النص المفهرس

صفحات 281-300

٣ - كتاب الجنائز
٥١١ - حديث عائشة
سيِّئ الحفظ ؛ يصلح حديثه في المتابعات ، إلا إذا انفرد ؛ فلا يحسن ، فكيف إذا
خالف كما هنا؟! فلا يقبل ، قال المصنف : وقد روى الحاكم من حديث أيوب
عن نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية ابن عقيل .
فإن ثبت ، جمع بينه وبين حديث عائشة بأنها روت ما اطلعت عليه - وهو
الثلاثة -، وغيرها روى ما اطلع عليه ؛ سيما إن صحت الرواية عن علي ؛ فإنه
كان المباشر للغسل .
واعلم أنه يجب من الكفن ما يستر جميع جسد الميت ؛ فإن قصر عن ستر
الجميع ، قدم ستر العورة ، فما زاد عليها ستر به من جانب الرأس ، وجعل على
الرجلين حشيش؛ كما فعل النبي ◌َلل في عمه حمزة ومصعب بن عمير .
فإن أريد الزيادة على الواحد ، فالمندوب أن يكون وتراً ، ويجوز الاقتصار على
الاثنين ؛ كما مر في حديث المحرم الذي مات ، وقد عرفت من رواية الشعبي
كيفية الثلاثة ، وأنها إزار ورداء ولفافة ، وقيل : مئزر ودرجان ، وقيل : يكون منها
قميص غير مخيط ، وإزار يبلغ من سرته إلى ركبته ، ولفافة يلف بها من قرنه
إلى قدمه ، وتأول هذا القائل قول عائشة : ليس فيها قميص ، ولا عمامة ؛ بأنها
أرادت نفي وجود الأمرين معاً ، لا القميص وحده ، أو أن الثلاث خارجة عن
القميص والعمامة ، والمراد أن الثلاثة مما عداهما ، وإن كانا موجودين ، وهذا بعيد
جداً . قيل : والأولى أن يقال : إن التكفين بالقميص وعدمه سواء ؛ يستحبان ؛
فإنه ﴿ كفن عبد الله بن أُبَي في قميصه - أخرجه البخاري -، ولا يفعل
إلا ما هو الأحسن .
٢٨١

٣ - كتاب الجنائز
٥١٢ - حديث ابن عمر
وفيه أن قميص الميت مثل قميص الحي مكفوفاً مزروراً ، وقد استحب هذا
محمد بن سيرين كما ذكره البيهقي في ((الخلافيات)). قال في الشرح : وفي
هذا رد على من قال : إنه لا يشرع القميص إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة .
قلت : وهذا يتوقف على أن كف أطراف القميص كان عرف أهل ذلك العصر .
٥١٢ - وعن ابنِ عُمَر قال: لَّا تُوقِّي عبد الله بنُ أُبي، جَاءَ ابْنُهُ إلى رسول
الله ◌َّةٍ، فقال: أَعْطَني قميصكَ أُكَفِّنْهُ فيهِ ، فَأَعطاهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبيّ ، جاء ابنه): هو عبد الله بن
عبد الله (إلى رسول الله عَزّةٍ ، فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه ، فأعطاه .
متفق عليه) .
هو دليل على شرعية التكفين في القميص كما سلف قريباً ، وظاهر هذه
ـة قبل التكفين ، إلا أنه قد عارضها ما عند
الرواية أنه طلب القميص منه
البخاري من حديث جابر: أنه ﴿﴿ أتى عبد الله بن أبيّ بعدما دفن ؛ فأخرجه
فنفت فيه من ريقه وألبسه قميصه ؛ فإنه صريح أنه كان الإعطاء والإلباس بعد
الدفن ، وحديث ابن عمر يخالفه ، وجمع بينهما بأن المراد من قوله في حديث
ابن عمر: فأعطاه؛ أي : أنعم له بذلك ، فأطلق على العِدَةِ اسم العطية مجازاً؛
لتحقق وقوعها ، وكذا قوله في حديث جابر بعد ما دفن ؛ أي : دُلِّيَ في
حفرته ، أو أن المراد من حديث جابر أن الواقع بعد إخراجه من حفرته هو
النفث ، وأمّا القميص فقد كان ألبس ، والجمع بينهما لا يدل على وقوعهما
معاً؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولا المعية ، فلعله أراد أن يذكر ما وقع في
٢٨٢

