النص المفهرس
صفحات 221-240
٢ - كتاب الصلاة
١٤ - باب صلاة العيدين
٤٦٨ - حديث أبي هريرة
وفي الثاني : إلى ظهر ثالثه ، وقيل: إلى آخر أيام التشريق ، وقيل : إلى ظهره ،
وقيل: إلى عصره ، ولم يثبت عنه ◌َ﴾﴾ في ذلك حديث واضح ، وأصح ما ورد
فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام
منى . أخرجهما ابن المنذر(١) .
وأما صفته فأصح ما ورد فيه ما رواه عبد الرازق عن سلمان بسند صحيح(٢)
قال : كبروا : الله أكبر ، الله أكبر كبيراً. وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد
وابن أبي ليلى ، وقولٌ للشافعي ، وزاد فيه : ولله الحمد . وفي الشرح صفات كثيرة
واستحسانات عن عدة من الأئمة ، وهو يدل على التوسعة في الأمر ، وإطلاق
الآية يقتضي ذلك(٣) .
واعلم أنه لا فرق بين تكبير عيد الإفطار ، وعيد النحر في مشروعية التكبير؛
الاستواء الأدلة في ذلك ، وإن كان المعروف عند الناس إنما هو تكبير عيد النحر .
وقد ورد الأمر في الآية بالذكر في الأيام المعدودات والأيام المعلومات،
وللعلماء قولان :
(١) وأخرجه عن علي: ابن أبي شيبة - كما في ((نصب الراية)) (٢٢٢/٢) -، والحاكم
(٢٩٩/١)، والبيهقي (٣١٤/٣) بسند صحيح؛ وفي آخره: ثم يكبر بعد العصر.
وأخرجه عن ابن مسعود : الحاكم ؛ وفيه أبو جناب ، وهو ضعيف .
والمعروف عن ابن مسعود : أنه كان يكبّر إلى صلاة العصر من يوم النحر .
رواه ابن أبي شيبة (٢٢٣/٢) بسندين عنه، أحدهما صحيح؛ وفيه أنه كان يقول: «الله
أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)» .
(٢) ((فتح)) .
(٣) وروى البخاري تعليقاً معناه عن ابن عمر .
٢٢١
٢ - كتاب الصلاة
١٤ - باب صلاة العيدين
٤٦٨ - حديث أبي هريرة
منهم من يقول : هما مختلفان ، فالأيام المعدودات أيام التشريق ، والمعلومات
أيام العشر . ذكره البخاري عن ابن عباس تعليقاً ، ووصله غيره ، وأخرج ابن
مردويه عن ابن عباس : إن المعلومات التي قبل أيام(١) التروية ويوم التروية ويوم
عرفة ، والمعدودات: أيام التشريق . وإسناده صحيح ، وظاهره إدخال يوم العيد
في أيام التشريق ، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أيضاً : إن المعلومات
يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، ورجحه الطحاوي ؛ لقوله: ﴿ويذكروا اسم الله في
أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨]، فإنها تشعر بأن
المراد أيام النحر (٢) . انتهى .
وهذا لا يمنع تسمية أيام العشر : معلومات ، ولا أيام التشريق : معدودات ؛
بل تسمية التشريق : معدودات ، متفق عليه ؛ لقوله تعالى : ﴿واذكروا الله في
أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقد ذكر البخاري عن أبي هريرة وابن عمر تعليقاً
أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر، يكبران ، ويكبر الناس بتكبيرهما .
وذكر البغوي والبيهقي ذلك ، قال الطحاوي : كان مشايخنا يقولون بذلك التكبير
أيام العشر جميعاً .
فائدة ثانية : يندب لُبْسُ أحسن الثياب ، والتطيب بأجود الأطياب في يوم
العيد ، ويزيد في الأضحى الضحية بأسمن ما يجد ؛ لما أخرجه الحاكم من
(١) يوم ((فتح)) .
(٢) وكذا قال ابن حزم (٢٧٥/٧)، وذهب إلى أن الأيام المعدودات والمعلومات واحدة؛ وهي
أيام الأضحى الأربعة .
٢٢٢
٢ - كتاب الصلاة
١٤ - باب صلاة العيدين
٤٦٨ - حديث أبي هريرة
﴿ في العيدين أن نلبس أجود ما
حديث الحسن السبط ، قال : أمرنا رسول الله
نجد ، وأن نتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحي بأسمن ما نجد ؛ البقرة عن سبعة ،
والجزور عن عشرة ، وأن نظهر التكبير والسكينة والوقار، قال الحاكم(١) بعد إخراجه
من طريق إسحاق بن برزخ (٢): لولا جهالة إسحاق هذا؛ لحكمت للحديث
بالصحة . قلت : ليس بمجهول ؛ فقد ضعفه الأزدي ووثقه ابن حبان ؛ ذكره في
((التلخيص)).
(١) (٢٣٠/٤) .
(٢) ابن بزرج - صح - وهو بضم الموحدة والزاي، وسكون الراء، بعدها جيم، كما في ((اللسان)).
والحديث في ((المستدرك)» (٢٣٠/٤ - ٢٣١)؛ وفيه عبدالله بن صالح أيضاً ، وفيه ضعف .
