النص المفهرس

صفحات 341-360

٣ - كتاب الجنائز
٥٦٠ - حديث المغيرة
والنهي ظاهر في التحريم . وقال المصنف في ((فتح الباري)) نقلاً عن النووي :
إن الجمهور يقولون بكراهة القعود عليه ، وقال مالك : المراد بالقعود الحدث ، وهو
تأويل ضعيف ، أو باطل . انتهى ، وبمثل قول مالك قال أبو حنيفة كما في
(الفتح))، قلت : والدليل يقتضي تحريم القعود عليه والمرور فوقه، لأن قوله: ((لا
تؤذ صاحب القبر)) نهي عن أذية المقبور من المؤمنين ، وأذية المؤمن محرمة بنص
القرآن ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً
وإثماً مبينا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
٣٤١

٤ - كتاب الزكاة
الزكاة : لغة مشتركة بين النماء والطهارة ، وتطلق على الصدقة الواجبة
والمندوبة ، والنفقة ، والعفو ، والحق .
وهي أحد أركان الإسلام الخمسة بإجماع الأمة ، وبما علم من ضرورة الدين .
واختلف في أي سنة فرضت ، فقال الأكثر : إنها فرضت في السنة الثانية
من الهجرة قبل فرض رمضان ، ويأتي بيان متى فرض في بابه .
فِيِّ بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى
٥٦١ - عَن ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما: أَنَّ النَّبيَّ
الْيَمَنِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيْهِ: ((إنَّ اللّه قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ،
تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي نُقَرَائِهِمْ)) . مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
بَعَثَ مُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ.
(عَن ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما: أَنَّ النَّبيَّ
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيَّهِ: ((إنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ؛ تُؤْخَذُ
مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) : كان بعثه
** لمعاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي :{ 18؛ كما ذكره البخاري في
أواخر المغازي، وقيل: كان آخر سنة تسع عند منصرفه ﴿ من غزوة تبوك ،
وقيل : سنة ثمان بعد الفتح ، وبقي فيه إلى خلافة أبي بكر .
والحديث في البخاري، ولفظه: عن ابن عباس أنه تَهٍ لما بعث معاذاً إلى
اليمن قال له : ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه
عبادة الله ، فإذا عرفوا الله ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات
٣٤٣

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ ۔ حديث أنس
في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم الزكاة في
أموالهم ؛ تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ، فإذا أطاعوك ، فخذ منهم
وتوقّ كرائم أموال الناس)). واستدل بقوله: ((تؤخذ من أموالهم)) أن الإمام هو
الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه أو بنائبه ، فمن امتنع منها ، أخذت
منه قهراً، وقد بين ﴿ المراد من ذلك ببعثه السعاة. واستدل بقوله: ((ترد على
فقرائهم)) أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد ، وقيل : يحتمل أنه خص
الفقراء ؛ لكونهم الغالب في ذلك ، فلا دليل على ما ذكر ، ولعله أريد بالفقير من
يحل إليه الصرف؛ فيدخل المسكين عند من يقول : إن المسكين أعلى حالاً من
الفقير، ومن قال بالعكس فالأمر واضح .
٥٦٢ - وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ رَضِيَ الله عَنْهُ كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ
الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللّهَ﴿ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ الله بِهَا رَسُولَهُ: ((فِي أَرْبَع
وَعِشْرِيْنَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا؛ الْفَتَمُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً
وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، فَفِيهَا بِنْت مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ
ذَكَرٌ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَاً وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فِفِيهَا بنت لَبُون أُنْثَى ، فإِذا
بَلَغَتْ ستاً وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتين، ففِيها حِقة طروقة الجمل، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحدَة
وَسِتّيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ - يعني: سِتّاً وسَبعينَ .
إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْثَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمائة،
فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوْقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائةٍ ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ
بِنْتُ لَبُون، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حقّةٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلا أَرْبَعٌ مِنَ الإِلِ ، فَلَيْسَ
٣٤٤

