النص المفهرس
صفحات 501-520
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٥ - حديث نُعيم المجمر
وأما الاستدلال بكونه ◌َ ﴿ لم يقرأ بها في الفاتحة ، ولا في غيرها في صلاته،
على أنها ليست بآية - والقراءة بها تدل على أنها آية -؛ فلا ينهض ؛ لأن ترك
القراءة بها في الصلاة لو ثبت ؛ لا يدل على نفي قرآنيتها؛ فإنه ليس الدليل
على القرآنية الجهر بالقراءة بالآية في الصلاة ؛ بل الدليل أعم من ذلك ، وإذا
انتفى الدليل الخاص ، لم ينتف الدليل العام .
٢٦٥ - وعن نُعَيْم الْمُجْمِر قالَ: صَلّيتُ وراءَ أبي هريرة ، فقرأ ﴿بسم الله
الرَّحمن الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأُمَّ القُرآن، حتّى إذا بلغ: ﴿ولا
الضَّالِين﴾ [الفاتحة: ٧]؛ قال: آمين! ويَقولُ كُلّما سجدَ ، وإذا قامَ من
الجلوس : الله أكبرُ، ثم يقول إذا سَلَّمَ : والذي نفسي بيده، إني لأشْبَهُكُمْ
صلاةً برسول الله ◌َ ◌ّةٍ. رواهُ النسائي وابنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن نعيم) : بضم النون وفتح العين المهملة ؛ مصغر (المجمر) : بضم الميم
وسكون الجيم وكسر الميم وبالراء ، ويقال : وتشديد الميم الثانية ، ذكره الحلبي في
((شرح العمدة))، هو أبو عبد الله مولى عمر بن الخطاب ، سمع من أبي هريرة ،
وغيره ، وسُمِّيَ : مجمراً؛ لأنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين
ينتصف النهار (قال: صليت وراء أبي هريرة ، فقرأ ﴿بسم الله الرحمن
الرحيم﴾، ثم قرأ بأم القرآن، حتّى إذا بلغ ﴿ولا الضَّالين﴾، قال: آمين!
ويقول كلما سجد ، وإذا قام من الجلوس) : أي : التشهد الأوسط ، وكذلك إذا
قام من السجدة الأولى ، والثانية (الله أكبر) : وهو تكبير النقل (ثمَّ يقول) : أيْ:
أبو هريرة (إذا سلم : والذي نفسي بيده) : أي : روحي في تصرفه (إني
٥٠١
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٦ - حديث أبي هريرة
لأشبهكم صلاة برسول الله تَ ي . رواه النسائي وابن خزيمة):
وذكره البخاري تعليقاً ، وأخرجه السراج ، وابن حبان ، وغيرهم ، وبوب عليه
النسائي : الجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهو أصح حديث
ورد في ذلك ، فهو مؤيد للأصل ، وهو كون البسملة حكمها حكم الفاتحة في
القراءة، جهراً وإسراراً؛ إذْ هو ظاهر في أنه كان ◌َظ لهم يقرأ بالبسملة ؛ لقول أبي هريرة :
إني لأشبهكم صلاة برسول الله ◌َ ◌ّه وإن كان محتملاً أنه يريد: في أكثر أفعال
الصلاة وأقوالها ، إلا أنه خلاف الظاهر ، ويبعد من الصحابي أن يبتدع في صلاته
شيئاً لم يفعله رسول الله تميمية فيها ، ثم يقول : والذي نفسي بيده إني لأشبهكم .
وفيه دليل على شرعية التأمين للإمام، وقد أخرج الدارقطني في ((السنن))
من حديث وائل بن حجر: سمعت رسول الله عَ لٍ إذا قال : ﴿غير المغضوب
عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: ((آمين)) يمد بها صوته . وقال : إنه حديث
صحيح ، ودليل على تكبير النقل ، ويأتي ما فيه مستوفىَّ، في حديث أبي هريرة .
﴿ُ : ((إذا قرأتُمُ
٢٦٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله
الفاتحة فاقْرَؤُوا: ﴿بسم الله الرَّحمن الرحيم﴾؛ فإنها إحْدى آياتها)). رواه
الدارقطني ، وصَوَّبَ وَقْفَهُ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول اللّه لَّهُ: ((إذا قرأتُمُ
الفاتحة فاقْرَؤُوا: ﴿بسم الله الرَّحمن الرحيم﴾؛ فإنها إحْدى آياتها)) . رواه
الدارقطني ، وصَوَّبَ وَقْفَهُ) .
لا يدل الحديث هذا على الجهر بها ، ولا الإسرار؛ بل يدل على الأمر بمطلق
٥٠٢
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٧ - حديث أبي هريرة
قراءتها ، وقد ساق الدارقطني في ((السنن)) له أحاديث في الجهر بـ ﴿بسم الله
الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ١] في الصلاة واسعة مرفوعة عن علي عليه السلام،
وعن عمار، وعن ابن عباس ، وعن ابن عمر ، وعن أبي هريرة ، وعن أم سلمة ،
وعن جابر ، وعن أنس بن مالك ، ثم قال بعد سرد أحاديث هؤلاء ، وغيرهم ما
لفظه: وروى الجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم): عن النبي مرة من أصحابه ،
ومن أزواجه غير من سمينا؛ كتبنا أحاديثهم بذلك في كتاب الجهر بها مفرداً ،
واقتصرنا على ما ذكرنا هنا ؛ طلباً للاختصار ، والتخفيف ، انتهى لفظه .