والذهبي وافق الحاكم على قوله: ((لولا جهالة ... ))! أما في «الميزان»؛ فقد ذكر الحديث في
ترجمة إسحاق هذا ، وقال :
((ضعفه الأزدي))!
٢٢٣
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٦٩ - حديث المغيرة بن شعبة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٦٩ - عَنِ الْمُغيرِةِ بنِ شُعْبةَ رضي الله عنه قالَ: انْكَسَفتِ الشمْسُ عَلى
عَهْد رَسُولِ الله ◌ِ﴿ يَوْمَ مَاتَ إِبْراهيم، فقال الناس: انكسَفَتِ الشّمْسُ لموْتٍ
إبراهيم، فقال رسُولُ الله ◌َ ◌ّةِ: ((إِنَّ الشّمسَ وَالْقَمَرَ أَيْتَانِ مِنْ آيات الله، لا
يْكَسِفَانِ لموْتٍ أَحَدٍ ، ولا لحياتِهِ؛ فإذا رَأَيْتُموهُما فادعُوا الله وصَلُوا، حتّى
تَنْكَشِفَ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وفي رواية لِلْبُخاريِّ: ((حَتى تَنْجَلَي)) .
(عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : انكسفت الشمس على عهد
رسول اللّه ◌َ ﴾ يوم مات إبراهيم) ؛ أي : ابنه عليهِ السَّلام، وموته في العاشرة
من الهجرة ، وقال أبو داود : في ربيع الأول يوم الثلاثاء لعشر خلون منه ، وقيل :
في الرابعة (١) (فقال الناس : انكسفت الشمس لموت إبراهيم ، فقال رسول الله
﴿﴿): أيْ: رادّاً عليهم ((إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله؛ لا ينكسفان
لَوْتٍ أحد ، ولا لحياته؛ فإذا رَأَيْتُموهما فادعُوا الله وصلَّوا) : هذا لفظ مسلم ،
ولفظ البخاري: ((فصلوا وادعوا الله)) (حتى تَنكشف))): ليس هذا اللفظ في
البخاري ؛ بل هو في مسلم (متفق عليه) : يقال : كسفت الشمس - بفتح الكاف،
وتضم نادراً - وانكسفت وخسفت - بفتح الخاء ، وتضم نادراً - وانخسفت .
واختلف العلماء في اللفظين ؛ هل يستعملان في الشمس والقمر ، أو يختص
(١) ((يعلم من رسالة محمود باشا الفلكي: ((نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام)):
أنه وقع الكسوف يوم الإثنين ٢٩ شوال سنة ١٠ الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية في
الساعة ٨ والدقيقة ٣٠ صباحاً)): التعليق على ((المحلى)) (١٠٤/٥).
٢٢٤
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٦٩ - حديث المغيرة بن شعبة
كل لفظ بواحد منهما ؟ وقد ثبت في القرآن نسبة الخسوف إلى القمر ، وورد في
الحديث خسفت الشمس ، كما ثبت في نسبة الكسوف إليهما ، وثبت
استعمالهما منسوبين إليهما ؛ فيقال فيهما : الشمس والقمر ينخسفان ،
وينكسفان ، إنما الذي لم يرد في الأحاديث نسبة الكسوف إلى القمر على جهة
الانفراد ، وعلى هذا يدل استعمال الفقهاء ؛ فإنهم يخصون الكسوف بالشمس
والخسوف بالقمر ، واختاره ثعلب ، وقال الجوهري : إنه أفصح ، وقيل : يقال بهما
في كل منهما .
والكسوف لغة : التغير إلى السواد ، والخسوف : النقصان ، وفي ذلك أقوال أخر .
وإنما قالوا : إنها كسفت لموت إبراهيم ؛ لأنها كسفت في غير يوم كسوفها
المعتاد ؛ فإن كسوفها في العاشر ، أو الرابع لا يكاد يتفق ؛ فلذا قالوا : إنما هو
لأجل هذا الخطب العظيم، فردّ عليهم عَ ﴿ ذلك، وأخبرهم أنهما علامتان
من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى ، وقدرته على تخويف عباده من
بأسه وسطوته .
والحديث مأخوذ من قوله تعالى : ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾
[الإسراء : ٥٩] .
وفي قوله : ((لحياته)) - مع أنهم لم يدعوا ذلك -، بيان أنه لا فرق بين الأمرين ،
فكما أنكم لا تقولون بكسوفهما لحياة أحد ، كذلك لا يكسفان لموته ؛ أو كأن المراد
من حياته صحته من مرضه ونحوه ، ثم ذكر القمر - مع أن الكلام خاص بكسوف
الشمس - زيادة في الإفادة والبيان أن حكم النيِّرين واحد في ذلك .
٢٢٥
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٠ - حديث أبي بكرة
ثم أرشد العباد إلى ما يشرع عند رؤية ذلك من الصلاة والدعاء ، ويأتي
صفة الصلاة .
والأمر دليل الوجوب إلا أنه حمله الجمهور على أنه سنة مؤكدة ؛ لانحصار
الواجبات في الخمس الصلوات .
