النص المفهرس

صفحات 121-140

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٥ ۔ حديث جابر
أتم فيها الصلاة ، على أقوال :
فقال ابن عباس - وإليه ذهب الهادوية -: إن أقل مدة الإقامة عشرة أيام ؛
لقول علي عليه السلام : إذا أقمت عشراً فأتم الصلاة . أخرجه المؤيد بالله في
((شرح التجريد)) من طرق فيها ضرار بن صرد، قال المصنف في ((التقريب)): إنه
غير ثقة ، قالوا : وهو توقيف .
وقالت الحنفية : خمسة عشر يوماً ، مستدلین بإحدى روايات ابن عباس
وبقوله ، وقول ابن عمر : إذا قدمت بلدة وأنت مسافر ، وفي نفسك أن تقيم
خمس عشرة ليلة ، فأكمل الصلاة .
وذهبت المالكية والشافعية إلى أن أقلها أربعة أيام ، وهو مروي عن عثمان ،
والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا بمنعه وسل المهاجرين بعد مضي
النسك أن يزيدوا عن ثلاثة أيام في مكة ؛ فدل على أنه بالأربعة الأيام يصير
مقيماً؛ وثم أقوال أخر لا دليل عليها .
وهذا كله فيمن دخل البلد عازماً على الإقامة فيها .
وأما من تردد في الإقامة ، ولم يعزم ؛ ففيه خلاف أيضاً .
فقالت الهادوية : يقصر إلى شهر ؛ لقول علي عليه السلام : إنه من يقول :
اليوم أخرج ، غداً أخرج ؛ يقصر الصلاة شهراً.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول للشافعي ، وقال به الإمام يحيى أنه
يقصر أبداً؛ إذ الأصل السفر ، ولفعل ابن عمر ؛ فإنه أقام بأذربيجان ستة أشهر
١٢١

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٥ ۔ حديث جابر
يقصر الصلاة(١) ، وروي عن أنس بن مالك أنه أقام بنيسابور سنة ، أو سنتين
يقصر الصلاة ، وعن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر
يقصرون الصلاة(٢).
ومنهم من قدّر ذلك بخمسة عشر ، وسبعة عشر، وثمانية عشر، على
ـة في مكة وتبوك ، وأنه بعد ما يجاوز
حسبما وردت الروايات في مدة إقامته
مدة ما روي عنه ◌َطي يتم صلاته .
ولا يخفى أنه لا دليل في المدة التي قصر فيها على نفي القصر فيما زاد
عليها ، وإذا لم يقم دليل على تقدير المدة؛ فالأقرب أنه لا يزال يقصر كما فعله
الصحابة ؛ لأنه لا يسمى بالبقاء مع التردد كل يوم في الإقامة والرحيل : مقيماً (٢)،
وإن طالت المدة ، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في ((السنن)) (٤) عن ابن عباس : أنه
(١) رواه البيهقي بسند صحيح. انظر ((الإرواء)) (٥٧٧)، ونقل الترمذي إجماع أهل العلم
على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون . وكذا قال المنذري. انظر ((الجوهر
النقي)) (١٥٠/٣).
(٢) أخرجه البيهقي عن أنس بسند منقطع بينه وبين يحيى بن أبي كثير. انظر ((الإرواء))
(٥٧٦) .
(٣) قلت : شرط التردد لا يظهر في مثل تلك المدة الطويلة التي قضاها الصحابة على ما
سبق ! فالأقرب أن التردد لا يشترط ؛ ما دام أنه مسافر عرفاً . وقد أشار إلى ذلك ابن تيمية في
((الاختيارات)» (٤٣) بقوله :
((ويجوز قصر الصلاة في كل ما سمي سفراً؛ سواء قلَّ أو كثر ... وسواء نوى إقامة أكثر من
أربعة أيام أو لا . وروي هذا عن جماعة من الصحابة)) .
(٤) (١٥٢/٣).
١٢٢

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٦ ۔ حديث أنس
** أقام بتبوك أربعين يوماً يقصر الصلاة ، ثم قال : تفرد به الحسن بن عمارة ،
وهو غير محتج به .
٤٠٦ - وَعَنْ أَنَسِ رضي الله عنه قال: كانَ رسُولُ الله ◌َّهِ إذا ارْتَحَل قَبْلَ
أَنْ تَزِيغَ الشّمسُ ، أَخَّرَ الظُّهرَ إلى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثم نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما؛ فإِن
زَاغَتِ الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ ، صلى الظهْرَ، ثم رَكبَ . مُتّفَقٌّ عَلَيه ، وفي
رواية للحاكم في ((الأرْبعينَ)) بإسْنادِ الصَّحِيح: صلى الظَّهْرِ والعَصْرَ، ثم
رَكِبَ . وَلأْبِي نُعَيم في «مُسْتَخْرَج مُسلم)»: كانَ إذَا كانَ في سفَرٍ فَزَالَت
الشّمْسُ، صلى الظهْرَ والْعَصْرَ جميعاً، ثم اَرتَحَلَ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله تَ ﴿ إذا ارتحل) : في سفره
(قبل أن تزيغ الشمس): أيْ: قبل الزوال (أخر الظهر إلى وقت العصر (١)، ثم
نزل فجمع بينهما ؛ فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل ، صلى الظهر) : أيْ :
وحده ، ولا يضم إليه العصر (ثم ركب . متفق عليه) .
الحديث فيه دليل على جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر تأخيراً ، ودلالة
على أنه لا يجمع بينهما تقديماً ، لقوله : صلى الظهر ؛ إذْ لو جاز جمع التقديم،
لَضم إليه العصر، وهذا الفعل منه ◌َّهم يخصص أحاديث التوقيت التي مضت .
وقد اختلف العلماء في ذلك ؛ فذهبت الهادوية - وهو قول ابن عباس وابن
(١) وفي رواية لمسلم (١٥١/٢): حتى يدخل أول وقت العصر.
وعزاها الزيلعي (١٩٢/٢) للبخاري أيضاً!
وزاد مسلم في أخرى : ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حيث يغيب الشفق .
١٢٣