والحديث دليل على قراءة البسملة ، وأنها إحدى آيات الفاتحة ، وتقدم
الكلام في ذلك .
٢٦٧ - وعَنْهُ قالَ: كان رسولُ الله ◌َّةٍ إذا فرَغَ من قراءة أُمِّ القرآن ؛ رَفَعَ
صَوْته، وقال: ((آمين)). رواهُ الدارقطني وحسّنهُ، والحاكمُ وصحّحُهُ .
(وعنه): أيْ: أبى هريرة (قال: كان رسول الله عَ ﴿ إذا فرغَ من قراءة أُمّ
القرآن ؛ رفعَ صوته ، وقال: ((آمين)). رواه الدارقطني وحسنه ، والحاكم وصححه):
قال الحاكم : إسناده صحيح على شرطهما، وقال البيهقي: حسن صحيح(١).
(١) تبعه الشوكاني على هذا النقل (١٨٨/٢)؛ ولم أره في ((سنن البيهقي)) (٥٨/٢)! وإنما
حكى فيه قول الدارقطني :
(إسناده حسن)) !
وفيه عندهم جميعاً إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي ، المعروف بابن زِبْريق ؛ وهو
ضعيف . ومن طريقه : رواه ابن حبان (٤٦٢) .
لکن یشهد له الحديث الذي بعده؛ وهو صحيح السند .
٥٠٣
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٨ - حديث وائل بن حجر
والحديث دليل على أنه يشرع للإمام التأمين بعد قراءة الفاتحة جهراً، وظاهره
في الجهرية ، وفي السرية ، وبشرعيته قالت الشافعية ، وذهبت الهادوية إلى عدم
شرعيته ؛ لما يأتي ، وقالت الحنفية : يسر بها في الجهرية ، ولمالك قولان: الأول
كالحنفية ، والثاني : أن لا يقولها .
والحديث حجة بيِّنة للشافعية ، وليس في الحديث تعرض لتأمين المأموم ،
والمنفرد ، وقد أخرج البخاري في شرعية التأمين للمأموم من حديث أبي هريرة قال :
قال رسول الله ◌َ له: ((إذا أمن الإمام، فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛
غفر الله ما تقدم من ذنبه)). وأخرج أيضاً من حديثه قال: قال رسول الله عزلة: ((إذا
قال الإمام: ولا الضالين ؛ فقولوا: آمين))، الحديث. وأخرج أيضاً من حديثه
مرفوعاً: ((إذا قال أحدكم: آمين ، وقالت الملائكة في السماء : آمين ، فوافق
أحدهما الآخر غفر الله له ما تقدم من ذنبه)). فدلت الأحاديث على شرعيته
للمأموم ، والأخير يعم المنفرد ، وقد حمله الجمهور من القائلين به على الندب ، وعن
بعض أهل الظاهر أنه للوجوب ؛ عملاً بظاهر الأمر، فأوجبوه على كل مصلٌ .
واستدلت الهادوية على أنه بدعة مفسدة للصلاة بحديث: ((إن هذه الصلاة
لا يصلح فيها شيء من كلام الناس))، الحديث . ولا يتم به الاستدلال ؛ لأن
هذا قام الدليل على أنه من أذكار الصلاة ، كالتسبيح ، ونحوه ، وكلام الناس
المراد به مكالمتهم ، ومخاطبتهم ؛ كما عرفت .
٢٦٨ - ولأبي داود والترمذي من حديث وائل بن حُجْر نحوهُ .
(ولأبي داود والترمذي من حديث وائل بن حُجْر نحوهُ) : أي : نحو
٥٠٤
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة ٢٦٩ - حديث عبد الله بن أبي أوفى
حديث أبي هريرة ؛ ولفظه في ((السنن)): إذا قرأ الإمام: ﴿ولا الضالين)
[الفاتحة: ٧] قال : آمين ، ورفع بها صوته ، وفي لفظ له عنه : أنه صلى خلف
رسول الله ﴿، فجهر بآمين . وآمين بالمد والتخفيف في جميع الروايات ، وعن
جميع القراء ، وحكي فيها لغات ، ومعناها : اللهُمّ استجب ، وقيل غير ذلك.
٢٦٩ - وعن عَبْدِ الله بنِ أبي أَوْفَى قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى النبيِّفَ﴿ فَقَالَ:
إني لا أسْتطيعُ أنْ آخذَ منَ القُرآنِ شيئاً، فعَلّمني ما يُجزئُني منه، فقال: ((قُل :
سُبحان الله ، والحمدُ لله ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، ولا حول ولا قوةَ إلا
بالله العلي العظيم))، الحديث. رواهُ أحْمدُ وأبو داود والنسائي، وصحّحهُ
ابنُ حِبّان والدارقطني والحاكم .
(وعن عبد الله بن أبي أوفى): هو أبو إبراهيم ، أو محمد ، أو معاوية ، واسم
أبي أوفى : علقمة بن قيس بن الحارث الأسلمي ، شهد الحديبية ، وخيبر، وما
بعدهما، ولم يزل في المدينة، حتّى قبض ◌َ﴿، فتحول إلى الكوفة ، ومات
بها ، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة (قال : جاء رجل إلى النبي
فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً ، فعلمني ما يجزئني منه ،
فقال: ((قُلْ: سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر، ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))، الحديث) : بالنصب ؛ أي : أتم الحديث .