وصرح أبو عوانة في ((صحيحه)) بوجوبها ، ونقل عن أبي حنيفة أنه أوجبها .
وجعل ﴿ غاية وقت الدعاء والصلاة انكشاف الكسوف ، فدل على أنها
تفوت الصلاة بالانجلاء ؛ فإذا انجلت وهو في الصلاة ؛ فلا يتمها ؛ بل يقتصر
على ما فعل ، إلا أن في رواية لمسلم: فَسَلَّم وقد انجلت ، فدل أنه يتم الصلاة ،
وإن كان قد حصل الانجلاء ، ويؤيده القياس على سائر الصلوات ؛ فإنها تقيد
بركعة كما سلف ؛ فإذا أتى بركعة أتمها .
وفيه دليل على أن فعلها يتقيد بحصول السبب في أي وقت كان من
الأوقات ، وإليه ذهب الجمهور .
وعند أحمد وأبي حنيفة ما عدا أوقات الكراهة (وفي رواية للبخاري):
أيْ: عن المغيرة ((حتى تنجلي))): عوض قوله: ((تنكشف))، والمعنى واحد .
٤٧٠ - وَلِلْبُخَارِي مِنْ حديثٍ أَبِي بَكْرَةَ: ((فَصَلُوا وادعُوا ، حتّى يَنكَشِفَ
مَا بكمُ)) .
(وَلِلْبُخَارِي مِنْ حديثٍ أَبِي بَكْرَةَ : ((فَصَلُوا وادعُوا ، حتّى ينكشف مَا
بكمُ))): هو أول حديث ساقه البخاري في باب الكسوف؛ ولفظه: ((يكشف))،
٢٢٦
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧١ - حديث عائشة
والمراد : يرتفع ما حل بكم من كسوف الشمس ، أو القمر .
٤٧١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي اللهُ عَنْهَا: أنَّ النّبِيَّ ◌َ جَهَرَ فِي صَلاةِ
الْكُسُوف بقرَاءَتِهِ ؛ فَصَلى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعتين وَأَرْبَعَ سَجَدَات . مُتّفَقُ
عَلَيْهِ ، وهذا لَفْظُ مُسْلِم ، وفي روايةٍ لَهُ : فَبَعَثَ مُنادياً يُنَادي : الصَّلاةَ جَامعةً.
(وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي: { 18 جهر في صلاة الكسوف
بقراءته فصلى أربع ركعات) : أيْ: ركوعات ، بدليل قولها (في ركعتين وأربع
سجدات . متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم) .
الحديث دليل على شرعية الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف ، والمراد كسوف
الشمس ؛ لما أخرجه أحمد بلفظ: خسفت الشمس ، وقال : ثم قرأ فجهر
بالقراءة ، وقد أخرج الجهر أيضاً الترمذي والطحاوي والدارقطني ، وقد أخرج ابن
خزيمة وغيره عن عليّ عليهِ السَّلام مرفوعاً ، الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف ،
وفي ذلك أقوال أربعة :
الأول : أنه يجهر بالقراءة مطلقاً في كسوف الشمس والقمر ؛ لهذا الحديث
وغيره ، وهو وإن كان وارداً في كسوف الشمس ، فالقمر مثله ؛ لجمعه صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم بينهما في الحكم حيث قال: ((فإذا رأيتموهما»؛ أي :
كاسفتين ((فصلوا وادعوا))، والأصل استواؤهما في كيفية الصلاة ، ونحوها ،
وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي حنيفة وابن خزيمة وابن المنذر وآخرين .
والثاني: يسرّ مطلقاً لحديث ابن عباس: أنه تم له قام قياماً طويلاً نحواً من
سورة البقرة ، فلو جهر لم يقدره بما ذكر - وقد علق البخاري عن ابن عباس : أنه
٢٢٧
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٢ ۔ حديث ابن عباس
قام بجنب النبي تي في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً ، ووصله البيهقي من
ثلاثة طرق أسانيدها واهية - فيضعف القول بأنه يحتمل أن ابن عباس كان
بعيداً منه ◌َ له فلم يسمع جهره بالقراءة .
الثالث: أنه يخير فيهما بين الجهر والإسرار؛ لثبوت الأمرين عنه عَ ظمية كما
عرفت من أدلة القولين .
الرابع : أنه يسر في الشمس ويجهر في القمر ، وهو لمن عدا الحنفية من
الأربعة ؛ عملاً بحديث ابن عباس ، وقياساً على الصلوات الخمس ، وما تقدم
من دليل أهل الجهر مطلقاً أنهض مما قالوه .
وقد أفاد حديث الباب أن صفة صلاة الكسوف ركعتان : في كل ركعة
ركوعان، وفي كل ركعة سجدتان ، ويأتي في شرح الحديث الرابع(*) الخلاف في
ذلك (وفي رواية له): أيْ: لمسلم عن عائشة (فبعث): أي النبي ◌َّ﴾ (منادياً
ينادي : الصلاةَ جامعةً): بنصب : الصلاة و: جامعة ، فالأول على أنه مفعول
فعل محذوف - أي : احضروا -، والثاني على الحال ، ويجوز رفعهما على
الابتداء والخبر ، وفيه تقادير أخر .
