النص المفهرس

صفحات 361-380

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٧ - حديث علي
وقرر في ((المنار)) بعد بحث طويل أن نصاب الفضة من القروش الموجودة
على رأي الهادوية ثلاثة عشر قرشاً ، وعلى رأي الشافعية أربعة عشر ، وعلى
رأي الحنفية عشرون وتزيد قليلاً .
وأن نصاب الذهب عند الهادوية خمسة عشر أحمر ، وعشرون عند الحنفية
ثم قال : وهذا تقريب .
وفيه : أن قدر زكاة المائتي الدرهم ربع العشر ، وهو إجماع .
وقوله : ((فما زاد فبحساب ذلك))، قد عرفت أن في رفعه خلافاً، وعلى
ثبوته فيدل على أنه يجب في الزائد ، وقال بذلك جماعة من العلماء ، وروي
عن علي وعن ابن عمر أنهما قالا : ما زاد على النصاب من الذهب والفضة ،
ففيه - أي : الزائد - ربع العشر في قليله وكثيره ، وأنه لا وقص فيهما . ولعلهم
يحملون حديث جابر الآتي بلفظ: ((وليس فيما دون خمس أواق صدقة)) على
ما إذا انفردت عن نصاب منهما ، لا إذا كانت مضافة إلى نصاب منهما ، وهذا
الخلاف في الذهب والفضة .
وأما الحبوب فقال النووي في ((شرح مسلم)): إنهم أجمعوا فيما زاد على
خمسة أوسق أنها تجب زكاته بحسابه ، وأنه لا أوقاص فيها . اهـ. وحملوا ما
يأتي من حديث أبي سعيد بلفظ : ((وليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا
حب صدقة))، على ما لم ينضم إلى خمسة أوسق ، وهذا يقوي مذهب علي
وابن عمر رضي الله عنهم الذي قدمناه في النقدين .
وقوله : «ولیس عليك شيء حتی یکون لك عشرون ديناراً)) ، فیه حكم
٣٦١

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٧ - حديث علي
نصاب الذهب ، وقدر زكاته ، وأنه عشرون ديناراً وفيها نصف دينار ، وهو أيضاً
ربع عشرها ، وهو عام لكل فضة وذهب : مضروبين أو غير مضروبين ، وفي حديث
،
أبي سعيد مرفوعاً - أخرجه الدارقطني - وفيه: ((ولا يحل في الورق زكاة حتى
يبلغ خمس أواق))، وأخرج أيضاً من حديث جابر مرفوعاً: ((ليس فيما دون
خمس أواق من الورق صدقة)) .
وأما الذهب ففيه هذا الحديث ، ونقل المصنف عن الشافعي أنه قال : فرض
رسول الله :﴿﴿ في الورق صدقة ؛ فأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة ، إما
بخبر لم يبلغنا وإما قياساً. وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي ◌َ﴿ في الذهب
شيء من جهة نقل الآحاد الثقات ، وذكر هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود
وأخرجه الدارقطني . قلت : لكن قوله تعالى : ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ [التوبة: ٣٤] الآية ، منبه على أن في الذهب حقاً لله ،
وأخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي
هريرة قال: قال رسول الله خلي: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها ،
إلا جعلت له يوم القيامة صفائح وأحمي عليه))، الحديث ؛ فحقها هو زكاتها .
وفي الباب عدة أحاديث يشدّ بعضها بعضاً؛ سردها في ((الدرّ المنثور).
ولا بد في نصاب الذهب والفضة من أن يكونا خالصين من الغش ، وفي
((شرح الدميري)) على ((المنهاج)) أنه إذا كان الغش يماثل أجرة الضرب والتلخيص ،
فيتسامح به ، وبه عمل الناس على الإخراج منها .
ودل الحديث على أنه لا زكاة في المال حتى يحول عليه الحول ، وهو قول
٣٦٢

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٨ و٥٦٩ - حديثا ابن عمر وعلي
الجماهير ، وفيه خلاف لجماعة من الصحابة والتابعين وبعض الآل وداود ؛
فقالوا : إنه لا يشترط الحول؛ لإطلاق حديث: ((وفي الرقة ربع العشر))؛
وأجيب بأنه مقيد بهذا الحديث وما عضده من الشواهد ، ومن شواهده أيضاً :
٥٦٨ - وللترمذيِّ عن ابن عُمَر رضي الله عنهما: من استفادَ مالاً فلا زكاة
عليه حتى يحولَ عَلَيْه الحولُ . والرَّاجحُ وقَفُهُ .
(وللترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما: من استفاد مالاً فلا زكاة عليه
حتى يحول عليه الحول) : رواه مرفوعاً (والراجح وقفه) : إلا أن له حكم الرفع ؛
إذ لا مسرح للاجتهاد فيه ، وتؤيده آثار صحيحة عن الخلفاء الأربعة وغيرهم ،
فإذا حال عليه الحول فينبغي المبادرة بإخراجها .
فقد أخرج الشافعي والبخاري في التاريخ من حديث عائشة مرفوعاً : ((ما
خالطت الصدقة مالاً قط ، إلا أهلكته)) ، وأخرجه الحميدي وزاد : ((یکون قد
وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها ؛ فيهلك الحرام الحلال)) . قال ابن
تيمية في ((المنتقى)) : قد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين .
٥٦٩ - وَعَنْ علي رضي الله عَنْهُ قال: لَيْس في الْبَقَر الْعوامِلِ صَدَقةٌ . رواهُ
أَبو داودَ والدارقطني ، والرَّاجحُ وقفهُ أَيضاً .
(وعن علي رضي الله عنه قال : ليس في البقر العوامل صدقة . رواه أبو داود
والدارقطني ، والراجح وقفه أيضاً) : قال المصنف : قال البيهقي : رواه النفيلي عن
زهير بالشك في وقفه ورفعه ، إلا أنه ذكره المصنف بلفظ : ليس في البقر العوامل
شيء ، ورواه بلفظ الكتاب من حديث ابن عباس ، ونسبه للدارقطني ؛ وفيه متروك ،
٣٦٣

