النص المفهرس
صفحات 441-460
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٥ - حديث عائشة
٦ - باب المساجد
المساجد : جمع مسجد بفتح الجيم وكسرها ؛ فإن أريد به المكان المخصوص ،
فهو بكسر الجيم، لا غير ، وإن أريد به موضع السجود ، وهو موضع وقوع الجبهة في
الأرض ؛ فإنه بالفتح لا غير ، وفي فضائل المساجد أحاديث واسعة ، وأنها
((أحب البقاع إلى الله))، وأن ((من بنى لله مسجداً من مال حلال ؛ بنى الله له
بيتاً في الجنة)). وأحاديثها في ((مجمع الزوائد)) وغيره .
٢٣٥ - عن عائشة رضي الله عنها قالتْ: أمرَ رسولُ الله ◌َّهِ بِبناءِ المساجد
في الدُّور، وأن تُنَظّفَ وتُطَيَّبَ . رواهُ أحمدُ وأبو داود ، والترمذي وصحح
إرسالهُ .
(عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله عَ ليه ببناء المساجد في
الدور): يحتمل أن المراد بها البيوت ، ويحتمل أن المراد المحالّ التي تبنى فيها
الدور (وأن تنظف): عن الأقذار (وتطيب . رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي
وصحح إرساله) : والتطييب بالبخور ، ونحوه ، والأمر بالبناء للندب ؛ لقوله :
((أينما أدركتك الصلاة ؛ فصل)). أخرجه مسلم ، ونحوه عند غيره ، قيل : وعلى
إرادة المعنى الأول في الدور ، ففي الحديث دليل على أن المساجد شرطها قصد
التسبيل ؛ إذْ لو كان يتم مسجداً بالتسمية ؛ لخرجت تلك الأماكن التي اتخذت
في المساكن عن ملك أهلها ، وفي ((شرح السنة)) أن المراد المحال التي فيها الدور،
ومنه : ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾ [الأعراف: ١٤٥]؛ لأنهم كانوا يسمون المحال التي
اجتمعت فيها القبيلة داراً . قال سفيان : بناء المساجد في الدور؛ يعني : القبائل .
٤٤١
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٦ - حديث أبي هريرة
٢٣٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عٍَّ: «قَاتَلَ
الله اليهودَ اتّخِذُوا قُبورَ أَنْبيائهمْ مساجد)). متفقٌ عليه، وزادَ مسلم:
((والنّصارى)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّه: «قاتل الله
اليهود) : أي : لعن ؛ كما جاء في رواية ، وقيل : معناه: قتلهم وأهلكهم (اتخذوا
قبور أنبيائهم مساجد))(١). متفق عليه): وفي ((مسلم)) عن عائشة قالت : إن أُم
حبيبة، وأم سلمة ذكرتا لرسول الله ﴿﴿ كنيسة رأتاها بالحبشة ، فيها تصاوير ،
(١) قلت : والأخبار في النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذها مساجد مستفيضة؛
فروى البخاري في «صحيحه)) في (كتاب الجنائز) في موضعين منه ، ومسلم في (كتاب
المساجد ومواضع الصلاة) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله مح له في مرضه الذي
لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). قالت : فلولا ذاك أبرز
قبره ؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً . لفظ مسلم .
وفي ((البخاري)) أيضاً في (كتاب بدء الخلق)، و((مسلم)) في (المساجد) : أن عائشة وابن
عباس رضي الله عنهما قالا: لما نزل برسول الله ◌َخ﴿ (أي: ملك الموت)؛ طفق يطرح خميصة له
على وجهه ؛ فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه ، فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى ؛
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)» ؛ يحذِّر ما صنعوا .
وعن جندب بن عبدالله قال: سمعت النبي :{8# - قبل أن يموت بخمس - وهو يقول: ((إني
أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم
خليلاً ، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً؛ لاتخذت أبا بكر خليلاً . ألا وإن من كان قبلكم كانوا
يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد! ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ! إني أنهاكم عن
ذلك» . رواه مسلم .
فيؤخذ من هذه الأحاديث كراهة الصلاة في مسجد فيه قبر ؛ وذلك أن اليهود والنصارى =
٤٤٢
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٦ - حديث أبي هريرة
فقال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات ؛ بنوا على قبره
= لما اتخذوا مساجدهم على القبور؛ إنما فعلوا ذلك لأجل الصلاة فيها؛ فإن بناء المسجد
مستلزم للصلاة فيه . فمن هذه الجهة يأتي التشبه بهم في الصلاة في تلك المساجد ؛ كما
سيأتي عن العلماء .
وروى أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ـ
زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (*). قال العلامة علي القاري في ((المرقاة)) ناقلاً
عن ابن الملك رحمهما الله تعالى :
((إنما حرم اتخاذ المساجد عليها؛ لأن في الصلاة فيها استناناً بسنة اليهود)). اهـ. وقال شيخ
الإسلام ابن تيمية في كتاب ((التوسل والوسيلة)) (ص١٦) :
((واتخاذ المكان مسجداً : هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها ، كما تبنى المساجد لذلك .
والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه عبادة الله وحده ودعاؤه، لا دعاء المخلوقين. فحرَّم ◌َ ﴿ أن
تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد ؛ وإن کان القاصد لذلك إنما
يقصد عبادة الله وحده ؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر (كما يفعل
كثير من عوام زماننا)، ودعائه والدعاء به والدعاء عنده؛ فنهى رسول الله ◌َ ةٍ عن اتخاذ هذا
المكان لعبادة الله وحده ؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الشرك بالله .
والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة ، وليس فيه مصلحة راجحة ، ینھی عنه ، کما ینهى عن
الصلاة في الأوقات الثلاثة ؛ لما في ذلك من المفسدة الراجحة ؛ وهو التشبه بالمشركين ، الذي
يفضي إلى الشرك)) . انتهى كلامه ؛ وهو في غاية التحقيق .
ومن هذا تعلم - أعني : من كون العلة هو التشبه وقطع الذريعة - فساد قول المعارضين الذين
اشترطوا كون القبر تجاه القبلة ؛ فإذا انتفت انتفت الكراهة! وإنما هذا من تعصبهم للتقليد
الأعمى ، واتباعهم للهوى ، وعدم اطلاعهم على أقوال أولي النهى !
ولذلك قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) =
(*) ضعّف شيخنا هذا الحديث بهذا السياق والتمام، وقوّى الشطر الأول منه لمجيئه من طرق أخرى بلفظ:
(زوارات القبور)). انظر: ((الضعيفة)) (٢٢٥)، و((الإرواء)) (٧٦١). (الناشر).
٤٤٣
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٦ - حديث أبي هريرة
مسجداً، وصوروا تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة))،
= في (الجزء الرابع ص ١٤٩) - عند قول البخاري: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور .
ولما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت ؛ فسمعت صائحاً يقول :
ألا هل وجدوا ما فقدوا؟! فأجابه آخر : بل يئسوا فانقلبوا !) قال العيني - :
((مطابقة هذا للترجمة من حيث إن هذه القبة المضروبة لم تخلُ عن الصلاة فيها ، واستلزم
ذلك اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر من جهة القبلة ، فتزداد الكراهة)) . انتهى كلامه .
فهذا صريح في أن القبر إذا كان في غير جهة القبلة تكره الصلاة ؛ وفي تجاهها أشد ! وقال
ابن تيمية في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)):
((فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم ؛ يتعين إزالتها بهدم أو
بغيره! هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين . وتكره الصلاة فيها من غير خلافّ
أعلمه (وهو أعلم الناس بالخلافيات، كما شهد بذلك الثقات) . ولا يصح عندنا في ظاهر
المذهب ؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ، ولأحاديث أخر . وليس في هذه المسألة خلاف
لكون المدفون فيها واحداً؛ وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد ؛ هل حدُّها ثلاثة
أقبُر؛ أو يُنهى عن الصلاة عند القبر الفذ، وإن لم يكن عنده قبر آخر؟! على وجهين)). انظر
(ص١٥٩) منه . وفي كتابه ((الفتاوى)) :
أنه سئل عن الصلاة في مسجد فيه قبر؟! فأجاب ما حاصله - ولا تحضرني الآن عبارته - :
إذا كان المسجد بني أولاً ؛ فيدرس القبر . وإنْ بالعكس ؛ يهدم المسجد ، وتكره الصلاة فيه -
إن لم يهدم ؛ للنهي الوارد في ذلك . انتھی .
وقال العلامة المحقق المدقق محمد يحيى الكاندهلوي الهندي الحنفي في كتاب ((الكوكب
الدري علی جامع الترمذي» :
((وأما اتخاذ المساجد عليها ؛ فلما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم
وكبرائهم ، ولما فيه من تعظيم الميت ، وشبه بعبدة الأصنام لو كان القبر في جانب القبلة . وكراهة
كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يميناً أو يساراً (كما تقدم عن العيني) . وإن كان خلف
المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك ؛ لكن لا يخلو عن كراهة)). انتهى (ص١٥٣).
=
٤٤٤
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٦ - حديث أبي هريرة
واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها . أو بمعنى الصلاة
عليها ، وفي مسلم: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، ولا عليها)).
قال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ؛ تعظيماً
لشأنهم ، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها ؛ اتخذوها أوثاناً ؛ لعنهم ومنع
المسلمين من ذلك. قال : وأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح ، وقصد التبرك
بالقرب منه ، لا لتعظيم له ، ولا لتوجه نحوه ؛ فلا يدخل في ذلك الوعيد .
قلت : قوله : لا لتعظيم له ، يقال : اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به ؛
تعظيم له ، ثم أحاديث النهي مطلقة ، ولا دليل على التعليل بما ذكر .
والظاهر أن العلة سدّ الذريعة، والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان الذين يعظمون
الجمادات التي لا تسمع ، ولا تنفع ، ولا تضر ، ولما في إنفاق المال في ذلك من
العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية ، ولأنه سبب لإيقاد السرج عليها
الملعون فاعله ، ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر ، وقد
أخرج أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه عن ابن عباس قال : لعن
رسول الله : ﴿ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (وزاد مسلم:
((والنصارى))): زاد في حديث أبي هريرة هذا بعد قوله: ((اليهود)).