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ - حديث أنس
فِيهَا صَدَقَةٌ ، إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا؛ فإذا بلَغَتْ خَمْساً من الإبِلِ ، ففيها شاة .
وَفِي صَدَقَة الْغَتَم - فِي سَائِمتهَا - إذا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمائةٍ
شَاةٍ، شَاةٌ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمَائَةٍ إِلَى مَاتَتَيْنٍ، فَفِيهَا شَاتَّانِ ، فَإِذَا
زَادَتْ عَلَى مَاكَتَيْنِ إِلَى ثَلاثِمائةٍ ، فَفِيهَا ثَلاثٌ شِيَاهِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثمائةِ ،
فَفِي كُلِّ مائَةٍ شَاةٌ. فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاة شاةً
وَاحِدَةً ؛ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ ، إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا؛ وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّق وَلا يُفَرَّقُ
بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدقَةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا
بِالسَّوِيَّة، وَلا يُخرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرَمَةٌ ، وَلا ذَاتُ عَوَارِ، وَلا تَيْسُ ، إِلا أَنْ
يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ؛ وَفِي الرَّقَةِ: فِي مِائَتَيْ دِرْهَمْ رَبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلا
تسْعينَ وَمِائَة، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ ، إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ
الإِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ مِنْهُ
الحقَّة ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَاً، وَمَنْ بَلَغَتْ
عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ؛ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ
الْجَذَعَةُ ، وَيُعْطِهِ الْمُصدِّقُ شاتَين أو عشْرِينَ دِرْهَماً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وعن أنس : أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له): لما وجهه إلى البحرين
عاملاً (هذه فريضة الصدقة) : أي نسخة فريضة الصدقة ، حذف المضاف للعلم
به؛ وفيه جواز إطلاق الصدقة على الزكاة خلافاً لمن منع ذلك . واعلم أن في
البخاري تصدير الكتاب هذا ببسم الله الرحمن الرحيم (التي فرضها رسول الله
. على المسلمين) : فيه دلالة على أن الحديث مرفوع ، والمراد بفرضها قدرها ؛
٣٤٥

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ ۔ حديث أنس
لأن وجوبها ثابت بنص القرآن ؛ كما يدل له قوله (والتي أمر الله بها رسوله) :
أي : أنه تعالى أمره بتقدير أنواعها وأجناسها ، والقدر المخرج منها، كما بينه
التفصيل بقوله (في أربع وعشرين من الإبل فما دونها؛ الغنم) : هو مبتدأ مؤخر
وخبره قوله : في كل أربع وعشرين ، إلى : فما دونها (في كل خمس شاة) : فيها
تعيين إخراج الغنم في مثل ذلك ؛ وهو قول مالك وأحمد ، فلو أخرج بعيراً لم
يجزه . وقال الجمهور: يجزيه ؛ قالوا : لأن الأصل أن تجب من جنس المال ، وإنما
عدل عنه رفقاً بالمالك ، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه ، فإن كانت قيمة
البعير الذي يخرجه دون قيمة الأربع الشياه ، ففيه خلاف عند الشافعية
وغيرهم، قال المصنف في ((الفتح)): والأقيس أن لا يجزئ (فإذا بلغت) : أي :
الإبل (خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ، ففيها بنت مخاض أنثى) : زاده
تأكيداً وإلا فقد علمت ، والمخاض؛ بفتح الميم وتخفيف المعجمة آخره معجمة ،
وهي من الإبل ما استكمل السنة الأولى ودخل في الثانية ، إلى آخرها ؛ سمي
بذلك ذكراً كان أو أنثى ؛ لأن أمه من المخاض ؛ أي : الحوامل ، لا واحد له من
لفظه ، والماخض : الحامل التي دخل وقت حملها ، وإن لم تحمل ، وضمير فيها
للإبل التي بلغت خمساً وعشرين ؛ فإنها تجب فيها بنت مخاض من حين تبلغ
عدتها خمساً وعشرين ، إلى أن تنتهي إلى خمس وثلاثين ، وبهذا قال الجمهور ،
وروي عن عليّ عليه السلام : أنه يجب في الخمس والعشرين خمس شياه ؛
لحديث مرفوع ورد بذلك ، وحديث موقوف عن عليّ عليه السلام؛ ولكن المرفوع
ضعيف ، والموقوف ليس بحُجَّة ؛ فلذا لم يقل به الجمهور (فإن لم تكن) : أي
٣٤٦

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ ۔ حديث أنس
توجد (فابن لبون ذكر) : هو من الإبل ما استكمل السنة الثانية ، ودخل في
الثالثة إلى تمامها ؛ سمي بذلك لأن أمه ذات لبن ، ويقال : بنت اللبون للأنثى ،
وإنما زاد قوله : ذكر ، مع قوله : ابن لبون؛ للتأكيد كما عرفت (فإذا بلغت) : أي :
الإبل (ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ، ففيها بنت لبون أنثى ، فإذا بلغت
ستاً وأربعين إلى ستين ، ففيها حقة) : بكسر الحاء المهملة وتشديد القاف ،
وهي من الإبل ما استكمل السنة الثالثة ، ودخل في الرابعة إلى تمامها ، ويقال
للذكر: حق ، سميت بذلك ؛ لاستحقاقها أن يحمل عليها ويركبها الفحل ،
ولذلك قال (طروقة الجمل) : بفتح أوله أي : مطروقته ؛ فعولة بمعنى مفعولة ،
والمراد من شأنها أن تقبل ذلك وإن لم يطرقها (فإذا بلغت) : أي الإبل (واحدة
وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة): بفتح الجيم والذال المعجمة ،
وهي التي أتت عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة (فإذا بلغت) : أي : الإبل
ء
(- يعني : ستاً وسبعين - إلى تسعين، ففيها بنتالبون): تقدم بيانه (فإذا
بلغت) : أي الإبل (إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ، ففيها حقتان طروقتا
الجمل) : تقدم بيانه (فإذا زادت): أي الإبل (على عشرين ومائة) : أي واحدة
فصاعداً كما هو قول الجمهور ، ويدل له كتاب عمر رضي الله عنه : فإذا كانت
إحدى وعشرين ومائة ، ففيها ثلاث بنات لبون ؛ حتى تبلغ تسعاً وعشرين
ومائة . ومقتضاه أن ما زاد على ذلك فإن زكاته بالإبل ، وإذا كانت بالإبل ، فلا
تجب زكاتها إلا إذا بلغت مائة وثلاثين ؛ فإنه يجب فيها بنتالبون وحقة ، فإذا
بلغت مائة وأربعين ففيها بنت لبون وحقتان .
٣٤٧