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٠ - حديث عبد الله بن عمرو
وأخرجه الدارقطني ؛ من حديث علي عليه السلام، وأخرجه من حديث جابر إلا
أنه بلفظ: ((ليس في البقر المثيرة صدقة))، وضعف البيهقي إسناده .
والحديث دليل على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء ، وظاهره سواء كانت
سائمة أو معلوفة ، وقد ثبتت شرطية السوم في الغنم في البخاري ، وفي الإبل في
حديث بهز عند أبي داود والنسائي . قال الدميري : وألحقت البقر بهما .
٥٧٠ - وَعَنِ عَمْرو بن شعيب عَنْ أَبيه عَنْ جَدِّه عبد الله بنِ عَمْروِ رضي
اللهُ عنهم : أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلَّم قالَ: ((مَنْ ولي
يتيماً لَهُ مالٌ ، فَلْيَتَجِرْ لهُ ولا يترُكْهُ حتى تأكُلَّهُ الصَّدقةُ)). رواهُ الترمذي
والدارقُطْني ، وإسنادهُ ضعيفٌ ، وَلَهُ شاهدٌ مُرسَلٌ عند الشافعي .
(وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم:
أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ((منْ وليَ يتيماً لهُ مالٌ،
فلْيَتّجرْ له ولا يتركْهُ حتى تأكُّلَهُ الصَّدقة)) . رواهُ الترمذي والدارقطني ، وإسناده
ضعيف): لأن فيه المثنى بن الصباح في رواية الترمذي ؛ والمثنى ضعيف ، ورواية
الدارقطني فيها مندل بن علي ؛ ضعيف ، والعزرمي؛ متروك؛ ولكن قال المصنف
(وله): أي لحديث عمرو (شاهد مرسل عند الشافعي): هو قوله محلية: ((ابتغوا
في أموال الأيتام ؛ لا تأكلها الزكاة)) . أخرجه من رواية ابن جريج عن يونس بن
ماهك مرسلاً، وأكده الشافعي لعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة
مطلقاً ، وقد روي مثل حديث عمرو أيضاً عن أنس وعن ابن عمرو موقوفاً ، وعن
علي عليه السلام؛ فإنه أخرج الدارقطني من حديث أبي رافع قال : كانت لآل أبي
٣٦٤

٤ - كتاب الزكاة
٥٧١ - حديث عبد الله بن أبي أوفى
رافع أموال عند علي ، فلما دفعها إليهم وجدوها تنقص ، فحسبوها مع الزكاة
فوجدوها تامة ، فأتوا عليّاً فقال : كنتم ترون أن يكون عندي مال لا أزكيه؟! وعن
عائشة - أخرجه مالك في ((الموطأ) -: أنها كانت تخرج زكاة أيتام كانوا في حجرها .
ففي الكل دلالة على وجوب الزكاة في مال الصبي كالمكلف ، ويجب على
وليّه الإخراج ؛ وهو رأي الجمهور ، وروي عن ابن مسعود أنه يخرجه الصبي بعد
تكليفه ، وذهب ابن عباس وجماعة إلى أنه يلزمه إخراج العشر من ماله ؛ لعموم
أدلته لا غيره؛ لحديث: ((رفع القلم)). قلت : ولا يخفى أنه لا دلالة فيه ، وأن
العموم في العشر أيضاً حاصل في غيره؛ كحديث : ((في الرقة ربع العشر)) ونحوه .
٥٧١ - وَعَنْ عبد الله بن أَبِي أَوْفى رضي الله عنْهُما قالَ: كان رسول الله
إذا أَتَاه قومٌ بصدَقَتهمْ ، قال: ((اللهُمَّ، صلِّ عليهم)) . مُتفقٌ عليه .
(وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: كان رسول الله
إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ((اللهم، صل عليهم)). متفق عليه) : هذا منه
صلى الله عليه وآله وسلم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ إلى
قوله : ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ فإنه أمره الله بالصلاة عليهم ، ففعلها بلفظها
حيث قال: ((اللهم، صل على آل أبي فلان)»، وقد ورد أنه دعا لهم بالبركة ؛ كما
أخرجه النسائي أنه قال في رجل بعث بالزكاة: ((اللهم، بارك فيه، وفي أهله)).
وقال بعض الظاهرية بوجوب ذلك على الإمام؛ كأنه أخذه من الأمر في
الآية، وردّ بأنه لو وجب لعلمه { السعاة ؛ ولم ينقل ، فالأمر محمول في الآية
على أنه خاص به ◌َ له ؛ فإنه الذي صلاته سكن لهم .
٣٦٥