٣ - كتاب الجنائز
٥١٣ - حديث ابن عباس
الجملة من إكرامه
من غير إرادة الترتيب .
وقيل: إنه ◌َيي أعطاه أحد قميصيه أوّلاً ، ولما دفن أعطاه الثاني بسؤال ولده
عبد الله ، وفي ((الإكليل)) للحاكم ما يؤيد ذلك .
واعلم أنه إنما أعطى عبد الله بن عبد الله بن أبيّ؛ لأنه كان رجلاً صالحاً،
ولأنه سأله ذلك ، وكان لا يرد سائلاً ، وإلا ؛ فإن أباه الذي ألبسه قميصه
وكفن فيه ، من أعظم المنافقين ومات على نفاقه ، وأنزل الله فيه : ﴿ولا تصل
على أحد منهم مات أبداً﴾ [التوبة: ٨٤] .
قميصه ؛ لأنه کان کسا العباس لما أُسر ببدر فأراد
وقيل : إنما كساه
أن یکافئه .
قالَ: ((البسُوا مِنْ
٥١٣ - وعن ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله عنهُما: أَنَّ النبيَّ:
ثيابكُمُ البيض ؛ فإنها مِنْ خَيْرِ ثيابكُم ، وكفّنوا فيها موتاكُم)) . رواهُ الخمسةُ،
إلا النّسائيَّ وصححه الترمذيُّ .
(وعن ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النبيَّ {﴿ُ قالَ: ((البسُوا مِنْ
ثيابكُمُ البيض ؛ فإنها مِنْ خَيْرِ ثيابكُم ، وكفِّنوا فيها موتاكُم)) . رواهُ الخمسةُ،
إلا النّسائيَّ، وصححهُ الترمذيُّ) .
کفن في ثلاثة أثواب بيض .
تقدم حديث البخاري عن عائشة : أنه
وظاهر الأمر أنه يجب التكفين في الثياب البيض ، ويجب لبسها ، إلا أنه
صرف الأمر عنه في اللبس أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم : أنه لبس
٢٨٣

٣ - كتاب الجنائز
٥١٤ ۔ حديث جابر
غير الأبيض ، وأمّا التكفين فالظاهر أنه لا صارف عنه ، إلا ألا يوجد الأبيض
كما وقع في تكفين شهداء أُحد ؛ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن جماعة
في نمرة واحدة كما يأتي ؛ فإنه لا بأس به للضرورة .
وأما ما رواه ابن عدي من حديث ابن عباس: أنه تَ كفن في قطيفة
حمراء ، ففيه قيس بن الربيع ، وهو ضعيف ؛ وكأنه اشتبه عليه بحديث : أنه
جعل في قبره قطيفة حمراء ، وكذلك ما قيل : إنه كفن في بردة حبرة ، وتقدم
الكلام أنه إنما سُجّي بها ، ثم نزعت عنه .
٥١٤ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذَا كَفّنَ
أَحَدُكُمْ أَخاهُ؛ فَلْيُحسنْ كَفَنْهُ)) . رواهُ مسلمٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َ﴿ُ: ((إِذَا كَفْنَ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ ؛ فَلْيُحسن كَفَنْهُ)) . رواهُ مسلمٌ) : ورواه الترمذي أيضاً من حديث أبي قتادة
وقال: حسن غريب ، وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: قوله : ((فليحسن
كفنه))، قال : هو الضفاء ؛ بالضاد المعجمة والفاء ؛ أي : الواسع الفائض .
وفي الأمر بإحسان الكفن دلالة على اختيار ما كان أحسن في الذات ، وفي
صفة الثوب ، وفي كيفية وضع الثياب على الميت .
فأما حسن الذات فينبغي أن يكون على وجه لا يعد من المغالاة ، كما
سيأتي النھي عنه .
وأما صفة الثوب فقد بينها حديث ابن عباس الذي قبل هذا .
٢٨٤

٣ - كتاب الجنائز
٥١٥ - حديث جابر
وأما كيفية وضع الثياب على الميت ، فقد بينت فيما سلف .
وقد وردت أحاديث في إحسان الكفن ، وذكرت فيها علة ذلك . أخرج
الديلمي عن جابر مرفوعاً : ((أحسنوا كفن موتاكم؛ فإنهم يتباهون ويتزاورون
بها في قبورهم))، وأخرج أيضاً من حديث أم سلمة: ((أحسنوا الكفن ، ولا
تؤذوا موتاكم بعويل ، ولا بتزكية ، ولا بتأخير وصية ، ولا بقطيعة ، وعجلوا
بقضاء دَيْنه ، واعدلوا عن جيران السوء ، وأعمقوا إذا حفرتم ووسعوا)).
:
ومن الإحسان إلى الميت ما أخرجه أحمد من حديث عائشة عنه
((من غسل ميتاً فأدّى فيه الأمانة ، ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك ،
خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، قال ◌َّالله: ((لِيَلِهِ أقربكم منه إن كان
يعلم؛ فإن كان لا يعلم ، فمن ترون أن عنده حظاً من ورع وأمانة)) . رواه
أحمد، وأخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله عَ لٍ: ((من
ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))، وأخرج عبد الله بن أحمد من حديث
أبيّ بن كعب: ((إن آدم عليهِ السَّلام قبضته الملائكة وغسلوه وكفنوه
وحنطوه ، وحفروا له وألحدوه وصلوا عليه ، ودخلوا قبره ووضعوا عليه
اللبن ، ثم خرجوا من القبر ، ثم حثوا عليه التراب ، ثم قالوا : يا بني آدم!
هذا سنتکم)) .
٥١٥ - وعَنْهُ قالَ: كانَ النبيِ ◌َ﴿ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلين من قْلى أَحُد في
ثَوْبٍ واحد ، ثم يقُولُ: (أَيُّهِمْ أَكْثِرُ أَخْذاً للقُرآن؟))، فَيَقُدِّمُهُ في اللّحد ، ولم
يُغَسّلوا ، ولم يُصَلَّ عليهم . رواه البخاريُّ .
٢٨٥

