النص المفهرس

صفحات 561-580

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٢ - حدیث وائل بن حجر
وقد ذهب إلى القول بوجوبه الهادوية ، والشافعية .
وقال النووي : إنه قول جمهور العلماء من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم .
وذهب الحنفية، وآخرون إلى أنه سنة، مستدلين على ذلك بقوله {8* في
حديث ابن عمر: ((إذا رفع الإمام رأسه من السجدة ، وقعد ، ثم أحدث قبل
التسليم؛ فقد تمت صلاته)). فدل على أن التسليم ليس بركن واجب ، وإلا
﴿ لم يأمره بالسلام .
لوجبت الإعادة ؛ ولحديث المسيء صلاته ؛ فإنه
وأجيب عنه بأن حديث ابن عمر ضعيف باتفاق الحفاظ ؛ فإنه أخرجه
الترمذي ، وقال : هذا حديث إسناده ليس بذاك القوي ، وقد اضطربوا في
إسناده ، وحديث المسيء صلاته لا ينافي الوجوب ؛ فإن هذه زيادة، وهي
مقبولة، والاستدلال بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] على عدم
وجوب السلام؛ استدلال غير تام ؛ لأن الآية مجملة ؛ بيّن المطلوب منها فعله
عَل، ولو عمل بها وحدها ، لما وجبت القراءة، ولا غيرها .
ودل الحديث على وجوب التسليم على اليمين واليسار، وإليه ذهبت
الهادوية ، وجماعة ؛ وذهب الشافعي إلى أن الواجب تسليمة واحدة ، والثانية
مسنونة ؛ قال النووي : أجمع العلماء الذين يعتد بهم أنه لا يجب إلا تسليمة
واحدة ؛ فإن اقتصر عليها ، استحب له أن يسلم تلقاء وجهه ؛ فإن سلم
تسليمتين ، جعل الأولى عن يمينه ، والثانية عن يساره . ولعل حجة الشافعي
كان إذا أوتر بتسع ركعات ، لم يقعد إلا في الثامنة ،
حديث عائشة : أنه
فيحمد الله ، ويذكره ، ويدعو، ثم ينهض ، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ،
٥٦١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٣ - حديث المغيرة بن شعبة
فيجلس ويذكر الله ويدعو ، ثم يسلم تسليمة . أخرجه ابن حبان ، وإسناده على
شرط مسلم ، وأجيب عنه بأنه لا يعارض حديث الزيادة ؛ كما عرفت من قبول
الزيادة إذا كانت من عدل ، وعند مالك : أن المسنون تسليمة واحدة ، وقد بين
ابن عبد البر ضعف أدلة هذا القول من الأحاديث .
واستدل المالكية على كفاية التسليمة الواحدة بعمل أهل المدينة ، وهو عمل
توارثوه كابراً عن كابر، وأجيب عنه بأنه قد تقرر في الأصول أن عملهم ليس
بحجة . وقوله : (عن يمينه ، وعن شماله)) ؛ أي : منحرفاً إلى الجهتين بحیث یری
بياض خده؛ كما ورد في رواية سعد: رأيت رسول الله عَ ﴿ سلم عن يمينه ،
وعن شماله ، حتّى كأني أنظر إلى صفحة خده ، وفي لفظ : حتى أرى بياض
خده . أخرجه مسلم والنسائي .
کان یقولُ في دبر کل صلاة
٣٠٣ - وعن المغيرة بن شعبة : أن النبيَّ
مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لهُ، لَهُ الملك، ولهُ الحمد ، وهو على
كل شيء قديرٌ، اللهمَّ لا مانع لِمَا أَعْطَيْتَ ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ ، ولا يَنْفَعُ ذا
الجدِّ منْك الجدُّ). متفقٌ عليه .
كان يقول في دبر) : قال في
(وعن المغيرة بن شعبة : أن النبي
((القاموس)): الدبر - بضم الدال ، وبضمتين - نقيض القبل من كل شيء ؛ عقبه
ومؤخره ؛ وقال في الدبر - محركة الدال والباء بالفتح -: الصلاة في آخر وقتها،
وتسكن الباء ، ولا يقال بضمتين ؛ فإنه من لحن المحدثين (كل صلاة مكتوبة :
((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل
٥٦٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٤ - حديث سعد بن أبي وقاص
شيء قديرٌ ، اللهمَّ لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت) : ووقع عند عبد
ابن حميد بعده: ((ولا راد لما قضيت» (ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ». متفق
عليه) : زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة بعد قوله : ((له الملك ، وله
الحمد)): ((يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت، بيده الخير))، ورواته موثوقون ،
وثبت مثله عند البزار، من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح ، لكنه
في القول إذا أصبح ، وإذا أمسى .
ومعنى ((لا مانع لما أعطيت)) : أن من قضيت له بقضاء من رزق ، أو غيره ،
لا يمنعه أحد عنه ، ومعنى («لا معطي لما منعت)»: أنه من قضيت له بحرمان ، لا
معطي له ، والجد - بفتح الجيم كما سلف -؛ قال البخاري : معناه : الغنى ،
والمراد : لا ينفعه ، ولا ينجيه حظه في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان ،
وإنما ينجيه فضلك ورحمتك .
والحديث دليل على استحباب هذا الدعاء عقب الصلوات ، لما اشتمل على
توحيد الله ، ونسبة الأمر كله إليه ، والمنع ، والإعطاء ، وتمام القدرة .
