النص المفهرس

صفحات 101-120

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٣ - حديث أم ورقة
وخالف في ذلك الجماهير(١).
(١) قلت: وأما صحة إمامة المرأة للنساء فقط من غير كراهة؛ فقال به الإمامان الشافعي
وابن حنبل؛ كما في «ميزان الشعراني)» (١٧٣/١). وهو الذي يقوم الدليل على استحبابه.
قال العلامة ابن القيم في «إعلام الموقعين)):
((المثال الخامس والخمسون : رد السنة الصحيحة المحكمة (يعني: بالمتشابه من الأحاديث)
في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات - كما في ((المسند))، و((السنن)) من حديث
كان يزورها في
عبدالرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبدالله بن الحارث : أن رسول الله
بيتها ، وجعل لها مؤذناً كان يؤذن لها ، وأمرها أن تؤم أهل دارها (قلت : وصححه ابن خزيمة ؛ كما
رأيت ، وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم؛ كما في ((النيل)). قال). قال عبدالرحمن : فأنا رأيت
مؤذنها شيخاً كبيراً. وقال الوليد: حدثتني جدتنا عن أم ورقة: أن النبي ﴿ أمرها - أو أذن لها -
أن تؤم أهل دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله { 8}. وقال الإمام أحمد : ثنا
وكيع : ثنا سفيان عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية : أن عائشة - رضي الله عنها - أمَّت
نسوة في المكتوبة ، فأمتهن بينهن وسطاً . تابعه ليث عن عطاء عن عائشة . وروى الشافعي عن
أم سلمة: أنها أمّت نساءً فقامت وسطهن. ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله { 18: ((يفضل
صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) ؛ لكفى ! وروى البيهقي من حديث يحيى
ابن يحيى : أنا ابن لهيعة عن الوليد بن الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله
قال: ((لا خير في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة))؛ فالاعتماد على ما تقدم - يعني:
: *
لأن في هذا الأخير: ابن لهيعة ، وهو ضعيف - قال: فردَّت هذه السنة بالمتشابه من قوله
((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))؛ وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء. وأما الرواية
والشهادة والفتيا والإمامة ؛ فلا تدخل في هذا. ومن العجب أن من خالف هذه السنة جوَّز
للمرأة أن تكون قاضية على أمور المسلمين ! فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ، ولم يفلح أخواتها
من النساء إذا أمتهنّ؟!)) انتهى (٢/ص ٤٣٠) .
ويشير بهذا الكلام إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ؛ فإنه هو القائل بجواز قضاء المرأة .
والله أعلم ، وهو ولي التوفيق إلى أقوم طريق .
١٠١

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٤ ۔ حديث أنس
وأما إمامة الرجل النساء فقط ؛ فقد روى عبد الله بن أحمد من حديث أُبَيّ
ابن كعب أنه جاء إلى النبي ◌َ ﴿ فقال: يا رسول الله عملت الليلة عملاً! قال :
((ما هو؟)). قال : نسوة معي في الدار، قلن: إنك تقرأ، ولا نقرأ ، فصلّ بنا،
فصليت ثمانياً والوتر، فسكت النبي ﴿ . قال : فرأينا أن سكوته رضا ، قال
الهيثمي: في إسناده من لم يُسَمَّ. قال: ورواه أبو يعلى والطبراني في ((الأوسط)»،
وإسناده حسن(١) .
٣٩٤ - وعنْ أَنَس رضي الله عنه أَنَّ النّبِيِّ ◌ِ﴿ِ اسْتَخْلف ابْنَ أُمَّ مَكْتوم يؤُمُ
النّاس، وهو أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ .
(وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َ ﴿ استخلف ابن أمّ مكتوم): وتقدم
اسمه في الأذان (يؤمّ الناس، وهو أعمى . رواه أحمد وأبو داود)(٢): في رواية
لأبي داود أنه استخلفه مرتين ، وهو في ((الأوسط)) للطبراني من حديث عائشة :
استخلف النبي ﴿﴿ ابن أمّ مكتوم على المدينة مرتين يؤمّ الناس.
والمراد استخلافه في الصلاة وغيرها ، وقد أخرجه الطبراني بلفظ : في
الصلاة وغيرها . وإسناده حسن ، وقد عدّدت مرات الاستخلاف له فبلغت
ثلاث عشرة مرة ؛ ذكره في ((الخلاصة)) .
والحديث دليل على صحة إمامة الأعمى من غير كراهة في ذلك .
(١) ورواه ابن نصر (٩٠) وسنده يحتمل التحسين .
(٢) وإسناده حسن؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٦٠٨)، وكذا رواه ابن الجارود (٣١٠).
١٠٢