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٢ - حديث علي
واستدل بالحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء ، وأنه يدعو المصدق
بهذا الدعاء لمن أتى بصدقة ، وكرهه مالك .
وقال الخطابي : أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له ؛
فصلاة النبي به على أمته دعاء لهم بالمغفرة ، وصلاتهم عليه دعاء له بزيادة
القربى والزلفى ؛ ولذلك كان لا يليق بغيره .
٥٧٢ - وَعَنْ عليّ عليه السلام: أَنَّ العباس رضي اللهُ عنهُ سأَل النبي
في تعجيل صَدقتهِ قبْلَ أن تحلَّ، فرخّص لهُ في ذلك . رواهُ التّرمذي والحاكم .
(وعن علي عليه السلام: أن العباس رضي الله عنه سأل النبي :﴿ في
تعجيل صدقته قبل أن تحل ، فرخص له في ذلك . رواه الترمذي والحاكم) :
قال الترمذي : وفي الباب عن ابن عباس .
قال : وقد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها ، ورأى طائفة من
أهل العلم ألا يعجلها ؛ وبه يقول سفيان . وقال أكثر أهل العلم : إن عجلها قبل
محلها ، أجزأت عنه. انتهى، وقد روى الحديث أحمد وأصحاب ((السنن))
والبيهقي وقال: قال الشافعي: روي أنه ﴿ تسلف صدقة مال العباس قبل أن.
تحل ، ولا أدري أثبت أم لا؟ قال البيهقي : عنى بذلك هذا الحديث ؛ وهو معتضد
بحديث أبي البختري عن علي عليه السلام: أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((إنا كنا احتجنا
فأسلفنا العباس صدقة عامين))، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع . وقد ورد هذا من
طرق بألفاظ مجموعها يدل أنه ﴿﴿ تقدم من العباس زكاة عامين . واختلفت
الروايات ؛ هل هو استلف ذلك أو تقدمه ، ولعلهما واقعان معاً .
٣٦٦

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٣ ۔ حديث جابر
وهو دليل على جواز تعجيل الزكاة . وإليه ذهب الأكثر كما قاله الترمذي
وغيره ، ولكنه مخصوص جوازه بالمالك ، ولا يصح من المتصرف بالوصاية
والولاية، واستدل من منع التعجيل مطلقاً بحديث: ((إنه لا زكاة حتى يحول
الحول))؛ كما دلت له الأحاديث التي تقدمت .
والجواب أنه لا وجوب حتى يحول عليه الحول ، وهذا لا ينفي جواز
التعجيل . وبأنه كالصلاة قبل الوقت ؛ وأجيب بأنه لا قياس مع النص .
قال: «لَیْس فیما دون
٥٧٣ - وعنْ جابر رضي اللهُ عنهُ عنْ رسول الله
خمس أواق من الوَرق صَدقة ، ولْيْس فيما دُون خَمْس ذَوْد من الإبل صدقةٌ ،
ولَيس فيما دُون خمسةٍ أَوْسق من الثمر صدقةٌ)) . رواهُ مسلمٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله ◌َ يُ قال: ((ليس فيما دون خمس
أواق): ووقع في مسلم: ((أواقي)) - بالياء -؛ وفي غيره بحذفها ، وكلاهما صحيح ؛
ء
فإنه جمع أوقية ؛ ويجوز في جمعهما الوجهان ؛ كما صرح به أهل اللغة (من
الورق) : بفتح الواو وكسرها وكسر الراء وإسكانها : الفضة مطلقاً (صدقة،
وليس فيما دون خمس ذود) : فتح الذال المعجمة وسكون الواو المهملة ؛ هي ما
بين الثلاث إلى العشر (من الإبل) : لا واحد له من لفظه (صدقة ، وليس فيما
دون خمسة أَوْسُق من الثّمر) : بالمثلثة مفتوحة والميم (صَدقةٌ)) . رواه مسلم) .
الحديث صرح بمفاهيم الأعداد التي سلفت في بيان الأنصباء ، إذ قد عرفت
أنه تقدم أن نصاب الإبل خمس ، ونصاب الفضة مائتا درهم وهي خمس أواق ؛
وأما نصاب الطعام فلم يتقدم ؛ وإنما عرف هذا بنفي الواجب فيما دون خمسة
٣٦٧

