإذنه ، بخلاف ما إذا عرفت منه خلاف ذلك ، جاز لها
الإنفاق من غير إذنه ، ولها نصف أجره .
ومنهم من قال : المراد بنفقة المرأة والعبد والخادم النفقة على عيال صاحب
المال في مصالحه ، وهو بعيد من لفظ الحديث .
ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال : المرأة لها حق في مال الزوج والتصرف
في بيته ، فجاز لها أن تتصدق ، بخلاف الخادم ؛ فليس له تصرف في مال
مولاه ؛ فيشترط الإذن فيه .
ويرد عليه أن المرأة ليس لها التصرف ، إلا في القدر الذي تستحقه ، وإذا
تصدقت منه اختصت بأجره ، ثم ظاهره أنهم سواء في الأجر ، ويحتمل أن المراد
بالمثل حصول الأجر في الجملة ، وإن كان أجر المكتسب أوفر إلا أن في حديث
أبي هريرة: ((ولها نصف أجره))، فهو يشعر بالمساواة .
٥٩٧ - وعنْ أَبي سعيدٍ رضي الله عنه قالَ: جاءَت زينب امرأةُ ابن مسعود
فقالت: يا رسول الله! إنّكَ أَمَرْتَ اليوْمَ بِالصَّدقة، وكان عندي حُليٌّ لي
فَأَردتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ ؛ فَزَعَمَ ابنُ مسْعُود أَنّهُ وولدهُ أَحَقُّ مَنْ أَتِصَدَّقُ به عليهم؟
◌َّهُ : ((صَدَقَ ابن مسعود، زَوْجُك وولدُك أُحقُّ منْ تَصَدقت به
قال النبي
عليهم)) . رَوَاهُ البخاري .
(وعنْ أَبي سعيد رضي الله عنه قالَ: جاءَت زينب امرأَةُ ابن مسعود
فقالت: يا رسول الله! إنّكَ أَمَرْتَ اليوْمَ بالصَّدقة، وكان عندي حُليٌّ لي
فَأَردتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ ؛ فَزَعَمَ ابنُ مسْعُود أَنَّهُ وولدهُ أَحَقُّ مَنْ أَتَصَدَّقُ به عليهم؟
٣٩٨
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٧ - حديث أبي سعيد
قال النبي ﴿: ((صَدَقَ ابن مسعود، زَوْجُك وولدُك أَحقُّ منْ تَصَدّقت به
عليهم)) . رَوَاهُ البخاري): فيه دلالة على أن الصدقة على من كان أقرب من
المتصدق أفضل وأولى ، والحديث ظاهر في صدقة الواجب ، ويحتمل أن المراد
بها التطوع ، والأول أوضح ، ويؤيده ما أخرجه البخاري عن زينب امرأة ابن
مسعود أنها قالت : يا رسول الله! أيجزي عنا أن نجعل الصدقة في زوج فقير،
وأبناء أخ أيتام في حجورنا؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لك
أجر الصدقة وأجر الصلة))، وأخرجه أيضاً مسلم ، وهو أوضح في صدقة
الواجب ؛ لقولها : أيجزي؟ ، ولقوله : صدقة وصلة ؛ إذ الصدقة عند الإطلاق
تتبادر في الواجبة ، وبهذا جزم المازني .
وهو دليل على جواز صرف زكاة المرأة في زوجها ، وهو قول الجمهور ، وفيه
خلاف لأبي حنيفة ، ولا دليل له يقاوم النص المذكور ، ومن استدل له بأنها
تعود إليها فكأنها ما خرجت عنها ، فقد أورد عليه أنه يلزمه منع صرفها صدقة
التطوع في زوجها ، مع أنها يجوز صرفها فيه اتفاقاً .
وأما الزوج فاتفقوا على أنه لا يجوز له صرف صدقة واجبة في زوجته ؛
قالوا : لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن الزكاة ؛ قاله المصنف في
(الفتح))، وعندي في هذا الأخير توقف ؛ لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على
زوجها لا يصيرها غنية الغنى الذي يمنع من حل الزكاة لها .
وفي قوله : وولده ، ما يدل على إجزائها في الولد ، إلا أنه ادعى ابن المنذر
الإجماع على عدم جواز صرفها إلى الولد ، وحملوا الحديث على أنه في غير
٣٩٩
٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٨ - حديث ابن عمر
الواجبة ، أو أن الصرف إلى الزوج ، وهو المنفق على الأولاد ، أو أن الأولاد للزوج،
ولم يكونوا منها ؛ كما يشعر به ما وقع في رواية أخرى على زوجها وأيتام في
حجرها ، ولعلهم أولاد زوجها ؛ وسموا : أيتاماً باعتبار اليتم من الأم .
: ((لا يزال
٥٩٨ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا قال : قال رسول الله
الرَّجُلُ يَسْأَلُ النّاسَ، حتّى يأتيَ يَوْمَ القيامة، وليس في وجهِهِ مُزْعَةُ لَحْم)).
متفقٌ عليه .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله عَليهِ: ((لا يزال
الرجل) : والمرأة (يسأل الناس) : أموالهم (حتى يأتي يوم القيامة ، وليس في
وجهه مزعة): بضم الميم وسكون الزاي فعين مهملة (لحم)). متفق عليه).
الحديث دليل على قبح كثرة السؤال ، وأن كل مسألة تذهب من وجهه
قطعة لحم، حتّى لا يبقى فيه شيء ؛ لقوله : ((لا يزال)).
ولفظ الناس عام مخصوص بالسلطان ؛ كما يأتي .
والحديث مطلق في قبح السؤال مطلقاً ، وقيَّده البخاري بمن يسأل تكثراً؛
كما يأتي - يعني : من سأل، وهو غني - فإنه ترجم له بباب من سأل تكثراً، لا
من سأل لحاجة ؛ فإنه يباح له ذلك ، ويأتي قريباً بيان الغنى الذي يمنع من
السؤال .
-قال الخطابي: معنى قوله : ((وليس في وجهه مزعة لحم)) ، يحتمل أن يكون
المراد به : يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه ، أو يعذب في وجهه ، حتّى يسقط
٤٠٠