وهو دليل على مشروعية الإعلام بهذا اللفظ للاجتماع لها ، ولم يرد الأمر
بهذا اللفظ عنه ﴿﴿ إلا في هذه الصلاة .
٤٧٢ - وعَن ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: انخَسَفَت الشّمْسُ على
عَهْدِ رسول الله تَّهِ فَصَلَى، فَقَامَ قِيَاماً طَويلاً نحْواً مِنْ قراءة سُورَةِ الْبَقرة ، ثم
رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثم رَفَعَ فَقَامَ قِياماً طويلاً ، وهو دُونَ الْقِيامِ الأوَّل ، ثم ركَعَ
(*) رقمه بترتيبنا (٤٧٢)، وهو الواقع في هذه الصفحة. (الناشر).
٢٢٨
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٢ ۔ حديث ابن عباس
ركوعاً طويلاً، وهو دون الرُّكوع الأوَّل، ثم سَجَدَ ، ثم قام قياماً طويلاً، وهو
دونَ القِيَامِ الأوَّل، ثم ركع رُكُوعاً طويلاً، وهو دُون الرُّكوع الأول، ثم رفعَ فَقَامَ
قياماً طويلاً، وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم ركعَ رُكُوعاً طَويلاً ، وهو دونَ الركوع
الأوَّل، ثم رفَعَ رَأْسَهُ ، ثم سَجَدَ ، ثم انصرفَ ، وقد انجلَت الشمسُ فَخَطَبَ
النّاس. مُتّفقٌ عَلَيْه واللفظ للبخاريِّ، وفي رواية لمسلم: صلى حين كَسَفَت
الشّمسُ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي أربع سَجَدَاتٍ .
(وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قالَ : انخَسَفَتِ الشّمْسُ على عَهْد رسول
اللّه تٍَّ فَصَلَى، فَقَامَ قِيَاماً طَويلاً نحْواً مِنْ قراءةِ سُورَةِ الْبَقرةِ ، ثم ركَعَ رُكُوعاً
طَوِيلاً ، ثم رَفَعَ فَقَامَ قِياماً طويلاً، وهو دُونَ الْقيام الأوَّل، ثم ركَعَ ركوعاً طويلاً ،
وهو دون الرُّكوع الأوَّل، ثم سَجَدَ ، ثم قَام قياماً طويلاً، وهو دونَ القِيَامِ الأوَّل ،
ثم ركع رُكُوعاً طويلاً ، وهو دُون الرُّكوع الأول، ثم رفعَ فقَامَ قياماً طويلاً ، وهو
دونَ القيام الأوَّلِ، ثم ركعَ رُكُوعاً طَوِيلاً ، وهو دونَ الركوعِ الأوَّل ، ثم رفَعَ
رَأْسَهُ ، ثم سَجَدَ ، ثم انصرفَ، وقد انجلت الشمسُ فَخَطَبَ النّاسَ . مُتّفقٌ عَلَيْه
واللفظ للبخارِيِّ): قوله : فصلّى ؛ ظاهر الفاء التعقيب ، واعلم أن صلاة الكسوف
رويت على وجوه كثيرة ، ذكرها الشيخان وأبو داود وغيرهم ، وهي سنة باتفاق
العلماء . وفي دعوى الاتفاق نظر؛ لأنه صرح أبو عوانة في ((صحيحه)) بوجوبها ،
وحكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة ، وتقدم عن أبي حنيفة إيجابها .
ومذهب الشافعي وجماعة أنها تسنّ في جماعة ، وقال آخرون : فرادى .
وحجة الأولين الأحاديث الصحيحة من فعله ◌َ هه لها جماعة.
٢٢٩
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٢ - حديث ابن عباس
ثم اختلفوا في صفتها ، فالجمهور أنها ركعتان : في كل ركعة قيامان وقراءتان
:
وركوعان والسجود سجدتان كغيرها ، وهذه الكيفية ذهب إليها مالك والشافعي
والليث وآخرون .
وفي قوله : نحواً من قراءة سورة البقرة ، دليل على أنه يقرأ فيها القرآن ، قال
النووي : اتفق العلماء أنه يقرأ في القيام الأول من أول ركعة الفاتحة ، واختلفوا
في القيام الثاني ، ومذهبنا ومالك أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها .
وفيه دليل على شرعية طول الركوع؛ قال المصنف : لم أر في شيء من
الطرق بيان ما قاله له فيه، إلا أن العلماء اتفقوا أنه لا قراءة فيه ، وإنما المشروع
فيه الذكر من تسبيح وتكبير وغيرهما .
وفي قوله : وهو دون الأول ، دلالة على أن القيام الذي يعقبه السجود ، لا
تطويل فيه ، وأنه دون الأول ، وإن كان قد وقع في رواية مسلم في حديث جابر:
أنه أطال ذلك ، لكن قال النووي : إنها شاذة ؛ فلا يعمل بها .
٠
ونقل القاضي إجماع العلماء أنه لا يطول الاعتدال الذي يلي السجود ،
وتأول هذه الرواية بأنه أراد بالإطالة زيادة الطمأنينة .