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٦ - حديث أنس
عمر وجماعة من الصحابة ، وروي عن مالك وأحمد والشافعي -، إلى جواز الجمع
للمسافر تقديماً وتأخيراً؛ عملاً بهذا الحديث في التأخير ، وبما يأتي في التقديم .
وعن الأوزاعي أنه يجوز للمسافر جمع التأخير فقط ؛ عملاً بهذا الحديث ،
وهو مروي عن مالك وأحمد بن حنبل واختاره أبو محمد بن حزم .
وذهب النخعي والحسن وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الجمع لا تقديماً ، ولا
تأخيراً للمسافر، وتأولوا ما ورد من جمعه ﴿ بأنه جَمعٌ صُوري ، وهو أنه أخر
الظهر إلى آخر وقتها ، وقدم العصر في أول وقتها ، ومثله العشاء .
ورد عليهم بأنه وإن تمشى لهم هذا في جمع التأخير ، لم يتم لهم في جمع
التقديم الذي أفاده قوله (وفي رواية للحاكم في ((الأربعين)) بإسناد الصحيح :
صلى الظهر والعصر) : أيْ: إذا زاغت قبل أن يرتحل ، صلى الفريضتين معاً (ثم
ركب)(١): فإنها أفادت ثبوت جمع التقديم من فعله مخلية، ولا يتصوّر فيه الجمع
الصوري (و) : مثله الرواية التي (لأبي نعيم في ((مستخرج مسلم))): أيْ: في
(مستخرجه)) على ((صحيح مسلم)) (كان): أي: النبي ◌َ﴿ (إذا كان في سفر
فزالت الشمس ، صلى الظهر والعصر جميعاً ، ثم ارتحل) : فقد أفادت رواية
الحاکم وأبي نعيم ثبوت جمع التقديم أيضاً ، وهما روايتان صحيحتان ؛ كما قال
المصنف ، إلا أنه قال ابن القيم: إنه اختلف في رواية الحاكم ، فمنهم من
صححها ، ومنهم من حسنها ، ومنهم من قدح فيها وجعلها موضوعة ، وهو
(١) ورواه إسحاق بن راهويه أيضاً بلفظ: ثم ارتحل .
وسنده صحيح على شرط الشيخين، كما قال ابن القيم في ((الزاد)) (١٨٨/١).
١٢٤

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
الحاكم؛ فإنه حكم بوضعها ، ثم ذكر كلام الحاكم في بيان وضع الحديث ، ثم
رده ابن القيم واختار أنه ليس بموضوع(١) ، وسكوت المصنف هنا عليه وجزمه بأنه
بإسناد صحيح ، يدل على رده لكلام الحاكم ، ويؤيد صحته قوله :
٤٠٧ - وَعَنْ مُعاذٍ رضي الله عنه قالَ: خَرَجْنَا معَ رسول الله عَنْهُ فِي غَزْوَة
تَبَوكَ، فكان يُصَلِي الظُّهْرَ والعصرَ جميعاً، والمغْرِبَ وَالعِشَاءَ جميعاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ مُعاذٍ رضي الله عنه قالَ: خَرَجْنَا معَ رسول الله عَ ◌ّهِ فِي غَزْوَة تَبَوكَ ،
فكان يُصَلِي الظُّهْرَ والعصرَ جميعاً، والمغْربَ وَالعِشَاءَ جميعاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) :
إلا أن اللفظ محتمل لجمع التأخير لا غير ، أو له ولجمع التقديم ، ولكن قد رواه
الترمذي بلفظ : كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ؛ أخر الظهر إلى أن يجمعها
إلى العصر، فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس ؛ عجّل العصر إلى
الظهر ، وصلى الظهر والعصر جميعاً ، فهو كالتفصيل لمجمل رواية مسلم ، إلا أنه
قال الترمذي بعد إخراجه : إنه حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة ، لا نعرف
(١) لقد وهم الشارح رحمه الله! فإن كلام الحاكم الذي ذكره ابن القيم إنما ذكره في حديث
معاذ الآتي بعد هذا بلفظ الترمذي الذي جعله الشارح مؤيداً لصحة هذا !!
والحاكم رحمه الله لما حكم على حديث معاذ بالوضع ؛ لم يأتِ على ذلك بحجة ؛ سوى تفرد
قتيبة به ! وهذه علة عجيبة ، كما قال ابن القيم (١٨٧/١) ، قال :
((وإسناده على شرط ((الصحيح)) ... )). ثم قال :
((وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلّم)). ثم ساقه من طريق غير طريق قتيبة . ثم
ساق حديث أنس من رواية إسحاق ، وصححه - كما سبق - ، ثم قال :
((وأقل درجاته أن يكون مقوياً لحديث معاذ)).
١٢٥