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٤ و٥٧٥ - حديثا أبي سعيد وابن عمر
أوسق ؛ أنه يجب في الخمسة بمفهوم النفي .
٥٧٤ - ولهُ من حديث أبي سعيد رضيَ اللهُ عنهُ: ((ليس فيما دونَ خَمْسة
أَوْساق منْ تَمْر ولا حَب، صَدقة)) . وأَصلُ حديث أَبي سعيد متّفقٌ عليه .
(وله): أي لمسلم وهو (من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: ((لَيْس فيما
دون خمسة أوْساق مِنْ تَمْر) : بالمثناة الفوقية (ولا حب، صدقةٌ)). وأصل
حديث أبي سعيد متفق عليه) : الحديث تصريح أيضاً بما سلف من مفاهيم
الأحاديث ، إلا التمر فلم يتقدم فيه شيء.
والأوساق : جمع وسقٍ ؛ بفتح الواو وكسرها ؛ والوسق ستون صاعاً؛ والصاع
أربعة أمداد ؛ فالخمسة الأوساق ثلاثمائة صاع ؛ والمدّ: رطل وثلث ، قال الداودي :
معياره الذي لا يختلف ، أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين
ولا صغيرهما. قال صاحب ((القاموس)» بعد حكايته لهذا القول : وجربت ذلك
فوجدته صحيحاً . انتهى .
والحديث دليل على أنه لا زكاة فيما لم يبلغ هذه المقادير: من الورق والإبل
والثمر والتمر ؛ لطفاً من الله بعباده وتخفيفاً، وهو اتفاق في الأولين ؛ وأمّا الثالث
ففيه خلاف ؛ بسبب ما عارضه من الحديث بعده ؛ وهو قوله :
٥٧٥ - وعن سالم بنِ عبد الله عنْ أَبيه رضي اللهُ عنْهُما عن النّبي
قال: ((فيما سقت السّماء والعُيون أَوْ كان عثرياً، العُشر؛ وفيما سُقيَ بالنّضْح،
نصْفُ الْعُشر)). رواهُ البُخاريُّ، ولأبي داودَ: ((إذا كانَ بَعْلاً، الْعُشرُ، وفيما
سُقي بالسّواني أَو النّضح، نصف العُشر)).
٣٦٨

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٥ ۔ حدیث ابن عمر
(وعن سالم بن عبد الله) : بن عمر (عن أبيه رضي الله عنهما): عبد الله
﴿ قال: ((فيما سقت السماءُ) : بمطر أو ثلج أو برد أو طلّ
ابن عمر (عن النبي
(والعيون) : الأنهار الجارية التي يسقى منها بإساحة الماء من غير اغتراف له (أو
كان عثرياً): بفتح المهملة وفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد المثناة التحتية . قال
الخطابي : هو الذي يشرب بعروقه ؛ لأنه عثر على الماء ، وذلك حيث كان الماء
قريباً من وجه الأرض ، فيغرس عليه فيصل الماء إلى العروق من غير سقي ، وفيه
أقوال أخر ، وما ذكرناه أقربها (العشرُ) : مبتدأ خبره ما تقدم من قوله : «فيما
سقت))، أو أنه فاعل محذوف؛ أي: فيما ذكر يجب (وفيما سقي بالنّضْح) :
بفتح النون وسكون الضاد فحاء مهملة : السانية من الإبل والبقر وغيرها من
الرجال (نصف العُشر)). رواه البخاري، ولأبي داود): من حديث سالم (((إذا
كان بَعْلاً): عوضاً عن قوله: ((عثرياً))؛ وهو بفتح الموحدة وضم العين المهملة ؛
كذا في ((الشرح))، وفي ((القاموس)): إنه ساكن العين ؛ فسره بأنه كل نخل
وشجر وزرع لا يسقى ، أو ما سقته السماء ، وهو النخل الذي يشرب بعروقه
(العشر؛ وفيما سُقِي بالسّواني أو النّضْح) : دل عطفه عليه على التغاير ، وأن
السواني المراد بها الدواب ، والنضح ما كان بغيرها ؛ كنضح الرجال بالآلة ، والمراد
من الكل ما كان سقيه بتعب وعناء (نصف العُشر) .
وهذا الحديث دل على التفرقة بين ما سقي بالسواني ، وبين ما سقي بماء
السماء والأنهار، وحكمته واضحة وهو زيادة التعب والعناء ، فنقص بعض ما
يجب ؛ رفقاً من الله تعالى بعباده .
٣٦٩

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٥ - حديث ابن عمر
ودل على أنه يجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره الزكاة ، على ما
ذكر، وهذا معارض بحديث جابر وحديث أبي سعيد ، واختلف العلماء في
الحكم في ذلك .
فالجمهور أن حديث الأوساق مخصص لحديث سالم ، وأنه لا زكاة فيما لم
يبلغ الخمسة الأوساق .
وذهب جماعة ؛ منهم : زيد بن علي وأبو حنيفة إلى أنه لا يخص بل يعمل
بعمومه ؛ فيجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره .
والحق مع أهل القول الأول ؛ لأن حديث الأوساق حديث صحيح ورد لبيان
القدر الذي تجب فيه الزكاة ، كما ورد حديث مائتي الدرهم ؛ لبيان ذلك مع ورود :
((في الرقة ربع العشر))، ولم يقل أحد: إنه يجب في قليل الفضة وكثيرها الزكاة ؛
وإنما الخلاف ؛ هل يجب في القليل منها إذا كانت قد بلغت النصاب كما عرفت ؛
وذلك لأنه لم يرد حديث : ((في الرقة ربع العشر)) إلا لبيان أن هذا الجنس يجب
فيه الزكاة ، وأما قدر ما يجب فيه فموكول إلى الحديث التبيين له بمائتي درهم؛
فكذا هنا قوله : ((فيما سقت السماء العشر)) : أي في هذا الجنس يجب العشر،
وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث الأوساق ؛ وزاده إيضاحاً قوله في
الحديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))؛ كأنه ما ورد إلا لدفع ما يتوهم
من عموم: ((فيما سقت السماء العشر))، كما ورد ذلك في قوله: ((وليس فيما
دون خمسة أواقي من الورق، صدقة))، ثم إذا تعارض العامّ والخاصُ ، كان
العمل بالخاص عند جهل التاريخ - كما هنا - ؛ فإنه أظهر الأقوال في الأصول .
٣٧٠