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ حديث أنس
وعن أبي حنيفة : إذا زادت على عشرين ومائة ، رجعت إلى فريضة الغنم ،
فيكون في كل خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة .
قلت : والحديث إنما ذكر فيه حكم كل أربعين وخمسين ، فمع بلوغها إحدى
وعشرين ومائة ، يلزم ثلاث بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون ، ولم يبين فيه
الحكم في الخمس والعشرين ونحوها ، فيحتمل ما قاله أبو حنيفة ، ويحتمل أنها
وقص ، حتى تبلغ مائة وثلاثين كما قدمناه ، والله أعلم (ففي كل أَرْبعين بنتُ
لُبُون، وفي كل خمسين حِقّةٌ ، ومن لم يكُنْ معهُ إلا أَرْبع من الإبل ، فَلَيس
فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها) : أي : أن يخرج عنها نفلاً منه ، وإلا فلا واجب
عليه ، فهو استثناء منقطع؛ ذكر لدفع توهم نشأ من قوله: ((فليس فيها صدقة))؛
أن المنفي مطلق الصدقة ؛ لاحتمال اللفظ له ، وإن كان غير مقصود .
فهذه صدقة الإبل الواجبة فصلت في هذا الحديث الجليل ؛ وظاهره وجوب
أعيان ما ذكر ، إلا أنه سيأتي قريباً أن من لم يجد العين الواجبة أجزأه غيرها .
وأما زكاة الغنم فقد بينها قوله (وفي صدقة الغنم ـ في سائمتها -) : بدل
من صدقة الغنم ، بإعادة العامل ، وهو خبر مقدم .
والسائمة من الغنم الراعية غير المعلوفة . واعلم أنه أفاد مفهوم السوم أنه شرط
في وجوب زكاة الغنم ، وقال به الجمهور. وقال مالك وربيعة : لا يشترط ، وقال
داود : يشترط في الغنم لهذا الحديث . قلنا : وفي الإبل ؛ لما أخرجه أبو داود
والنسائي من حديث بهز بن حكيم بلفظ: ((في كل سائمة إبل)) ، وسيأتي .
٣٤٨

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ - حديث أنس
نعم ، البقر لم يأت فيها ذكر السوم ، وإنما قاسوها على الإبل والغنم (إذا
كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة) : بالجر تمييز: مائة ؛ والشاة تعم الذكر
والأنثى والضأن والمعز (شاةٌ) : مبتدأ خبره ما تقدم من قوله : في صدقة الغنم،
فإن في الأربعين شاة إلى عشرين ومائة (فإذا زادت على عشرين ومائة إلى
مائتين ، ففيها شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ، ففيها ثلاث
شياه ، فإذا زادت على ثلاثمائة ، ففي كل مائة شاة) : ظاهره أنها لا تجب الشاة
الرابعة حتى تفي أربعمائة ؛ وهو قول الجمهور ، وفي رواية عن أحمد وبعض
الكوفيين : إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ، وجبت الأربع (فإذا كانت سائمة
الرجل ناقصة من أربعين شاة ، شاة واحدة ، فليس فيها صدقة) : واجبة (إلا
أن يشاء ربها) : إخراج صدقة نفلاً كما سلف (ولا يجمع) : بالبناء للمفعول
(بين متفرق ، ولا يفرَّق) مثله مشدد الراء (بين مجتمع ؛ خشية الصدقة) :
مفعول له . والجمع بين المفترق صورته : أن يكون ثلاثة نفر مثلاً ولكل واحد
أربعون شاة ، وقد وجب على كل واحد منهم الصدقة ، فإذا وصل إليهم المصدق
جمعوها ؛ ليكون عليهم فيها شاة واحدة ، فنهوا عن ذلك .
وصورة التفريق بين مجتمع أن الخليطين لكل منهما مائة شاة وشاة ؛ فيكون
عليهما فيها ثلاث شياه ، فإذا وصل إليهما المصدق فرقا غنمهما ، فلم يكن على
كل واحد منهما سوى شاة واحدة ، فنهوا عن ذلك . قال ابن الأثير : هذا الذي
سمعته في ذلك .
وقال الخطابي : قال الشافعي : الخطاب في هذا للمصدق ولرب المال . قال :
٣٤٩