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
أحداً رواه عن الليث غيره(١) قال: والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من
حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي بَ لي جمع في غزوة تبوك
بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء(٢) . اهـ.
إذا عرفت هذا فجمع التقديم في ثبوت روايته مقال ، إلا رواية ((المستخرج
على صحيح مسلم)) ؛ فإنه لا مقال فيها .
وقد ذهب ابن حزم إلى أنه يجوز جمع التأخير ؛ لثبوت الرواية به لا جمع
التقديم ، وهو قول النخعي ، ورواية عن مالك وأحمد .
ثم إنه قد اختلف في الأفضل للمسافر ؛ هل الجمع ، أو التوقيت؟ فقالت
الشافعية : ترك الجمع أفضل .
(١) قلت: وقتيبة ــ وهو ابن سعيد - ثقة ثبت؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))؛ فلا يضر
تفرده !
وأعله بعلة أخرى، وهي المخالفة في السند، فراجع ((الإرواء)) (٥٧٨).
(٢) ويناقض هذا - ورواية قتيبة معاً -: رواية الطبراني في ((الأوسط)) عن معاذ به ، بلفظ:
فجعل يجمع بين الظهر والعصر؛ يصلّي الظهر في آخر وقتها ، ويصلي العصر في أول
وقتها ... وذكر مثله في الجمع بين المغرب والعشاء.
وهو نص في الجمع الصوري . لكن قال الطبراني :
((لم يروه عن ابن ثوبان إلا غصن بن إسماعيل . تفرد به محمد بن غالب)).
قلت: ولم أجد من ذكر غصناً هذا؛ كذا في (المجمع)) (١٦٠/٢) !!
وقد فاته أنه في «ثقات ابن حبان» . وقال :
((ربما خالف))؛ كما في ((اللسان)).
ومحمد بن غالب هو الأنطاكي ؛ أورده ابن أبي حاتم (٤٤/١/١)؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
١٢٦

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
وقال مالك : إنه مكروه ، وقيل : يختص بمن له عذر .
واعلم أنه كما قال ابن القيم في «الهدي النبوي)»: لم يكن صلى الله عليه
وآله وسلم يجمع راكباً في سفره كما يفعله كثير من الناس ، ولا يجمع حال
نزوله أيضاً (١) ، وإنما كان يجمع إذا جدّ به السير ، وإذا سار عقيب الصلاة ؛ كما
في أحاديث تبوك ، وأمّا جمعه وهو نازل غير مسافر، فلم ينقل ذلك عنه إلا
بعرفة ومزدلفة ؛ لأجل اتصال الوقوف ، كما قال الشافعي وشيخنا ، وجعله أبو
حنيفة من تمام النسك وأنه سببه ، وقال أحمد ومالك والشافعي : إن سبب
الجمع بعرفة ومزدلفة السفر .
وهذا كله في الجمع في السفر .
وأما الجمع في الحضر (٢)، فقال الشارح بعد ذكر أدلة القائلين بجوازه فيه : إنه
(١) ينفي هذا: حديثُ معاذ هذا بلفظ: فأخّر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر
جميعاً ، ثم دخل ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً .
أخرجه مالك، وعنه مسلم وغيره؛ انظر ((الإرواء)).
(٢) أقول: وإليك دلائل المجوزين للجمع لعذر والمانعين؛ مع ذكر ما لها وما عليها ، وترجيح
الأقوى منها مستنداً ودليلاً:
أدلة المانعين :
١ - قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾؛ أي: أدُّوها في أوقاتها .
٢ - قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾؛ أي: فرضاً موقوتاً.
٣ - حديث ابن عباس مرفوعاً: ((أمني جبريل عند البيت مرتين ، فصلى الظهر في الأولى
منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله ، ثم صلى
المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ، ثم صلى =
١٢٧

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يجوز الجمع في الحضر؛ لما تقدم من الأحاديث المبينة
= الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم . فصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل
شيء مثله - لوقت العصر بالأمس -، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ، ثم صلى
المغرب لوقته الأول ، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ، ثم صلى الصبح حين
مُ ! هذا وقت الأنبياء
أسفرت الأرض . ثم التفت إليّ جبريل عليه السلام فقال : يا محمد
من قبلك ، والوقت فيما بين هذين الوقتين)) . رواه الترمذي وصححه . وكالأحاديث المتقدمة في
المواقيت في هذا الكتاب .
٤ - عن أبي قتادة مرفوعاً: ((ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة
حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)) . مسلم في (باب قضاء الفائتة) في أثناء حديث .
٥ - عن ابن مسعود قال: ما رأيت النبي صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع
بين المغرب والعشاء ، وصلى الفجر قبل ميقاتها . الشيخان في (الحج) .
أدلة المجوزين :
١ - عن أنس: كان رسول الله : ﴿ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخر الظهر إلى وقت
العصر، ثم نزل فجمع بينهما . فإن زاغت قبل أن يرتحل ؛ صلى الظهر ثم ركب . الشيخان .
٢ - وفي رواية لمسلم: كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر؛ يؤخّر الظهر حتى
:
يدخل أول وقت العصر ، ثم يجمع بينهما .
٣ - عنه أيضاً: عن النبي ◌َ﴿ إذا عجل عليه السفر؛ يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر؛
فيجمع بينهما ، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق . رواه مسلم .
٤ - عن معاذ: أن النبي { ** كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ؛ أخر الظهر
حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس ؛ صلى الظهر والعصر
جميعاً ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب؛ أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء . وإذا ارتحل
بعد المغرب ؛ عجّل العشاء فصلاها مع المغرب . رواه أحمد وأبو داود والترمذي .
٥ - عن ابن عباس: أن النبي ◌َ﴿ كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله ؛ جمع بين
الظهر والعصر قبل أن يركب . فإن لم تزغ له في منزله ؛ سار؛ حتى إذا حانت العصر ؛ نزل =
١٢٨