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٥، ٣٩٦ - حديثا عائشة وابن عمر
٣٩٥ - ونَحْوُهُ لابنِ حبّانَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا .
(ونحوه) : أيْ : نحو حديث أنس (لابن حبان(١) عن عائشة رضي الله عنها)
تقدم أنه أخرجه الطبراني في ((الأوسط)).
٣٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((صَلُّوا
على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا الله)). رواهُ
الدَّارِقُطْنِيُّ بإسنادٍ ضَعيف .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله عَليهِ: ((صلوا على
من قال: لا إله إلا الله): أيْ : صلاة الجنازة (وصلوا خلف من قال : لا إله إلا
الله)). رواه الدارقطني؛ بإسناد ضعيف): قال في ((البدر المنير)): هذا الحديث
من جمیع طرقه لا يثبت .
وهو دليل على أنه يصلى على من قال كلمة الشهادة ، وإن لم يأت بالواجبات ؛
وذهب إلى هذا زيد بن علي وأحمد بن عيسى ، وذهب إليه أبو حنيفة ؛ إلا أنه
استثنى قاطع الطريق والباغي .
وللشافعي أقوال في قاطع الطريق إذا صلب ، والأصل أن من قال كلمة
الشهادة فله ما للمسلمين ؛ ومنه صلاة الجنازة عليه ، ويدل له حديث الذي قتل
نفسه بمشاقص (٢)، فقال ◌َ : ((أما أنا فلا أصلي عليه)). ولم ينههم عن
(١) في ((صحيحه)) (٣٧٠) بسند صحيح .
(٢) جمع مِشقَص. نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض فإذا كان عريضاً فهو المعبلة .
١٠٣

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٧ - حديث علي
الصلاة عليه ، ولأن عموم شرعية صلاة الجنازة لا يخص منه أحد من أهل كلمة
الشهادة إلا بدليل .
فأما الصلاة خلف من قال : لا إله إلا الله ؛ فقد قدّمنا الكلام في ذلك ، وأنه
لا دليل على اشتراط العدالة ، وأن من صحت صلاته صحت إمامته .
٣٩٧ - وَعَنْ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله ◌َانٍ :
((إذا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ والإِمَامُ عَلى حَالٍ؛ فَلْيَصْنِعْ كما يَصْنَعُ الإِمامُ)) . رَوَاهُ
الترمذيُّ بإسناد ضعيف .
(وَعَنْ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله عَلِ: ((إذا
أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ والإِمَامُ عَلى حَالِ ؛ فَلَيَصْنِعْ كما يَصْنَعُ الإِمامُ)). رَوَاهُ
التِّرمذيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ) : أخرجه الترمذي من حديث علي ومعاذ، وفيه
ضعف وانقطاع(١)، وقال: لا نعلم أحداً أسنده إلا من هذا الوجه ، وقد أخرجه
أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدّثنا أصحابنا ... الحديث،
وفيه أنّ معاذاً قال: لا أراه على حال إلا كنت عليها (٢) ، وبهذا يندفع الانقطاع؛ إذ
(١) قلت: أمّا الانقطاع فهو بين ابن أبي ليلى ومعاذ، وقد أجاب عنه الشارح، نقله عن الحافظ
في ((التلخيص)). وأمّا الضعف ؛ فهو أنه من رواية الحجاج بن أرطاة وهو مدلس وقد عنعنه ،
ومدار الحديث عن علي ومعاذ عليه ، انظر ((سنن الترمذي)» (٤٨٥/٢ - ٤٨٦) بتحقيق أحمد
شاكر. لكن ضعفه ينجبر بما تقدم (ص٩٦) من حديث عبدالعزيز بن رفيع؛ كما بينته على
الهامش ، وبحديث معاذ المذكور هنا .
(٢) قلت: وتمامه أن النبي ◌َ﴿ قال عقبه: ((إن معاذاً قد سَنَّ لكم سنة، كذلك فافعلوا))
وسنده صحيح ؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) وصححه ابن حزم وابن دقيق والتركماني .
١٠٤

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٧ - حديث علي
الظاهر أن الراوي لعبد الرحمن غير معاذ؛ بل جماعة من الصحابة ، والانقطاع
إنما ادعيَ بين عبد الرحمن ومعاذ، قالوا : لأن عبد الرحمن لم يسمع من
معاذ، وقد سمع من غيره من الصحابة ، وقال هنا : أصحابنا ، والمراد به
الصحابة رضي الله عنهم(١) .
وفي الحديث دلالة على أنه يجب على من لحق بالإمام أن ينضم إليه في أي
جزء كان من أجزاء الصلاة ؛ فإذا كان الإمام قائماً أو راكعاً؛ فإنه يعتد بما أدركه
معه - كما سلف -؛ فإذا كان قاعداً أو ساجداً؛ قعد بقعوده وسجد بسجوده ، ولا
يعتد بذلك، وتقدم ما يؤيده من حديث ابن أبي شيبة : ((من وجدني قائماً، أو
راكعاً ، أو ساجداً؛ فليكن معي على حالتي التي أنا عليها)) .
وأخرج ابن خزيمة مرفوعاً عن أبي هريرة: ((إذا جئتم ونحن سجود ؛
فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئاً؛ ومن أدرك الركعة؛ فقد أدرك الصلاة))،
وأخرج أيضاً فيه مرفوعاً عن أبي هريرة: ((من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن
يقيم الإمام صلبه ، فقد أدركها)) . وترجم له : باب : ذكر الوقت الذي يكون فيه
المأموم مدركاً للركعة إذا ركع إمامه .
وقوله : ((فليصنع كما يصنع الإمام)) ليس صريحاً أنه يدخل معه بتكبيرة
الإحرام ؛ بل ينضم إليه إما بها إذا كان قائماً ، أو راكعاً فيكبر اللاحق من القيام
ثم يركع ، أو بالكون معه فقط ومتى قام كبر للإحرام ، وغايته أنه يحتمل ذلك
(١) هذا هو الظاهر؛ كما قال الشارح، ويؤيده أنّ الطحاوي والبيهقي أخرجا الحديث عن
. انظر ((صحيح أبي داود)) (رقم ٥٢٣).
عبدالرحمن بن أبي لیلی قال : حدثنا أصحاب محمد
١٠٥