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ ۔ حديث أنس
والخشيةٍ خشيتان : خشية الساعي أن تقل الصدقة ، وخشية رب المال أن يقل
ماله؛ فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئاً من الجمع والتفريق
خشية الصدقة (وما كان من خليطين ، فإنهما يتراجعان بينهما) : والتراجع بين
الخليطين أن يكون لأحدهما مثلاً أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة ، ومالهما
مشترك، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة ، وعن الثلاثين تبيعاً ، فيرجع باذل
المسنة بثلاثة أسباعها على خليطه ؛ وباذل التبيع بأربعة أسباعه على خليطه ؛
لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع ، كأن المال ملك واحد .
وفي قوله (بالسّويّة) : دليل على أن الساعي إذا ظلم أحدهما ، فأخذ منه
زيادة على فرضه ، فإنه لا يرجع بها على شريكه ، وإنما يغرم له قيمة ما يخصه
من الواجب دون الزيادة، كذا في ((الشرح))، ولو قيل مثلاً: إنه يدل أنهما
يتساويان في الحق والظلم ، لما بعد الحديث عن إفادة ذلك .
(ولا يخرج) : مبني للمجهول (في الصدقة هرمة) : بفتح الهاء وكسر
الراء ؛ الكبيرة التي سقطت أسنانها (ولا ذاتُ عوار): بفتح العين المهملة ،
وضمها ، وقيل : بالفتح : معيبة العين ، وبالضم : عوراء العین ، ويدخل في ذلك
المرض ، والأولى أن تكون مفتوحة ؛ ليشمل ذات العيب ، فيدخل ما أفاده
حديث أبي داود: ((ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ، ولا المريضة ولا الشّرَطاء
اللئيمة ، ولكن من وسط أموالكم ؛ فإن الله لم يسألكم خيره ولا أمركم
بشره)). انتهى ، والدرنة : الجرباء ؛ من الدرن - الوسخ -، والشرَطاء اللئيمة: هي
أرذل المال ، وقيل: صغاره وشراره؛ قاله في ((النهاية)) (ولا تَيْسٌ ، إلا أنْ يشاءَ
٣٥٠

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ ۔ حديث أنس
المُصدِّقُ) : اختلف فى ضبطه ؛ فالأكثر على أنه بالتشديد ، وأصله المتصدق ؛
أدغمت التاء بعد قلبها صاداً ، والمراد به : المالك .
والاستثناء راجع إلى الآخر وهو التيس؛ وذلك أنه إذا لم يكن معدّاً
للإنزاء ، فهو من الخيار، وللمالك أن يخرج الأفضل .
ويحتمل رده إلى الجميع ، ويفيد أن للمالك إخراج الهرمة وذات العوار؛ إذا
كانت ثمينة ، قيمتها أكثر من الوسط الواجب ، وفي هذا خلاف بين المفرِّعين .
وقيل : إن ضبطه بالتخفيف ، والمراد به الساعي ؛ فيدل على أن له الاجتهاد
في نظر الأصلح للفقراء ، وأنه كالوكيل ؛ فتقيد مشيئته بالمصلحة ، فيعود
الاستثناء إلى الجميع على هذا، وهذا إذا كانت الغنم مختلفة . فلو كانت معيبة
كلها أو تيوساً ، أجزأه إخراج واحدة .
وعن المالكية : يشتري شاة مجزئة ؛ عملاً بظاهر الحديث . وهذه زكاة الغنم ،
وتقدمت زكاة الإبل ، وتأتي زكاة البقر .
وأما الفضة فقد أفاد الواجب منها قوله (وفي الرِّقة): بكسر الراء وتخفيف
القاف ، وهي الفضة الخالصة (في مائتي درْهم رُبُعُ الْعُشر): أي يجب إخراج ربع
عشرها زكاة ، ويأتي النص على الذهب (فإن لَمْ تكُن) : أي الفضة (إلا تسعين) :
درهماً (ومائة ، فليس فيها صدقة ، إلا أنْ يشاءَ ربّها) : كما عرفت ، وفي قوله :
تسعين ومائة ما يوهم أنها إذا زادت على التسعين والمائة قبل بلوغ المائتين ، أن فيها
صدقة ، وليس كذلك ؛ بل إنما ذكره لأنه آخر عقد قبل المائة ، والحساب إذا جاوز
الآحاد كان تركيبه بالعقود ، كالعشرات والمئين والألوف ، فذكر التسعين لذلك .
٣٥١