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
لأوقات الصلوات ، ولما تواتر من محافظة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على
= فجمع بين الظهر والعصر . وإذا حانت له المغرب في منزله ؛ جمع بينها وبين العشاء . وإذا
لم تحن في منزله ؛ ركب حتى إذا كانت العشاء ؛ نزل فجمع بينهما . رواه أحمد .
ورواه الشافعي في («مسنده)) بنحوه ؛ وقال فيه : وإذا سار قبل أن تزول الشمس ؛ أخر الظهر
حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر .
٦ - عن نافع: أن ابن عمر كان إذا جدّ به السير؛ جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب
الشفق، ويقول: إن رسول الله :﴿ كان إذا جدّ به السير؛ جمع بين المغرب والعشاء . مسلم .
وللبخاري معناه في (باب: السرعة في السير) من (كتاب الجهاد) ، وقال: حتى إذا كان بعد
غروب الشفق . وأبو داود : حتى إذا كان عند ذهاب الشفق .
٧ - عن أنس قال: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ؛ أخر الظهر إلى وقت
العصر، ثم نزل فجمع بينهما. فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل ؛ صلّى مظهراً ثم ركب ﴿ .
أبو داود . وفي رواية : ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق .
وقد أجاب المانعون عن هذه الأحاديث ؛ بأن المراد من الجمع : الجمع الصوري ؛ وقد عرفته !
ويرد عليهم ما جاء مصرحاً أن الجمع كان بعد خروج الوقت .
وإن أوَّلوا هذا الصريح أيضاً؛ فإنه لا يتمشى قولهم في جمع التقديم الذي أفاده حديث (٤ وه
و٧) وغيره مما سيأتي! ولذلك قال المحقق عبدالحي اللكنوي الحنفي في ((التعليق الممجد على
موطإ محمد)) ما لفظه :
((لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحاً بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت؟!
وهي مروية في ((صحيح البخاري))، و((سنن أبي داود))، و((مسلم))، وغيرها من الكتب المعتمدة؛
على ما لا يخفى على من نظر فيها ! فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التمييز لهم ، فظنوا
قرب خروج الوقت ، خروج الوقت ؛ فهو أمر بعيد عن الصحابة الناصِّين على ذلك . وإن اختير
ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد ؛ فهو أبعد وأبعد ، مع إخراج الأئمة لها ، وشهادتهم
بتصحيحها . وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت =
١٢٩

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
ـية صلى صلاة لغير ميقاتها ؛ إلا
أوقاتها ، حتّى قال ابن مسعود : ما رأيت النبي
= والتقديم في أول الوقت ؛ فهو أعجب ! فإن الجمع بينهما بحملها على اختلاف الأحوال
ممكن، بل هو الظاهر. وبالجملة؛ فالأمر مشكل ؛ فتأمل ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً !)).
انتھی (١٢٩).
وإلى هذا المعنى أيضاً؛ أشار العلامة الآلوسي في ((تفسيره)) (ص١٢١ من الجزء الخامس
عشر) .
والجواب عن أدلة المانعين ؛ فما كان جوابهم عنها في تجويز الجمع بعرفات ومزدلفة ؛ فهو
جواب المجوزين للجمع في غيرهما . هذا ما يقال مجملاً.
وأما مفصلاً فنقول : إن الآيتين الشريفتين مجملتان ، وجلُّ ما يستفاد منهما هو أن للصلاة
أوقاتاً محدودة ، وهذا المجمل إنما بينته السنة ؛ وهي أحاديث الأوقات ، كحديث ابن عباس (٣)،
وهذه السنة قد خصت بالأحاديث الدالة على الجمع ؛ فلا تعارض ولا منافاة !
وأما الحديث (٤)؛ فالمراد وقت الصلاة الأخرى المختص بها بالنظر إلى الأولى، حتى لا
يكون للأولى فيه وقت؛ إذ قد صلى ◌َه الأولى في وقت الثانية كما رأيت ، وكذلك في عرفة
والمزدلفة ، وهذا بالاتفاق .
وأما قول ابن مسعود (٥) ؛ ففيه أنه استدلال بالمفهوم ، والأحناف المانعون لا يقولون به . ثم
هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات .
هذا؛ وقال الشوكاني في ((النيل)) :
«وعن أنس - عند الإسماعيلي والبيهقي ، وقال : إسناده صحيح - بلفظ : كان رسول الله
إذا كان في سفر وزالت الشمس ؛ صلّى الظهر والعصر جميعاً . وله طريق أخرى عند الحاكم في
((الأربعين))، وهو في ((الصحيحين)) من هذا الوجه، وليس فيه: والعصر (يعني: الحديث ١).
قال في ((التلخيص)): وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد . وقد صححه المنذري من هذا الوجه ،
والعلائي وتعجَّب من الحاكم كونه لم يورده في ((المستدرك)). وله طريق أخرى رواها الطبراني في
... ((الأوسط)). وفي الباب أيضاً عن جابر عند مسلم في حديث طويل ، وفيه: ثم أذن ، ثم أقام =
١٣٠