وتمامه في (سنن أبي داود)): قال - أي: الرجل -: يا رسول الله ، هذا الله،
فما لي؟ قال : ((قل: اللَّهُمَّ ارحمني وارزقني وعافني واهدني)). فلما قام؛ قال
هكذا بيديه، فقال رسول الله قال: ((أما هذا؛ فقد ملأ يديه من الخير)).
٥٠٥
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٠ - حديث أبي قتادة
انتهى. إلا أنه ليس في ((سنن أبي داود)): ((العلي العظيم)) (رواه أحمد ، وأبو
داود ، والنسائي ، وصححه ابن حبان والدارقطني والحاكم) : الحديث دليل
على أن هذه الأذكار قائمة مقام القراءة للفاتحة وغيرها لمن لا يحسن ذلك ،
وظاهره أنه لا يجب عليه تعلم القرآن ؛ ليقرأ به في الصلاة ؛ فإن معنى : لا
أستطيع : لا أحفظ الآن منه شيئاً ، فلم يأمره بحفظه ، وأمره بهذه الألفاظ ، مع
أنه يمكنه حفظ الفاتحة ؛ كما يحفظ هذه ، وقد تقدم في حديث المسيء صلاته .
٢٧٠ - وعن أبي قتادَة رضي الله عنه قالَ: كان رسول الله عٍَّ يُصَلي بنا،
فيَقْرأُ في الظُّهر والعصر - في الركعتين الأوليَيْن - بفاتحة الكتاب وسُورتين،
ويسمعنا الآية أحياناً ، ويُطَوِّلُ الرَّكْعةَ الأولى، ويقرأُ في الأخْريَيْن بفاتحة
الكتاب . متفقٌ عليه .
(وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َّةٍ يُصلي بنا، فيقرأ
في الظهر والعصر - في الركعتين الأَولَيَين -): بياءَيْن؛ تثنية: أولى (بفاتحة
الكتاب) : أيْ: في كل ركعة منهما (وسورتين): أي: يقرؤهما؛ في كل ركعة
سورة (ويُسمعنا الآية أحياناً): وكأنه من هنا علموا مقدار قراءته (ويطوِّل
الركعة الأولى) : يجعل السورة فيها أطول من التي في الثانية (ويقرأ في
الأخريين) : تثنية أخرى (بفاتحة الكتاب) : من غير زيادة عليها (متفق عليه) .
فيه دليل على شرعية قراءة الفاتحة في الأربع الركعات في كل واحدة،
وقراءة سورة معها في كل ركعة من الأوليين ، وأن هذا كان عادته عليه الصلاة
والسلام؛ كما يدل له : كان يصلي؛ إذْ هي عبارة تفيد الاستمرار غالباً .
٥٠٦
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٠ - حديث أبي قتادة
وإسماعهم الآية أحياناً دليل على أنه لا يجب الإسرار في السرية ، وأن
ذلك لا يقتضي سجود السهو ، وفي قوله : أحياناً ، ما يدل على أنه تكرر ذلك
منه ، وقد أخرج النسائي من حديث البراء قال : كنا نصلي خلف النبي
◌َّ﴿ الظهر، ونسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان، والذاريات. وأخرج
ابن خزيمة من حديث أنس نحوه ، ولكن قال: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾،
و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ .
وفي الحديث دليل على تطويل الركعة الأولى ، ووجهه ما أخرجه عبد
الرزاق في آخر حديث أبي قتادة هذا : وظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس
الركعة الأولى ، وأخرج أبو داود من حديث عبد الرزاق عن عطاء : إني لأحب
أن يطوِّل الإمام الركعة الأولى .
وقد ادعى ابن حبان أن التطويل إنما هو بترتيل القراءة فيها مع استواء المقروء .
وقد روى مسلم من حديث حفصة : كان يرتل السورة ، حتّى تكون أطول من
أطول منها . وقيل : إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ ، وأمّا القراءة فيها؛
فهما سواء ، وفي حديث أبي سعيد الآتي ما يرشد إلى ذلك ، وقال البيهقي :
يطوّل في الأولى ، إن كان ينتظر أحداً ، وإلا فيسوي بين الأوليين .
وفيه دليل على أنه لا يزاد في الأُخْرَيين على الفاتحة ، وكذلك الثالثة في
المغرب ، وإن كان مالك قد أخرج في ((الموطأ)) من طريق الصنابحي : أنه سمع أبا
بكر يقرأ فيها: ﴿رَبَّنَا لا تُزِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية . وللشافعي
قولان في استحباب قراءة السورة في الأخريين .
٥٠٧
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧١ - حديث أبي سعيد الخدري
وفيه دليل على جواز أن يخبر الإنسان بالظن ، وإلا فمعرفة القراءة بالسورة لا
طريق فيه إلى اليقين ، وإسماع الآية أحياناً لا يدل على قراءة كل السورة ،
وحديث أبي سعيد الآتي يدل على الإخبار عن ذلك بالظن ، وكذا حديث
خباب حين سئل: بم كنتم تعرفون قراءة النبي ﴿ في الظهر والعصر؟ قال :
باضطراب لحيته ، ولو كانوا يعلمون قراءته فيهما بخبر عنه ◌َ هُ ، لذكروه .