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٢ ۔ حديث أنس
ثم ذكر حكماً من أحكام زكاة الإبل قد أشرنا إلى أنه يأتي بقوله (ومنْ
بَلَغَتْ عِنْدهُ من الإبل صدقة الجذعة ؛ وليست عنده جذعة) : أي : في ملكه ،
وقد عرفت في صدر الحديث العدة التي تجب فيها الجذعة (وعندهُ حقّةٌ ، فإنها
تقبل منه): عوضاً عن الجذعة (ويجعلُ معها): أي توفية لها (شاتيْن إن
استيسرتا لهُ، أَوْ عشرين درهماً) : إذا لم تتيسر له الشاتان .
وفي الحديث دليل أن هذا القدر هو جبر التفاوت ما بين الحقة والجذعة
(ومن بلغت عنده صدقةُ الحقة) : التى عرفت قدرها (وليست عنده الحقة ،
وعنده الجذعة ، فإنها تقبل منه الجذعة) : وإن كانت زائدة على ما يلزمه ، فلا
يكلف تحصيل ما ليس عنده (ويعطيه المصدق) : مقابل ما زاد عنده (شاتين ،
أو عشرين درهماً))): كما سلف في عكسه (رواه البخاري).
وقد اختلف في قدر التفاوت في سائر الأسنان ، فذهب الشافعي إلى أن
التفاوت بين كل سنين؛ كما ذكر في الحديث .
وذهب الهادوية إلى أن الواجب هو زيادة فضل القيمة من رب المال ، أو ردّ
الفضل من المصدق ، ويرجع في ذلك إلى التقويم ، قالوا : بدليل أنه ورد في رواية :
((عشرة دراهم أو شاة)) وما ذلك إلا أن التقويم يختلف باختلاف الزمان والمكان ،
فيجب الرجوع إلى التقويم ، وقد أشار البخاري إلى ذلك ؛ فإنه أورد حديث أبي
بكر في باب أخذ العروض من الزكاة ، وذكر في ذلك قول معاذ لأهل اليمن :
ائتوني بعرض ثيابكم خميصٍ أو لَبيس في الصدقة ؛ مكان الشعير والذرة ؛ أهون
ء
عليكم وخير لأصحاب محمد ## بالمدينة . ويأتي استيفاء ذلك .
٣٥٢

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٣ ۔ حديث معاذ بن جبل
٥٦٣ - وعن معاذ بن جَبَلِ رضي الله عنهُ: أَنَّ النّبيَّ ◌َ﴿ِ بَعَثَهُ إلى اليمنِ
فَأَمَرَهُ أَنْ يأخُذَ من كلِّ ثلاثينَ بقرةً تبيعاً أَوْ تَبيعةً ، ومِنْ كُلِّ أربعين مُسنةً ، ومن
كلِّ حالِمٍ ديناراً أوْ عدله معافرياً. رواه الخمسة ، واللفظُ لأحْمد ، وحسّنهُ
ے
الترمذي ، وأشار إلى اختلاف في وصله ، وصححه ابنُ حبّان والحاكم .
ـو بعثه إلى اليمن فأمره
(وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه : أن النبي :
أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة) : فيه أنه مخير بين الأمرين ؛
والتبيع : ذو الحول ذكراً كان أو أنثى (ومن كل أربعين مسنة): وهي ذات الحولين
(ومن كل حالم ديناراً) : أي محتلم . وقد أخرجه بهذا اللفظ أبو داود ، والمراد به
الجزية ممن لم يسلم (أو عدله): بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة
(معافرياً) : نسبة إلى معافر؛ زنة مساجد: حيّ في اليمن إليهم تنسب الثياب
المعافرية ، يقال : ثوب معافري (رواه الخمسة ، واللفظ لأحمد ، وحسنه
الترمذي ، وأشار إلى اختلاف في وصله) : لفظ الترمذي بعد إخراجه : وروى
بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق: أن النبي ◌َّ
بعث معاذاً إلى اليمن فأمره أن يأخذ. قال: وهذا أصح، أي: من روايته عن
مسروق عن معاذ عن النبي ◌َ ﴿ (وصححه ابن حبان والحاكم): وإنما رجح
الترمذي الرواية المرسلة ؛ لأن رواية الاتصال اعترضت بأن مسروقاً لم يلق معاذاً .
وأجيب عنه بأن مسروقاً همداني النسب من وداعة ، يماني الدار، وقدكان في
أيام معاذ باليمن ؛ فاللقاء ممكن بينهما ، فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور .
قلت : وكأن رأي الترمذي رأيُ البخاري ؛ أنه لا بد من تحقق اللقاء .
٣٥٣