= وهذا لمن لم يقصد الصلاة في تلك المساجد .
وأما إذا قصد لكونه يوجد فيه نبي أو ولي مدفون؛ فهو حرام ، وفاعله ملعون كما لعن اليهود
والنصارى! انظر ((مبارق الأزهار)) لابن الملك (١٣٢/٢).
وكثير من العوام - وبعض المشايخ شبههم - صرّحوا أنما يقصدون الصلاة في جامع بني أمية
لوجود يحيى عليه السلام فيه مدفوناً! فلا حول ولا قوة إلا بالله !!
٤٤٥
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد.
٢٣٧، ٢٣٨ - حديثا عائشة وأبي هريرة
وقد استشكل ذلك ؛ لأن النصارى ليس لهم نبي إلا عيسى عليه السلام ؛ إذْ
لا نبي بینه وبین محمد
، وهو حي في السماء .
وأجيب بأنه كان فيهم أنبياء غير مرسلين ، كالحواريين ، ومريم - في قول -،
وأن المراد من قوله : ((أنبيائهم)) المجموع من اليهود والنصارى ، أو المراد الأنبياء،
وكبار أتباعهم، واكتفى بذكر الأنبياء ؛ يؤيد ذلك قوله في رواية مسلم: ((كانوا
يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»، ولهذا لما أفرد النصارى كما في
الحديث الآتي :
٢٣٧ - ولهُمَا منْ حديث عائشةَ: «كانوا إذا مات فيهمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ؛
بَنَوْا على قبره مَسْجداً)). وفيه: ((أُولئك شرارُ الخَلْق)).
(ولهما)؛ أي: البخاري ومسلم (من حديث عائشة: ((كانوا إذا مات
فيهم) : أي : النصارى ، قال (الرّجلُ الصالحُ) : ولما أفرد اليهود؛ كما في
حديث أبي هريرة قال: ((أنبيائهم))، وأحسن من هذا أن يقال : أنبياء اليهود
أنبياء النصارى ؛ لأن النصارى مأمورون بالإيمان بكل رسول ، فرسل بني إسرائيل
يسمون أنبياء في حق الفريقين (بَنّوْا على قبره مَسْجداً)). وفيه: ((أولئك شرار
الخلق))): اسم الإشارة عائد إلى الفريقين ، وكفى به ذماً، والمراد من الاتخاذ
أعم من أن يكون ابتداعاً ، أو اتباعاً، فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت .
خَيْلاً ، فجَاءَتْ
٢٣٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبيُّ ◌َ
برجُل ، فَرَبَطُوهُ بساريةٍ من سواري المسجد ... الحديث . متفقٌ عليه .
خَيْلاً ، فَجَاءَتْ
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبيُّ
٤٤٦
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٨ - حديث أبي هريرة
برجُلٍ ، فَرَبَطُوهُ بساريةٍ من سواري المسجد ... الحديث. متفقٌ عليه): الرجل
هو ثمامة بن أثال ، صرح بذلك في ((الصحيحين))، وغيرهما ، وليس فيه أن
الربط عن أمره عَّةٍ، ولكنه ◌َ﴿﴿ قرر ذلك؛ لأن في القصة أنه كان يمر به ثلاثة
أيام ويقول : ((ما عندك يا ثمامة؟))، الحديث .
وفيه دليل على جواز ربط الأسير بالمسجد ، وإن كان كافراً، وأن هذا
تخصيص لقوله عز له: ((إن المسجد لذكر الله والطاعة))، وقد أنزل عظمة وفد
ثقيف في المسجد .
قال الخطابي : فيه جواز دخول المشرك المسجد ، إذا كان له فيه حاجة ؛ مثل
أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه ، ومثل أن يحاكم إلى قاض هو في
المسجد، وقد كان الكفار يدخلون مسجده ﴿ ، ويطيلون فيه الجلوس ، وقد
أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن اليهود أتوا النبي ◌َظاهر ، وهو في المسجد .
وأما قوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨]؛ فالمراد به : لا
يمكنون من حجّ، ولا عمرة؛ كما ورد في القصة التي بعث لأجلها :﴿ بآيات
براءة إلى مكة، وقوله : ((فلا يحجنّ بعد هذا العام مشرك)) ، وكذلك قوله
تعالى: ﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ [البقرة: ١١٤]، لا يتم بها دليل
على تحريم المساجد على المشركين ؛ لأنها نزلت في حق من استولى عليها ،
وكانت له الحكمة والمنعة ؛ كما وقع في سبب نزول الآية الكريمة ، فإنها نزلت
في شأن النصارى ، واستيلائهم على بيت المقدس ، وإلقاء الأذى فيه والأزبال ،
أو أنها نزلت في شأن قريش، ومنعهم له تَ عام الحديبية عن العمرة.
٤٤٧
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٣٩ - حديث أبي هريرة
وأمّا دخوله من غير استيلاء ومنع وتخريب ، فلم تفده الآية الكريمة ، وكأنّ
المصنف ساقه لبيان جواز دخول المشرك المسجد ، وهو مذهب إمامه ، فيما عدا
المسجد الحرام .