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ - حديث معاذ
صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها .
وأما حديث ابن عباس عند مسلم : أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب
والعشاء بالمدينة من غير خوف ، ولا مطر ، قيل لابن عباس : ما أراد إلى ذلك؟
= فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصلِّ بينهما شيئاً ، وكان ذلك بعد الزوال)).
أقول: حديثه في (الحج) في (باب حجة النبي ◌َطاء)، ولكن ليس فيه قوله : وكان ذلك ...
إلخ ! فالظاهر أنه من قول الشوكاني ، أو أنها موجودة في بعض الروايات . ولا مناسبة بذكره
هنا ؛ فليتأمل !! ثم قال :
((وقد استدل القائلون بجواز جمع التقديم والتأخير في السفر بهذه الأحاديث ، وقد تقدم
ذكرهم . وأجاب المانعون من جمع التقديم عنها بما تقدم من الكلام عليها (يعني : على أسانيدها) ؛
وقد عرفت أن بعضها صحيح ، وبعضها حسن . وذلك يرد قول أبي داود : وليس في جمع
التقديم حديث قائم ! وأما حديث ابن عمر (٦) ؛ فقد استدل به من قال باختصاص رخصة
الجمع في السفر بمن كان سائراً لا نازلاً ! وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ
في ((الموطإ)) (قلت: وكذا وقع التصريح في ((سنن أبي داود))) بلفظ: أن النبي ◌َ ﴾ أخر الصلاة
في غزوة تبوك؛ خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ، ثم دخل ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء
جميعاً. قال الشافعي في ((الأم)): قوله : (ثم دخل ثم خرج) لا يكون إلا وهو نازل ؛ فللمسافر أن
يجمع وهو نازل . وقال ابن عبدالبر: هذا أوضح دليل في الرد على من قال : لا يجمع إلا من
جد به السير! وهو قاطع للالتباس. وكأنه عَّةٍ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلّ
عليه حديث أنس - يعني : المذكور في أول الباب (٤٠٥) -. ومن ثمة قال الشافعية : ترك الجمع
أفضل . وعن مالك رواية : أنه مكروه . وهذه الأحاديث تخصص أحاديث الأوقات التي بينها
جبريل عليه السلام، وبينها النبي : للأعرابي، حيث قال في آخرها: ((الوقت ما بين هذين
الوقتين)) ... )). انتهى كلام الشوكاني.
فتبين أن الحق جواز الجمع بشرطه ، والحق أحق أن يتبع . والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، وصلى الله على النبي الأمين ، وصحبه والتابعين أجمعين !
١٣١

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٧ ۔ حديث معاذ
قال : أراد أن لا يحرج أمته ؛ فلا يصح الاحتجاج به ؛ لأنه غير معين لجمع
التقديم والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم ، وتعيين واحد منها تحكم ، فوجب
العدول عنه إلى ما هو واجب : من البقاء على العموم في حديث الأوقات
للمعذور وغيره ، وتخصيص المسافر لثبوت المخصص ، وهذا هو الجواب الحاسم .
وأما ما يروى من الآثار عن الصحابة والتابعين ؛ فغير حجة ؛ إذْ للاجتهاد في
ذلك مسرح ، وقد أوَّل بعضهم حديث ابن عباس بالجمع الصوري ، واستحسنه
القرطبي ورجحه ، وجزم به ابن الماجشون والطحاوي ، وقواه ابن سيّد الناس ؛ لما
أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار - راوي الحديث - عن أبي الشعثاء قال :
قلت : يا أبا الشعثاء ! أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء .
قال : وأنا أظنه . قال ابن سيد الناس : وراوي الحديث أدرى بالمراد منه من غيره،
وإن لم يجزم أبو الشعثاء بذلك .
وأقول : إنما هو ظن من الراوي ، والذي يقال فيه : أدرى بما روى ؛ إنما يجري في
تفسيره للفظ مثلاً، على أن في هذه الدعوى نظراً؛ فإن قوله عَ له: ((فرب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه)) يرد عمومها . نعم يتعين هذا التأويل ؛ فإنه صرح به النسائي
في أصل حديث ابن عباس، ولفظه: صليت مع رسول الله عَ ليه بالمدينة ثمانياً
جمعاً ، وسبعاً جمعاً: أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء .
والعجب من النووي كيف ضعف هذا التأويل ، وغفل عن متن الحديث المروي !
والمطلق في رواية يحمل على المقيد إذا كانا في قصة واحدة، كما في هذا (١).
(١) قلت: هذا الجمع قوي؛ لولا أن في ((النسائي)) (٩٨/١) - عقب الرواية المذكورة - =
١٣٢