٣ - كتاب الجنائز
٥١٥ ۔ حدیث جابر
(وعنه): أيْ: عن جابر (قال: كان النبي ◌َّلهُ يجمع بين الرجلين من
قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيُّهمْ أكثر أخذاً للقرآن؟)) ، فيقدّمه
في اللحد) : سمي لحداً لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسطه ،
والإلحاد لغة: الميل (ولم يغسلوا ، ولم يصلّ عليهم . رواه البخاري).
دل على أحكام : الأول : أنه يجوز جمع الميتين في ثوب واحد للضرورة ؛ وهو
أحد الاحتمالين ، والثاني : أن المراد يقطعه بينهما ، ويكفن كل واحد على
حياله ، وإلى هذا ذهب الأكثرون ؛ بل قيل : إن الظاهر أنه لم يقل بالاحتمال
الأول أحد ؛ فإن فيه التقاء بشرتي الميتين ، ولا يخفى أن قول جابر في تمام
الحديث : فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة ، دليل على الاحتمال الأول ، وأمّا.
الشارح رَحمهُ الله فقال : الظاهر الاحتمال الثاني كما فعل في حمزة رضي الله
عنه . قلت : حديث جابر أوضح في عدم تقطيع الثوب بينهما ؛ فيكون أحد
الجائزين ، والتقطيع جائز على الأصل .
الحكم الثاني : أنه دل على أنه يقدّم الأكثر أخذاً للقرآن على غيره ؛ لفضيلة
القرآن ، ويقاس عليه سائر جهات الفضل إذا جمعوا في اللحد .
الحكم الثالث : جمع جماعة في قبر؛ وكأنه للضرورة . وبوّب البخاري : باب
دفن الرجلين والثلاثة في قبر ، وأورد فيه حديث جابر هذا ، وإن كانت رواية
جابر في الرجلين ؛ فقد وقع ذكر الثلاثة في رواية عبد الرزاق : كان يدفن
الرجلين والثلاثة في قبر واحد ، وروى أصحاب ((السنن)) عن هشام بن عامر
الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله له يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح
٢٨٦

٣ - كتاب الجنائز
٥١٥ ۔ حديث جابر
وجهد، فقال: ((احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر)). صححه
الترمذي ، ومثله : المرأتان والثلاث .
وأما دفن الرجل والمرأة في القبر الواحد ، فقد روی عبد الرزاق بإسناد حسن
ء
عن واثلة بن الأسقع : أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم
الرجل ، وتجعل المرأة وراءه ، وكأنه كان يجعل بينهما حائلاً من تراب .
الحكم الرابع : أنه لا يغسل الشهيد ، وإليه ذهب الجمهور، ولأهل المذهب
تفاصيل في ذلك .
وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وابن شريح أنه يجب غسله ، والحديث
حجة عليهم، وقد أخرج أحمد من حديث جابر أنه ﴿ قال في قتلى أحد :
((لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح - أو كل دم - يفوح مسكاً يوم القيامة))، فبيّن
الحكمة في ذلك .
الحكم الخامس : عدم الصلاة على الشهيد ، وفي ذلك خلاف بين العلماء
معروف ؛ فقالت طائفة : يصلى عليه عملاً بعموم أدلة الصلاة على الميت ، وبأنه
روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى أحد ، وكبر على حمزة
سبعين تكبيرة، وبأنه روى البخاري عن عقبة بن عامر: أنه ◌َّهِ صلّى على
قتلى أحد . وقالت طائفة : لا يصلى عليه عملاً برواية جابر هذه .
قال الشافعي: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي تح لية لم
يصل على قتلى أحد ، وما روي أنه ◌َّةٍ صلّى عليهم وكبر على حمزة سبعين
تكبيرة ، لا يصح ، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة
٢٨٧