٢٣٩ - وعنهُ: أنَّ عُمر رضي الله عنه مرَّ بِحَسّان يُنْشِدُ في المسجد، فَلَحَظَ
إليه ، فقال: قد كُنْتُ أَنْشِدُ فيه ، وفيه مَنْ هُو خيرٌ مِنْكَ . متّفق عليه .
(وعنه): أيْ: أبي هريرة (أن عمر رضي الله عنه مرّ بِحَسّان) : بالحاء
المهملة مفتوحة فسين مهملة مشددة ، هو ابن ثابت ، شاعر رسول الله
يكنى أبا عبد الرحمن ، أطال ابن عبد البر في ترجمته في ((الاستيعاب)) قال:
وتوفي حسان قبل الأربعين في خلافة عليّ عليه السلام ، وقيل : بل مات سنة
خمسين ، وهو ابن مائة وعشرين سنة (ينشد) : بضم حرف المضارعة وسكون
النون وكسر الشين المعجمة (في المسجد ، فلحظ إليه): أيْ: نظر إليه ، وكأنّ
حسّان فهم منه نظر الإنكار (فقال: قد كنتُ أنشد فيه ، وفيه): أي : المسجد
(من هو خير منك): يعني: رسول الله تٍَّ (متفق عليه): وقد أشار البخاري
في باب بدء الخلق في هذه القصة ؛ أن حسان أنشد في المسجد ما أجاب به
المشركين عنه
ففي الحديث دلالة على جواز إنشاد الشعر في المسجد ، وقد عارضه
أحاديث . أخرج ابن خزيمة - وصححه الترمذي - من حديث عمرو بن شعيب
ءُ عن تناشد الأشعار في المسجد .
عن أبيه عن جده قال : نھی رسول الله
وله شواهد ، وجمع بينها وبين حديث الباب بأن النهي محمول على تناشد
٤٤٨
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٠ - حديث أبي هريرة
أشعار الجاهلية وأهل البطالة ، وما لم يكن فيه غرض صحيح ، والمأذون فيه ما
سلم من ذلك ، وقيل : المأذون فيه مشروط بأن لا يكون ذلك مما يشغل من في
المسجد .
٢٤٠ - وعنه رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله ◌َ ◌ُّ: ((مَن سَمِعَ رَجُلاً
يَنْشُدُ ضالّةً في المسْجِدِ ؛ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا الله عَلَيْكَ؛ فإن المساجدَ لمْ تُبنَ
لهذا» . رواه مُسلمٌ .
(وعنه رضي الله عنه): أيْ: أبي هريرة (قال: قال رسول الله عَ ظُلٍ: ((من
سمعَ رجُلاً ينشدُ) : بفتح المثناة التحتية وسكون النون وضم الشين المعجمة ؛
من نشد الدابة إذا طلبها (ضالّة في المسجد ؛ فليقُل: لا ردّها الله عليك) :
عقوبة له ؛ لارتكابه في المسجد ما لا يجوز، وظاهره أنه يقوله جهراً، وأنه واجب
(فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا)). رواه مسلم): أي : بل بنيت لذكر الله ، والصلاة ،
والعلم ، والمذاكرة في الخير ، ونحوه .
والحديث دليل على تحريم السؤال عن ضالة الحيوان في المسجد . وهل يلحق
به السؤال عن غيرها من المتاع ، ولو ذهب في المسجد؟ قيل : يلحق للعلة ، وهي
قوله : ((فإن المساجد لم تبن لهذا)) ، وأن من ذهب له متاع فيه ، أو في غيره قعد
في باب المسجد يسأل الخارجين والداخلين إليه .
واختلف أيضاً في تعليم الصبيان القرآن في المسجد ، وكأنّ المانع يمنعه ؛ لما فيه من
رفع الأصوات المنهي عنه في حديث واثلة : ((جنبوا مساجد كم مجانينكم وصبيانكم
ورفع أصواتكم)). أخرجه عبد الرزاق، والطبراني في «الكبير))، وابن ماجه .
٤٤٩
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد ٢٤١، ٢٤٢ - حديثا أبي هريرة وحكيم بن حزام
٢٤١ - وعنهُ: أن رسول الله ◌َ ◌ّ﴾ قال: ((إذا رَأَيْتُمْ مِنْ يَبيعُ، أو يَبْتاعُ في
المسجد ؛ فقولوا لهُ : لا أَرْبَحَ الله تَجَارَتك)). رواهُ النسائيُّ، والترمذي
وحسّنَهُ .
(وعنه): أيْ: أبي هريرة (أن رسول اللّه عَّ﴿ قال: ((إذا رأيتمْ منْ يبيعُ، أو
يبتاعُ): يشتري (في المسجد ؛ فقولوا لهُ: لا أَرْبَحَ الله تجارتك)) . رواه
النسائي ، والترمذي وحسنه) .
فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد ، وأنه يجب على من رأى
ذلك فيه أن يقول لكل من البائع والمشتري : لا أربح الله تجارتك ، يقول جهراً ؛
زجراً للفاعل لذلك، والعلة: هي قوله - فيما سلف -: ((فإن المساجد لم تبن
لذلك))، وهل ينعقد البيع؟ قال الماوردي : إنه ينعقد اتفاقاً .