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٤ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
والحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر ، وأن نصابها ما ذكر ، وهو مجمع
عليه في الأمرين .
وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما
في حديث معاذ ، وأنه النصاب المجمع عليه .
وفيه دلالة على أنه لا يجب فيما دون الثلاثين شيء . وفيه خلاف للزهري
فقال : يجب في كل خمس شاة ؛ قياساً على الإبل . وأجاب الجمهور بأن
النصاب لا يثبت بالقياس ، وبأنه قد روي: ((ليس فيما دون ثلاثين من البقر
شيء)» وهو وإن کان مجهول الإسناد ، فمفهوم حديث معاذ يؤيده .
٥٦٤ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضيَ اللَّهُ عنهم قال: قال
رسول الله ◌َ: («تُؤخذُ صدقات المسلمين على مياههمْ)). رواهُ أَحمدُ،
ولأبي داودَ : ((لا تؤخذُ صدقاتُهُمْ إلا في دورهم)) .
(وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال : قال رسول
الله عَّةٍ: (تُؤخَذُ صدقات المسلمين على مياههم)). رواه أحمد، ولأبي داود):
من حديث عمرو بن شعيب أيضاً ((لا تُؤخذُ صدقاتهم إلا في دورهم))) :
وعند النسائي وأبي داود في لفظ من حديث عمرو أيضاً: ((لا جلب ولا جنب،
ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم))، أي : لا تجلب الماشية إلى المصدق ؛ بل
هو الذي يأتي لرب المال . ومعنى : لا جنب : أنه حيث يكون المصدق بأقصى
مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه ، فنهي عن ذلك ، وفيه تفسير آخر يخرجه
عن هذا الباب .
٣٥٤

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٥ - حديث أبي هريرة
والأحاديث دلت على أن المصدق هو الذي يأتي إلى رب المال ، فيأخذ
الصدقة . ولفظ أحمد خاص بزكاة الماشية ، ولفظ أبي داود عام لكل صدقة .
وقد أخرج أبو داود عن جابر بن عتيك مرفوعاً: ((سيأتيكم ركب مبغضون ؛ فإذا
أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون ، فإن عدلوا فلأنفسهم ، وإن
ظلموا فعليها وأرضوهم، وإن تمام زكاتكم رضاهم)) فهذا يدل أنهم ينزلون بأهل
الأموال ، وأنهم يرضونهم وإن ظلموهم ، وعند أحمد من حديث أنس قال : أتى
رجل من بني تميم فقال : يا رسول الله ، إذا أديت الزكاة إلى رسولك ، فقد برئت
منها إلى الله ورسوله؟ قال: ((نعم ، ولك أجرها وإثمها على من بدلها))، وأخرج
مسلم حديث جابر مرفوعاً : ((أرضوا مصدقكم)) ؛ في جواب ناس من الأعراب
أتوه ﴿ فقالوا : إن أناساً من المصدقين يأتوننا فيظلموننا ، إلا أن في البخاري :
أن من سئل أكثر مما وجب عليه ، فلا يعطيه المصدق ، وجمع بينه وبين هذه
الأحاديث أن ذلك حيث يطلب الزيادة على الواجب من غير تأويل ، وهذه
الأحاديث حيث طلبها متأولاً ، وإن رآه صاحب المال ظالماً .
٥٦٥ - وَعَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: «لَيْسَ
على المُسلم في عَبْده ولا فرسهِ صَدقةٌ)). رواهُ الْبُخاريُّ، ولمسلم: ((ليس في
العبد صدقةٌ إلا صَدقة الفِطْر)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مح لة: ((ليس على
المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) . رواه البخاري ، ولمسلم) : أي من رواية أبي
هريرة ((ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر)): الحديث نص على أنه لا
٣٥٥

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٦ - حديث معاوية بن حيدة
زكاة في العبيد ولا الخيل ، وهو إجماع فيما كان للخدمة والركوب .
وأما الخيل المعدة للنتاج ففيها خلاف للحنفية وتفاصيل ، واحتجوا
بحديث: ((في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم)) . أخرجه الدارقطني
والبيهقي وضعفاه . وأجيب بأنه لا يقاوم حديث النفي الصحيح ، واتفقت هذه
الواقعة في زمن مروان ، فتشاور الصحابة في ذلك ؛ فروى أبو هريرة الحديث :
((ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة)) ، فقال مروان لزيد بن ثابت : ما
تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة : عجباً من مروان ! أحدثه بحديث رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يقول : ما تقول يا أبا سعيد ! فقال
زيد: صدق رسول اللّه ◌َله ؛ إنما أراد به الفرس الغازي ؛ فأما تاجر يطلب نسلها
ففيها الصدقة ، فقال : كم؟ قال : في كل فرس دينار أو عشرة دراهم .
وقالت الظاهرية : لا تجب الزكاة في الخيل ، ولو كانت للتجارة ، وأجيب بأن
زكاة التجارة واجبة بالإجماع ، كما نقله ابن المنذر. قلت: كيف الإجماع؛
وهذا خلاف الظاهرية؟!
٥٦٦ - وعنْ بَهْز بن حكيم عَنْ أَبيه عَنْ جِدَه رضيَ اللهُ عنهم قال : قال رسول
الله صلى الله تعالَى عليه وآله وسلَّم: ((في كلِّ سائمة إبل في أَرْبعين بنْتُ لَبُون. لا
تُفرَّق إيلٌ عنْ حسابها ، مَنْ أَعْطاها مُؤْتجراً بها فَلَهُ أَجْرِها ، ومنْ مَنَعَها فإنّا آخذوها
وَشَطْر ماله؛ عَزْمةً مِنْ عزمات ربِّنا، لا يحلُّ لآل محمد منها شيءٍ)). رواهُ أَحمد
وأَبو داود والنسائيُّ ، وصحّحه الحاكم ، وعلق الشافعي القوْلَ بهِ على ثُبُوته .
(وعن بَهْز): بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء والزاي (ابن حكيم) : ابن معاوية
٣٥٦