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٧ - حديث علي
إلا أن شرعية تكبيرة الإحرام حال القيام للمنفرد والإمام ، يقضي أن لا تجزئ إلا
كذلك ، وذلك أصرح من دخولها بالاحتمال . والله أعلم .
فائدة في الأعذار في ترك الجماعة :
أخرج الشيخان عن ابن عمر عن النبي ◌ّ له : أنه كان يأمر المنادي فينادي :
صلوا في رحالكم؛ في الليلة الباردة ، وفي الليلة المطيرة في السفر . وعن جابر:
خرجنا مع رسول الله عَ ل في سفر فمطرنا، فقال: ((ليصل من شاء منكم في
رحله» . رواه مسلم وأبو داود والترمذي وصححه .
وأخرجه الشيخان عن ابن عباس : أنه قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت :
أشهد أن محمداً رسول الله ؛ فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم .
قال : فكأن الناس استنكروا ذلك ، فقال : أتعجبون من ذا؟! فقد فعل ذا من هو
خير مني - يعني النبي :{ 18 -.
وعند مسلم : أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير بنحوه (١) .
وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله عم الية: ((إذا كان أحدكم
على الطعام ؛ فلا يعجل ، حتّى يقضي حاجته منه ، وإن أقيمت الصلاة)).
(١) وفي البخاري (٨٩/٢) عن نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال : صلوا
في رحالكم. فأخبرنا أن رسول الله عنه كان يأمر مؤذناً يؤذن ثم يقول على إثره: ألا صلوا في
الرِّحال . في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر. فهذا يدل على أن الجملة المذكورة تقال بعد
الأذان ، وحديث ابن عباس على أنها تقال فيه بدل الحيعلتين ، وثمة صورة ثالثة وهي الجمع
بينها وبينهما . رواه أحمد في «المسند» (٣٧٣/٥) بسند صحيح .
١٠٦

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٩٧ - حديث علي
وأخرج أحمد ومسلم من حديث عائشة قالت: سمعت النبي ◌َ الم يقول :
((لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين)).
وأخرج البخاري(١) عن أبي الدرداء قال: ((من فقه الرجل إقباله على
حاجته ؛ حتّى يقبل على صلاته وقلبه فارغ)) .
(١) أي: تعليقاً، وقد وصله ابن المبارك في كتاب ((الزهد))، ومن طريقه ابن نصر في ((كتاب
تعظيم قدر الصلاة))؛ كما في ((الفتح)) (١٢٦/٢)، ولم يذكر حال إسناده .
١٠٧

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٣٩٨ - حديث عائشة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٣٩٨ - عَنْ عائشَةَ رضيَ الله عنها قالتْ: أول ما فُرضَت الصلاةُ رَكْعَتَيْن؛
فَأُقِرَّت صَلاةُ السّفَرِ، وَأُتِمّتْ صَلاةُ الحضَر. مُتَفَقٌ عَلَيه، وللبُخاريِّ: ثم هَاجَرَ
فَفُرضَتْ أَرْبعاً وأُقِرّت صَلاةُ السّفَر على الأوّل. زَادَ أَحْمَدُ : إلا المغْرِبَ؛ فإنّها
وتْرُ النّهارِ، وَإلا الصُّبْحَ فإنّها تطَوَّلُ فيها القراءةُ .
(عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول (١) ما فرضت الصلاة): ما عدا
المغرب (ركعتين) : أيْ: حضراً وسفراً (فأقرت) : أيْ: أقر الله (صلاة السفر) :
بإبقائها ركعتين (وأتمت صلاة الحضر) : ما عدا المغرب . يزيد في الثلاث
الصلوات ركعتين ، والمراد بأتمت : زيدَ فيها حتّى كانت تامة بالنظر إلى صلاة
السفر (متفق عليه ، وللبخاري) : وحده عن عائشة (ثم هاجر) : أي : النبي
(ففرضت أربعاً): أيْ: صارت أربعاً بزيادة اثنتين (وأقرت صلاة السفر على
الأول) : أيْ: على الفرض الأول (زاد أحمد (٢): إلا المغرب): أيْ : زاده من
رواية عن عائشة بعد قولها : أول ما فرضت الصلاة ؛ أي : إلا المغرب فإنها
فرضت ثلاثاً (فإنها) : أيْ: المغرب (وتر النهار): ففرضت وتراً ثلاثاً من أول
الأمر (وإلا الصبح ؛ فإنها تطوَّل فيها القراءة) .
(١) وفي حديث ابن عباس: فرض الله على لسان نبيكم . مسلم وهو رواية له عن عائشة.
(٢) في ((المسند)) (٢٤١/٦ - ٢٦٥) ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين الشعبي وعائشة ، لكن
وصله الطحاوي (٢٤١/١) فذكر بينهما مسروقاً ، وسنده صحيح ، وكذا رواه ابن حبان (٥٤٤)
من طريق الشعبي .
١٠٨