٢٧١ - وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال: كُنّا نحْزُرُ قيامَ رسول
اللّه ◌َ ◌ّهِ فِي الظُّهر والعصْرِ، فَحَزَرْنَا قيامَهُ في الرَّكعتين الأولَيَيْن في الظُّهْر
قَدْر: ﴿الم تنزيل﴾ السّجدةَ [السجدة: ١ - ٢]، وفي الأخْريَين قَدْر النّصف منْ
ذلك ، وفي الأوليَيْن من العصر على قَدْر الأخريين منَ الظَّهر، والأخْرَيين
على النّصف من ذلك . رواه مُسلمٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كُنّا نحْزر): بفتح النون
وسكون الحاء المهملة وضم الزاي : نخرص ونقدر ، وفي قوله : كنا نحزر ، ما يدل
على أن المقدرين لذلك جماعة ، وقد أخرج ابن ماجه رواية : أن الحازرين ثلاثون
رجلاً من الصحابة (قيام رسول الله خيرا
· في الظهر والعصر ، فحزرنا قيامه في
الرَّكعتين الأوليين في الظّهر قدر: ﴿الم تنزيل﴾ السّجدة) : أيْ: في كل ركعة
بعد قراءة الفاتحة (وفي الأخريين قَدْرَ النّصف من ذلك) : فيه دلالة على قراءة
غير الفاتحة معها في الأخريين ، ويزيده دلالة على ذلك قوله (وفي الأوليين من
العصر على قدر الأخريين من الظّهر) : ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من
العصر سورة غير الفاتحة (والأخريين) : أيْ: من العصر (على النّصف من
٥٠٨
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٢ - حديث سليمان بن يسار
ذلك) : أيْ: من الأوليين منه (رواه مسلم) : الأحاديث في هذا قد اختلفت؛
فقد ورد أنها كانت صلاة الظهر تقام ، فيذهب الذاهب إلى البقيع ، فيقضي
حاجته، ثم يأتي إلى أهله، فيتوضأ، ويدرك النبي ﴿ في الركعة الأولى ؛ مما
يطيلها . أخرجه مسلم ، والنسائي عن أبي سعيد . وأخرج أحمد ، ومسلم من
حديث أبي سعيد أيضاً: أن النبي ◌َّةٍ كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين
الأوليين ، في كل ركعة ، قدر ثلاثين آية ، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية ،
أو قال : نصف ذلك، وفي العصر ، في الركعتين الأوليين ، في كل ركعة قدر
خمس عشرة آية ، وفي الأخريين قدر نصف ذلك ، هذا لفظ مسلم .
وفيه دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا الفاتحة ، وأنه يقرأ في
الأخريين من الظهر غيرها معها .
وتقدم حديث أبي قتادة: أنه ◌َ ﴿ٍ كان يقرأ فى الأخريين من الظهر بأُمّ
الكتاب ، ويسمعنا الآية أحياناً ، وظاهره أنه لا يزيد على أم الكتاب فيهما ،
ولعله أرجح من حديث أبي سعيد ، من حيث الرواية ؛ لأنه اتفق عليه الشيخان
من حيث الرواية ، ومن حيث الدراية ؛ لأنه إخبار مجزوم به ، وخبر أبي سعيد
انفرد به مسلم؛ ولأنه خبر عن حزر وتقدير وتظنن ، ويحتمل أن يجمع بينهما
بأنه كان يصنع هذا تارة ، فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها ، ويقتصر
فيهما أحياناً ، فتكون الزيادة عليها فيهما سنة ، تفعل أحياناً ، وتترك أحياناً .
٢٧٢ - وعن سليمان بن يسار قال : كان فلانٌ يطيل الأوليّين منَ الظُّهر ،
ويخفّف العصْر، ويقرأ في المغرب بقصار الْمُفَصِّل ، وفي العِشاءِ بوَسَطه ، وفي
٥٠٩
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٢ - حديث سليمان بن يسار
الصُّبح بطواله ، فقال أبو هريرة: ما صَلّيتُ وراءَ أحَد أَشْبَهَ صلاةً برسول الله
مِنْ هذا . أخرجَهُ النسائي بإسنادٍ صحيح .
(وعن سليمان بن يسار) : هو أبو أيوب سليمان بن يسار - بفتح المثناة
التحتية وتخفيف السين المهملة -، وهو مولى ميمونة أم المؤمنين ، وأخو عطاء بن
يسار، من أهل المدينة ، وكبار التابعين، كان فقيهاً فاضلاً، ثقة عابداً، ورعاً
حجة، وهو أحد الفقهاء السبعة (قال: كان فلان): في (شرح السنة)) للبغوي :
أن فلاناً: يريد به أميراً كان على المدينة ، قيل : اسمه عمرو بن سلمة ، وليس
هو عمر بن عبدالعزيز، كما قيل ؛ لأن ولادة عمر بن عبدالعزيز كانت بعد وفاة أبي
هريرة ، والحديث مصرح بأن أبا هريرة صلى خلف فلان هذا (يُطيل الأوليين من
الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل) : اختلف في أول
المفصل ، فقيل : إنها من الصافات ، أو الجاثية ، أو القتال ، أو الفتح ، أو الحجرات ،
أو الصف ، أو تبارك ، أو سبح، أو الضحى ، واتفق أن منتهاه آخر القرآن (وفي
العشاء بوَسَطْه ، وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة: ما صَلَيْتُ وراءَ أحد
أشبه صلاة برسول الله مطل من هذا. أخرجه النسائي بإسناد صحيح).