ولم يذكر في هذه الرواية طول السجود ، ولكنه قد ثبتت إطالته في رواية
أبي موسى عند البخاري ، وحديث ابن عمرو عند مسلم .
قال النووي : قال المحققون من أصحابنا - وهو المنصوص للشافعي -: إنه
يطول ؛ الأحاديث الصحيحة بذلك ، فأخرج أبو داود والنسائي من حديث
٢٣٠
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٢ - حديث ابن عباس
سمرة : كان أطول ما يسجد في صلاة قط ، وفي رواية مسلم من حديث جابر :
وسجوده نحو من ركوعه ، وبه جزم أهل العلم بالحديث .
ويقول عقيب كل ركوع : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول عقيبه : ربنا لك
الحمد ... إلى آخره.
ويطول الجلوس بين السجدتين ؛ فقد وقع في رواية مسلم لحديث جابر إطالة
الاعتدال بين السجدتين ، قال المصنف : لم أقف عليه في شيء من الطرق إلا
في هذا ، ونَقْلُ الغزالي الاتفاق على عدم إطالته مردودٌ .
وفي قوله : ثم قام قياماً طويلاً؛ وهو دون القيام الأول ، دليل على إطالة
القيام في الركعة الثانية ، ولكنه دون القيام في الركعة الأولى ، وقد ورد في رواية
أبي داود عن عروة أنه قرأ آل عمران .
قال ابن بطال : لا خلاف أن الركعة الأولى - بقيامها وركوعها - تكون أطول
من الركعة الثانية بقيامها وركوعها .
واختلف في القيام الأول من الثانية وركوعه ؛ هل هما أقصر من القيام
الثاني من الأولى وركوعه أو يكونان سواء؟ قيل : وسبب هذا الخلاف فهم معنى
قوله : وهو دون القيام الأول ؛ هل المراد به الأول من الثانية ، أو يرجع إلى الجميع ؛
فیکون کل قیام دون الذي قبله؟
وفي قوله : فخطب الناس ، دليل على شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف ،
وإلى استحبابها ذهب الشافعي وأكثر أئمة الحديث .
٢٣١
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٢ - حديث ابن عباس
وعن الحنفية : لا خطبة في الكسوف ؛ لأنها لم تنقل . وتُعُقُّب بالأحاديث
المصرحة بالخطبة . والقول بأن الذي فعله عَ لم يقصد به الخطبة ؛ بل قصد
الرد على من اعتقد أن الكسوف بسبب موت أحد ، مُتَعَقّبٌ بأن رواية البخاري :
فحمد الله وأثنى عليه ، وفي رواية : شهد أنه عبده ورسوله ، وفي رواية للبخاري :
أنه ذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك ، وهذه مقاصد الخطبة ، وفي لفظ مسلم
من حديث فاطمة عن أسماء قالت: فخطب رسول الله عَّهُ الناس ؛ فحمد الله
وأثنى عليه ، ثم قال: ((أما بعد ؛ ما من شيء لم أكن رأيته ، إلا وقد أُريته في
مقامي هذا، حتّى الجنة والنار ، وإنه قد أوحي إليّ أنكم تُفْتَّنون في القبور
قريباً - أو مثل - فتنة المسيح الدجال - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فیؤتى
أحدكم فيقال : ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن ، أو الموقن - لا أدري أي
ذلك قالت أسماء - فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى ،
فأجبنا وأطعنا ؛ ثلاث مرات، ثم يقال : ثم قد كنا نعلم أنك تؤمن به ، فنم
صالحاً))، وفي مسلم رواية أخرى في الخطبة بألفاظ فيها زيادة (وفي رواية
المسلم): أيْ: عن ابن عباس (صلى): أي: النبي ◌َ﴾ (حين كسَفت الشمس
ثماني ركعات) : أيْ: ركوعات (في أربع سجدات) (١) : في ركعتين لأن كل
ركعة لها سجدتان ، والمراد أنه ركع في كل ركعة أربع ركوعات، فيحصل في
(١) هذه الرواية شاذة ؛ لمخالفتها للرواية التي قبلها عن ابن عباس وغيرها عنه؛ فإن الحديث
ورد من أربع طرق عنه ، كلها ذكرت الركوعين في كل ركعة ؛ إلا هذه؛ وفي سندها حبيب بن
أبي ثابت ؛ وهو مدلس ، وقد عنعنه .
وبه أعله ابن حبان والبيهقي ، وقد بينت ذلك في («صفة صلاة الكسوف».
٢٣٢
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف ٤٧٣ - ٤٧٥ - أحاديث علي وجابر وأُبي
الركعتين ثماني ركوعات وإلى هذه الصفة ذهبت طائفة .
٤٧٣ - وَعَنْ عَليِّ رضي الله عنه مِثْلُ ذلكَ .
(وعن علي رضي الله عنه): أيْ: وأخرج مسلم عنه (مثل ذلك)(١): أيْ:
مثل رواية ابن عباس .
٤٧٤ - وَلَهُ عَنْ جابر رضي الله عنه صلى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبع سَجَدات .