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٣٩٨ - حديث عائشة
في هذا الحديث دليل على وجوب القصر في السفر؛ لأن .. فرضت ، بمعنى
وجبت ، ووجوبه مذهب الهادوية والحنفية وغيرهم .
وقال الشافعي وجماعة : إنه رخصة ، والتمام أفضل ، وقالوا : فرضت ، بمعنى :
قدرت ، أو فرضت لمن أراد القصر ، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فليسَ عليكمْ جناحٌ
أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]، وبأنه سافر أصحاب رسول الله تع
معه ؛ فمنهم من يقصر ، ومنهم من يتم ، ولا يعيب بعضهم على بعض ، وبأن
عثمان كان يتم ، وكذلك عائشة . أخرج ذلك مسلم(١) .
وردًّ بأن هذه أفعال صحابة لا حجة فيها ، وبأنه أخرج الطبراني في.
((الصغير)) من حديث ابن عمر موقوفاً : صلاة السفر ركعتان نزلتا من السماء ؛
فإن شئتم فردوهما . قال الهيثمي: رجاله موثوقون(٢)، وهو توقيف؛ إذْ لا مسرح
(١) هذا وهم قلّد فيه الشارح النووي فإنه قال في ((شرح مسلم)): ((في صحيح مسلم وغيره
أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله تَء ؛ فمنهم القاصر، ومنهم المتم ، ومنهم الصائم،
ومنهم المفطر. لا يعيب بعضهم على بعض ، وبأن عثمان كان يتم وكذلك عائشة)).
ومما يؤيد الوجوب حديث النسائي (٧٩/١) بسنده الصحيح عن أمّيّة بن عبدالله بن خالد بن
أسيد أنه قال لابن عمر: كيف تقصر الصلاة وإنما قال الله عز وجل : ﴿ليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾؟ فقال ابن عمر :
*** أتانا ونحن ضُلال فعلمنا؛ فكان فيما علمنا أن الله عز وجل
یا ابن أخي ! إن رسول الله
أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر .
(٢) قلت: وفي سنده (ص٢٠٨) شريك وهو القاضي وهو سيئ الحفظ ، وأبو الكَنود قال في
((التقريب)): ((مقبول)).
١٠٩

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٣٩٩ - حديث عائشة
فيه للاجتهاد ، وأخرج أيضاً عنه في ((الكبير)) - برجال الصحيح -: صلاة السفر
ركعتان ؛ من خالف السنة كفر(١) .
وفي قوله : السنة ، دليل على رفعه كما هو معروف، قال ابن القيم في ((الهدي
النبوي)): كان يقصر ﴿ الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى
أن يرجع إلى المدينة ، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في السفر ألبتة .
وفي قولها : إلا المغرب دلالة على أن شرعيتها في الأصل ثلاثاً لم تتغير .
وقولها : إنها وتر النهار؛ أي : صلاة النهار كانت شفعاً والمغرب آخرها ،
لوقوعها في آخر جزء من النهار فهي وتر لصلاة النهار، كما أنه شرع الوتر
لصلاة الليل، والوتر محبوب إلى الله تعالى؛ كما تقدم في الحديث: ((إن الله
وتر یحب الوتر)» .
وقولها : إلا الصبح فإنها تطوَّل فيها القراءة . تريد أنه لا يُقْصَر في صلاتها،
فإنها ركعتان حضراً وسفراً ، لأنه شرع فيها تطويل القراءة ؛ ولذلك عبر عنها في
الآية بـ ﴿قرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]، لما كانت القراءة معظم أركانها لطولها
فيها ؛ فعبر عنها بها من إطلاق الجزء الأعظم على الكل .
٣٩٩ - وَعَنْ عَائشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يَقْصُر في السَّفَرِ
وَيُتِمُّ وَبَصُومٍ وَيُفْطِرُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَرُوَاتُهُ ثِقاتٌ ؛ إلا أنّهُ مَعْلُولٌ ، وَاغْفُوظُ
عَنْ عَائشَةَ مِنْ فِعْلِهَا ، وَقالَتْ: إِنّهُ لا يَشُقُّ عليَّ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ.
(١) ورواه الطحاوي أيضاً (٢٤٥/١) وسنده صحيح.
١١٠