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٨ - حديث ابن عباس
والقول بأن قوله : أراد أن لا يحرج أمته ، يضعف هذا الجمع الصوري لوجود
الحرج فيه؛ مدفوع بأن ذلك أيسر من التوقيت؛ إذْ يكفي للصلاتين تأهب
واحد ، وقصد واحد إلى المسجد ، ووضوء واحد ، بحسب الأغلب ؛ بخلاف
الوقتين ؛ فالحرج في هذا الجمع لا شك أخف .
وأما قياس الحاضر على المسافر كما قيل فَوَهم؛ لأن العلة في الأصل هي
السفر ، وهو غير موجود في الفرع ، وإلا لزم مثله في القصر والفطر . اهـ.
قلت : وهو كلام رصين ، وقد كنا ذكرنا ما يلاقيه في رسالتنا ((اليواقيت في
المواقيت))، قبل الوقوف على كلام الشارح رحمهُ الله وجزاه خيراً ، ثم قال :
واعلم أن جمع التقديم فيه خطر عظيم ، وهو كمن صلى الصلاة قبل دخول
وقتها؛ فيكون حال الفاعل كما قال تعالى : ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون
صنعاً﴾ [الكهف: ١٠٤] من ابتدائها ، وهذه الصلاة المقدمة لا دلالة عليها بمنطوق ،
ولا مفهوم ، ولا عموم ، ولا خصوص .
٤٠٨ - وَعَن ابنِ عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله عَاتِ: ((لا
تَقْصرُوا الصَّلاةَ في أقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكّةَ إلى عُسْفَانَ)) . رواهُ الدارقُطْنيُّ
بإسناد ضَعيف ، والصّحيحُ أَنْهُ مَوْقُوفٌّ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابنُ خُزيمة .
= رواية أخرى من طريق راوي الأولى - وهو جابر بن زيد - عن ابن عباس: أنه صلى الأولى
والعصر ؛ ليس بينهما شيء ، والمغرب والعشاء؛ ليس بينهما شيء ؛ فعل ذلك من شغل ، وزعم
ابن عباس أنه صلى مع رسول الله {18 بالمدينة الأولى والعصر ثماني سجدات ؛ ليس بينهما شيء .
وسنده حسن، والمرفوع منه في ((الصحيح)). وقد أشار الحافظ في ((التلخيص)) (١٣١) إلى
تقویة حدیث الشغل .
١٣٣

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٩ - حديث جابر
: ((لا تَقْصِرُوا
(وَعَنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله
الصَّلاةَ في أَقَّلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكّةَ إلى عُسْفَانَ)). رواهُ الدارقُطْنِيُّ بإسناد
ضعيف) :
فإنه من رواية عبد الوهاب بن مجاهد ، وهو متروك ، نسبه الثوري إلى
الكذب ، وقال الأزدي : لا تحل الرواية عنه ، وهو منقطع أيضاً؛ لأنه لم يسمع
من أبيه(١) (والصحيح أنه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة (٢)): أيْ: موقوفاً
على ابن عباس وإسناده صحيح ، ولكن للاجتهاد فيه مسرح ؛ فيحتمل أنه من
رأيه ، وتقدم أنه لم يثبت في التحديد حديث مرفوع .
٤٠٩ - وعنْ جابر رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((خيرٌ أُمّتي
الذين إذا أساءوا اسْتغفروا، وإذا سافَرُوا قَصَروا وأَفْطروا)). أَخْرَجَهُ الطّبرانيُّ
في ((الأوْسَطِ)) بإسْنادٍ ضعيفٍ، وهو في مُرْسَلِ سعيد بنِ الْمُسَيَّبِ عَنْدَ الَبَيْهَقِي
مختصراً .
(وعنْ جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسُولُ الله عَزُهُ: ((خيرُ أُمّتي الذين
إذا أُسَاءوا اسْتغفروا، وإذا سافَرُوا قَصَروا وأَفْطروا)). أَخْرَجَهُ الطّبرانيُّ في
((الأوْسَطِ)) بإسْنادٍ ضعيفٍ، وهو في مُرْسَلٍ سعيد بنِ الْمُسَيِّب عَنْدَ الَبَيْهَقِي
(١) قلت : لكنه رواه عن أبيه مقروناً مع عطاء بن أبي رباح! فالعلة هو ضعفه فقط. وقد
تكلمت على الحديث في ((الإرواء)) (٥٦٥) .
(٢) وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (١/١٠٩/٢) بلفظ: لا تقصروا إلى عرفة وبطن نخلة ،
واقصروا إلى عسفان والطائف وجدة ، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمّ .
وسنده صحيح .
١٣٤

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤١٠ و٤١١ - حديثا عمران وجابر
مختصراً) : الحديث دليل على أن القصر والفطر أفضل للمسافر من خلافهما .
وقالت الشافعية : ترك الجمع أفضل ، فقياس هذا أن يقولوا : التمام أفضل ،
وقد صرحوا به أيضاً ، وكأنهم لم يقولوا بهذا الحديث ؛ لضعفه ، واعلم أن المصنف
رحمهُ الله أعاد هنا حديث عمران بن حصين وحديث جابر، وهما قوله :
٤١٠ - وعَنْ عِمْرانَ بن حُصَيْن رضيَ الله عنهُ قالَ : كانتْ بي بَوَاسیرُ
فَسَأَلْتُ النّبِيَّ ◌َ﴿ِ عنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: ((صَلِّ قائماً؛ فإن لمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً؛
فإِن لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
(وعن عمران بن حصين رضيَ الله عنهُ قال : كانت بي بواسير فسألت
النبي ﴿ عن الصلاة) : هذا لم يذكره المصنف فيما سلف في هذه الرواية
(فقال : ((صلِّ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنْب)).
رواه البخاري) : هو كما قال ، ولم ينسبه فيما تقدم إلى أحد ، وقد بينا من رواه
غير البخاري ، وما فيه من الزيادة(١) .
مَرِيضاً ، فَرَآهُ يُصَلي
٤١١ - وَعَنْ جَابر رضي الله عنه قالَ: عَادَ النّبي ◌َ﴾
على وسادَة ، فَرَمَى بها وقالَ: ((صَلِّ عَلى الأرض إن اسْتَطَعْتَ، وإلا فَأَوْم
إيماءً ، واجعلٌ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وصحّحَ أَبو حاتم
وَقْفَهُ .
(وَعَنْ جَابرِ رضي الله عنه قالَ: عَادَ النّبِيِ تَهِ مَرِيضاً، فَرَآهُ يُصَلي على
وسادَة، فَرَمَى بها وقالَ: ((صَلِّ عَلى الأرض إن اسْتَطَعْتَ، وإلا فَأَوْم إيماءَ ،
(١) ذكره الحافظ هناك بزيادة: (( ... وإلا فأوْم))؛ بعد قوله (٥٧٢/١).
١٣٥