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٦ - حديث معاوية بن حيدة
ابن حَيْدَة ؛ بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الدال المهملة ، القشيري ؛
بضم القاف وفتح المعجمة ، وبهز تابعي مختلف في الاحتجاج به ، فقال يحيى بن
معين في هذه الترجمة : إسناد صحيح إذا كان من دون بهز ثقة ، وقال أبو حاتم : هو
شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال الشافعي : ليس بحجة ، وقال الذهبي : ما
تركه عالم قط (عن أبيه عن جده رضي الله عنهم) : عن معاوية بن حيدة،
صحابي (قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((في كلِّ سائمة
إيل في أربعين بنتُ لَبُون) : تقدم في حديث أنس أن بنت اللبون تجب من ست
وثلاثين إلى خمس وأربعين ، فهو يصدق على أنه يجب في الأربعين بنت لبون ،
ومفهوم العدد هنا مطرح زيادة ونقصاناً؛ لأنه عارضه المنطوق الصريح ، وهو حديث
أنس (لا تُفرَّق إبلٌ عن حسابها) : معناه : أن المالك لا يفرق ملكه عن ملك غيره
حيث كانا خليطين ؛ كما تقدم (من أعطاها مؤتجراً بها) : أي قاصداً للأجر
بإعطائها (فله أجرُها ، ومن منعها فإنّا أخذوها وشطرَ ماله ؛ عزْمة) : يجوز رفعه
على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ونصبه على المصدرية وهو مصدر مؤكد لنفسه ، مثل :
له عليّ ألف درهم اعترافاً، والناصب له فعل يدل عليه جملة: ((فإنا أخذوها))،
والعزمة : الجد في الأمر؛ يعني أنّ أخذ ذلك بجدٍ فيه ؛ لأنه واجب مفروض (من
عزَمات ربِّنا ، لا يحلُّ لآل محمد منها شيء)). رواه أحمد وأبو داود والنسائي،
وصححه الحاكم ، وعلق الشافعي القول به على ثبوته) : فإنه قال : هذا الحديث
لا يثبته أهل العلم بالحديث ، ولو ثبت لقلنا به ، وقال ابن حبان : كان - يعني بهزاً -
يخطئ كثيراً ولولا هذا الحديث لأدخلته في ((الثقات))، وهو ممن استخير الله فيه .
والحديث دليل على أنه يأخذ الإمام الزكاة قهراً ممن منعها ، والظاهر أنه
.
٣٥٧

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٦ - حديث معاوية بن حيدة
مجمع عليه أن نية الإمام كافية وأنها تجزئ من هي عليه ، وإن فاته الأجر فقط
سقط عنه الوجوب .
وقوله: ((وشطر ماله)) هو عطف على الضمير المنصوب في ((آخذوها))، والمراد
من الشطر البعض . وظاهره أن ذلك عقوبة بأخذ جزء من المال على منعه إخراج
الزكاة ، وقد قيل : إن ذلك منسوخ ، ولم يُقِم مدّعي النسخ دليلاً على النسخ ،
بل دل على عدمه أحاديث أخر؛ ذكرها في ((الشرح)).
وأما قول المصنف : إنه لا دليل في حديث بهز على جواز العقوبة بالمال ؛ لأن
الرواية: ((وشطر ماله))؛ بضم الشين : فعل مبني للمجهول ؛ أي : جعل ماله
شطرين ، ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين ؛ عقوبة لمنعه
الزكاة. قلت: وفي ((النهاية)) ما لفظه: قال الحربي : غلط الراوي في لفظ الرواية إنما
هي ((وشُطّر ماله))؛ أي: جعل ماله شطرين ... إلى آخر ما ذكره المصنف ، وإلى
مثله جنح صاحب ((ضوء النهار)) فيه ، وفي غيره من رسائله، وذكرنا في ((حواشيه))
أنه على هذه الرواية أيضاً دال على جواز العقوبة بالمال ؛ إذ الأخذ من خير الشطرين
عقوبة بأخذ زيادة على الواجب ، إذ الواجب الوسط غير الخيار. ثم رأيت الشارح.
أشار إلى هذا الذي قلناه في ((حواشي ضوء النهار)) قبل الوقوف على كلامه ، ثم
رأيت النووي بعد مدة طويلة ذكر ما ذكرناه بعينه ؛ ردّاً على من قال : إنه - على تلك
الرواية - لا دليل فيه على جواز العقوبة بالمال ؛ ولفظه : إذا تخير المصدق وأخذ من
خير الشطرين ، فقد أخذ زيادة على الواجب وهي عقوبة بالمال ، إلا أن حديث بهز
هذا لو صحَّ ، فلا يدل إلا على هذه العقوبة بخصوصها ، في مانع الزكاة لا غيره .
٣٥٨