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٣٩٩ - حديث عائشة
(وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﴿ كان يقْصُر في السفر ويتم
ويصوم(١) ويُفْطر): الأربعة الأفعال بالمثناة التحتية؛ أي: أنه عَ لٍ كان يفعل هذا،
وهذا (رواه الدارقطني، ورواته): من طريق عطاء عن عائشة (ثقات؛ إلا أنه
معلول (٢)، والمحفوظ عن عائشة من فعلها، وقالت: إنه لا يشق عليّ . أخرجه
البيهقي) : واستنكره أحمد ؛ فإن عروة روى عنها : أنها كانت تتم وأنها تأولت
كما تأول عثمان - كما في ((الصحيح)) -، فلو كان عندها عن النبي :{﴿ رواية، لم
يقل عروة: إنها تأولت ، وقد ثبت في ((الصحيحين)) خلاف ذلك ، وأخرج أيضاً
الدارقطني عن عطاء (٣)، والبيهقي عن عائشة: أنها اعتمرت معه مع اليه من المدينة
إلى مكة ، حتّى إذا قدمت مكة قالت : يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي أتممت
وقصرت ، وأفطرت وصمت ، فقال: ((أحسنت يا عائشة!))، وما عاب عليَّ .
قال ابن القيم : وقد روي : كان يقصر وتتم ، الأول : بالياء آخر الحروف ،
والثاني : بالمثناة من فوق . وكذلك يفطر وتصوم؛ أي : تأخذ هي بالعزيمة في
(١) رُوي : تُتِمّ وتَصومُ.
(٢) قلت : فيه سعيد بن محمد بن ثواب . ولم أجد من وثقه ، وقد ترجمه الخطيب ولم
يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فلعل ابن حبان ذكره في ((الثقات)) فيكون هو عمدة الحافظ في
إطلاق قوله: ((ورواته ثقات))، فإن كان كذلك ففيه ما لا يخفى ! وقال الدارقطني (٢٤٢) عقبه :
«إسناده صحيح)) .
(٣) لعلها مقحمة من بعض النساخ، فإنه عند الدارقطني (٢٤٢) وعنه البيهقي (١٤٢/٣)
من طريق عبدالرحمن بن الأسود عنها . وقال الدارقطني: ((إسناده حسن)) . وفيه أنه معلول
بالانقطاع؛ كما يأتي في الشرح .
١١١

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٣٩٩ - حديث عائشة
الموضعين . قال شيخنا ابن تيمية : وهذا باطل ؛ ما كانت أم المؤمنين لتخالف
وجميع أصحابه ، فتصلي خلاف صلاتهم، وفي ((الصحيح))
رسول الله
عنها: إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله عَ ليه إلى
المدينة ، زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن بها مع ذلك
أنها تصلي خلاف صلاته وصلاة المسلمين معه؟!
قلت: وقد أتمت عائشة بعد موته ﴿هُ؛ قال ابن عباس وغيره : إنها تأولت
كما تأول عثمان . اهـ .
هذا وحديث الباب(١) قد اختلف في اتصاله ؛ فإنه من رواية عبد الرحمن بن
الأسود عن عائشة . قال الدارقطني : إنه أدرك عائشة وهو مراهق . قال المصنف
رحمه الله(٢): هو كما قال: ففي ((تاريخ البخاري)) وغيره ما يشهد لذلك ، وقال أبو
حاتم : أدخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها ، وادعى ابن أبي شيبة والطحاوي
ثبوت سماعه منها ، واختلف قول الدارقطني في الحديث ، فقال في ((السنن)):
إسناده حسن؛ وقال في ((العلل)): المرسل أشبه ، هذا كلام المصنف ، ونقله الشارح .
وراجعت ((سنن الدارقطني)) فرأيته ساقه وقال: إنه صحيح(٣)، ثم فيه العلاء
(١) يعني حديث ابن الأسود الذي ذكرته آنفاً ، وإلا فحديث الباب هو من طريق عطاء عنها ؛
كما ذكره الشارح نفسه .
(٢) في ((التلخيص)) (ص١٢٨).
(٣) هذا وهم من الصنعاني رحمه الله ، فإن هذا القول إنما ذكره الدارقطني في حديث الباب
من طريق عطاء عن عائشة ، وأمّا من طريق ابن الأسود عنها فإنما قال فيه : ((إسناده حسن)) ؛ كما
سبق ذكره منا .
١١٢

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٠ - حديث ابن عمر
ابن زهير؛ وقال الذهبي في ((الميزان)»: وثقه ابن معين ، وقال ابن حبان: كان ممن
يروي عن الثقات مما لا يشبه حديث الأثبات(١) اهـ. فبطل الاحتجاج به فيما لم
يوافق الأثبات ، وبطل بهذا ادعاء ابن حزم جهالته ؛ فقد عرف عيناً وحالاً .
وقال ابن القيم بعد روايته لحديث عائشة هذا ما لفظه : وسمعت شيخ الإسلام
يقول: هذا كذب على رسول الله عَ ﴿. اهـ، يريد رواية: يَقْصر ويُتم ؛ بالمثناة
التحتية وجَعْل ذلك من فعله ﴿؛ فإنه ثبت عنه ◌َ بأنه لم يُتم رباعية في
سفر، ولا صام فيه فرضاً(٢) .
٤٠٠ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسول الله عَُّهُ: ((إنَّ الله
تعالى يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يكرَهُ أن تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ)). رواهُ أَحمدُ،
وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزْيْمَةَ وابْنُ حِبّان، وفي روايةٍ: ((كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ)) .
: ((إنَّ الله تعالى
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسول الله ◌ِ
يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كُما يكرَهُ أن تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ)). رواهُ أَحمدُ(٣) وَصَحّحَهُ
(١) لكن أورده في ((الثقات)) أيضاً .
(٢) قلت: في الثاني نظر ففي مسلم (١٤١/٣) وأحمد (٢٣٢/١) عن ابن عباس: لا تَعِب
على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله تَ ﴿ل في السفر وأفطر، وروى أحمد (٤٠٢/١)
عن ابن مسعود أن رسول الله ؛ كان يصوم في السفر ويصلي ركعتين لا يدعهما ؛ يقول : لا يزيد
عليهما ، يعني الفريضة . وسنده حسن . وفي الباب عن أنس عند البيهقي (٢٤٤/٢).
(٣) في ((المسند)) (١٠٨/٢) وابن حبان (٥٤٥) وفي سندهما اختلاف ذكرته في ((الإرواء))
رقم (٥٥٧) لكن الحديث صحيح على كل حال ، وقد سُقْتُ له شواهد عن جماعة من الصحابة
منهم ابن عباس ، والرواية الأخرى له عند ابن حبان وغيره وسندها صحيح كما بينته هناك .
١١٣