٣٠٤ - وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ليه كانَ
يَتَعَوَّذُ بهنَّ دبر كلِّ صلاة: ((اللهمَّ ! إني أعوذُ بك من البخلِ ، وأعوذُ بك من
الجبن ، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمر ، وأعوذُ بك من فِتْنَةِ الدنيا ،
وأعوذُ بك من عذاب القبر)) . رواه البخاري .
(وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله ◌َ ه كان يتعوَّذُ
بهنَّ دُبُر كلِّ صلاة: ((اللهم! إنِّي أعوذ بك): أي: ألتجئ إليك (من البُخْل) :
٥٦٣
+ے

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٥ ۔ حديث ثوبان
بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة ، وفيه لغات (وأعوذُ بك من الجبن) : بزنة
البخل (وأعوذُ بك من أن أردَّ إلى أرذل العمر ، وأعوذُ بك من فتنة الدنيا ،
وأعوذُ بك من عذاب القبر)) . رواه البخاري).
قوله : دبر الصلاة - هنا ، وفي الأول -، يحتمل أنه قبل الخروج ؛ لأن دبر
الحيوان منه ، وعليه بعض أئمّة الحديث ، ويحتمل أنه بعدها ، وهو أقرب . والمراد
بالصلاة عند الإطلاق : المفروضة ، والتعوذ من البخل قد كثر في الأحاديث ،
قيل: والمقصود منه منع ما يجب بذله من المال شرعاً ، أو عادة ، والجبن : هو
المهابة للأشياء ، والتأخر عن فعلها ؛ يقال منه : جبان - كسحاب - لمن قام به ،
والمتعوذ منه هو: التأخر عن الإقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب ، والتأخر عن
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك ، والمراد من الرد إلى أرذل العمر:
هو بلوغ الهرم والخرف ، حتّى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية ، ضعيف
البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم ، وأمّا فتنة الدنيا ؛ فهي الافتتان بشهواتها
وزخارفها ، حتّى تلهيه عن القيام بالواجبات التي خلق لها العبد ، وهي عبادة
بارئه وخالقه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
[التغابن: ١٥]، وتقدم الكلام على عذاب القبر.
٣٠٥ - وعن ثوبان رضي الله عنه قالَ: كانَ رسول الله ﴿ إذا انصرف من
صلاته، استغفر الله ثلاثاً، وقال: ((اللهمَّ أنت السّلام، ومنك السلام،
تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). رواه مسلم.
(وعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﴿﴿ إذا انصرف من
٥٦٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٦ - حديث أبي هريرة
صلاته) : أيْ: سلم منها (استغفر الله ثلاثاً): بلفظ: أستغفر الله ، وفي
((الأذكار)) للنووي : قيل للأوزاعي - وهو أحد رواة هذا الحديث - كيف الاستغفار؟
قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله (وقال: ((اللهمَّ أنت السلام، ومنك
السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) . رواه مسلم) .
والاستغفار : إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه ؛ لما يعرض له من
الوساوس والخواطر ، فشرع له الاستغفار تداركاً لذلك .
وشرع له أن يصف ربه بالسلام؛ كما وصف به نفسه ، والمراد : ذو السلامة
من كل نقص وآفة ، مصدر وصف به للمبالغة ((ومنك السلام))؛ أي : منك
نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة ، والمراد بقوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)):
يا ذا الغنى المطلق والفضل التام ، وقيل: الذي عنده الجلال والإكرام لعباده
المخلصين، وهو من عظائم صفاته تعالى؛ ولذا قال ◌َ : ((ألظوا بيا ذا الجلال
والإكرام))، ومر برجل يصلي، وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: ((قد
استجيب لك)) .
قال: ((من سَبّح الله
٣٠٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله
دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وحَمدَ الله ثلاثاً وثلاثين ، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين ،
فتلك تِسْعٌ وتسْعون ، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ
الملكُ ، وله الحمْد ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، غفرَت خطاياه ، ولو كانتْ مِثْلَ
زَبَدِ البَحْر)». رواه مسلمٌ ، وفي رواية أخرى أنَّ التكبير أربعٌ وثلاثون .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله عَ ﴾ قال: ((من سبّح الله
٥٦٥

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٦ - حديث أبي هريرة
دبر كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين) : يقول : سبحان الله (وحمد الله ثلاثاً وثلاثين) :
يقول : الحمد لله (وكبر الله ثلاثاً وثلاثين) : يقول : الله أكبر (فتلك تسعٌ
وتسعون) : عدد أسماء الله الحسنى (وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا
شريك له ، لهُ الْمُلْكُ ، ولهُ الحمْدُ ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، غُفِرَت خطاياه ،
ولو كانت مثل زَبَد البحر))): وهو ما يعلو عليه عند اضطرابه (رواه مسلم، وفي
رواية أخرى) : لمسلم، عن أبي هريرة (أنَّ التكبير أربعٌ وثلاثون) : وبه تتم
المائة ، فينبغي العمل بهذا تارة ، وبالتهليل أخرى ؛ ليكون قد عمل بالروايتين .
وأما الجمع بينهما - كما قال الشارح ، وسبقه غيره ۔ ؛ فليس بوجه ؛ لأنه لم
يرد الجمع بينهما ، ولأنه يخرج العدد عن المائة .