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤١٢ - حديث عائشة
واجعلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ(١) وصحّحَ أَبو حاتم وَقْفَهُ):
زاد فيما مضى أنه رواه البيهقي بإسناد قوي ، وقد تقدما في آخر باب صفة
الصلاة - قبيل باب سجود السهو - بلفظهما ، وشرحناهما هناك فتركنا شرحهما
هنا لذلك ، ثم ذكر هنا حديث عائشة ، وقد مر أيضاً في الحديث الرابع
والثلاثين(*) في باب صفة الصلاة بلفظه ، وشرحه الشارح ، وقال هناك : صححه
ابن خزيمة ، وهنا قال : صححه الحاكم ، وهو :
٤١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قالَت: رَأَيتُ النّبِيَّ صلَّى الله عليه وآله
وسلَّم يُصَلِي مُتَرَبِّعاً. رَواه النسائي، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قالَت: رَأَيتُ النّبيَّ صلَّى الله عليه وآله
وسلَّم يُصَلِي مُتَرَبِّعاً. رَواه النسائي وَصَحّحَهُ الحاكِمُ) .
وهو من أحاديث صلاة المريض لا من أحاديث صلاة المسافر ، وقد أتى به
فيما سلف .
والحديث دليل على صفة قعود المصلي إذا كان له عذر عن القيام ، وفيه
الخلاف الذي تقدم .
(١) بسند قوي، كما قال الحافظ فيما تقدم (٥٧٥/١). وهو كذلك، لولا أن فيه عنعنة أبي الزبير.
وأما إعلاله بالوقف ؛ فلا وجه له ؛ لأنه قد رفعه ثلاثة من الثقات، كما بينه الحافظ في
((التلخيص)) .
لكن الحديث له شاهد مرفوع عن ابن عمر عند الطبراني في ((الكبير))؛ ذكرته في ((تخريج
الصلاة» . وسنده صحيح عندي؛ خلافاً للهيثمي ! وقد مضى بيانه (٥٧٥/١) .
(*) وهذا يوافق الحديث (رقم ٢٨٥) بحسب ترقيمنا في هذه الطبعة . (الناشر).
١٣٦

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٣ - حديث ابن عمر وأبي هريرة
١٢ - باب الجمعة
الجمعة؛ بضم الميم ، وفيها الإسكان والفتح ، مثل همزة ولمزة ، وكانت
تسمى في الجاهلية : العروبة ، أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة - وقال : حسن
صحيح - أن النبي ◌َالله قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة : فيه خلق
آدم ، وفيه دخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
٤١٣ - عَنْ عَبْد اللّهِ بْنِ عُمَر وأبي هريرة رضيَ الله عَنْهُمْ: أَنهما سَمِعًا
رَسُولَ الله ◌َ ﴿ يقولُ على أعوادٍ مِنْبرِهِ: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعات،
أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ، ثم لَيَكونُنَّ مِنَ الْغافِلِين)) . رواه مسلمٌ.
(عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله
تيمية يقول على أعواد منبره) : أيْ: منبره الذي من عود، لا على الذي كان
من الطين، ولا على الجذع الذي كان يستند إليه. وهذا المنبر عُمِل له عَّهُ سنة
سبع، وقيل : سنة ثمان ؛ عمله له غلام امرأة من الأنصار كان نجاراً ، واسمه
على أصح الأقوال : ميمون ، كان على ثلاث درج ، ولم يزل علیه ، حتّی زاده
مروان في زمن معاوية ست دُرج من أسفله . وله قصة في زيادته : وهي أن
معاوية كتب إليه أن يحمله إلى دمشق ، فأمر به فقلع ؛ فأظلمت المدينة ، فخرج
مروان فخطب فقال : إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه ، وقال : إنما زدت عليه لما
كثر الناس! ولم يزل كذلك، حتّى احترق المسجد النبوي سنة أربع وخمسين
وستمائة فاحترق ((لينتهين أقوام عن ودعهم) : بفتح الواو وسكون الدال
المهملة وكسر العين المهملة ؛ أي : تركهم (الجمعات ، أو ليختمن الله على
١٣٧