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠١ ۔ حديث أنس
ابْنُ خُزِيْمَةَ وابْنُ حِبّان، وفي روايةٍ(١): ((كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ))).
فسرت محبة الله برضاه وكراهتُه بخلافها .
وعند أهل الأصول أن الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر ، والعزيمة مقابلها ،
والمراد بها هنا ما سهله لعباده ، ووسعه عند الشدة من ترك بعض الواجبات ،
وإباحة بعض المحرمات ...
والحديث دليل على أن فعل الرخصة أفضل من فعل العزيمة . كذا قيل ،
وليس فيه على ذلك دليل ؛ بل يدل على مساواتها للعزيمة ، والحديث يوافق قوله
تعالى: ﴿يريدُ اللهُ بكمُ اليسرَ ولا يريدُ بكمُ العُسرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٤٠١ - وَعَنْ أَنَسِ رضي الله عنه قالَ: كَانَ رَسول الله عَ ﴿ إذا خرجَ مَسيرة
ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ ، أو فَرَاسِخَ ؛ صَلّى رَكْعَتَيْنِ . رواهُ مُسلمٌ .
(وَعَنْ أَنَس رضي الله عنه قالَ: كانَ رَسول الله عَ ◌ّهِ إذا خرجَ مَسيرةَ ثَلاثَةٍ
أَمْيالٍ، أو فَرَاسِخَ(٢)؛ صَلّى رَكْعَتَيْنِ. رواهُ مُسلمٌ): المراد من قوله: ((إذا خرج)) :
إذا كان قصده مسافة هذا القدر، لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفراً طويلاً ؛ فلا
يقصر إلا بعد هذه المسافة (٣) .
(١) لعله (له) أي : ابن حبان عن ابن عباس .
1
(٢) الميل أربعة آلاف ذراع . نهاية . والفرسخ ثلاثة أميال منه ، وهو ثمانية كيلومترات تقريباً .
(٣) قلت : ومن الدليل على ذلك أن أنساً روى هذا الحديث جواباً ليحيى بن يزيد الهنائي
قال: فسألت أنساً عن قصر الصلاة ، وكنت أخرج إلى الكوفة (يعني من البصرة؛ كما قال في
الفتح) فأصلي ركعتين حتى أرجع. قال الحافظ: ((فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا =
١١٤

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠١ - حديث أنس
وقوله : أميال ، أو فراسخ ؛ شك من الراوي ، وليس التخيير في أصل الحديث ،
قال الخطابي : شك فيه شعبة .
قيل في حد الميل : هو أن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية ؛ فلا يدري
أهو رجل أم امرأة ، أو غير ذلك .
وقال النووي : هو ستة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون أصبعاً معترضة
متعادلة ، والأصبع ست شعيرات معترضة متعادلة .
وقيل : هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان .
وقيل : هو أربعة آلاف ذراع ، وقيل : ألف خطوة للجمل ، وقيل : ثلاثة آلاف
ذراع بالهاشمي ، وهو اثنان وثلاثون أصبعاً ، وهو ذراع الهادي عليه الصلاة
والسلام ، وهو الذراع العمري المعمول عليه في صنعاء وبلادها .
وأما الفرسخ فهو ثلاثة أميال ، وهو فارسي معرب .
واعلم أنه قد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة على نحو
عشرین قولاً ؛ حکاها ابن المنذر .
١
فذهب الظاهرية إلى العمل بهذا الحديث وقالوا : مسافة القصر ثلاثة أميال ،
وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه ؛ فلا يحتج به على التحديد بالثلاثة الأميال .
نعم؛ يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ؛ إذ الأميال داخلة فيها ، فيؤخذ
بالأكثر، وهو الاحتياط ، لكن قيل : إنه لم يذهب إلى التحديد بالثلاثة الفراسخ
= عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه . ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة
البلد التي يخرج منها)) .
١١٥