قال العلماء : السنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، ويكون الصبح
أطول ، وفي العشاء والعصر بأوسطه ، وفي المغرب بقصاره ، قالوا: والحكمة في
تطويل الصبح والظهر أنهما وقتا غفلة بالنوم في آخر الليل والقائلة ، فطوّلهما
ليدركهما المتأخرون لغفلة ، أو نوم ، ونحوهما ، وفي العصر ليست كذلك ؛ بل
هي في وقت الأعمال فخفت لذلك ، وفي المغرب ؛ لضيق الوقت ، فاحتيج إلى
٥١٠
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٣ - حديث جبير بن مطعم
زيادة تخفيفها ، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم ، وفي العشاء لغلبة
النوم ، ولكن وقتها واسع ، فأشبهت العصر ، هكذا قالوه ، وستعرف اختلاف
أحوال صلاته وَ﴿ مما يأتي قريباً ، بما لا يتم به هذا التفصيل .
٢٧٣ - وعن جُبَيْر بن مُطعم رضي الله عنه قالَ: سمعت رسول الله
يقرأُ في المغْرب بالطُّور. متّفقٌ علَّيه .
(وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه) : تقدم ضبطهما ، وبيان حال جبير
(قال: سمعت رسول اللّه ◌َ الله يقرأ في المغرب بالطور. متفق عليه).
قد بين في «فتح الباري)) أن سماعه لذلك كان قبل إسلامه ، وهو دلیل
على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل، وقد ورد: أنه عَظيمُ قرأ في المغرب
بـ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، وأنه قرأ فيها بالصافات، وأنه قرأ فيها بـ ﴿حم﴾
[الدخان: ١]، وأنه قرأ فيها ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وأنه قرأ فيها
﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١]، وأنه قرأ فيها بالمعوذتين، وأنه قرأ فيها بالمرسلات،
وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل ، وكلها أحاديث صحيحة .
وأما المداومة في المغرب على قصار المفصل فإنَّما هو فعل مروان بن الحكم ،
وقد أنكر عليه زيد بن ثابت ، وقال له : ما لك تقرأ بقصار المفصل ، وقد رأيت
رسول الله ◌َخالية يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟ ! - تثنية طولى -، والمراد بهما
الأعراف ، والأنعام ، والأعراف أطول من الأنعام ، إلى هنا أخرجه البخاري وهي
الأعراف ، وقد أخرج النسائي: أنه ﴿﴿ فرق الأعراف في ركعتي المغرب ، وقد
قرأ في العشاء بـ ﴿التين والزيتون﴾ [التين: ١]، ووقت لمعاذ فيها بـ ﴿الشمس
٥١١
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٤، ٢٧٥ - حديثا أبي هريرة وابن مسعود
وضحاها﴾ [الشمس: ١]، و﴿الليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١]، و﴿سبح اسم ربك
الأعلى﴾ [الأعلى: ١] ونحوه، والجمع بين هذه الروايات أنه وقع ذلك منه
باختلاف الحالات ، والأوقات ، والأشغال ، عدماً ووجوداً .
يَقْرَأُ في
٢٧٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: كان رسول الله
صلاة الفجر يَوْمَ الجَمُعةِ ﴿الم. تنزيل﴾، السّجدة [١ - ٢]، و﴿هَلْ أتَى على
الإنسان﴾ [الإنسان: ١]. متّفق عليه.
يقرأ في صلاة
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله
الفجر يوم الجمعة ﴿الم. تنزيل﴾ السجدة) : أيْ: في الركعة الأولى (و﴿هل
أتى على الإنسان﴾) : أيْ: في الثانية (متفق عليه).
* في تلك الصلاة ، وزاد استمراره على
فیه دلیل علی أن ذلك كان دأبه
ذلك بياناً قوله :
٢٧٥ - وللطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: يديم ذلك .
(وللطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: يديم ذلك) : أي :
يجعله عادة دائمة له ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : السر في قراءتهما في صلاة
فجر يوم الجمعة أنهما تضمنتا ما كان، وما يكون في يومهما ، فإنهما اشتملتا
على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد ، وحشر العباد ، وذلك يكون في يوم الجمعة ،
ففي قراءتهما تذکیر للعباد بما كان فيه ويكون .
قلت : لیعتبروا بذکر ما كان ، ويستعدوا لما يكون .
٥١٢
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٦ - حديث حذيفة
٦
٢٧٦ - وعن حُذيفةَ رضي الله عنه قالَ: صَلّيْتُ مع النبيِ لَ ◌ّهُ فَمَا مَرّتْ به
آية رحْمة ؛ إلا وَقَفَ عنْدها يسْأَلُ، ولا آية عَذَابٍ إلا تَعوَّذ منها. أخرجهُ
الخمسة ، وحسنه الترمذي .
(وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي {﴿ فما مرّت به آية
رحمة؛ إلا وقف عندها يسأل) : أيْ: يطلب من الله رحمته (ولا آية عذاب إلا
تعوذ منها) : مما ذكر فيها (أخرجه الخمسة ، وحسنه الترمذي) .
في الحديث دليل على أنه ينبغي للقارئ في الصلاة تدبر ما يقرؤه ، وسؤال
الله رحمته ، والاستعاذة من عذابه ، ولعل هذا كان في صلاة الليل ، وإنما قلنا
ذلك ؛ لأن حديث حذيفة مطلق ، وورد تقييده بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى
عن أبيه قال: سمعت رسول الله تَ لم يقرأ في صلاة ليست بفريضة ، فمر بذكر
الجنة والنار فقال: ((أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار)). رواه أحمد، وابن
ماجه بمعناه، وأخرج أحمد عن عائشة: قمت مع رسول الله عَ ليه ليلة التمام،
فكان يقرأ بالبقرة ، والنساء ، وآل عمران ، ولا يمر بآية فيها تخويف ، إلا دعا الله عز
وجل ، واستعاذ ، ولا يمر بآية فيها استبشار؛ إلا دعا الله عز وجل ، ورغب إليه .