٢٤٢ - وعن حكيم بن حزام قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َِّةِ: ((لا تُقام الحدودُ
في المساجدِ ، ولا يُسْتَقادُ فيها». رواهُ أحمد وأبو داودَ بسندٍ ضعيفٍ .
(وعن حكيم بن حزام) : بالحاء المهملة المكسورة والزاي ، وحكيم صحابي
كان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام ، أسلم عام الفتح ، عاش مائة
وعشرين سنة ؛ ستين في الجاهلية ، وستين في الإسلام ، وتوفي بالمدينة سنة
أربع وخمسين ، وله أربعة أولاد صحابيون كلهم : عبد الله ، وخالد ، ويحيى ،
وهشام (قال: قال رسول الله ◌َّهُ: ((لا تُقامُ الحدودُ في المساجد، ولا يُستقاد
فيها))): أيْ: يقام القود فيها (رواه أحمد وأبو داود بسند ضعيف) : ورواه
الحاكم ، وابن السكن ، وأحمد بن حنبل ، والدارقطني ، والبيهقي .
٤٥٠
٢ - كتاب الصلاة
٠
٦ - باب المساجد
٢٤٣، ٢٤٤ - حديثا عائشة
وقال المصنف في ((التلخيص)»: لا بأس بإسناده.
والحديث دليل على تحريم إقامة الحدود في المساجد ، وعلى تحريم الاستقادة
فيها .
٢٤٣ - وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت : أُصيب سَعْدٌ يومَ الخندقِ ،
خيْمَةً في المسْجدِ ؛ لِيَعُودَهُ من قريب . متّفق عليه .
فضرب علیه رسول الله څ.
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: أصيبَ سَعْدٌ) : هو ابن معاذ؛ بضم
الميم فعين مهملة بعد الألف ذال معجمة ، هو أبو عمرو ، سعد بن معاذ الأوسي ،
أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية ، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل ،
وسماه رسول اللّه ◌َ هُ سيد الأنصار، وكان مقداماً مطاعاً ، شريفاً في قومه ، من
كبار الصحابة ، شهد بدراً وأحداً ، وأصيب يوم الخندق في أكحله ، فلم يرقأ دمه
حتّى مات بعد شهر ، توفي في شهر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة (يوم
الخندق، فضرب عليه رسول الله ◌َ ﴿): أيْ: نصب عليه (خيمة في المسجد ؛
ليعوده من قريب): أيْ: ليكون مكانه قريباً منه حَ له، فيعوده (متفقٌ عليه).
فيه دلالة على جواز النوم في المسجد ، وبقاء المريض فيه ، وإن كان جريحاً ،
وضرب الخيمة ، وإن منعت من الصلاة .
يسْتُرني ، وأنا أَنْظُرُ إلى الحبشةِ
٢٤٤ - وعنْها قالَتْ: رأَيْت رسُولَ الله
يلعبون في المسجد ... ، الحديثَ. متفقٌ عليه .
(وعنها) : أيْ: عن عائشة (قالت : رأيت رسولَ الله
يسترني ، وأنا
٤٥١
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٤ - حديث عائشة
أنظرُ إلى الحبشة يلعبون في المسجد ... ، الحديث. متفق عليه): قد بين في
رواية للبخاري أن لعبهم كان بالدرق والحراب ، وفي رواية لمسلم: يلعبون في
المسجد بالحراب ، وفي رواية للبخاري : وكان يوم عيد .
فهذا يدل على جواز مثل ذلك في المسجد في يوم مسرة وقيل : إنه منسوخ
بالقرآن والسنة، أما القرآن ، فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أُذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
وأما السُّنَّة فبحديث: ((جنبوا مساجد كم صبيانكم)) ، الحديث، وتُعقّبَ
بأنه حديث ضعيف ، وليس فيه ، ولا في الآية تصريح بما ادعاه ، ولا عُرف
التاريخ فيتم النسخ .
وقد حكي أن لعبهم كان خارج المسجد ، وعائشة كانت في المسجد ، وهذا
مردود بما ثبت في بعض طرق الحديث - هذا - أن عمر أنكر عليهم لعبهم في
المسجد، فقال له النَّبِي ◌َ﴿: ((دعهم))، وفي بعض ألفاظه أنه ◌ٍَّ قال لعمر:
((لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأني بعثت بحنيفية سمحة))، وكأنّ عمر
بنى على الأصل في تنزيه المساجد فبين له ﴿ أن التعمق والتشدد ينافي
قاعدة شريعته ** من التسهيل والتيسير، وهذا يدفع قول الطبري : إنه يغتفر
للحبش ما لا يغتفر لغيرهم فيقر حيث ورد ، ويدفع قول من قال: إن اللعب
بالحراب ليس لعباً مجرداً؛ بل فيه تدريب الشجعان على مواضع الحروب
والاستعداد للعدو، ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين ، ويحتاج
إليها في إقامة الدين ، فأجيز فعلها في المسجد .
٤٥٢
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٥ - حديث عائشة
هذا؛ وأمّا نظر عائشة إليهم وهم يلعبون وهي أجنبية ، ففيه دلالة على جواز
نظر المرأة إلى جملة الناس من دون تفصيل لأفرادهم ، كما تنظرهم إذا خرجت
للصلاة في المسجد وعند الملاقاة في الطرقات ، ويأتي تحقيق هذه المسألة في محلها .