(وله) : أيْ: لمسلم (عن جابر رضي الله عنه): ابن عبد الله (صلى) : أي :
النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ست ركعات بأربع سجدات)(٢)؛ أيْ: صلى
ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان .
٤٧٥ - ولأبي دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بن كَعْبٍ رضي الله عنه: صلى فَرَكَعَ خَمْسَ
رَكعاتٍ وَسَجَدَ سَجْدتَيْنِ ، وَفَعَل في الثّانية مثل ذلك .
(ولأبي داود(٣) عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه: صلى) : أي : النبي صلى
الله عليه وآله وسلم (فركع خمس ركعات): أيْ : ركوعات ؛ في كل ركعة
(١) وهو من طريق حبيب المذكور، وقد عرفت علته. وفيه علة أخرى، وهي الانقطاع بين
طاوس وعلي .
(٢) وهي شاذة أيضاً؛ فإن له طريقاً أخرى عن جابر؛ ذكر فيها ركوعين في كل ركعة ؛ والوهم
من عبدالملك بن أبي سليمان ؛ ففي ((التقريب)) :
((صدوق يخطئ)) .
(٣) وفيه أبو جعفر الرازي؛ وهو سيئ الحفظ. وقال الذهبي في ((تلخيصه)):
(خبر منكر ، وأبو جعفر لين)) .
٢٣٣
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٥ ۔ حديث أبي بن كعب
(وسجد سجدتين ، وفعل في الثانية مثل ذلك) : ركع خمس ركوعات وسجد
سجدتين .
إذا عرفت هذه الأحاديث ؛ فقد يحصل من مجموعها أن صلاة الكسوف
ركعتان اتفاقاً ، إنما اختلف في كمية الركوعات في كل ركعة ، فحصل من
مجموع الروايات التي ساقها المصنف أربع صور .
الأولى : ركعتان؛ في كل ركعة ركوعان ، وبهذا أخذ الشافعي ومالك
والليث وأحمد وغيرهم ، وعليها دل حديث عائشة وجابر وابن عباس وابن
عمر ، قال ابن عبد البر: هو أصح ما في الباب وباقي الروايات معللة ضعيفة .
والثانية : ركعتان أيضاً؛ في كل ركعة أربع ركوعات ، وهي التي أفادتها رواية
مسلم عن ابن عباس وعلي عليه السلام .
والثالثة : ركعتان أيضاً فی کل رکعة ثلاث ركوعات ، وعلیھا دل حديث
جابر .
والرابعة : ركعتان أيضاً يركع في كل واحدة خمس ركوعات .
ولما اختلفت الروايات ، اختلف العلماء ؛ فالجمهور أخذوا بالأولى لما عرفت
من كلام ابن عبد البر، وقال النووي في ((شرح مسلم)) : إنه أخذ بكل نوع
بعض الصحابة .
وقال جماعة من المحققين : إنه مخير بين الأنواع فأيها فعل فقد أحسن ، وهو
مبني على أنه تعدد الكسوف ، وأنه فعل هذا تارة ، وهذا أخرى ، ولكن التحقيق
٢٣٤
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٦ - حديث ابن عباس
أن كل الروايات حكاية عن واقعة واحدة؛ هي صلاته عية يوم وفاة إبراهيم،
ولهذا عول الآخرون على إعلال الأحاديث التي حكت الصور الثلاث ، قال ابن
القيم : كبار الأئمة لا يصححون التعدد لذلك؛ كالإمام أحمد والبخاري
والشافعي ويرونه غلطاً ، وذهبت الحنفية إلى أنها تُصلَّى ركعتين كسائر النوافل .
٤٧٦ - وَعَن ابن عَبّاسٍ رضيَ اللّه عنهُمَا قَالَ: مَا هَبّت الرِّيحُ قَطُّ إلا جَثًا
النّبِيُّ ◌َ﴿ على رُكْبَتَيْه، وقال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، ولا تَجْعَلْها عذاباً)) .
رَوَاهُ الشّافعيُّ والطَّرانيُّ .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا قال: ما هبت الريح قط إلا جثا):
بالجيم والمثلثة (النبي ◌َ على ركبتيه): أيْ: برك عليهما؛ وهي قعدة المخافة
لا يفعلها في الغالب إلا الخائف (وقال: «اللهمَّ اجعلها رَحْمة، ولا تجعلْها
عذاباً)) . رواه الشافعي والطبراني):
الريح : اسم جنس صادق على ما يأتي بالرحمة ويأتي بالعذاب ، وقد ورد
في حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب ؛
فلا تسبوها)) .
وقد ورد في تمام حديث ابن عباس: ((اللهمَّ اجعلها رياحاً، ولا تجعلها
ريحاً))، وهو يدل أن المفرد يختص بالعذاب والجمع بالرحمة ، قال ابن عباس :
في كتاب الله ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً﴾ [القمر: ١٩]. ﴿إِذ أرسلنا
عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر: ٢٢]،
﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: ٤٦] رواه الشافعي في ((الدعوات
٢٣٥
٢ - كتاب الصلاة
١٥ - باب صلاة الكسوف
٤٧٧ ۔ حديث ابن عباس
الكبير))، وهو بيان أنها جاءت مجموعة في الرحمة ، ومفردة في العذاب،
فاستشكل ما في الحديث من طلب أن تكون رحمة ، وأجيب بأن المراد لا
تهلكنا بهذه الريح ؛ لأنهم لو هلكوا بهذه الريح لم تهب عليهم ريح أخرى ،
فتكون ريحاً لا رياحاً .