وأخرج النسائي ، وأبو داود ، من حديث عوف بن مالك : قمت مع رسول
الله ◌َ ، فبدأ ، فاستاك ، وتوضأ، ثم قام فصلى ، فاستفتح البقرة ، لا يمر بآية
رحمة ؛ إلا وقف ، فسأل ، ولا يمر بآية عذاب؛ إلا وقف ، وتعوذ، الحديث ،
وليس لأبي داود ذكر السواك ، والوضوء .
فهذا كله في النافلة ؛ كما هو صريح الأول ، وفي قيام الليل ؛ كما يفيده
٥١٣
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٧ - حديث ابن عباس
الحديثان الآخران؛ فإنه لم يأت عنه ﴿ في رواية قط أنه أمَّ الناس بالبقرة ، وآل
عمران في فريضة أصلاً ، ولفظ: قمت ، يشعر أنه في الليل ، فتم ما ترجينا
بقولنا : ولعل هذا في صلاة الليل باعتبار ما ورد ، فلو فعله أحد في الفريضة ،
فلعله لا بأس فيه ، ولا يخلّ بصلاته ، سيما إذا كان منفرداً ؛ لئلا يشق على
غيره إذا كان إماماً ، وقولها: ليلة التمام ، في ((القاموس)): ليلة التمام - ككتاب -،
وليل تمامي : أطول ليالي الشتاء ، أو هي ثلاث لا يستبان نقصانها ، أو هي إذا
بلغت اثنتي عشرة ساعة فصاعداً . انتهى .
٢٧٧ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُ قال: قال رسول الله عَلَهُ: ((ألا
وإني نُهيت أن أقرأَ القرآن راكعاً ، أو ساجداً، فأما الرُّكوع؛ فعَظِّمُوا فيه الرِّبَّ،
وأمّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُستجابَ لكُم)) . رَوَاهُ مُسلمٌ .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُ قال: قال رسول الله عَ لة: ((ألا وإني
نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً) : فكأنه قيل : فماذا تقول فيهما؟ فقال
(فأمَّا الرُّكوع ؛ فعظِّموا فيه الرَّب) : قد بين كيفية هذا التعظيم حديث مسلم
عن حذيفة: فجعل يقول - أي: رسول اللّه عَ ل -: ((سبحان ربي العظيم)) (وأما
السجود فاجتهدوا في الدّعاءِ ؛ فقَمِنٌ) : بفتح القاف وكسر الميم ، ومعناه :
حقيق (أن يُستجاب لكم)) . رواه مسلم) .
الحديث دليل على تحريم قراءة القرآن حال الركوع والسجود ؛ لأن الأصل في
النهي التحريم ، وظاهره وجوب تسبيح الركوع ، ووجوب الدعاء في السجود ؛
للأمر بهما ، وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل ، وطائفة من المحدثين .
٥١٤
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٨ - حديث عائشة
وقال الجمهور : إنه مستحب ؛ لحديث المسيء صلاته ؛ فإنه لم يعلمه
ذلك ، ولو كان واجباً لأمره به ، ثم ظاهر قوله: ((فعظموا فيه الرب)): أنها تجزئ المرة
الواحدة ، ويكون بها ممتثلاً ما أمر به . وقد أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود :
((إذا ركع أحدكم؛ فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه))،
ورواه الترمذي ، وابن ماجه ، إلا أنه قال أبو داود : فيه إرسال ، وكذا قال البخاري ،
والترمذي ، وفي قوله: ((ذلك أدناه)) ما يدل على أنها لا تجزئ المرة الواحدة.
والحديث دليل على مشروعية الدعاء حال السجود ، بأي دعاء كان ؛ من
طلب خيري الدنيا والآخرة ، والاستعاذة من شرهما ، وأنه محل الإجابة ، وقد
بين بعض الأدعية ما أفاده قوله :
٢٧٨ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: كان رسولُ الله ◌َّةِ يقولُ في ركوعهِ
وسجوده: ((سبحانك اللهم ربّنا وبِحَمْدكَ، اللهمَّ! اغفرْ لي)). مُتّفقٌ عليه .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله عَ لٍ يقول في ركوعه
وسجوده : ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) : الواو للعطف ، والمعطوف عليه ما
يفيده ما قبله ، والمعطوف يتعلق بـ ((حمدك))، والمعنى : أنزهك وأتلبس بحمدك،
ويحتمل أن تكون للحال ، والمراد : أسبحك ، وأنا متلبس بحمدك ؛ أي : حال
كوني متلبساً به (اللهم! اغْفِرْ لي)). متفقٌ عليه).
الحديث ورد بألفاظ منها؛ أنها قالت عائشة: ما صلى النبي ◌َّالية بعد أن
أنزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١]، إلا يقول: ((سبحانك ربنا
وبحمدك ، اللهمَّ! اغفر لي)).