هذا؛ وللحديث سبب، وهو أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ◌َ يٍ ، وقالوا:
يا رسول الله ، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلى، والنعيم المقيم، فقال: ((وما
ذلك؟)) قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ، ولا نتصدق ،
ویعتقون ، ولا نعتق ، فقال رسول الله ټ: «أفلا أعلمکم شیئاً، تدرکون به من
سبقكم ، وتسبقون به من بعد كم ، ولا يكون أحد أفضل منكم ، إلا من صنع
مثل ما صنعتم؟!))، قالوا: بلى، قال: ((سبحوا الله))، الحديث.
وكيفية التسبيح وأخويه كما ذكرناه ، وقيل : يقول : سبحان الله، والحمد
الله ، والله أكبر؛ ثلاثاً وثلاثين .
وقد ورد في ((البخاري)) من حديث أبي هريرة أيضاً: يسبحون عشراً،
ويحمدون عشراً ، ويكبرون عشراً ، وفي صفة أخرى : يسبحون خمساً وعشرين
٥٦٦

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٦ - حديث أبي هريرة
تسبيحة ، ومثلها تحميداً، ومثلها تكبيراً ، ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، فتتم المائة .
وأخرج أبو داود من حديث زيد بن أرقم: كان رسول الله عَ ليه يقول دبر كل
صلاة : ((اللهمَّ ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أنك أنت الرب وحدك لا شريك
عبدك ورسولك ،
لك، اللهمَّ ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمداً عَلـ
اللهمَّ ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة ، اللهمَّ ربنا ورب
كل شيء ، اجعلني مخلصاً لك وأهلي ، في كل ساعة من الدنيا والآخرة ، يا
ذا الجلال والإكرام ، استمع واستجب ، الله أكبر الله أكبر، الله نور السموات
والأرض ، الله أكبر، الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر، الأكبر)).
وأخرج أبو داود من حديث علي عليه السلام: وكان رسول الله ◌َ ﴿﴿ إذا سلم
من الصلاة ، قال : ((اللهمَّ اغفر لي ما قدّمت ، وما أخرّت ، وما أسررت ، وما
أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم ، وأنت المؤخر ، لا
إله إلا أنت)). وأخرج أبو داود ، والنسائي من حديث عقبة بن عامر: أمرني
رسول الله ﴿﴿ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة، وأخرج مسلم من حديث
كان يقول بعد الصلاة: ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)).
البراء : أنه ◌َـ
وورد بعد صلاة المغرب، وبعد صلاة الفجر، بخصوصهما قول : لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير؛ عشر
مرات . أخرجه أحمد ، وهو زيادة على ما ذكر في غيرهما . وأخرج الترمذي عن
أبي ذر: أن رسول الله عَّةٍ قال: ((من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثان
٥٦٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٦ - حديث أبي هريرة
رجليه قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله
الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ؛ عشر مرات ، كتب الله له
عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكان يومه
ذلك في حرز من كل مكروه ، وحرز من الشيطان ، ولم ينبغ لذنب أن يدركه
في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله عزَّ وجل)). قال الترمذي: غريب حسن
صحيح . وأخرجه النسائي من حديث معاذ، وزاد فيه: ((بيده الخير))، وزاد فيه
أيضاً: ((وكان له بكل واحدة قالها ، عتق رقبة)).
وأخرج الترمذي والنسائي من حديث عمارة بن شبيب قال : قال رسول الله
﴿ : ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك، وله الحمد ، يحيي
ويميت ، وهو على كل شيء قدير ؛ عشر مرات ، على إثر المغرب ، بعث الله له
ملائكة يحفظونه من الشيطان الرجيم ، حتّى يصبح ، وكتب له بها عشر حسنات ،
ومحا عنه عشر سيئات موبقات ، وكانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات))(١) ، قال
(١) قال ولي الله الدهلوي: ((والأولى أن يأتي بهذه الأذكار قبل الرواتب؛ فإنه جاء في بعض
الأذكار ما يدل على ذلك نصّاً ، كقوله: ((من قال قبل أن ينصرف (أي : من مكان صلاته)
ويثني (أي: وقبل أن يثني) رجليه (أي: يعطفهما، ويغيرهما عن هيئة التشهد) من صلاة المغرب
والصبح -: لا إله إلا الله ... )) الحديث (رواه أحمد؛ كما في ((المشكاة))). وكقول الراوي : كان
إذا سلم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: ((لا إله إلا الله ... )) إلخ. قال ابن عباس: كنت أعرف
انقضاء صلاة رسول الله ﴿ بالتكبير. وفي بعضها ما يدل ظاهراً، كقوله : «دبر كل صلاة»
(قلت : وقد تقدم (ص٥٦٤) أن المراد بالصلاة - عند الإطلاق - المفروضة) . وفي بعضها ما هو
أصرح في المدلول، كقوله: ((دبر كل صلاة مكتوبة)). ولذلك شرح ابن الملك في ((المبارق))
قوله ﴿: ((دبر كل صلاة)) بقوله : أي: عقيب فراغه من المكتوبة ؛ قيدنا بها ؛ لورود هذا =
٥٦٨

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٦ - حديث أبي هريرة
الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد ، ولا نعرف لعمارة
سماعاً من النبي {﴿ .
وأما قراءة الفاتحة بنية كذا، وبنية كذا، كما يفعل الآن، فلم يرد بها دليل ؛
بل هي بدعة ، وأمّا الصلاة على النبي :﴿﴿ بعد تمام التسبيح وأخويه من الثناء ،
= القيد في حديث آخر)». ا هـ (٥٢/١). ثم قال الدهلوي : .