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٦ - حديث أبي موسى الأشعري ومعاذ
٥٧٦ - وعنْ أبي موسى الأشعريِّ ومُعاذ رضيَ اللهُ عنْهُما: أَنَّ النَّبيَّ.
قالَ لَهُما: ((لا تأخُذوا الصَّدقة إلا منْ هذه الأصناف الأربعَةِ: الشّعير
والحنْطةِ والزَّبيبِ والتّمرِ» . رواهُ الطّبرانيُّ والحاكمُ .
(وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما: أن النبي ◌َّه: قال
لهما): حين بعثهما إلى اليمن ، يعلمان الناس أمر دينهم (((لا تأخذوا الصَّدقة
إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتّمر)). رواه الطبراني
والحاكم) : والدارقطني . قال البيهقي : رواته ثقات ، وهو متصل ، وروى الطبراني
من حديث موسى بن طلحة عن عمر: إنما سنّ رسول الله :﴿ الزكاة في هذه
الأربعة ؛ فذكرها . قال أبو زرعة : إنه مرسل .
والحديث دليل على أنه لا تجب الزكاة ، إلا في الأربعة المذكورة لا غير،
وإلى ذلك ذهب الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وابن
سيرين ، وروي عن أحمد ، ولا يجب عندهم في الذرة ونحوها .
وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، فذكر الأربعة ، وفيه زيادة :
((الذرة)). رواه الدارقطني من دون ذكر ((الذرة))، وابن ماجه بذكرها ؛ فقد قال
المصنف : إنه حديث واه ، وفي الباب مراسيل فيها ذكر الذرة ، قال البيهقي : إنه
يقوي بعضها بعضاً؛ كذا قال ! والأظهر أنها لا تقاوم حديث الكتاب وما فيه
من الحصر .
وقد ألحق الشافعي الذرة بالقياس على الأربعة المذكورة ؛ بجامع الاقتيات في
الاختيار، واحترز بالاختيار عما يقتات في المجاعات؛ فإنها لا تجب فيه ، فمن
٣٧١

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٧ - حديث معاذ
كان رأيه العمل بالقياس لزمه هذا إن قام الدليل على أن العلة الاقتيات ، ومن لا
يراه دليلاً لم يقل به .
وذهب الهادوية إلى أنها تجب في كل ما أخرجت الأرض ؛ لعموم الأدلة ؛
نحو: ((فيما سقت السماء العشر))، إلا الحشيش والحطب ؛ لقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: ((الناس شركاء في ثلاث))، وقاسوا الحطب على الحشيش . قال
الشارح : والحديث - أي : حديث معاذ وأبي موسى - وارد على الجميع ، والظاهر
مع من قال به . قلت : لأنه حصر لا يقاومه العموم ولا القياس ، وبه يعرف أنه
لا يقاومه حديث: ((خذ الحب من الحب))، الحديث . أخرجه أبو داود ؛ لأنه
عموم؛ فالأوضح دليلاً مع الحاصرين للوجوب في الأربعة ، وقال في ((المنار)): إن
ما عدا الأربعة محل احتياط أخذاً وتركاً ، والذي يقوى أنه لا يؤخذ من غيرها .
قلت : الأصل المقطوع به حرمة مال المسلم، ولا يخرج عنه إلا بدليل قاطع،
وهذا المذكور لا يرفع ذلك الأصل ، وأيضاً فالأصل براءة الذمة ، وهذان الأصلان
لم يرفعهما دليل يقاومهما ؛ فليس محل الاحتياط إلا ترك الأخذ من الذرة
وغيرها ؛ مما لم يأت به إلا مجرد العموم ، الذي قد ثبت تخصيصه .
٥٧٧ - وللدار قطنيٌّ عنْ مُعاذ رضي الله عنه قالَ: فأَمّا القِّاءُ والْبطيخُ
والرُّمّانُ والْقصَبُ فقد عفا عنْهُ رسولُ الله ◌َّهِ. وإِسْنَادُهُ ضَعيفٌ .
(وللدارقطني عن معاذ رضي الله عنه قال: فأما القثاء والبطيخ والرمان
والقصب) : بالقاف والصاد المهملة والضاد المعجمة معاً (فقد عفا عنه رسول
الله عٍَّ. وإسناده ضعيف): لأن في إسناده محمد بن عبيد الله العزرمي - بفتح
٣٧٢