٥١٥
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٩ - حديث أبي هريرة
والحديث دليل على أن هذا من أذكار الركوع والسجود ، ولا ينافيه حديث :
((أما الركوع؛ فعظموا فيه الرب))؛ لأن هذا الذكر زيادة على ذلك التعظيم الذي
كان يقوله ◌َ﴿ه، فيجمع بينه وبين هذا، وقوله: ((اللهمَّ اغفر لي))، امتثال لقوله
تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ [النصر: ٣]، وفيه مسارعته إلى
امتثال ما أمره الله به ؛ قياماً بحق العبودية ، وتعظيماً لشأن الربوبية - زاده الله
شرفاً وفضلاً -، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
٢٧٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله عَ ﴿ إذا قامَ
إلى الصلاة ؛ يكبِّرُ حين يقُومُ، ثم يكبّرُ حين يركعُ، ثم يقولُ: (سَمعَ الله لمن
حمده))، حين يرفعُ صُلبه من الرُّكوع، ثم يقولُ وهو قائمٌ: ((ربنا ولكَ
الحمْدُ))، ثم يكبِّر حين يهْوي ساجداً، ثم يكبِّر حین یرْفعُ رأسَهُ ، ثم یکبِّر
حين يسْجُدُ ، ثم يكبِّرِ حينَ يرْفعُ، ثم يفْعَلُ ذلكَ في الصلاة كُلُّها ، ويُكبِّرُ
حين يقومُ من الثِّنْتَيْن بَعْدَ الْجُلوس . متّفقٌ عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله عَ ليه إذا قام إلى
الصلاة) : أيْ: إذا قام فيها (يكبر) : أي: تكبيرة الإحرام (حين يقوم) : فيه
دليل على أنه لا يتوجه ، ولا يصنع قبل التكبيرة شيئاً (ثم يكبر حين يركع) :
تكبيرة النقل (ثم يقول : «سمع الله لمن حمده))): أيْ: أجاب الله من حمده؛
فإن من حمد الله تعالى متعرضاً لثوابه ، استجاب الله له ، وأعطاه ما تعرض له ،
فناسب بعده أن يقول: ((ربنا ولك الحمد)) (حين يرفع صلبه من الركوع): فهذا
في حال أخذه في رفع صلبه من هويه للقيام (ثم يقول وهو قائمٌ: ((ربنا ولك
٥١٦
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٩ - حديث أبي هريرة
الحمد))): بإثبات الواو للعطف على مقدر - أي : ربنا أطعناك وحمدناك -، أو
للحال ، أو زائدة ، وورد في رواية بحذفها، وهي نسخة في ((بلوغ المرام)» (ثم يكبر
حين يهوي ساجداً) : تكبير النقل (ثم يكبر حين يرفع رأسه) : أيْ: من السجود
الأول (ثم يكبر حين يسجدُ) : أي : السجدة الثانية (ثم يكبر حين يرفع) : أيْ :
من السجدة الثانية ، هذا كله تكبير النقل (ثمَّ يفعلُ ذلك) : أيْ: ما ذكر ، ما عدا
التكبيرة الأولى التي للإحرام (في الصلاة كلها) : أي : ركعاتها كلها (ويكبر
حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس) : للتشهد الأوسط (متفق عليه) .
الحديث دليل على شرعية ما ذكر فيه من الأذكار، فأما أول التكبير؛ فهي
تكبيرة الإحرام ، وقد تقدم الدليل على وجوبها من غير هذا الحديث .
وأما ما عداها من التكبير الذي وصفه ؛ فقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية
تركه تساهلاً ، ولكنه استقر العمل من الأمة على فعله في كل خفض ورفع ، في
كل ركعة خمس تكبيرات؛ كما عرفته من لفظ هذا الحديث ، ويزيد في الرباعية
والثلاثية تكبير النهوض من التشهد الأوسط ، فيتحصل في المكتوبات الخمس
بتكبيرة الإحرام أربع وتسعون تكبيرة ، ومن دونها تسع وثمانون تكبيرة .
واختلف العلماء في حكم تكبير النقل .
فقيل: إنه واجب، وروي قولاً لأحمد بن حنبل، وذلك لأنه مَ ﴾ داوم
عليه ، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وذهب الجمهور إلى ندبه؛ لأنه ◌َ لم يعلمه المسيء صلاته ، وإنما علمه
تكبيرة الإحرام ، وهو موضع البيان للواجب ، ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة .
٥١٧
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٧٩ - حديث أبي هريرة
وأجيب عنه بأنه قد أخرج تكبيرة النقل في حديث المسيء أبو داود من حديث
رفاعة بن رافع؛ فإنه ساقه، وفيه: ثم يقول: ((الله أكبر))، ثم يركع ، وذكر فيه
قوله : ((سمع الله لمن حمده))، وبقية تكبيرات النقل ، وأخرجها الترمذي ،
والنسائي ؛ ولذا ذهب أحمد ، وداود إلى وجوب تكبير النقل .
وظاهر قوله : يكبر حين كذا ، وحين كذا ، أن التكبير يقارن هذه الحركات ،
فیشرع في التکبیر عند ابتدائه للركن .
وأمّا القول بأنه يمد التكبير، حتّى يمد الحركة - كما في ((الشرح)) وغيره -؛
فلا وجه له ؛ بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه ، ولا نقصان منه .
وظاهر قوله: ثم يقول: ((سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد))، أنه يشرع
ذلك لكل مصلٍّ من إمام ومأموم؛ إذْ هو حكاية لمطلق صلاته عم ليه، وإن كان
يحتمل أنه حكاية لصلاته ﴿ إماماً؛ إذ المتبادر من الصلاة عند إطلاقها؛
الواجبة، وكانت صلاته ﴿ الواجبة جماعة، وهو الإمام فيها، إلا أنه لو فرض
هذا، فإن قوله عَ﴿: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) أمر لكل مصلٍّ أن يصلي
كصلاته عالية ، من إمام ومنفرد .