((وأما قول عائشة: كان إذا سلّم، لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام))؛ فيحتمل
وجوهاً : منها : أنه كان لا يقعد بهيئة الصلاة إلا هذا القدر، ولکن کان یتیامن ، أو يتياسر ، أو
يقبل على القوم بوجهه ؛ فيأتي بالأذكار لئلا يظنَّ الظان أن الأذكار من الصلاة . (قلت : ولهذا
المعنى أورد الحديث ابن تيمية في كتابه ((المنتقى في أخبار المصطفى)) تحت (باب الانحراف بعد
السلام، وقدر اللُّبث بينهما، واستقبال المأمومين). ثم قال : ومنها: أنه كان حيناً بعد حين
يترك الأذكار غير هذه الكلمات ، يعلمهم أنها ليست فريضة ! وإنما مقتضى (كان) : وجود هذا
الفعل كثيراً؛ لا مرةً ولا مرتين، ولا المواظبة)). اهـ. من كتابه ((حجة الله البالغة)) (١٢/٢).
وقال المحقق محمد يحيى الكاندهلوي في كتاب ((الكوكب الدري على جامع الترمذي)»:
: کان
((قد تاهت العلماء بحديث عائشة هذا؛ فاضطروا إلى تأويلات فيما ورد من أنه
يقول أزيد من هذا، وحكموا أن الزيادة على هذا المقدار في الجلوس بعد الفريضة قبل أداء
السنن ، لا تجوز ، إلا أن بعضهم لما تنبّه على صحة الروايات المثبتة للزيادة في الجلوس ، قال : لا
تجوز الزيادة في الجلوس على مقدار الركعتين . وهذا هو القول النجيح الذي لا يتعدى عن الحق
الصريح ؛ فإن حديث عائشة رضي الله عنها يمكن أن يقال فيه: إن النبي ◌َ * كان يقول هذه
الكلمات أحياناً؛ فاتفقت الروايات. وكل ما روي عن النبي ** أنه كان يقولها بعد الصلاة ؛ لا
يتعدى عن مقدار الركعتين . ومن الظاهر أن السنن لجبر وإتمام الفرائض ؛ فلا منافاة بينها وبين
الأذكار؛ إذ الأذكار متممة لها كالسنن (يعني : ما قيل : إن السنن مكملات للفرائض ، فينبغي
اتصالها بالفرائض ؛ لا ينافي اتصال الأذكار؛ فإنها أيضاً مكملات لأذكار الصلاة . كذا في
حاشية ابنه محمد زكريا . ثم قال والده) ؛ غير أن الإجازة مقتصرة على ما ثبت من الأذكار بين
الفرائض والسنن؛ دون ما لم يثبت)). انتهى (١٤٠/١).
٥٦٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة ٣٠٧، ٣٠٨ - حديثا معاذ بن جبل وأبي أمامة
فالدعاء بعد الذكر سنة ، والصلاة على النبي ﴿ أمام الدعاء كذلك سنة ، إنما
الاعتياد لذلك ، وجعله في حكم السنن الراتبة ، ودعاء الإمام مستقبل القبلة
مستدبراً للمأمومين ، فلم يأت به سنة ؛ بل الذي ورد: أنه # *. كان يستقبل
المأمومين إذا سلم ، قال البخاري : باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم ، وورد
في حديث سمرة بن جندب ، وحديث زيد بن خالد : كان إذا صلى ، أقبل
علينا بوجهه ، وظاهره المداومة على ذلك .
قالَ لَهُ:
٣٠٧ - وعن معاذ بن جبل رَضِي الله عَنْهُ: أنَّ رسولَ الله
((أُوصيك يا مُعَاذُ! لا تدعنَّ دبرَ كلِّ صلاة أن تقول: اللهمَّ! أعني على ذِكْرك
وشُكِركَ وحسْن عبادتك)). رواهُ أحمدُ ، وأبو داود ، والنسائي بسند قوي .
(وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله في له. قال له: ((أُوصیك یا
معاذ لا تدعَنَّ) : هو نهي من ودعه ، إلا أنه هجر ماضيه في الأكثر، استغناء عنه
بترك، وقد ورد قليلاً وقرئ: ﴿ما ودَّعك ربك﴾ [الضحى: ٣] (دبرَ كلِّ صلاة أن
تقول: اللهمّ ! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) . رواه أحمد ، وأبو
داود ، والنسائي بسند قوي): النهي أصله التحريم ، فيدل على إيجاب هذه الكلمات
دبر الصلاة ، وقيل : إنه نهي إرشاد ، ولا بد من قرينة على ذلك ، وقيل : يحتمل أنها
في حق معاذ نهي تحريم - وفيه بعد -، وهذه الكلمات عامة لخير الدنيا والآخرة .
: ((منْ قرَأَ آية الكرسيِّ
٣٠٨ - وعن أبي أمامة قالَ: قالَ رسول الله
دبر كلِّ صلاة مكتوبةٍ ؛ لم يمنعه من دُخُول الجنّةِ إلا الَّوْت)). رواهُ النسائي،
وصححه ابن حبّان .
٥٧٠

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٩ - حديث مالك بن الحويرث
وزاد فيه الطّبراني: و﴿قُلْ هوَ الله أحدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
(وعن أبي أمامة) : هو إياس - على الأصح ؛ كما قاله ابن عبد البر - ابن
ثعلبة، الحارثي الأنصاري الخزرجي، لم يشهد بدراً، إلا أنه عذره ح الية عن
الخروج ؛ لعلته بمرض والدته ، وأبو أمامة الباهلي ، تقدم في أول الكتاب ؛ فإذا
أطلق ، فالمراد به هذا ، وإذا أريد الباهلي ، قيد به .
(قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من قرأ آية الكرسي دبر كلِّ صلاة مكتوبة):
أيْ : مفروضة (لم يمنَعْهُ من دخول الجنّة إلا الموت)). رواه النسائي، وصححه
ابن حبان، وزاد فيه الطبراني: و﴿قُل هو الله أحدٌ﴾): وقد ورد نحوه من
حديث علي عليهِ السَّلام بزيادة: ((من قرأها حين يأخذ مضجعه ، أمنه الله
على داره، ودار جاره، وأهل دوبرات حوله)). رواه البيهقي في ((شعب
الإيمان))، وضعف إسناده، وقوله: ((لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت))، هو
على حذف مضاف ؛ أي : لا يمنعه إلا عدم موته ، حذف لدلالة المعنى عليه ،
واختصت آية الكرسي بذلك ؛ لما اشتملت عليه من أصول الأسماء ، والصفات
الإلهية ، والوحدانية ، والحياة، والقيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة ،
و﴿قل هو الله أحد﴾؛ متمحضة لذكر صفات الله تعالى .
٣٠٩ - وعن مالك بن الحُويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله
((صلُّوا كما رأَيْتُمُوني أصلي)) . رواهُ البخاريُّ .
:
(وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َّةٍ: ((صلُّوا
كما رأَيْتُمُوني أصلي)). رواهُ البخاريُّ).
٥٧١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣١٠ - حديث عمران بن حصين
هذا الحديث: أصل عظيم في دلالته على أن أفعاله ◌َ ﴿ في الصلاة وأقواله
بيان لما أجمل من الأمر بالصلاة في القرآن ، وفي الأحاديث .
وفيه دلالة على وجوب التأسي به 338 فيما فعله في الصلاة ؛ فكل ما
حافظ عليه من أفعالها ، وأقوالها ، وجب على الأمة ، إلا لدليل يخصص شيئاً
من ذلك ، وقد أطال العلماء الكلام في الحديث ، واستوفاه ابن دقيق العيد في
((شرح العمدة))، وزدناه تحقيقاً في ((حواشيها)).
٣١٠ - وعن عِمْران بن حصين رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َانٍ:
((صلِّ قائماً؛ فإن لم تَسْتطع فقاعداً؛ فإن لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ ، وإلا فَأَوْم)).
رواه البخاري .
(وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَانٍ: ((صلِّ
قائماً؛ فإن لم تستطع): أي : الصلاة قائماً (فقاعداً، فإن لم تستطع) : أيْ :
وإن لم تستطع الصلاة قاعداً (فعلى جنْب ، وإلاَّ) : أي : وإن لم تستطع الصلاة
على جنب (فأوْم): لم نجده في نسخ ((بلوغ المرام)) منسوباً ، وقد أخرجه البخاري
دون قوله: ((وإلا فأوم))، والنسائي، وزاد: ((فإن لم تستطع فمستلق ، لا يكلف
الله نفساً إلا وسعها)). وقد رواه الدارقطني من حديث علي عليهِ السَّلام بلفظ:
((فإن لم تستطع أن تسجد ؛ أوم ، واجعل سجودك أخفض من ركوعك ، فإن
لم يستطع أن يصلي قاعداً، صلى على جنبه الأيمن ، مستقبل القبلة ؛ فإن لم
يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن ، صلى مستلقياً، رجلاه مما يلي القبلة))،
وفي إسناده ضعف ، وفيه متروك .
٥٧٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣١٠ - حديث عمران بن حصين
وقال المصنف : لم يقع في الحديث ذكر الإيماء ، وإنما أورده الرافعي ، قال :
ولكنه ورد في حديث جابر: ((إن استطعت ، وإلا فأوم إيماء ، واجعل سجودك
أخفض من ركوعك)). أخرجه البزار، والبيهقي في ((المعرفة))، قال البزار: وقد
سئل عنه أبو حاتم ، فقال : الصواب عن جابر موقوفاً ، ورفعه خطأ ، وقد روي
أيضاً من حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وفي إسناديهما ضعف .
والحديث دليل على أنه لا يصلي الفريضة قاعداً إلا لعذر، وهو عدم
الاستطاعة ، ويلحق به ما إذا خشي ضرراً؛ لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في
الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]، وكذا قوله: ((فإن لم تستطع فعلى جنب))، وفي
قوله في حديث الطبراني: ((فإن نالته مشقة فجالساً، فإن نالته مشقة فنائماً))؛
أي : مضطجعاً، وفيه حجة على من قال : إن العاجز عن القعود تسقط عنه
الصلاة ، وهو يدل على أن من نالته مشقة - ولو بالتألم - يباح له الصلاة من قعود ،
وفيه خلاف ، والحديث مع من قال: إن التألم يبيح ذلك ، ومن المشقة : صلاة من
يخاف دوران رأسه ، إذا صلى قائماً في السفينة ، أو يخاف الغرق ، أبيح له القعود .
هذا؛ ولم يبين الحديث هيئة القعود على أي صفة ، ومقتضى إطلاقه صحته
على أي هيئة شاءها المصلي ، وإليه ذهب جماعة من العلماء .
وقال الهادي وغيره : إنه يتربع واضعاً يديه على ركبتيه ، ومثله عند الحنفية ،
وذهب زيد بن علي ، وجماعة إلى أنه مثل قعود التشهد ، قيل : والخلاف في
الأفضل .