٢٤٥ - وعَنْهَا: أَن وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَتْ تَأْتِيِنِي،
فَتَحَدَّثُ عِنْدِي ... ، الْحَدِيثَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعنها) : أيْ: عائشة (أن وليدة) : الأمة (سوداء كان لها خباء) : بكسر
الخاء المعجمة وموحدة فهمزة ممدودة : الخيمة من وبر ، أو غيره ، وقيل : لا تكون إلا
من شعر (في المسجد ، فكانت تأتيني ، فتحدث عندي ... ، الحديث . متفق
عليه): والحديث برمته في ((البخاري)) عن عائشة : أنَّ وليدة سوداء كانت لحي
من العرب فأعتقوها ، فكانت معهم فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من
سيور ، قالت : فوضعته ، أو وقع منها ، فمرت حدياة ، وهو ملقى، فحسبته لحماً
فخطفته ، قالت : فالتمسوه فلم يجدوه فاتهموني به ؛ فجعلوا يفتشوني ، حتى
فتشوا قبلها ، قالت : والله ، إني لقائمة معهم؛ إذْ مرت الحدياة فألقته ، قالت : فوقع
بينهم ، فقلت : هذا الذي اتهمتموني به ، زعمتم وأنا بريئة منه ، وها هو ذا .
قالت: فجاءت إلى رسول الله ﴿ فأسلمت ، قالت عائشة : فكان لها خباء في
المسجد ، أو حفش ، فكانت تأتيني فتحدث عندي ، قالت : فلا تجلس ، إلا قالت :
أَلا إِنه من دارة الكفر نجاني
ویوم الوشاح من تعاجیب ربنا
قالت عائشة : قلت لها : ما شأنك لا تقعدين إلا قلت هذا؟ فحدثتني بهذا
الحديث . فهذا الذي أشار إليه المصنف بقوله : الحديث .
٤٥٣
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٦ ۔ حديث أنس
وفي الحديث دلالة على إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن ليس له
مسكن من المسلمين ، رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة ، وجواز ضرب الخيمة
له ونحوها .
٢٤٦ - وَعَنْ أَنْسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
﴿ : ((البُصَاقُ في
صَلى الله
المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ ، وكَفَّارَتُها دَفْتُهَا)) . مَتَّفْقٌ عَلَيْهِ
: ((البصاق): في ((القاموس)):
(وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: رَسُولُ الله
البصاق - كغراب - والبساق والبزاق : ماء الفم إذا خرج منه ، وما دام فيه فهو
ريق، وفي لفظ للبخاري: ((البزاق))، ولمسلم: ((التفل)) (في المسجد خطيئة
وكفارتها دفنها)) . متفق عليه) :
الحديث دليل على أن البصاق في المسجد خطيئة والدفن يكفرها ، وقد
عارضه ما تقدم من حديث: ((فليبصق عن يساره، أو تحت قدمه))؛ فإن ظاهره
سواء كان في المسجد ، أو غيره .
قال النووي : هما عمومان، لكن الثاني مخصوص بما إذا لم يكن في
المسجد ، ويبقى عموم الخطيئة إذا كان في المسجد من دون تخصيص .
وقال القاضي عياض : إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنه ،
وأما إذا أراد دفنه ؛ فلا ، وذهب إلى هذا أئمة من أهل الحديث ، ويدل له حدیث
أحمد ، والطبراني بإسناد حسن ، من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((من تنخع في
المسجد فلم يدفنه ؛ فسيئة ، فإن دفنه؛ فحسنة)) ، فلم يجعله سيئة إلا بقيد
عدم الدفن ، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعاً : ((وجدت في مساوئ
٤٥٤
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٧ - حديث أنس
أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن))، وهكذا فهم السلّفُ، ففي ((سنن
سعيد بن منصور)) : عن أبي عبيدة بن الجراح : أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي
أن يدفنها ، حتّى رجع إلى منزله ، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها ، حتّى
دفنها ، وقال : الحمد لله ؛ حيث لم تكتب عليَّ خطيئة الليلة . فدل على أنه فهم
أن الخطيئة مختصة بمن تركها ، وقدمنا وجهاً من الجمع ، وهو أن الخطيئة حيث
كان التفل عن اليمين ، أو إلى جهة القبلة ، لا إذا كان عن الشمال وتحت القدم ،
فالحديث هذا مخصص بذلك ومقيد به .
قال الجمهور: والمراد - أي : من دفنها - دفنها في تراب المسجد ورمله
وحصاه ، وقول من قال : المراد من دفنها إخراجها من المسجد ؛ بعيد .
٢٤٧ - وَعَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َ مِ: ((لا تَقُومُ الساعَةُ، حَتّى يَتَبَاهَى النَّاسُ
فِي الْمَسَاجِدِ)). أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلا الترْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
(وعنه): أيْ: أنس (قال رسول الله عَ ليه: ((لا تقوم الساعة، حتّى
يتباهى): يتفاخر (الناس في المساجد))): بأن يقول واحد : مسجدي أحسن
من مسجدك علواً وزينة وغير ذلك (أخرجه الخمسة إلا الترمذي ، وصححه
ابن خزيمة) : الحديث من أعلام النبوة ، وقوله : ((لا تقوم الساعة))، قد يؤخذ
منه أنه من أشراطها . والتباهي ، إما بالقول - كما عرفت -، أو بالفعل ؛ كأن
يبالغ كل واحد في تزيين مسجده ورفع بنائه وغير ذلك ، وفيه دلالة مفهمة
بكراهة ذلك ، وأنه من أشراط الساعة ، وأن الله لا يحب تشييد المساجد ، ولا
عمارتها ، إلا بالطاعة .