٣ - كتاب الجنائز
٥١٦ - حديث علي
أن يستحيي على نفسه ! وأمّا حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث
أن ذلك كان بعد ثمان سنين . يعني: والمخالف يقول: لا يصلى على القبر إذا
طالت المدة؛ فلا يتم له الاستدلال ، وكأنه ﴿ دعا لهم واستغفر لهم حين علم
قرب أجله مودعاً بذلك ، ولا يدل على نسخ الحكم الثابت . انتهى .
ويؤيد كونه دعا لهم عدم الجمعية بأصحابه ؛ إذْ لو كانت صلاة الجنازة ؛
لأشعر أصحابه وصلاها جماعة ؛ كما فعل في صلاته على النجاشي ؛ فإن
الجماعة أفضل قطعاً ، وأهل أُحد أولى الناس بالأفضل ، ولأنه لم يرد عنه أنه
صلى على قبر فرادى ، وحديث عقبة أخرجه البخاري بلفظ أنه ﴿﴿ صلّى
على قتلى أُحُد بعد ثماني سنين ، وزاد ابن حبان: ولم يخرج من بيته ، حتّى
قبضه الله تعالى .
٥١٦ - وعنْ علي رضي الله عنه: سمعْتُ رسول الله ◌َ الِهِ يقُولُ: ((لا تَغَالَوْا
في الكفن؛ فإنه يُسْلبُ سريعاً)). رواه أبو داودَ .
(وعنْ علي رضي الله عنه: سمعْتُ رسول الله ◌َ ﴿ُ يقُولُ: ((لا تَغَالَوْا في
الكفن؛ فإنه يُسْلبُ سريعاً)). رواه أبو داودَ): من رواية الشعبي عن علي عليه
السلام ، وفي إسناده عمرو بن هشام الجنبي ؛ بفتح الجيم فنون ساكنة فموحدة ،
مختلف فيه ، وفيه انقطاع بين الشعبي وعليّ؛ لأنه قال الدارقطني : إنه لم
یسمع منه سوی حدیث واحد . اهـ .
وفيه دلالة على المنع من المغالاة في الكفن ؛ وهي زيادة الثمن .
وقوله : ((فإنه يسلب سريعاً)) كأنه إشارة إلى أنه سريع البلى والذهاب ، كما
٢٨٨

٣ - كتاب الجنائز
٥١٧ ۔ حديث عائشة
في حديث عائشة : إن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من
زعفران ، فقال : اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين وكفنوني فيها . قلت : إن
هذا خَلِقٍ؟ قال : إن الحي أحق بالجديد من الميت؛ إنما هو للمهلة .
ذكره البخاري مختصراً .
٥١٧ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النّبيِ ثَّهِ قالَ لهَا: ((لَوْ مُتِّ قَبْلِي،
لَغَسَلْتُك)) ، الحديث. رواهُ أَحمدُ وابن مَاجَهْ، وصَحّحهُ ابنُ حبانَ .
(وعن عائشةَ رضيَ اللّه عنهَا: أَنَّ النّبِيِ ثَ﴿ قَالَ لَهَا: (لَوْ مُتِّ قَبْلي،
لَغَسَلْتُك))، الحديث. رواهُ أَحمدُ وابنِ مَاجَهْ، وصَحّحهُ ابنُ حبانَ): فيه
دلالة على أن للرجل أن يغسل زوجته ، وهو قول الجمهور .
وقال أبو حنيفة : لا يغسلها ، بخلاف العكس ؛ لارتفاع النكاح ، ولا عدة
عليه ، والحديث يرد قوله هذا في الزوجين .
وأما في الأجانب فإنه أخرج أبو داود في ((المراسيل )) من حديث أبي بكر
ابن عياش ، عن محمد بن أبي سهل ، عن مكحول قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: ((إذا ماتت المرأة مع الرجال ، ليس فيهم امرأة غيرها ،
والرجل مع النساء ، ليس معهن رجل غيره ، فإنهما ييممان ويدفنان)) ، وهما
بمنزلة من لا يجد الماء . انتهى . محمد بن أبي سهل هذا ذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال البخاري : لا يتابع على حديثه .
وعن علي عليهِ السَّلام قال: قال رسول اللّه ◌َ اللهُ: ((لا تبرز فخذك ، ولا
تنظر إلى فخذ حي ، ولا ميت)) ، رواه أبو داود وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف .
٢٨٩

٣ - كتاب الجنائز
٥١٨ و٥١٩ - حديثا أسماء بنت عميس وبريدة
٥١٨ - وعنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسِ رَضِيَ اللهُ عنْها: أَنَّ فاطِمَة رضيَ الله عنها
أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَليِّ رضي اللهُ عنها . رواهُ الدارقطنيُّ .
(وعنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسِ رَضيَ الله عنْها: أَنَّ فاطِمَة رضيَ الله عنهَا
أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلَيِّ رضي الله عنها. رواهُ الدارقطنيُّ) : هذا يدل على ما
دل عليه الحديث الأول ، وأمّا غسل المرأة زوجها ، فيستدل له بما أخرجه أبو داود
عن عائشة أنها قالت : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما غسل رسول الله
غير نسائه . وصححه الحاكم ، وإن كان قول صحابية ، وكذلك حديث
، ويؤيده ما رواه
فاطمة ، فهو يدل على أنه كان أمراً معروفاً في حياته
البيهقي من أن أبا بكر أوصى امرأته أسماء بنت عميس أن تغسله ، واستعانت
بعبد الرحمن بن عوف ؛ لضعفها عن ذلك ، ولم ينكره أحد ، وهو قول الجمهور ،
والخلاف فيه لأحمد بن حنبل، قال: لارتفاع النكاح؛ كذا في ((الشرح)).
والذي في ((دليل الطالب)) من كتب الحنابلة ما لفظه : وللرجل أن يغسل
زوجته وأمته وبنتاً دون سبع ، وللمرأة غسل زوجها وسيدها وابن دون سبع .
٥١٩ - وعَنْ بُرّةَ رضي الله عنه في قصة الغامدية التي أَمَرَ النّبيُّ
برجْمِهَا في الزِّنَا، قالَ: ثمَّ أَمَرَ بها فَصُلِّيَ عَلَيْها ودُفِنَتْ . رواهُ مسلمٌ .
(وعن بريدة رضي الله عنه في قصة الغامدية) : بالغين المعجمة وبعد الميم
دال مهملة ؛ نسبة إلى غامد ، وتأتي قصتها في الحدود (التي أمر النبي
برجمها في الزنا ، قال : ثم أمر بها فصُلَّى عليها ودفنت . رواه مسلم): فيه
دليل على أنه يصلى على من قتل بحدّ، وليس فيه أنه تَ ◌ّهم الذي صلى عليها،
٢٩٠