قال المصنف في ((فتح الباري)): اختلف في الأفضل ، فعند الأئمة الثلاثة :
التربع ، وقيل : مفترشاً، وقيل: متوركاً ، وفي كل منها أحاديث .
٥٧٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣١١ - حديث جابر
وقوله في الحديث: ((على جنب))، الكلام في الاستطاعة هنا؛ كما مر،
وهو هنا مطلق، وقيده في حديث عليّ عليهِ السَّلام عند الدارقطني: ((على
جنبه الأيمن ، مستقبل القبلة بوجهه))، وهو حجة الجمهور، وأنه يكون على
هذه الصفة ، كتوجه الميت في القبر ، ويؤخذ من الحديث أنه لا يجب شيء
بعد تعذر الإيماء على الجنب ، وعن الشافعي ، والمؤيد : يجب الإيماء بالعينين
والحاجبين ، وعن زفر : الإيماء بالقلب .
وقيل : يجب إمرار القرآن ، والذكر على اللسان ، ثم على القلب ، إلا أن هذه
الكلمة لم تأت في الأحاديث ، وفي الآية: ﴿فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى
جنوبكم﴾ [النساء: ١٠٣]، وإن كان عدم الذكر لا ينفي الوجوب بدليل آخر، وقد
وجبت الصلاة على الإطلاق ، وثبت: ((إذا أمرتم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم))؛
فإذا استطاع شيئاً مما يفعل في الصلاة؛ وجب عليه ؛ لأنه مستطيع له .
٣١١ - وعن جابر رضي الله عنه أنَّ النبي ◌َ ﴾ قال لمريض صلى على
وسادة ، فرمى بها ، وقال: ((صلِّ على الأرض إن اسْتطعْتَ، وإلا فأوم إيماء،
واجْعَل سُجودكَ أخْفض منْ رُكوعكَ)). رَوَاهُ البيهقي بسندٍ قوي ، ولكن
صَحّح أبو حاتم وفْفَهُ .
(وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َ﴿ُ قال لمريضِ صلى على وسادةٍ،
فرمى بها، وقال: ((صلِّ على الأرض إن اسْتطِعْتَ، وإلا فأوم إيماءَ ، واجْعَل
سُجودكَ أخْفض منْ رُكوعكَ» . رواهُ البيهقي بسند قوي ، ولکن صَحّح أبو
حاتم وقّفَهُ) .
الحديث أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق سفيان الثوري ، وفي الحديث :
٥٧٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣١١ - حديث جابر
((فرمى بها ، وأخذ عوداً ليصلي عليه، فأخذه ورمى به)). وذكر الحديث .
وقال البزار: لا يعرف أحد رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي ، وقد سئل
عنه أبو حاتم فقال : الصواب عن جابر موقوفاً ، ورفعه خطأ(١) ، وقد روى الطبراني
من حديث طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: عاد رسول الله عَّلهم مريضاً .
فذكره ، وفي إسناده ضعف(٢) .
والحديث دليل على أنه لا يتخذ المريض ما يسجد عليه ، حيث تعذر
سجوده على الأرض ، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده ، ويجعل
سجوده أخفض من ركوعه ؛ فإن تعذر عليه القيام والركوع ، فإنه يومئ من قعود
لهما ، جاعلاً الإيماء بالسجود أخفض من الركوع ، أو لم يتعذر عليه القيام ؛ فإنه
يومئ للركوع من قيام ، ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود ، وقيل في هذه
الصورة : يومئ لهما من قيام ويقعد للتشهد ، وقيل : يومئ لهما كليهما من
القعود ، ويقوم للقراءة ، وقيل : يسقط عنه القيام ويصلي قاعداً؛ فإن صلى قائماً
جاز، وإن تعذر عليه القعود أومأ لهما من قيام .
(١) ردّه الحافظ في ((التلخيص)): بأن ثلاثة من الثقات رووه مرفوعاً؛ وإنما العلة - عندي -
عنعنة أبي الزبير .
نعم؛ الحديث صحيح؛ لأنه يشهد له حديث ابن عمر الآتي في (الشرح)).
(٢) عمدته في هذا قول الهيثمي (١٤٨/٢) :
(رواه الطبراني في «الكبير))، وفيه حفص بن سليمان المنقري ، وهو متروك ، واختلفت الرواية
عن أحمد في توثيقه ؛ والصحيح أنه ضعفه)) !!
قلت : وهذا وهم منه ؛ فإن المنقري لم يضعفه أحمد ولا غيره ؛ بل هو ثقة اتفاقاً !
والذي اختلفت الرواية فيه عن أحمد رجل آخر ، اسمه حفص بن سليمان أبو عمر البزار
القارئ الغاضري ؛ وهو المتروك !
٥٧٥

٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره ٣١٢ - حديث عبد الله ابن بحينة
٨ - باب سجود السهو
وغيره ؛ من سجود التلاوة والشكر
ـ صلى بهم
٣١٢ - عن عبد الله ابن بُحَيْنَةَ رضي الله عنه: أنَّ النبي
الظهرَ؛ فقامَ في الركعتين الأوليَين ، ولم يجلسْ؛ فقامَ النّاسُ معهُ ، حتّى إذا
قضى الصَّلاة، وانتظَرَ النّاسُ تسْليمَهُ؛ كَبّر وهو جالسٌ ، وسَجَدَ سَجْدتين
قبْلَ أنْ يسَلِّمَ ، ثم سَلّمَ . أخرجه السبعة ، وهذا لفظ البخاريّ .