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠١ ۔ حديث أنس
أحد . نعم ؛ يصح الاحتجاج للظاهرية بما أخرجه سعيد بن منصور من حديث أبي
سعيد(١): أنه كان رسول الله ◌َّ هُ إذا سافر فرسخاً يقصر الصلاة ، وقد عرفت أن
الفرسخ ثلاثة أميال .
وأقل ما قيل في مسافة القصر: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) من حديث ابن
عمر موقوفاً : أنه كان يقول : إذا خرجت ميلاً قصرت الصلاة ، وإسناده صحيح ،
وقد روى هذا في ((البحر)) عن داود ، ويلحق بهذين القولين قول الباقر والصادق
وأحمد بن عيسى والهادي وغيرهم؛ أنه يقصر في مسافة بريد فصاعداً،
مستدلين بقوله :﴿﴿ في حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يحل لامرأة تسافر بريداً
إلا ومعها محرم)). أخرجه أبو داود(٣)، قالوا: فسمى مسافة البريد: سفراً، ولا
يخفى أنه لا دليل فيه ، على أنه لا يسمى الأقل من هذه المسافة: سفراً، وإنما
هذا تحديد للسفر الذي يجب فيه المحرم ، ولا تلازم بين مسافة القصر ومسافة
وجوب المحرم؛ لجواز التوسعة في إيجاب المحرم تخفيفاً على العباد .
وقال زيد بن علي والمؤيد وغيرهما والحنفية : بل مسافته أربعة وعشرون
(١) لكن في سنده أبو هارون العبدي وهو متروك ومنهم من كذبه ؛ كما قال الحافظ في
((التقريب)) فمن عجائبه أنه سكت عن هذا الحديث في ((التلخيص)) وتبعه على ذلك الشارح .
(٢) لم أره في ((المصنف)) له، وإنما وجدت عنده (١/١٠٩/٢) قوله: إني لأسافر الساعة من
النهار، فأقصر، وإسناده صحيح؛ كما قال الحافظ (٤٥٣/٢)، ثم ذكر عقبه الأثر المذكور في
الشرح معلقاً ، ولم يَعْزُهُ لأحد وصححه .
(٣) لكن فيه جرير بن عبدالحميد قال في ((التقريب)): ((ثقة صحيح الكتاب. قيل: كان في
آخر عمره يَهِمُ من حفظه)». ولذلك أشار الحافظ في ((الفتح)) (٤٦٧/٢) إلى أنه غير محفوظ .
بلفظ (بريد) والصواب بلفظ: (مسيرة يوم)؛ كما رواه البخاري .
١
١١٦

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠١ حديث أنس
فرسخاً؛ لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((لا يحل لا مرأة تؤمن
بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع محرم)). قالوا : وسير الإبل
في كل يوم ثمانية فراسخ(١) .
وقال الشافعي : بل أربعة بُرُد؛ لحديث ابن عباس مرفوعاً: ((لا تقصروا
الصلاة في أقل من أربعة برد))(٢). وسيأتي(٣)، وأخرجه البيهقي(٤) بسند صحيح
من فعل ابن عباس وابن عمر ، وبأنه روى البخاري حديث ابن عباس تعليقاً
بصيغة الجزم أنه سئل : أتقصر الصلاة من مكة إلى عرفة؟ قال : لا؛ ولكن إلى
عُسْفان وإلى جُدّة وإلى الطائف(٥) ، وهذه الأمكنة بين كل واحد منها وبين مكة
أربعة بُرُد فما فوقها .
والأقوال متعارضة كما سمعت والأدلة متقاومة ، قال في ((زاد المعاد)): ولم
يحدّ ◌َةٍ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر؛ بل أطلق لهم ذلك في مطلق
السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر ، وأمّا ما يروى
عنه من التحديد باليوم واليومين والثلاثة ؛ فلم يصح عنه فيها شيء ألبتة ، والله
(١) في استدلال الحنفية بحديث ابن عمر هذا نظر لا يخفى؛ لأنه على خلاف قاعدتهم:
((العبرة برأي الراوي لا بروايته)) فكيف والرواية لا تدل على ما ذكروا؟!
(٢) ١٦ فرسخاً .
(٣) أنه ضعيف (ص١٣٣) .
(٤) (١٣٧/٣).
(٥) هذا اللفظ ليس في البخاري ، بل رواه الشافعي في ((مسنده)) (١١٥/١) - ترتيبه - بسند
صحيح ، والذي في البخاري تعليقاً هو قوله : ((وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما
يقصران ويفطران في أربعة بُرُد وهي ستة عشر فرسخاً» .
وهذا هو الذي أخرجه البيهقي (١٣٧/٣) بسند صحيح ووصله غيره فانظر ((الإرواء)) (٥٦٥).
١١٧

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٢ - حديث أنس
أعلم ، وجواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره مذهب كثير من السلف(١).
٤٠٢ - وَعَنْهُ رضي الله عنه قالَ: خَرَجْنا معَ رَسُول الله عَ لَهُ مِنَ المدينة
إلى مكّةَ ، فَكانَ يُصَلِّي رَكعتيْنِ ركعتيْنِ، حتّى رَجَعْنَا إلى المدينَةِ. مُتّفَقٌ
عَلَيهِ ، واللّفْظُ للبخاريِّ.
(وعنه) : أيْ : عن أنس (رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله
من المدينة إلى مكة ، فكان يصلي) : أي : الرباعية (ركعتين ركعتين) : أيْ :
كل رباعية ركعتين (حتى رجعنا إلى المدينة . متفق عليه ، واللفظ للبخاري) .
يحتمل أن هذا كان في سفره في عام الفتح ، ويحتمل أنه في حجة الوداع ،
إلا أن فيه عند أبي داود زيادة أنهم قالوا لأنس : هل أقمتم بها شيئاً؟ قال : أقمنا
بها عشراً ، ويأتي أنهم أقاموا في الفتح زيادة على خمسة عشر يوماً ، أو خمس
عشرة، وقد صرح في حديث أبي داود(٢) أن هذا - أي : خمس عشرة ونحوها -
كان عام الفتح .
وفيه دلالة على أنه لم يُتِم مع إقامته في مكة ، وهو كذلك؛ كما يدل عليه
الحديث الآتي .
(١) قال في ((الاختيارات)) (٤٣): ((ويجوز قصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً سواء قل أو
كثر، ولا يتقدر بمدة ، وهو مذهب الظاهرية ونصره صاحب ((المغني)) فيه ، وسواء كان مباحاً أو
محرماً ، ونصره ابن عقيل في موضع ، وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي :
وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو لا ، وروي هذا عن جماعة من الصحابة)) .
(٢) يعني من حديث ابن عباس الآتي بعده، وفي سنده (١٩١/١) محمد بن إسحاق وقد
عنعنه .
١١٨