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٣ - حديث ابن عمر وأبي هريرة
قلوبهم) : الختم : الاستيثاق من الشيء ؛ بضرب الخاتم عليه ؛ كتماً له وتغطية ؛
لئلا يتوصل إليه ، ولا يطلع عليه ، شبهت القلوب بسبب إعراضهم عن الحق،
واستكبارهم عن قبوله ، وعدم نفوذ الحق إليها ، بالأشياء التي استوثق عليها
بالختم؛ فلا ينفذ إلى باطنها شيء ، وهذه عقوبة على عدم الامتثال لأمر الله ،
وعدم إتيان الجمعة ؛ من باب تيسير العسرى (ثم ليكونن من الغافلين)) . رواه
مسلم(١)) : بعد ختمه تعالى على قلوبهم؛ فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من
الأعمال ، وعن ترك ما يضرهم منها .
وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها .
وفيه إخبار بأن تركها من أعظم أسباب الخذلان بالكلية .
والإجماع قائم على وجوبها على الإطلاق ، والأكثر أنها فرض عين . وقال
في ((معالم السنن)): إنها فرض كفاية عند الفقهاء(٢).
(١) ورواه ابن حبان (٥٥٥) من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعاً . وإسناده صحيح . ورواه
ابن خزيمة من حديث أبي هريرة وأبي سعيد؛ كما في ((الترغيب)) (٢٥٩/١).
(٢) الذي في ((المعالم)): ((أكثر الفقهاء)). وهذا أقرب إلى الواقع؛ وإلا فقد نقل ابن رشد في
((البداية)) (١٢٢/١) عن الجمهور وجوبها على الأعيان؛ لكونها بدلاً من واجب؛ وهو الظهر ،
ولظاهر قوله : ﴿إذا نودي ... فاسعوا﴾ ، ولحديث الباب .
وهذا هو الصواب؛ للأدلة المذكورة وغيرها؛ مثل الحديث الآتي (٤٣٨)، وحديث: ((من ترك
ثلاث جمع تهاوناً بها؛ طبع الله على قلبه)) .
ثم رأيت الشوكاني نقل (١٩٠/٣) عن العراقي أنه قال: إن فيما ادعاه الخطابي نظراً؛ فإن
مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين ، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب!
١٣٨

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٤ - حديث سلمة بن الأكوع
٤١٤ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوعِ رضي الله عنه قالَ: كنا نُصَلِي معَ رَسُول
اللهِ مَّهِ يوم الجُمُعة، ثم نَنْصرف، وليس للحيطانِ ظِلٌّ يُستظلُ بهِ . مُتّفقٌ
عليه ، واللفْظُ للبخاريِّ، وفي لَفْظٍ لمسْلم: كُنّا نَجَمّعُ معه إذا زَالتِ الشّمسُ ،
ثم نَرْجِعُ نَتَتَبِعُ الْفَيْءَ .
(وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله مح له
يوم الجمعة ، ثم ننصرف ، وليس للحيطان ظل يستظل به . متفق عليه ،
واللفظ للبخاري ، وفي لفظٍ لمسلم) : أيْ: من رواية سلمة (كنا نجمع معه) :
أي: النبي ( (إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء) : الحديث دليل
على المبادرة بصلاة الجمعة عند أول زوال الشمس ، والنفي في قوله : وليس
للحيطان ظل ، متوجه إلى القيد ، وهو قوله : يستظل به ، لا نفي الأصل الظل ،
حتّى يكون دليلاً على أنه صلاها قبل زوال الشمس ، وهذا التأويل معتبر عند
الجمهور القائلين بأن وقت الجمعة هو وقت الظهر .
وذهب أحمد وإسحاق إلى صحة صلاة الجمعة قبل الزوال .
واختلف أصحاب أحمد ، فقال بعضهم : وقتها وقت صلاة العيد ، وقيل :
الساعة السادسة .
وأجاز مالك الخطبة قبل الزوال دون الصلاة ، وحجتهم ظاهر الحديث وما
بعده ، وأصرح منه ما أخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر : أن النبي
كان يصلي الجمعة ، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس ؛ يعني
١٣٩

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٥ - حديث سهل بن سعد
النواضح ، وأخرج الدارقطني عن عبد الله بن شيبان(١) قال : شهدت مع أبي بكر
الجمعة ، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر ،
فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ،
فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ،
ولا أنكره . ورواه أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله قال : وکذلك روي عن
ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية ؛ أنهم صلوا قبل الزوال .
ودلالة هذا على مذهب أحمد واضحة ، والتأويل الذي سبق من الجمهور
يدفعه أن صلاة النبي ﴿ مع قراءته سورة ﴿الجمعة﴾ و﴿المنافقون﴾، وخطبته؛
لو كانت بعد الزوال ، لما ذهبوا من صلاة الجمعة إلا وللحيطان ظل يستظل به ،
كذا في الشرح .
وحققنا في ((حواشي ضوء النهار)) أن وقتها الزوال ، ويدل له أيضاً قوله :
٤١٥ - وَعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضيَ الله عنهُ قال: ما كُنّا نَقيلُ ولا نَتَغَدّى
إلا بَعْدَ الْجُمُعةِ. مُتّفقٌ عَلَيْهِ ؛ واللّفظ لمسلم ، وفي رواية: في عَهْدِ رسول
اللّه عَنِ.
(وعن سهل بن سعد رضي الله عنه) : هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك
(١) الصواب: (سيدان)؛ كما في ((الجرح))، و((ثقات ابن حبان)) . وسنده محتمل للتحسين ؛
انظر ((الأجوبة النافعة)) (ص١٩)؛ فإن فيه آثاراً أخرى تشهد لهذا ؛ منها:
عن أبي رزين قال : كنا نصلي مع علي الجمعة ؛ فأحياناً نجد فيئاً ، وأحياناً لا نجد فيئاً.
رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح .
١٤٠