وفي رواية لمسلم: يُكبِّر في كلِّ سجْدةٍ، وهو جالسٌ ، ويَسْجُد ، وَيَسْجُدُ
الناسُ معهُ ؛ مكان ما نسي من الجلوس .
(وعن عبد الله ابن بحينة رضي الله عنه): تقدم ضبطه وترجمته ، وتكرر
على الشارح ترجمته ، فأعادها هنا (أنَّ النبي {18: صلى بهم الظهر؛ فقام في
الركعتين الأولييْن): بالمثناتين التحتيتين (ولم يجلس): هو تأكيد لقام من
باب : أقول له : ارحل ، لا تقيمن عندنا (فقام الناسُ معه ، حتّی إذا قضى
الصلاة ، وانتظر الناس تسليمه ؛ كبر ، وهو جالس ، وسجد سجدتين قبل أنْ
يسلم ، ثم سلم . أخرجه السبعة ، وهذا لفظ البخاري) .
الحديث دليل على أن ترك التشهد الأول سهواً يَجْبُره سجود السهو ، وقوله
ح الية : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) يدل على وجوب التشهد الأول، وجبرانه
هنا عند تركه : دل على أنه وإن كان واجباً ؛ فإنه يجبر بسجود السهو ، والاستدلال
على عدم وجوبه بأنه لو كان واجباً؛ لما جبره السجود - إذْ حق الواجب أن يفعل
٥٧٦

٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٣ - حديث أبي هريرة
بنفسه -، لا يتم؛ إذْ يمكن أنه - كما قال أحمد بن حنبل - واجب ، ولكنه إن تُرك
سهواً؛ جبره سجود السهو . وحاصله أنه لا يتم الاستدلال على عدم وجوبه ، حتّی
يقوم الدليل أن كل واجب لا يجزئ عنه سجود السهو إن ترك سهواً ، وقوله : كبر ،
دليل على شرعية تكبيرة الإحرام لسجود السهو، وأنها غير مختصة بالدخول في
الصلاة ، وأنه يكبرها ، وإن كان لم يخرج من صلاته بالسلام منها .
وأما تكبيرة النقل ، فلم تذكر هنا ، ولكنها ذكرت في قوله (وفي رواية
لمسلم) : أيْ: عن عبد الله ابن بحينة (يكبِّر في كلِّ سجدة، وهو جالسٌ
ويسجُدُ ، ويسجدُ النّاس معه) : فيه دليل على شرعية تكبير النقل ؛ كما سلف
في الصلاة ، وقوله (مكان ما نسي من الجلوس): كأنه عرف الصحابي ذلك
من قرينة الحال ؛ فهذا لفظ مدرج من كلام الراوي ، لیس حكاية لفعله
الذي شاهده ، ولا لقوله ﴾ .
ثم فيه دليل على أن محل مثل هذا السجود قبل السلام ، ويأتي ما يخالفه
والكلام عليه ، وفي رواية مسلم دلالة على وجوب متابعة الإمام ، وفي الحديث
دلالة أيضاً على وجوب متابعته، وإن ترك ما هذا حاله؛ فإنه عمله أقرهم على
متابعته ، مع تركهم للتشهد عمداً ، وفيه تأمل ؛ لاحتمال أنه ما ذكر أنه ترك
وتركوا ، إلا بعد تلبسه وتلبسهم بواجب آخر .
٣١٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: صلى النبي ◌َ ◌ّلُ إحْدى
صلاتي العشيِّ ركعتين، ثم سلّم، ثم قام إلى خشبةٍ في مقدَّم المسْجد ،
فوضعَ يدهُ عليها ، وفي القوْم أبو بكر وعُمَرُ ، فهابا أنْ يُكلماهُ ، وخرج سرعانُ
٥٧٧

٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٣ - حديث أبي هريرة
النّاس ، فقالوا: قُصِرتِ الصَّلاة، ورجُلٌ يَدْعُوهُ النبيُّ ◌َ﴿هُ: ذا اليدين ، فقال:
يا رسول الله ، أنسيتَ أمْ قُصِرتِ الصَّلاةُ؟ فقالَ: ((لمْ أنسَ، ولم تُقْصَرْ))،
فقال: بَلى ، قدْ نَسِيتَ . فَصَلى ركعتين، ثم سلّم، ثم كبّر ، ثم سَجَد مثل
سُجوده، أو أَطْوَل، ثم رفع رأسَهُ، فكبر، ثم وَضع رأسَهُ ، فكبّرَ ، فسَجَدَ مِثْلَ
سُجوده ، أو أُطوَل ، ثم رفع رأسه وكبّر . متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.
وفي رواية لمسلم : صلاة العَصْر.
ولأبي داود: فقال: ((أَصَدِقَ ذو اليدين؟))، فَأَوْمَأُوا؛ أي: نعم . وهي في
(«الصحيحين»، لكن بلفظ : فقالوا .