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٠ - حديث جابر بن سمرة
وقد قال مالك : إنه لا يصلي الإمام على مقتول في حدّ؛ لأن الفضلاء لا يصلون
على الفساق؛ زجراً لهم، قلت: كذا في ((الشرح))، لكن قال ت الية في الغامدية :
((إنها تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم))، أو نحو هذا اللفظ.
وللعلماء خلاف في الصلاة على الفساق ، وعلى من قتل في حد ، وعلى
المحارب ، وعلى ولد الزنا ؛ وقال ابن العربي : مذهب العلماء كافة الصلاة على
كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا . اهـ، وقد ورد في قاتل نفسه
الحديث :
٥٢٠ - وعَنْ جابرِ بنِ سَمُرَةَ قالَ: أُتِيَ النبيَُّ﴿هُ بِرجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ
بِشَاقِص ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ . رواه مُسْلِمٌ .
(وعَنْ جابرٍ بِنِ سَمُرَةَ قالَ: أُنِيَ النبيُّ:﴿ برجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَاقِص ، فَلَمْ
يُصَلِّ عَلَيْهِ. رواه مُسْلمٌ) : المشاقص : جمع مشقص ؛ وهو نصل عريض .
قال الخطابي : وترك الصلاة عليه معناه العقوبة له وردع لغيره عن مثل
فعله .
وقد اختلف الناس في هذا ، وكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على
من قتل نفسه ، وكذلك قال الأوزاعي .
وقال أكثر الفقهاء : يصلى عليه . اهـ، وقالوا في هذا الحديث : إنه صلى
عليه الصحابة ، قالوا: وهذا كما ترك النبي : ﴿ الصلاة على من مات وعليه
دين أول الأمر ، وأمرهم بالصلاة على صاحبهم . قلت : إن ثبت نقل أنه أمر
٢٩١

٣ - كتاب الجنائز
٥٢١ - حديث أبي هريرة
أصحابه بالصلاة على قاتل نفسه ، تم هذا القول ؛ وإلا فرأي عمر بن عبد العزيز
أوفق ، إلا أن في رواية للنسائي: ((أما أنا فلا أصلي عليه))، فربما أخذ منها أن
غيره صلى عليه .
٥٢١ - وعَنْ أَبي هُرِيْرةَ رضي الله عنه في قصّة المرأةِ الَّتي كانتْ تَقُمُّ
المسْجد، قال: فَسأَلَ عَنْها النّبيُّ :﴿ فَقَالُوا: ماتتْ، فَقَالَ: «أَفَلا كُنْتُمْ
أَذَنْتُمُوني!))؛ فَكَأَنْهُمْ صَغّروا أَمْرِها، فَقَال: «دُلُّوني عَلى قَبْرِها))، فَدَّلُّوه
فَصَلى عَلَيْهَا. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وزادَ مسْلمٌ: ثم قالَ: ((إنَّ هذهِ الْقُبُور مملُوءَةٌ ظُلْمَة
على أهلِها ، وإن الله يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بصلاتي عَلَيْهِم)) .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المرأة التي كانت تَقم المسجد) :
بفتح حرف المضارعة ؛ أي : تخرج القمامة منه وهي : الكناسة (فسأل عنها
النبي ﴿ فقالوا: ماتت، فقال: ((أَفلا كنتمْ آذنتموني !))؛ فكأَّنهمْ صغروا
أَمْرها ، فقال: ((دلُّوني على قبرها))) : أيْ: بعد قولهم في جواب سؤاله إنها
ماتت (فدلوه فصلى عليها . متفق عليه ، وزاد مسلم) : أيْ : من رواية أبي
هريرة (ثم قال): أي: النبي ◌َّ﴿ ((إنَّ هذه القبور مملوءةٌ ظُلْمة على أَهْلها،
وإن اللهَ يُنوِّرِها لهمْ بصلاتي عليْهم))): وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ؛ لأنها
مدرجة في هذا الإسناد ، وهي من مراسيل ثابت؛ كما قال أحمد. هذا،
والمصنف جزم أن القصة كانت مع امرأة ، وفي البخاري : أن رجلاً أسود ، أو امرأة
سوداء ؛ بالشك من ثابت الراوي ، لكنه صرح في رواية أخرى في البخاري عن
ثابت قال : ولا أراه إلا امرأة ، وبه جزم ابن خزيمة من طريق أخرى عن أبي
٢٩٢