٤٥٥
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٨ - حديث ابن عباس
ـ : ((مـا
٢٤٨ - وعن ابْن عَبَّاس رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ
أُمِرْتُ بِتَشِْيد الْمَسَاجِدِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ما أمرت
بتشييد المساجد)) . أخرجه أبو داود ، وصححه ابن حبان): وتمام الحديث قال
ابن عباس : لتزخرفتها ؛ كما زخرفتها اليهود والنصارى . وهذا مدرج من كلام ابن
عباس؛ كأنه فهمه من الأخبار النبوية من أن هذه الأمة تحذو حذو بني إسرائيل .
والتشييد: رفع البناء وتزيينه بالشيد - وهو الجص -؛ كذا في ((الشرح))،
والذي في ((القاموس)): شاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد ، وهو ما يطلى به
الحائط من جص ونحوه . انتهى ، فلم يجعل رفع البناء من مسماه .
والحديث ظاهر في الكراهة ، أو التحريم؛ لقول ابن عباس : كما زخرفت
اليهود والنصارى ؛ فإن التشبه بهم محرم ، وذلك أنه ليس المقصود من بناء
المساجد إلا أن تَكِنَّ الناس من الحر والبرد ، وتزيينها يشغل القلوب عن الخشوع
الذي هو روح جسم العبادة ، والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل .
قال المهدي في ((البحر)): إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ، ولا
سكوت رضا ؛ أي : من العلماء ، وإنما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة
لأحد من أهل الفضل ، وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا ، وهو كلام
حسن. وفي قوله ﴿: ((ما أُمرت)) إشعار بأنه لا يحسن ذلك؛ فإنه لو كان
حسناً، لأمره الله به عمي له . وأخرج البخاري من حديث ابن عمر: أن مسجده
مبنياً باللبن ، وسقفه الجريد ، وعُمُدُه خشب النخل ، فلم یزد
کان علی عهده
٤٥٦
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٤٩ - حديث أنس
فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله عَ ليه باللبن
والجريد وأعاد عمده خشباً ، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جدرانه
بالأحجار المنقوشة والجص ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج .
قال ابن بطال : وهذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد ، وترك
الغلو في تحسينها ؛ فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده
لم يغير المسجد عما كان عليه ، وإنما احتاج إلى تجديده ؛ لأن جريد النخل كان
قد نخر في أيامه ، ثم قال عند عمارته : أَكِنّ الناس من المطر ، وإياك أن تحمر ، أو
تصفر ! فتفتن الناس ، ثم كان عثمان والمال في زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي
الزخرفة ، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه ، وأول من زخرف المساجد الوليد
ابن عبد الملك ، وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن
إنكار ذلك ؛ خوفاً من الفتنة .
٢٤٩ - وعن أَنَس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه تَّهِ : ((عُرِضَتْ عَلَيَّ
أُجُورُ أُمَِّي ، حَتّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ،
والتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله تَّةٍ: «عرضت عَلَيَّ أجور
أمتي ، حتّى القذاة يخرجها الرجل من المسجد)). رواه أبو داود ، والترمذي
واستغربه ، وصححه ابن خزيمة) : القذاة ؛ بزنة حصاة ، هي مستعملة في كل
شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيراً ، وهذا إخبار بأن ما يخرجه الرجل من
المسجد ، وإن قل وحقر؛ مأجور فيه؛ لأن فيه تنظيف بيت الله وإزالة ما يؤذي
٤٥٧
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٥٠ - حديث أبي قتادة
المؤمنين ، ويفيد بمفهومه أن من الأوزار إدخال القذاة إلى المسجد .
◌ٍ: ((إِذَا دَخَلَ
٢٥٠ - وعَن أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله :
أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ ؛ فلا يَجْلِسْ، حتّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنٍ)) . مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ).
# : ((إذا دخل
(وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
أحدكم المسجد ؛ فلا يجلس ، حتّى يصلي ركعتين)). متفق عليه) : الحديث
نهى عن جلوس الداخل إلى المسجد ، إلا بعد صلاته ركعتين ، وهما تحية
المسجد ، وظاهره وجوب ذلك ، وذهب الجمهور إلى أنه ندب واستدلوا بقوله
للذي رآه يتخطى: ((اجلس؛ فقد آذيت)) ، ولم يأمره بصلاتهما ، وبأنه قال
لمن علمه الأركان الخمسة فقال: لا أزيد عليها: ((أفلح إن صدق)).
الأول : مردود بأنه لا دليل على أنه لم يصلهما ؛ فإنه يجوز أنه صلاهما في
طرف المسجد ، ثم جاء يتخطى الرقاب .