وفي رواية لهُ: ولم يسْجد ، حتّى يقّنَهُ الله ذلك .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي ﴿ إحدى صلاتي
العشي) : هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد المثناة التحتية ،
قال الأزهري : هو ما بين زوال الشمس وغروبها ، وقد عينها أبو هريرة في رواية
لمسلم أنها الظهر ، وفي أخرى أنها العصر - ويأتي -، وقد جمع بينهما بأنها
تعددت القصة (ركعتين ، ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ،
فوضع يده عليها ، وفي القوم) : المصلين (أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه) :
أيْ: بأنه سلم على ركعتين (وخرج): من المسجد (سرعان الناس): بفتح
السين المهملة وفتح الراء هو المشهور ، ويروى بإسكان الراء ؛ هم المسرعون إلى
الخروج، قيل : وبضمها وسكون الراء على أنه جمع سريع ؛ كقفيز وقفزان
(فقالوا : قصرت الصلاة) : بضم القاف وكسر الصاد ، وروي بفتح القاف وضم
٥٧٨

٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٣ - حديث أبي هريرة
الصاد ، وكلاهما صحيح ، والأول أشهر (ورجل يدعوه): أيْ: يسميه (النَّبي
: ذا اليدين) : وفي رواية : رجل يقال له : الخرباق بن عمرو؛ بكسر الخاء
المعجمة وسكون الراء فباء موحدة ، آخره قاف ؛ لقب ذي اليدين ، لطول كان في
يديه ، وفي الصحابة رجل آخر يقال له : ذو الشمالين هو غير ذي اليدين ، ووهم
الزهري فجعل ذا اليدين وذا الشمالين واحداً ! وقد بيَّن العلماء وهمه .
(فقال: يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة؟) : أيْ : شرع الله قصر
الرباعية إلى اثنتين (فقال: ((لم أنس، ولم تقصر))): أيْ: في ظني (فقال:
بلى ، قد نسيت ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده،
أو أطول ، ثم رفع رأسه فكبر ، ثم وضع رأسه فكبر ، فسجد مثل سجوده ، أو
أطول ، ثم رفع رأسه وكبر . متفق عليه ، واللفظ للبخاري) .
هذا الحديث قد أطال العلماء الكلام عليه ، وتعرضوا لمباحث أصولية ،
وغيرها ، وأكثرهم استيفاء لذلك القاضي عياض ، ثم المحقق ابن دقيق العيد في
((شرح العمدة))، وقد وفينا المقام حقه في ((حواشيها))، والمهم هنا الحكم الفرعي
المأخوذ منه ، وهو أن الحديث دليل على أن نية الخروج من الصلاة ، وقطعها إذا
كانت بناء على ظن التمام ، لا يوجب بطلانها ، ولو سلم التسليمتين ، وأن كلام
الناسي لا يبطل الصلاة ، وكذا كلام من ظن التمام ، وبهذا قال جمهور العلماء
من السلف ، والخلف ، وهو قول ابن عباس ، وابن الزبير ، وأخيه عروة ، وعطاء ،
والحسن وغيرهم ، وقال به الشافعي ، وأحمد ، وجميع أئمة الحديث .
وقال به الناصر من أئمة الآل .
٥٧٩

٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٣ - حديث أبي هريرة
وقالت الهادوية والحنفية: التكلم في الصلاة ناسياً أو جاهلاً يبطلها؛
مستدلين بحديث ابن مسعود ، وحديث زيد بن أرقم في النهي عن التكلم في
الصلاة ، وقالوا : هما ناسخان لهذا الحديث(١) .
(١) قالوا: وذلك لأن هذا الحديث كان في ابتداء الإسلام، حين كان الكلام فيها مباحاً !
ومنع هذا الكلام ابن نجيم من الأحناف في ((البحر الرائق)) ، فقال :
لأنه (يعني : حديث ذي اليدين) رواية أبي هريرة ، وهو متأخر الإسلام . وإن أجيب بجواز أن
يرويه عن غيره ولم يكن حاضراً؛ فغير صحيح؛ لما في ((صحيح مسلم)) عنه: بينا أنا أصلي مع
رسول الله ... وساق الواقعة. وهو صريح في حضوره، ولم أر عنه جواباً شافياً». انتهى كلامه.
وأقول : ذكر الحديثَ مُسْلِمٌ في ((الصحيح)) من طرق ، في بعضها : (صلى بنا) . وفي بعضها :
(صلى لنا). وفي بعضها ما تقدم عن ((البحر)).
وقد تكلف الأحناف ، فقالوا : معنى قول أبي هريرة : (صلى بنا) ؛ أي : صلى بأصحابنا !!
وهذا - وإن كان جائزاً في اللغة العربية - ولكنه بعيد ! ومع ذلك فقوله في الرواية : (بينا أنا
أصلي) يردُّ عليهم ردّاً لا مناص لهم منه ؛ ولذلك قال ابن نجيم ما سمعت .
ثم نقول : إنْ فرضنا - جدلاً - أن أبا هريرة رواه عن غيره ؛ فهل كذلك رواه عمران بن حصين
- مع تأخر إسلامه ؛ حيث إنه أسلم في أيام خيبر ؟!
وقد روى معاوية بن خُديج قصة أخرى ، وقع فيها الكلام ثم البناء . أخرجها أبو داود في
(باب إذا صلى خمساً)، وكان إسلامه قبل موت النبي :﴿ بشهرين - كما في ((شرح المواهب
اللدنية)) الزرقاني -؛ ولفظه: عن معاوية بن خديج: أن رسول الله عَ ه صلى يوماً وقد بقيت من
الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالاً فأقام الصلاة ، فصلى بالناس ركعة . فأخبرت
بذلك الناس ، فقالوا لي : أتعرف الرجل؟ قلت : لا ؛ إلا أن أراه ، فمرَّ بي ، قلت : هذا هو ، فقالوا :
هذا طلحة بن عبيد الله . انتهى .
ورواه البيهقي في ((سننه))، وابن خزيمة في ((صحيحه)) أيضاً - كما في ((شرح الزرقاني)) -،
وعين فى صلاة المغرب !
٥٨٠