٢ - كتاب الصلاة ١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٣، ٤٠٤ - حديثا ابن عباس وعمران بن حصين
وفيه دليل على أن نفس الخروج من البلد بِنِيَّة السفر يقتضي القصر ، ولو لم
يجاوز من البلد ميلاً، ولا أقل ، وأنه لا يزال يقصر ، حتّى يدخل البلد ، ولو
صلی وبیوتهما بمرأى منه(١) .
٤٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا، قالَ: أقامَ النّبيّ ◌َ هِ تسعة عَشَرَ
يوماً يَقْصُرُ ، وفي لَفْظ: بمكّةَ تسْعَةَ عَشَرَ يَوْماً . رَوَاهُ البخاريُّ ، وفي روايةٍ لأبي
داوُدَ : سَبْعَ عشرةَ ، وفي أُخرى : خَمْس عشْرَةَ .
﴿ تسعة عشر يوماً
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال : أقام النبي
يقصر، وفي لفظ) : تعيين محل الإقامة وأنه (بمكة تسعة عشر يوماً . رواه
البخاري ، وفي رواية لأبي داود) : أيْ : عن ابن عباس (سبع عشرة) : بالتذكير
في الرواية الأولى ؛ لأنه ذكر مميزه يوماً ، وهو مذكر ، وبالتأنيث في رواية أبي داود
لأنه حذف ميزه ، وتقديره ليلة ، وفي رواية لأبي داود عنه : تسعة عشر؛ كالرواية
الأولى (وفي أخرى): أيْ: لأبي داود عن ابن عباس (خمس عشرة)(٢).
٤٠٤ - وَلَهُ عِنْ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضيَ الله عنهُ ثَمَانِيَ عَشِرَةً .
(وله): أيْ: لأبي داود(٣) (عن عمران بن حصين رضيَ الله عنهُ ثماني
(١) علق معناه البخاري (٤٥٥/٢) عن عليّ من فعله ، وهو مجزوم لكن وصله الحاكم
والبيهقي وفيه وقاء بن إياس قال المصنف: ((لين الحديث)).
(٢) قلت: وأرجح هذه الروايات الأولى (تسعة عشر) وهي التي رجحها البيهقي والحافظ ؛
كما بينته في ((الإرواء)» (٥٧٥) .
(٣) في ((سننه)) (١٩١/١) وفيه علي بن زيد وهو ابن جدعان؛ وفيه ضعف.
١١٩

٢ - كتاب الصلاة
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
٤٠٥ ۔ حديث جابر
عشرة) : ولفظه عند أبي داود: شهدت معه الفتح ، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة
لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: ((يا أهل البلد! صلوا أربعاً فإنا قوم سفر)).
٤٠٥ ـ وله عَنْ جابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أقامَ بتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يَقْصِرُ الصَّلاة .
وَرَوَاتُهُ ثقَاتٌ ؛ إلا أنّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ .
(وله) : أيْ: لأبي داود(١) (عن جابر رضي الله عنه: أقام) : أي : النبي
: (بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة . ورواته ثقات ؛ إلا أنه اختلف في
وصله)(٢): فوصله معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن
عن ثوبان ، عن جابر ، قال أبو داود : غير معمر لا يسنده؛ فأعله الدارقطني في
((العلل)) بالإرسال والانقطاع .
قال المصنف رحمه الله : وقد أخرجه البيهقي(٣) عن جابر بلفظ: بضع عشرة.
واعلم أن أبا داود ترجم لباب هذه الأحاديث : باب: متى يتم المسافر ، ثم
ساقها وفيها كلام ابن عباس : من أقام سبعة عشر قَصَر ، ومن أقام أكثر أتم (٤).
وقد اختلف العلماء في قدر مدّة الإقامة ، التي إذا عزم المسافر على إقامتها
(١) رواه من طريق أحمد وكذا ابن حبان (٥٤٦، ٥٤٧) عنه عن غيره .
(٢) قلت : والراجح عندنا الموصول وسنده صحيح ، وصححه النووي وأقره الزيلعي كما بينته
في ((الإرواء)) (٥٧٤) .
(٣) بسند ضعيف .
(٤) ورواه البخاري بنحوه وهو عنده تمام حديث ابن عباس المتقدم (ص١١٩) ولفظه: فنحن
إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا ، وإن زدنا أتممنا .
١٢٠