٣ - كتاب الجنائز
٥٢١ - حديث أبي هريرة
هريرة ، فقال : امرأة سوداء ، ورواه البيهقي أيضاً بإسناد حسن وسماها : أم
محجن ، وأفاد أن الذي أجابه صلى الله عليه وآله وسلم عن سؤاله ، هو أبو بكر ،
وفي البخاري عوض : فسأل عنها ، فقال: ((ما فعل ذلك الإنسان؟)) قالوا : مات
يا رسول الله ، الحديث .
والحديث دليل على صحة الصلاة على الميت بعد دفنه مطلقاً ، سواء أصلي
عليه قبل الدفن أم لا! وإلى هذا ذهب الشافعي .
ويدل له أيضاً صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على البراء بن معرور؛ فإنه
مات والنبي ◌َ بمكة، فلما قدم صلى على قبره ، وكان ذلك بعد شهر من
وفاته .
ويدل له أيضاً صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على الغلام الأنصاري الذي
دفن ليلاً، ولم يشعر ◌َ ◌ّه بموته. أخرجه البخاري.
ويدل له أيضاً أحاديث وردت في الباب عن تسعة من الصحابة ، أشار إليها
في ((الشرح)) .
وذهب أبو طالب - تحصيلاً لمذهب الهادي - إلى أنه لا صلاة على القبر،
واستدل له في ((البحر)) بحديث لا يقوى على معارضة أحاديث المُثْبتين ؛ لما
عرفت من صحتها وكثرتها .
واختلف القائلون بالصلاة على القبر في المدة التي تشرع فيها الصلاة ،
فقيل : إلى شهر بعد دفنه ، وقيل : إلى أن يبلى الميت ؛ لأنه إذا بَلِيَ لم يبق ما
٢٩٣

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٢ - حديث حذيفة
يصلى عليه ، وقيل : أبداً؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء ، وهو جائز في كل
وقت ، قلت : هذا هو الحق ؛ إذْ لا دليل على التحديد بمدة .
وأما القول بأن الصلاة على القبر من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم ،
فلا تنهض ؛ لأن دعوى الخصوصية خلاف الأصل .
٥٢٢ - وعنْ حذيفةَ رضي الله عنه: أنَّ النّبيِّ
كان يَنْهى عنِ النَّعْي .
رواهُ أَحمد والتِّرْمذي وحسَّنَه .
كان ينهى عن النعي): في
(وعن حذيفة رضي الله عنه: أن النبي ◌َ﴾
(القاموس)): نعاه له نَعْياً ونَعيّاً ونعياناً: أخبره بموته (رواه أحمد والترمذي
وحسنه): وكأنّ صيغة النهي هي ما أخرجه الترمذي من حديث عبد الله
عنه 8: ((إياكم والنعي! فإن النعي من عمل الجاهلية))؛ فإن صيغة التحذير
في معنى النهي ، وأخرج حديث حذيفة وفيه قصة ؛ فإنه ساق سنده إلى
حذيفة أنه قال لمن حضره : إذا مت فلا يؤذن أحد فإني أخاف أن يكون نعياً؛
إني سمعت رسول الله تَ ﴾ ينهى عن النعي . هذا لفظه، ولم يحسنه .
ثم فسر الترمذي النعي بأنه عندهم أن ينادى في الناس : إن فلاناً مات؛
ليشهدوا جنازته .
وقال بعض أهل العلم : لا بأس أن يعلم الرجل قرابته وإخوانه . وعن إبراهيم
أنه قال : لا بأس أن يعلم الرجل قرابته . انتهى .
وقيل : المحرّم ما كانت تفعله الجاهلية ؛ كانوا يرسلون من يعلم بخبر موت
الميت على أبواب الدور والأسواق ..
٢٩٤

٣- كتاب الجنائز
٥٢٣ - حديث أبي هريرة
وفي ((النهاية)): والمشهور في العرب أنهم كانوا إذا مات فيهم شريف ، أو
قتل ، بعثوا راكباً إلى القبائل ينعاه إليهم ، يقول: نَعاءِ فلاناً، أو يَا نَعَاء العرب (*)،
هلك فلان ، أو هلكت العرب بموت فلان . انتهى .
ويقرب عندي أن هذا هو المنهي عنه ، قلت : ومنه النعي من أعلى المنارات
كما يعرف في هذه الأعصار في موت العظماء .
قال ابن العربي : يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات :
الأولى : إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح ؛ فهذه سنة .
الثانية : دعوى الجمع الكثير للمفاخرة فهذه تكره .
الثالثة : إعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك ؛ فهذا يحرم انتهى .
وكأنه أخذ سنية الأولى من أنه لا بد من جماعة يخاطبون بالغسل والصلاة
والدفن ، ويدل له قوله ﴿*م: ((ألا آذنتموني))، ونحوه ، ومنه :
٥٢٣ - وَعَنْ أبي هريرة رضيَ الله عنه: أَنَّ النّبِيَّ:﴿ِ نَعَى النّجاشيَّ في
اليوْم الذي ماتَ فيهِ ، وخرَجَ بهمْ إلى المُصلَّى؛ فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبّرَ أَرْبعاً.
مُتَّفَقَ عليْه .
﴿ نعى النّجاشي): بفتح
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي
النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ، ثم مثناة تحتية مشددة ؛ وقيل :
مخففة : لقب لكل مَن ملك الحبشة ، واسمه أصحمة (في اليوم الذي مات
فيه ، وخرج بهم إلى المصلى) : يحتمل أنه مصلى العيد ، أو محل اتخذ لصلاة
(*) في (القاموس)) عن صاحب (النهاية)): ((أي ... ))، وهي ساقطة من نسختي الشيخ.
(الناشر) .
٢٩٥