٤٧٧ - وعَنْهُ رضي الله عنه: أنه صلى في زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ ، وأَرْبَعَ
سَجَدَات، وقالَ: هَكذا صَلاةُ الآياتِ . رَواهُ الْبَيْهِقيُّ، وَذَكَرَ الشافعيُّ عَنْ
علي مِثْلَهُ ، دونَ آخرِهِ .
(وعنه) : أيْ : ابن عباس (رضي الله عنه: أنه صلى في زلزلة ست
ركعات) : أيْ: ركوعات (وأربع سجدات): أيْ: صلى ركعتين؛ في كل ركعة
ثلاث ركوعات (وقال : هكذا صلاة الآيات . رواه البيهقي ، وذكر الشافعي
عن علي مثله، دون آخره) : وهو قوله : هكذا صلاة الآيات ، أخرجه البيهقي
من طريق عبد الله بن الحارث : أنه كان ذلك في زلزلة في البصرة ، ورواه ابن
أبي شيبة من هذا الوجه مختصراً : أن ابن عباس صلى بهم في زلزلةٍ أربعَ
سجدات ركع فيها ستاً ، وظاهر اللفظ أنه صلى بهم جماعة ، وإلى هذا ذهب
القاسم من الآل وقال : يصلي للأفزاع مثل صلاة الكسوف ، وإن شاء ركعتين ،
ووافقه على ذلك أحمد بن حنبل ولكن قال : كصلاة الكسوف . قلت : لكن
في كتب الحنابلة أنه يصلي صلاة الكسوف ركعتين إذا شاء .
وذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يسنّ التجميع ، وأمّا صلاة المنفرد فحسن،
قال: لأنه لم يرو أنه ﴿: أمر بالتجميع إلا في الكسوفين .
٢٣٦
٢ - كتاب الصلاة
١٦ - باب صلاة الاستسقاء
٤٧٨ ۔ حديث ابن عباس
١٦ - باب صلاة الاستسقاء
أي طلب سقاية الله تعالى عند حدوث الجدب ؛ أخرج ابن ماجه من
حديث ابن عمر: أن النبي ﴿﴿ قال: ((لم ينقص قوم المكيال والميزان؛ إلا
أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم ؛
إلا منعوا القطر من السماء)).
٤٧٨ - عن ابن عبّاسِ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: خرَجَ النّبيُّ ◌َ ﴿ مُتواضعاً
مُتبذَّلاً ، مُتخشِّعاً مُترسِّلاً مُتضَرِّعاً، فَصَلّى ركْعتين كما يُصلي في العيد ؛ لَمْ
يخْطُبْ خُطبتكم هذه . رواهُ الخمسةُ ، وَصَحّحهُ الترمذيُّ وأبو عَوَانة وابنُ
حِبّان .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: خرج النبي ◌ٍَّ): أيْ: من
المدينة (متواضعاً متبذلاً) : بالمثناة الفوقية فذال معجمة ؛ أي أنه لا بس ثياب
البذلة ، والمراد ترك الزينة وحسن الهيئة ؛ تواضعاً وإظهاراً للحاجة (متخشعاً) :
الخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن (مترسلاً) : من الترسل في
المشي ، وهو التأني وعدم العجلة (متضرعاً) : لفظ أبي داود: متبذلاً متواضعاً
متضرعاً ، والتضرع: التذلل والمبالغة في السؤال والرغبة كما في ((النهاية))
(فصلى ركعتين كما يصلي في العيد ؛ لم يخطب خطبتكم هذه) : لفظ أبي
داود ، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ، ثم صلى ركعتين كما يصلي
في العيد ، فأفاد لفظه أن الصلاة كانت بعد الدعاء ، واللفظ الذي أتى به
المصنف غير صريح في ذلك (رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وأبو عوانة
٢٣٧
٢ - كتاب الصلاة
١٦ - باب صلاة الاستسقاء
٤٧٨ - حديث ابن عباس
وابن حبان) : وأخرجه الحاكم والبيهقي والآل والدارقطني .
والحديث دليل على شرعية الصلاة للاستسقاء ، وإليه ذهب الآل .
وقال أبو حنيفة : لا يصلى للاستسقاء ، وإنما شرع الدعاء فقط .
ثم اختلف القائلون بشرعية الصلاة ، فقال جماعة : إنها كصلاة العيد في
تكبيرها وقراءتها ، وهو المنصوص للشافعي ؛ عملاً بظاهر لفظ ابن عباس .