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٧ - حديث علي
وهذا الشطر المأخوذ يكون زكاة كله ، أي : حكمه حكمها أخذاً ومصرفاً ، لا
يلحق بالزكاة غيرها في ذلك ؛ لأنه ألحق بالقياس ، ولا نص على علته ، وغير
النص من أدلة العلة لا يفيد ظناً يعمل به ؛ سيما وقد تقرّرت حرمة مال المسلم
بالأدلة القطعية كحرمة دمه ، لا يحل أخذ شيء منه إلا بدليل قاطع ، ولا
دليل ؛ بل هذا الوارد في حديث بهز أحادي لا يفيد إلا الظنّ ، فكيف يؤخذ به
ويقدم على القطعي؟!
ولقد استرسل أهل الأمر في هذه الأعصار، في أخذ الأموال في العقوبة ،
استرسالاً ينكره العقل والشرع ، وصارت تناط الولايات بجهال لا يعرفون من
الشرع شيئاً ، ولا من الأمر؛ فليس همهم إلا قبض المال من كل من لهم عليه
ولاية ، ويسمونه : أدباً وتأديباً! ويصرفونه في حاجاتهم وأقواتهم ، وكسب
الأطيان ، وعمارة المساكن في الأوطان ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون !
ومنهم من يضيع حد السرقة أو شرب المسكر ويقبض عليه مالاً . ومنهم من
يجمع بينهما فيقيم الحد ويقبض المال ؛ وكل ذلك محرم ضرورة دينية ، لكنه شاب
عليه الكبير وشب عليه الصغير ، وترك العلماء النكير فزاد الشر في الأمر الخطير .
وقوله : ((لا تحل لآل محمد)» يأتي الكلام في هذا الحكم مستوفىَّ إن شاء
الله تعالى .
٥٦٧ - وعنْ عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا كانت لك
مائتا درهم وحال عليها الحوْلُ ، ففيها خمسةُ دراهم ، وليس عليك شيء حتى
يكون لك عشرون ديناراً وحالَ عَلَيْها الحول ، ففيها نصْفُ دينار ، فما زادَ
٣٥٩

٤ - كتاب الزكاة
٥٦٧ - حديث علي
فبحساب ذلك ، وَلَيْس في مَالِ زكاةٌ حتى يحول عليه الحولُ)). رَواهُ أَبو داود
وهُوَ حَسَنٌ ، وقد اختلف في رفعهِ .
(وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله
: ((إذا كانت لك مائتا
ليات
درهم وحال عليها الحول ، ففيها خمسة دراهم) : ربع عشرها (وليس عليك
شيء): أي في الذهب (حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ،
ففيها نصف دینار ، فما زاد فبحساب ذلك ، وليس في مال زکاة حتى يحول
عليه الحولُ)) . رواه أبو داود وهو حسن، وقد اختلف في رفعه) : أخرج الحديث
أبو داود مرفوعاً من حديث الحارث الأعور، إلا قوله: ((فما زاد فبحساب ذلك))؛
قال: فلا أدري أعليٌّ يقول: فبحساب ذلك، أو يرفعه إلى النبي مَ ﴿ه، وإلا قوله:
((ليس في المال زكاة ... )) إلى آخره. انتهى . فأفاد كلام أبي داود أن في رفعه
بجملته اختلافاً ، ونبه المصنف في ((التلخيص)) على أنه معلول، وبيّن علّته ،
ولكنه أخرج الدارقطني الجملة الأخرى من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((لا
زكاة في مال امرئ حتى يحول عليه الحول))، وأخرى أيضاً عن عائشة مرفوعاً:
((ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول)) ، وله طريق أخرى عنها .
والحديث دليل على أن نصاب الفضة مائتا درهم ، وهو إجماع ، وإنما الخلاف
في قدر الدرهم فإن فيه خلافاً كثيراً سرده في ((الشرح))، ولم يأت بما يشفي
وتسكن النفس إليه في قدره ، وفي ((شرح الدميري)) أن كل درهم ستة دوانيق ،
وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ، والمثقال لم يتغير في جاهلية ولا إسلام ، قال :
وأجمع المسلمون على هذا .
٣٦٠