٣ - کتاب الجنائز
٥٢٣ - حديث أبي هريرة
الجنائز (فصف بهم وكبر أربعاً . متفق عليه) .
فيه دلالة على أن النعي اسم للإعلام بالموت ، وأنه لمجرد الإعلام جائز.
وفيه دلالة على شرعية صلاة الجنازة على الغائب ، وفيه أقوال :
الأول : تشرع مطلقاً؛ وبه قال الشافعي وأحمد وغيرهما ، وقال ابن حزم: لم
يأت عن أحد من السلف خلافه .
والثاني : منعه مطلقاً ، وهو للهادوية والحنفية ومالك .
والثالث : يجوز في اليوم الذي مات فيه الميت ، أو ما قرب منه إلا إذا طالت
المدة .
الرابع : يجوز ذلك إذا كان الميت في جهة القبلة ، ووجه التفصيل في
القولين معاً الجمود على قصة النجاشي .
وقال المانع مطلقاً : إن صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على النجاشي
خاصة به ، وقد عرف أن الأصل عدم الخصوصية ، واعتذروا بما قاله أهل القول
الخامس؛ وهو أن يصلى على الغائب إذا مات بأرض لا يصلى عليه فيها
كالنجاشي؛ فإنه مات بأرض لم يُسْلِم أهلها؛ واختاره ابن تيمية ، ونقله المصنف
في ((فتح الباري)) عن الخطابي ، وأنه استحسنه الروياني ، ثم قال : وهو محتمل ؛
إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصلِّ عليه في بلده أحد .
واستدل بالحديث على كراهة الصلاة على الجنازة في المسجد ؛ لخروجه
عَلَةِ، والقول بالكراهة للحنفية والمالكية ؛ ورد بأنه لم يكن في الحديث نهي
٢٩٦

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٤ ۔ حديث ابن عباس
عن الصلاة فيه ، وبأن الذي كرهه القائل بالكراهة إنما هو إدخال الميت المسجد ،
وإنما خرج ﴿؛ تعظيماً لشأن النجاشي ، ولتكثر الجماعة الذين يصلون عليه.
وفيه شرعية الصفوف على الجنازة؛ لأنه أخرج البخاري في هذه القصة
حديث جابر ، وأنه كان في الصف الثاني ، أو الثالث ، وبوّب له البخاري : باب
من صف صفين ، أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام .
وفي الحديث من أعلام النبوّة ، إعلامهم بموته في اليوم الذي توفي فيه مع
بُعد ما بين المدينة والحبشة .
٥٢٤ - وعن ابن عبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: سَمِعْت رسول الله عَليه
يقولُ: ((ما منْ رجلٍ مُسْلم يموتُ فَيَقومُ على جنازتهِ أربعونَ رجُلاً، لا يُشركُون
بالله شيئاً، إلا شَفّعَهَّمُ اللهُ فيهِ)) . رواهُ مُسلمٌ .
(وعن ابن عبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: سَمِعْت رسول الله عَّهِ يقولُ: ((ما
مِنْ رجلٍ مُسْلم يموتُ فَيَقومُ على جنازتهِ أَرْبْعونَ رَجُلاً، لا يُشركُون بالله شيئاً ،
إلا شَفّعَهُمُ اللَّهُ فيهِ)). رواهُ مُسلمٌ) : في الحديث دليل على فضيلة تكثير
الجماعة على الميت ، وأن شفاعة المؤمن نافعة مقبولة عنده تعالى ، وفي رواية :
((ما من مسلم يصلي عليه أمة من المسلمين ، يبلغون كلهم مائة يشفعون فيه ،
إلا شُفعوا فيه))، وفي رواية: ((ثلاثة صفوف)). رواها أصحاب السنن .
قال القاضي : قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك
فأجاب كل واحد عن سؤاله. اهـ، ويحتمل أن يكون تنظيم أخبر بقبول شفاعة
كل واحد من هذه الأعداد ، ولا تنافي بينهما ؛ إذْ مفهوم العدد يطرح مع وجود
٢٩٧