وذهبت الشافعية ، والهادوية ، وغيرهم إلى أن التسميع مطلقاً ، لمتنفل ، أو
مفترض ، للإمام، والمنفرد، والحمد للمؤتمّ؛ لحديث: ((إذا قال الإمام: سمع الله
لمن حمده ؛ فقولوا : ربنا لك الحمد)) . أخرجه أبو داود .
وأجيب بأن قوله : ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ؛ فقولوا : ربنا لك
الحمد))، لا ينفي قول المؤتم: سمع الله لمن حمده، وإنما يدل على أنه يقول المؤتم:
٥١٨
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٨٠ - حديث أبي سعيد الخدري
ربنا لك الحمد عقب قول الإمام : سمع الله لمن حمده ، والواقع هو ذلك ؛ لأن
الإمام يقول : سمع الله لمن حمده في حال انتقاله ، والمأموم يقول التحميد في
حال اعتداله ، واستفيد الجمع بينهما من الحديث الأول .
قلت : لكن أخرج أبو داود عن الشعبي : لا يقول المؤتم خلف الإمام : سمع
الله لمن حمده ، ولكن يقول : ربنا لك الحمد ، ولكنه موقوف على الشعبي ؛ فلا
تقوم به حجة .
وقد ادعى الطحاوي ، وابن عبد البر الإجماع على كون المنفرد يجمع
بينهما ، وذهب آخرون إلى أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ، ويحمد المؤتم ،
قالوا : والحجة جمع الإمام بينهما ؛ لاتحاد حكم الإمام والمنفرد .
٢٨٠ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله
إِذَا رفعَ رأسَهُ منَ الرُّكوع قالَ: «اللهمَّ! رَبّنا لكَ الحمْدُ، ملءَ السّموات
والأرض ، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بَعْدُ ، أَهْلَ الثّناءِ والمَجْد ، أحَقُّ ما قال
العَبْدُ - وكلُّنا لكَ عَبْدٌ - اللهمَّ! لا مانعَ لما أعْطيتَ ، ولا مُعطِي لما مَنَعْتَ ،
ولا يَنْفَعُ ذا الجدِّ ؛ مِنْكَ الجَدُّ» . رواه مسلم.
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله عَ ل، إذا رفع
رأسه من الركوع، قال(١): ((اللهمَّ): لم أجد لفظ: ((اللهم)) في ((مسلم)) في رواية
أبي سعيد ، ووجدتها في رواية ابن عباس (ربنا لك الحمدُ ، ملء): بنصب الهمزة
على المصدرية ، ويجوز رفعه ؛ خبر مبتدأ محذوف (السموات والأرض) : وفي
(١) وسيأتي ما يقول بين السجدتين (ص٥٢٨).
٥١٩
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٨٠ - حديث أبي سعيد الخدري
((سنن أبي داود)) وغيره: ((وملء الأرض))، وهي في رواية ابن عباس عند مسلم،
فهذه الرواية كلها ليست لفظ أبي سعيد ؛ لعدم وجود: ((اللهمَ)) في أوله، ولا لفظ
ابن عباس؛ لوجود: ((ملء الأرض)) فيها (وملء ما شئت من شيء بعدٌ): بضم
الدال ؛ على البناء للقطع عن الإضافة ، ونية المضاف إليه (أهل) : بنصبه على
النداء ، أو رفعه ؛ أي : أنت أهل (الثناء والمجد ، أحق): بالرفع ؛ خبر مبتدأ
محذوف ، وما مصدرية، تقديره: هذا - أي قوله: ((اللهمَّ لك الحمد)) -، أحق قول
العبد ، وإنما لم يجعل: ((لا مانع لما أعطيت))، خبراً و((أحق)) مبتدأ؛ لأنه محذوف
في بعض الروايات ، فجعلناه جملة استئنافية ، إذا حذف ، تم الكلام من دون ذكره .
وفي ((الشرح)) جعل ((أحق)) مبتدأ وخبره ((لا مانع لما أعطيت))، وفي ((شرح
المهذب)) - نقلاً عن ابن الصلاح -: معناه: أحق ما قال العبد قوله: ((لا مانع لما
أعطيت)) إلى آخره، وقوله: ((وكلنا لك عبد))، اعتراض بين المبتدأ والخبر،
قال: أو يكون قوله: ((أحق ما قال العبد)) خبراً لما قبله ؛ أي: قوله : ((ربنا لك
الحمد)) إلى آخره ((أحق ما قال العبد))، قال: والأول أولى، قال النووي: لما فيه
من كمال التفويض إلى الله تعالى ، والاعتراف بكمال قدرته ، وعظمته وقهره
وسلطانه ، وانفراده بالوحدانية ، وتدبير مخلوقاته . انتهى (ما قال العبد - وكلنا
لك عبْدٌ -): ثم استأنف فقال (اللهمَّ! لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما
مَنَعْتَ ، ولا ينْفَعُ ذا الجدِّ منْك الجدُّ) . رواه مسلم).
الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر في هذا الركن لكل مصل ، وقد
جعل الحمد كالأجسام، وجعله ساداً لما ذكره من الظروف؛ مبالغة في كثرة
الحمد، وزاد مبالغة بذكر ما يشاؤه تعالى، مما لا يعلمه العبد، و((الثناء)): الوصف
٥٢٠