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٨ - حديث سهل بن أبي حثمة
العين المهملة وسكون الزاي وفتح الراء -؛ كذا في ((حواشي بلوغ المرام)) بخط
السيد محمد بن إبراهيم بن المفضل رحمه الله ، والذي في الدراقطني من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : سئل عبد الله بن عمرو عن نبات
الأرض : البقل والقثاء والخيار، فقال : ليس في البقول زكاة . فهذا الذي من
رواية محمد بن عبيد الله العزرمي ، وأما رواية معاذ التي في الكتاب ، فقال
المصنف في ((التلخيص)): فيها ضعف وانقطاع ، إلا أن معناه قد أفاده الحصر في
الأربعة الأشياء المذكورة في الحديث الأول ، وحديث: ((ليس في الخضراوات
صدقة)) . أخرجه الدارقطني مرفوعاً من طريق موسى بن طلحة ومعاذ.
وقول الترمذي : لم يصح رفعه ، إنما هو المرسل من حديث موسى بن طلحة
عن النبي 8 ؛ فموسى بن طلحة تابعي عدل ؛ يلزم من يقبل المراسيل قبول ما
أرسله .
وقد ثبت عن علي وعمر موقوفاً وله حكم الرفع . والخضروات : ما لا يكال
ولا يقتات .
٥٧٨ - وعنْ سهْل بنِ أَبِي حَثْمة رضي اللهُ عنهُ قالَ: أَمَرَنا رسولُ الله
◌َ﴾: ((إذا خرصْتُمْ فَخُذوا ودَعُوا الثلثَ، فإنْ لَم تدَعُوا الثُّلثَ فَدعوا
الرُّبع)). رواهُ الخمسة، إلا ابنَ ماجه، وصححهُ ابنُ حبّانَ والحاكمُ.
(وعن سهل بن أبي حَثْمَة رضي الله عنه): بفتح الحاء المهملة وسكون
المثلثة (قال: أمرنا رسول الله عَزاله: ((إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث): لأهل
المال (فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)) . رواه الخمسة ، إلا ابن ماجه ،
٣٧٣

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٨ - حديث سهل بن أبي حثمة
وصححه ابن حبان والحاكم) : وفي إسناده مجهول الحال ؛ كما قال ابن القطان ،
لكن قال الحاكم : له شاهد متفق على صحته ؛ أن عمر أمر به ؛ كأنه أشار إلى
ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شبية وأبو عبيد : أن عمر كان يقول للخارص :
دع لهم قدر ما يأكلون وقدر ما يقع . وأخرج ابن عبد البر عن جابر مرفوعاً :
((خففوا في الخرص؛ فإن في المال العرية والوطية والأكلة))، الحديث .
وقد اختلف في معنى الحديث على قولين : أحدهما : أن يترك الثلث أو
الربع من العشر. وثانيهما : أن يترك ذلك من نفس الثمر قبل أن يعشر .
وقال الشافعي : معناه : أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ؛ ليفرقها هو بنفسه على
أقاربه وجيرانه . وقيل : يدع له ولأهله قدر ما يأكلون ولا يخرص . قال في
((الشرح)): والأولى الرجوع إلى ما صرحت به رواية جابر؛ وهو التخفيف في
الخرص ، ويترك من العشر قدر الربع أو الثلث؛ فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك
الحصاد فلا تجب فيها الزكاة .
قال ابن تيمية : إن الحديث جار على قواعد الشريعة ومحاسنها ، موافق
لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس في الخضروات صدقة))؛ لأنه قد جرت
العادة أنه لا بد لرب المال بعد كمال الصلاح أن يأكل هو وعياله ، ويطعموا
الناس ما لا يدخر ولا يبقى ، فكان ما جرى العرف بإطعامه وأكله بمنزلة
الخضروات التي لا تدخر ، يوضح ذلك بأن هذا العرف الجاري بمنزلة ما لا يمكن
تركه ؛ فإنه لا بد للنفوس من الأكل من الثمار الرطبة ، ولا بد من الطعام،
بحيث يكون ترك ذلك مضراً بها وشاقاً عليها . ا. هـ.
٣٧٤

٤ - كتاب الزكاة
٥٧٩ - حدیث عتاب بن أسيد
٥٧٩ - وعنْ عَتّاب بن أسيد رضي الله عنهُ قالَ: أَمرَ رسولُ اللَّه ◌َهُ أَنْ
ء
يُخْرصَ الْعِنَبُ كما يُخْرَصُ النّخلُ ، وتؤخذ زكاتُهُ زبيباً . رواهُ الخمسة ، وفيه
انقطاعٌ .
(وعن عتّاب) : بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية آخره موحدة (ابن أَسيد
رضي الله عنه) : بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية (قال :
أمر رسول الله : ﴿ أن يخرص العنب كما يخرص النخل ، وتؤخذ زكاته
زبيباً . رواه الخمسة ، وفيه انقطاع) : لأنه رواه سعيد بن المسيب عن عتاب ،
وقد قال أبو داود : إنه لم يسمع منه ، قال أبو حاتم : الصحيح عن سعيد بن
المسيب : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم أمر عتاباً ، مرسل ، قال النووي :
وهو وإن كان مرسلاً فهو يعتضد بقول الأئمة .
والحديث دليل على وجوب خرص الثمر والعنب ، لأن قول الراوي : أمر ، يفهم
أنه أتى ◌َهُ بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب، وبالوجوب قال الشافعي .
وقال الهادوية : إنه مندوب .
وقال أبو حنيفة : إنه محرم ؛ لأنه رجم بالغيب . وأجيب عنه بأنه عمل
بالظن ورد به أمر الشارع .
ويكفي فيه خارص واحد عدل ؛ لأن الفاسق لا يقبل خبره ، عارف ؛ لأن
الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان
يبعث عبد الله بن رواحة وحده ، يخرص على أهل خيبر .
ولأنه کالحاکم یجتهد ویعمل .
٣٧٥