والثاني : بأنه قد وجب غير ما ذكر كصلاة الجنائز ونحوها ، ولا مانع من أنه
وجب بعد قوله: لا أزيد، واجبات وأعلمه ◌َ ﴿ بها.
ثم ظاهر الحديث أنه يصليهما في أي وقت شاء ولو وقت الكراهة ، وفيه
خلاف وقررناه في ((حواشي شرح العمدة)) أنه لا يصليهما من دخل المسجد في
أوقات الكراهة ، وقررنا أيضاً أن وجوبهما هو الظاهر ؛ لكثرة الأوامر الواردة به ،
وظاهره أنه إذا جلس ولم يصلهما ؛ لا يشرع له أن يقوم فيصليهما ، وقال جماعة :
يشرع له التدارك ؛ لما رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي ذر أنه دخل
المسجد، فقال له النبي ﴿: ((ركعت ركعتين؟)) قال: لا، قال: ((قم فاركعهما))،
٤٥٨
٢ - كتاب الصلاة
٦ - باب المساجد
٢٥٠ - حديث أبي قتادة
وترجم عليه ابن حبان : تحية المسجد لا تفوت بالجلوس ، وكذلك ما يأتي من
قصة سُليك الغطفاني وقوله : ((ركعتين))، لا مفهوم له في جانب الزيادة ؛ بل
في جانب القلة ؛ فلا تتأدى سنة التحية بركعة واحدة، قال في ((الشرح)): وقد
أخرج من عموم المسجد المسجد الحرام ؛ فتحيته الطواف ، وذلك ؛ لأن النبي
بدأ فيه بالطواف .
قلت: هكذا ذكره ابن القيم في ((الهدي))، وقد يقال : إنه لم يجلس ؛ فلا
تحية للمسجد الحرام؛ إذ التحية إنما تشرع لمن جلس ، والداخل المسجد الحرام
يبدأ بالطواف ، ثم يصلي صلاة المقام ؛ فلا يجلس إلا وقد صلى .
نعم ؛ لو دخل المسجد الحرام وأراد القعود قبل الطواف ، فإنه يشرع له صلاة
التحية كغيره من المساجد، وكذلك قد استثنوا صلاة العيد؛ لأنه ◌َ هُ لم يصلِّ
قبلها، ولا بعدها، ويجاب عنه بأنه ◌َّارٍ ما جلس ، حتّى يتحقق في حقه أنه
ترك التحية ؛ بل وصل إلى الجبانة ، أو إلى المسجد ؛ فإنه صلى العيد في
مسجده مرة واحدة ، ولم يقعد ؛ بل وصل إلى المسجد ودخل في صلاة العيد .
وأمّا الجبانة ؛ فلا تحية لها؛ إذْ ليست بمسجد إذاً، وأمّا إذا اشتغل الداخل.
بالصلاة - كأن يدخل وقد أقيمت الفريضة فيدخل فيها -؛ فإنها تجزئه عن
ركعتي التحية ؛ بل هو منهي عنها بحديث: ((إذا أقيمت الصلاة ؛ فلا صلاة
إلا المكتوبة)» .
٤٥٩
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥١ - حديث أبي هريرة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيّ :﴿ قال: ((إِذَا قُمْتَ إلَى
الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثم اسْتَقَبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثم اقْرَأْ مَا تَيَسّرَ مَعَكَ مِنَ
الْقُرآنَ، ثم اركَعْ ، حتّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثم ارْفَعْ، حتّى تَعْتدِلَ قَائِماً، ثم
اسْجُدْ ، حتّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثم ارْفَعْ، حتّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثم اسْجُدْ،
حتّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً ، ثم افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلُّهَا)). أخْرجَه الْسَبْعَةُ ،
وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ مُسْلِمٍ: ((حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا))، ومثله:
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ◌َ ﴾ قال): مخاطباً للمسيء في
صلاته ، وهو خلاد بن رافع ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء) : تقدم أن
إسباغ الوضوء إتمامه (ثم استقبل القبلة ، فكبر) : تكبيرة الإحرام (ثم اقرأ ما
تيسر معك من القرآن) : فيه أنه لا يجب دعاء الاستفتاح؛ إذْ لو وجب لأمره
به ، وظاهره أنه يجزئه من القرآن غير الفاتحة ، ويأتي تحقيقه (ثم اركع، حتّى
تطمئنَّ راكعاً): فيه إيجاب الركوع والاطمئنان فيه (ثم ارفع): من الركوع
(حتى تعتدل قائماً) : من الركوع (ثم اسجد ، حتّى تطمئن ساجداً): فيه
أيضاً وجوب السجود ووجوب الاطمئنان فيه (ثم ارفع) : من السجود (حتى
تطمئن جالساً) : بعد السجدة الأولى (ثم اسجد) : الثانية (حتى تطمئن
ساجداً) : كالأولى . فهذه صفة ركعة من ركعات الصلاة قياماً وتلاوة وركوعاً
واعتدالاً منه وسجوداً وطمأنينة وجلوساً بين السجدتين ثم سجدة باطمئنان
كالأولى ، فهذه صفة ركعة كاملة (ثم افعل ذلك) : أيْ: جميع ما ذكر من
٤٦٠