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٥ - حديث سمرة بن جندب
النص ؛ فجميع الأحاديث معمول بها وتقبل الشفاعة بأدناها .
٥٢٥ - وعَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضيَ الله عنهُمَا قال: صَلَيْتُ وَرَاءَ النّبِيِّ
على امرأَةٍ مَاتَتْ في نفسِها فَقَامَ وَسْطَهَا. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضيَ الله عنهُمَا قال: صَلَيْتُ وَرَاءَ النّبيِّ
على امرأَةٍ مَاتَتْ في نفسِها فَقَامَ وَسْطَهَا. مُتّفَقٌّ عَلَيْهِ) : فيه دليل على
مشروعية القيام عند وسط المرأة إذا صلى عليها ، وهذا مندوب ، وأمّا الواجب
فإنَّما هو استقبال جزء من الميت رجلاً ، أو امرأة .
واختلف العلماء في حكم الاستقبال في حق الرجل والمرأة ؛ فقال أبو
حنيفة : إنهما سواء .
وعند الهادوية أنه يستقبل الإمام سرة الرجل وثديي المرأة ؛ لرواية أهل البيت
عليهم السلام عن علي عليه السلام .
وقال القاسم : صدر المرأة ، وبينه وبين السرة من الرجل ؛ إِذْ قد روي قيامه
﴿ عند صدرها ، ولا بدّ من مخالفة بينها وبين الرجل .
وعن الشافعي أنه يقف حذاء رأس الرجل ، وعند عجيزتها ؛ لما أخرجه أبو داود
والترمذي من حديث أنس : أنه صلى على رجل فقام عند رأسه ، وصلى على
المرأة فقام عند عجیزتها ، فقال له العلاء بن زیاد : هکذا کان رسول الله
يفعل؟ قال: نعم. إلا أنه قال المصنف في ((الفتح)): إن البخاري أشار بإيراد
حديث سمرة إلى تضعيف حديث أنس .
٢٩٨

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٦ - حديث عائشة
٥٢٦ - وعنْ عائشة رضي الله عنها قالت: والله ، لَقَدْ صلى رَسُول الله
على ابْنَيْ بَيْضَاءَ في المسجد . رواه مُسلمٌ .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: والله، لقد صلى رسول الله عَّةٍ على
ابني بيضاء) : هما سهل وسهيل ، أبوهما وهب بن ربيعة ، وأمهما البيضاء
اسمها دعد؛ والبيضاء صفة لها (في المسجد . رواه مسلم): قالته عائشة ردّاً
على من أنكر عليها صلاتها على سعد بن أبي وقاص في المسجد ، فقالت : ما
أسرع ما نسي الناس ! والله ، لقد صلى ... الحديث.
والحديث دليل على ما ذهب إليه الجمهور من عدم كراهية صلاة الجنازة في
المسجد .
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها لا تصح، وفي ((القدوري)) للحنفية : ولا
يصلى على ميت في مسجد جماعة. واحتجا بما سلف من خروجه مشيرة إلى
الفضاء للصلاة على النجاشي ، وتقدّم جوابه ، وبما أخرجه أبو داود : ((من صلى
على جنازة في المسجد ، فلا شيء له))، وأجيب بأنه نص أحمد على ضعفه ؛
لأنه تفرّد به صالح مولى التوأمة ، وهو ضعيف ؛ على أنه في النسخ المشهورة من
((سنن أبي داود)) بلفظ: ((فلا شيء عليه)) .
وقد روي أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد ، وأن صهيباً صلى على
عمر في المسجد .
وعند الهادوية : يكره إدخال الميت المسجد كراهة تنزيه ، وتأولوا هم والحنفية
والمالكية حديث عائشة بأن المراد أنه اللهم صلى على ابني البيضاء ، وجنازتهما
٢٩٩

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٧ - حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى
خارج المسجد ، وهو صلى الله تعالى عليه وآله وسلم داخل المسجد ، ولا يخفى
بعده وأنه لا يطابق احتجاج عائشة .
٥٢٧ - وعن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلِى قالَ: كانَ زَيِّدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ على
جنَائزنا أَرْبَعاً ، وإنّهُ كَبّرَ على جنازَة خَمْساً ، فَسَأَلْتُهُ فقالَ: كانَ رسولُ الله
يُكَبِّرُهَا . رواه مُسْلِمٌ والأربعةُ .
(وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى) : هو أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي
ليلى ، ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر ، سمع أباه وعلي بن أبي طالب
عليهِ السَّلام ، وجماعة من الصحابة ، ووفاته سنة اثنتين وثمانين ، وفي سبب
وفاته أقوال ، قيل : فُقِدَ ، وقيل : قتل ، وقيل : غرق في نهر البصرة (قال : كان
زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعاً ، وإنه كبر على جنازة خمساً ، فسألته
فقال: كان رسول الله تَضاءِ يكبرها . رواه مسلم والأربعة) : تقدم في حديث
أبي هريرة أنه م ** كبر في صلاته على النجاشي أربعاً. ورويت الأربع عن ابن
مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت ، وفي
((الصحيحين)) عن ابن عباس: صلى على قبر فكبر أربعاً ، وأخرج ابن ماجه عن
أبي هريرة: أن رسول الله تَ *ٍ صلى على جنازة فكبر أربعاً ، قال ابن أبي داود :
لیس في الباب أصح منه .
فذهب إلى أنها أربعاً لا غير جمهور من السلف والخلف ، منهم الفقهاء
الأربعة ، ورواية عن زيد بن علي عليه السلام .
وذهب أكثر الهادوية إلى أنه يكبر خمس تكبيرات ، واحتجوا بما روي أن
٣٠٠