٤ - كتاب الزكاة
٥٨٠ - حديث عبد الله بن عمرو
فإن أصابت الثمرة جائحة بعد الخرص ، فقال ابن عبد البر: أجمع من
يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ ، فلا ضمان .
وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال ؛ ولذلك يجب عليه البينة في دعوى
النقص بعد الخرص ، وضبط حق الفقراء على المالك ، ومطالبة المصدق بقدر ما
خرصه ، وانتفاع المالك بالأكل ونحوه .
واعلم أن النص ورد بخرص النخل والعنب ، قيل : ويقاس عليه غيره مما
يمكن ضبطه وإحاطة النظر به . وقيل: يقتصر على محل النص . وهو الأقرب
لعدم النص على العلة .
وعند الهادوية والشافعية أنه لا خرص في الزرع ؛ لتعذر ضبطه ؛ لاستتاره
بالقشر .
وإذا ادعى المخروص عليه النقص بسبب يمكن إقامة البينة عليه ، وجب
إقامتها ، وإلا صدق بيمينه .
وصفة الخرص أن يطوف بالشجرة ، ويرى جميع ثمرتها ، ويقول : خرصها
كذا وكذا رطباً ، ويجيء منه كذا وكذا يابساً .
٥٨٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم : أن امرأةً
أَتَتِ النَّبيَّ:﴿ وَمَعَهَا ابنةٌ لها ، وفي يد ابنتها مسكتانٍ مِنْ ذهب ، فقال لها:
((أَتُعطينَ زكاة هذه؟)) قالتْ: لا، قال: ((أَيسرُّك أَنْ يُسَوِّرَكَ اللهُ بهما يوْمَ القيامة
سوارين منْ نار؟!)) فَأَلْقتهما. رواهُ الثلاثةُ، وإسنادهُ قويٌ ، وصححهُ الحاكمُ
من حديث عائشة .
٣٧٦

٤ - كتاب الزكاة
٥٨٠ - حديث عبد الله بن عمرو
(وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم : أن امرأة) :
هي أسماء بنت يزيد بن السكن (أتت النبي ◌َّةٍ ومعها ابنة لها ، وفي يد
ابنتها مَسَكتان) : بفتح الميم وفتح السين المهملة ؛ الواحدة مسكة ، وهي :
الأسورة والخلاخيل (من ذهب، فقال لها: ((أَتُعْطين زكاة هذه؟)) قالت: لا،
قال: ((أَيَسُرُك أَنْ يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟!)) فألقتهما.
رواه الثلاثة ، وإسناده قوي) : ورواه أبو داود من حديث حسين المعلم ، وهو
ثقة . فقول الترمذي : إنه لا يعرف إلا من طريق ابن لهيعة ، غير صحيح
(وصححه الحاكم من حديث عائشة) : وحديث عائشة أخرجه الحاكم وغيره ،
ولفظه أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فرأى في يدها
فتخات من ورق ، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) فقالت : صغتهن لأتزين لك بهن
يا رسول الله! فقال: ((أتؤدين زكاتهن؟)) قالت: لا، قال: ((هن حسبك من
النار)). قال الحاكم : إسناده على شرط الشيخين .
والحديث دليل على وجوب الزكاة في الحلية ، وظاهره أنه لا نصاب لها؛
لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتزكية هذه المذكورة ، ولا تكون خمس
أواقي في الأغلب ، وفي المسألة أربعة أقوال :
الأول : وجوب الزكاة ؛ وهو مذهب الهادوية وجماعة من السلف ، وأحد
أقوال الشافعي؛ عملاً بهذه الأحاديث .
والثاني : لا تجب الزكاة في الحلية ، وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في
أحد أقواله ؛ لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في الحلية ، ولكن بعد
صحة الحديث لا أثر للآثار .
٣٧٧