وقال آخرون : بل يصلي ركعتين لا صفة لهما زائدة على ذلك ، وإليه ذهب
جماعة من الآل ، ويروى عن علي عليهِ السَّلام ، وبه قال مالك؛ مستدلين بما
أخرجه البخاري من حديث عباد بن تميم: أنه ◌َ ه صلى بهم ركعتين، وكما
يفيده حديث عائشة الآتي قريباً ، وتأولوا حديث ابن عباس بأن المراد التشبيه
في العدد لا في الصفة ، ويبعده أنه قد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس :
أنه يكبر فيها سبعاً وخمساً كالعيدين ، ويقرأ بسبح وهل أتاك ، وإن كان في
إسناده مقال ؛ فإنه يؤيده حديث الباب .
وأما أبو حنيفة فاستدل بما أخرجه أبو داود والترمذي: أنه ◌َ ﴿ استسقى
عند أحجار الزيت بالدعاء ، وأخرج أبو عوانة في «صحيحه)) أنه شكا إليه
قوم القحط فقال : «اجثوا علی الرکب ، وقولوا : یا رب یا رب)).
وأجيب عنه بأنه ثبت صلاة ركعتين ، وثبت تركها في بعض الأحيان ؛
لبيان الجواز .
وقد عدّ في ((الهدي النبوي)) أنواع استسقائه ◌َ ظَانٍ:
٢٣٨
٢ - كتاب الصلاة
١٦ - باب صلاة الاستسقاء
٤٧٨ ۔ حديث ابن عباس
- فالأول: خروجه لل إلى المصلى وصلاته وخطبته.
- والثاني : يوم الجمعة على المنبر أثناء الخطبة .
- والثالث : استسقاؤه على منبر المدينة ، استسقى مجرداً في غير الجمعة ،
ولم يحفظ عنه فيه صلاة .
- الرابع : أنه استسقى ، وهو جالس في المسجد ، فرفع يديه ودعا الله عز
وجل
- الخامس : أنه استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء ، وهي خارج
باب المسجد .
- السادس أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء ،
وأغيث صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة استسقى فيها .
واختلف في الخطبة في الاستسقاء ؛ فذهب الهادي إلى أنه لا يخطب فيه ؛
لقول ابن عباس : لم يخطب . إلا أنه لا يخفى أنه ينفي الخطبة المشابهة
لخطبتهم ، وذكر ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد زاد في رواية أبي داود
أنه ◌َ﴿ رقى المنبر، والظاهر أنه لا يرقاه إلا للخطبة.
وذهب آخرون إلى أنه يخطب فيها كالجمعة ؛ لحديث عائشة الآتي ،
وحديث ابن عباس .
ثم اختلفوا هل يخطب قبل الصلاة ، أو بعدها؟ فذهب الناصر وجماعة إلى
الأول .
٢٣٩
٢ - كتاب الصلاة
١٦ - باب صلاة الاستسقاء
٤٧٩ - حديث عائشة
وذهب الشافعي وآخرون إلى الثاني ؛ مستدلين بحديث أبي هريرة عند أحمد
وابن ماجه وأبي عوانة والبيهقي: أنه ﴿ خرج للاستسقاء ، فصلى ركعتين،
ثم خطب ، واستدل الأوّون بحديث ابن عباس ، وقد قدمنا لفظه .
وجمع بين الحديثين بأن الذي بدأ به هو الدعاء ، فعبر بعض الرواة عن
الدعاء بالخطبة واقتصر على ذلك ، ولم يرو في الخطبة بعدها ، والراوي لتقديم
الصلاة على الخطبة اقتصر على ذلك ، ولم يرو الدعاء قبلها ، وهذا جمع بين
الروايتين .
** من ذلك ، وقد أبان الألفاظ التي
وأما ما يدعو به فيتحری ما ورد عنه
دعا بها صلى الله عليه وآله وسلم بقوله :
٤٧٩ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: شَكا النّاس إلى رسُول الله
قُحُوط المطر ، فأَمَرَ بِمِنْبر فَوُضعَ لَهُ بالمصلى، وَوَعَد النّاسِ يَوْماً
يَخْرُجُون فيه ، فَخَرَجَ حين بدا حاجِبُ الشّمس ، فَقَعَد على المنبر ، فَكَبّر
وحمد الله، ثم قالَ : ((إنكم شَكَوْتم جدْبَ دياركُم ، فقد أَمركُمُ الله أَن
تَدْعُوهُ، وَوَعدكُمْ أَن يَسْتجيب لَكُمْ))، ثم قالَ: ((الحَمْدُ لله ربِّ العالمينَ،
الرَّحمن الرَّحيم ، مَلِك يَوْمِ الدينِ ، لا إله إلا اللهُ يَفْعَلُ ما يُريدُ ، اللَّهُمْ أَنْتَ
الله لا إله إلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ ونَحْنُ الْفُقَراءُ، أَنزِل عَلَيْنا الْغَيْثَ، واجْعَلْ
مَا أَنْزِلْتَ عَلَيْنَا قُوَّةً وبلاغاً إلى حين)) ، ثم رَفَعَ يدَيْهِ فَلَمْ يزَلْ، حتّى رُئِيَ
بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ، ثم حَوَّلَ إلى الناسِ ظَهْرَهُ ، وقَلَبَ رداءه ، وهو رافعُ يديْهِ ، ثم
أَقْبِلَ على النّاس ونزَلَ فَصَلى رَكعتَيْنِ ، فَأَنْشأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وبرقَتْ ،
٢٤٠