٤ - كتاب الزكاة
٥٨١ ,٥٨٢ - حدیثا أم سلمة وسمرة بن جندب
والثالث : أن زكاة الحلية عاريتها ، كما روى الدارقطني عن أنس ، وأسماء
بنت أبي بكر .
الرابع : أنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة ، رواه البيهقي عن أنس .
وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها ؛ لصحة الحديث وقوته ، وأما نصابها فعند
الموجبين نصاب النقدين ، وظاهر حديثها الإطلاق ، وكأنهم قيدوه بأحاديث
النقدين ؛ ويقوي الوجوب قوله :
٥٨١ - وَعَنْ أُمَّ سَلَمَة رضي الله عنها: أَنّها كانتْ تَلْبس أَوْضَاحاً من
ذهب، فقالت: يا رسول الله! أَكنزٌ هو؟ قال: ((إذا أَدَّيت زكاتَهُ فَلَيْس بكنز)).
رواه أبو داود والدارقطني، وصحّحُهُ الحاكمُ .
(وعن أم سلمة رضي الله عنها: أنها كانت تلبس أوضاحاً): في ((النهاية)):
هي نوع من الحلي يعمل من الفضة ؛ سميت بها لِبياضها؛ واحدها وضح .
انتهى ، وقوله (من ذهب): يدل على أنها تسمى إذا كانت من الذهب : أوضاحاً
(فقلت: يا رسول الله ! أكنز هو؟) : أي : يدخل تحت آية ﴿والذين يكنزون
الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] (قال: ((إذا أديت زكاته فليس بكنز)). رواه أبو
داود والدارقطني ، وصححه الحاكم) .
فيه دليل كما في الذي قبله على وجوب زكاة الحلية ، وأن كل مال أخرجت
زكاته فليس بكنز؛ فلا يشمله الوعيد في الآية .
٥٨٢ - وَعَنْ سَمُرة بن جُنْدبٍ رضي اللهُ عنهُ قال: كان رسولُ الله
يأمُرُنا أن نُخْرج الصَّدقة منَ الذي نعدُّه للبيع . رواهُ أبو داود ، وإسنادُهُ ليّنّ .
٣٧٨

٤ - كتاب الزكاة
٥٨٣ - حديث أبي هريرة
(وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله عَ ليه يأمرنا أن
نُخرجَ الصَّدَقَة من الذي نعده للبيع . رواه أبو داود، وإسناده ليّن) : لأنه من
رواية سليمان بن سمرة ، وهو مجهول ، وأخرجه الدراقطني والبزار من حديثه أيضاً .
والحديث دليل على وجوب الزكاة في مال التجارة .
واستدل للوجوب أيضاً بقوله تعالى : ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾
[البقرة: ٢٦٧] الآية ، قال مجاهد : نزلت في التجارة .
وبما أخرجه الحاكم أنه * قال: ((في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها،
وفي البز صدقته)) والبز - بالباء الموحدة والزاي المعجمة -: ما يبيعه البزازون ؛
كذا ضبطه الدارقطني والبيهقي .
قال ابن المنذر: الإجماع قائم على وجوب الزكاة في مال التجارة ، وممن قال
بوجوبها الفقهاء السبعة ، قال : لكن لا يكفر جاحدها للاختلاف فيها .
٥٨٣ - وَعَنْ أَبي هريرة رضي الله عنهُ: أَنَّ رَسُول اللهَ ﴿ِ قالَ: ((وفي
الركاز الخُمُس)» . مُتّفقٌ عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله تَ هه قال: ((وفي الركاز):
بكسر الراء آخره زاي : المال المدفون ، يؤخذ من غير أن يطلب بكثير عمل
(الخمس)). متفق عليه) : للعلماء في حقيقة الركاز قولان :
الأول : أنه المال المدفون في الأرض من كنوز الجاهلية .
الثاني : أنه المعادن .
٣٧٩

٤ - كتاب الزكاة
٥٨٣ - حديث أبي هريرة
قال مالك بالأول ، قال : وأما المعادن فتؤخذ فيها الزكاة ؛ لأنها بمنزلة الزرع ،
ومثله قال الشافعي . وإلى الثاني ذهبت الهادوية وهو قول أبي حنيفة .
ويدل للأول قوله تعَ له: ((العجماء جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز
الخمس)). أخرجه البخاري؛ فإنه ظاهر أنه غير المعدن ، وخص الشافعي المعدن
بالذهب والفضة ؛ لما أخرجه البيهقي : أنهم قالوا : وما الركاز يا رسول الله؟ قال :
((الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلقت))، إلا أنه قيل: إن هذا
التفسير رواية ضعيفة ، واعتبر النصاب الشافعي ومالك وأحمد ؛ عملاً بحديث :
((ليس فيما دون خمس أواق صدقة))، في نصاب الذهب والفضة ، وإلى أنه
يجب ربع العشر بحديث: ((وفي الرقة ربع العشر))، بخلاف الركاز؛ فيجب فيه
الخمس ولا يعتبر فيه النصاب ، ووجه الحكمة في التفرقة أن أخذ الركاز بسهولة
من غير تعب ، بخلاف المستخرج من المعدن فإنه لا بد فيه من المشقة .
وذهبت الهادوية إلى أنه يجب الخمس في المعدن والركاز ، وأنه لا تقدير
لهما بالنصاب ، بل يجب في القليل والكثير ، وإلى أنه يعم كل ما استخرج من
البحر والبر من ظاهرهما أو باطنهما ؛ فيشمل الرصاص والنحاس والحديد والنفط
والملح والحب والحشيش .
والمتيقن بالنص الذهب والفضة ، وما عداهما الأصل فيه عدم الوجوب ،
حتى يقوم الدليل ، وقد كانت هذه الأشياء موجودة في عصر النبوة ، ولا يعلم أنه
أخذ فيها خمساً، ولم يرد إلا حديث الركاز، وهو في الأظهر في الذهب والفضة ،
وآية: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ [الأنفال: ٤١]؛ وهي في غنائم الحرب.
٣٨٠