النص المفهرس

صفحات 361-380

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٦٩ - حديث أبي محذورة
هو من ألفاظ الأذان ، أو لا؟ وهل هو بدعة ، أو لا؟ ثم المراد من معناه : اليقظة
للصلاة خير من النوم؛ أي : الراحة التي يعتاضونها في الآجل خير من النوم ،
ولنا كلام في هذه الكلمة أودعناه رسالة لطيفة .
١٦٩ - وعن أبي محذورة: أنَّ النَّبِيّ ◌َ ﴿هُ علّمه الأذان ، فذَكَر فيهِ التّرجيع .
أخرجهُ مسلمٌ ، ولكن ذكرَ التّكبير في أوَّله مرَّتين فَقَطْ ، وروَاهُ الخمسةُ فذكروهُ
مُربعاً .
(وعن أبي محذورة): تقدم ضبطه وبيان حاله (أن النَّبيَّ ﴿ُ عَلّمَهُ
الأَذَانَ): أيْ: ألقاه ◌َّهُ عليه بنفسه ، في قصة حاصلها :
أنه خرج أبو محذورة بعد الفتح إلى حنين ، هو وتسعة من أهل مكة ، فلما
سمعوا الأذان، أذنوا استهزاء بالمؤمنين، فقال ◌َ : ((قد سمعت في هؤلاء
تأذين إنسان حسن الصوت))، فأرسل إلينا فأذنًا رجلاً رجلاً، وكنت آخرهم،
فقال حين أذنت: ((تعال))، فأجلسني بين يديه ، فمسح على ناصيتي ، وبرّك
عليّ ثلاث مرات، ثم قال: ((اذهب فأذّن عند المسجد الحرام)) ، فقلت : يا
رسول الله ، فعلمني ، الحديث (فذكر فيه التّرجيع) : أيْ : في الشهادتين ،
ولفظه عند أبي داود: «ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا
الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، تخفض بها
صوتك))، قيل : المراد أن يسمع من يقربه . قيل : والحكمة في ذلك أن يأتي
بهما أولاً بتدبر وإخلاص ، ولا يتأتى كمال ذلك ، إلا مع خفض الصوت ،
قال: ((ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا
٣٦١

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٦٩ - حديث أبي محذورة
الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، أشهد أن محمداً رسول الله)).
٠
فهذا هو الترجيع الذي ذهب جمهور العلماء إلى أنه مشروع ؛ لهذا الحديث
الصحيح ، وهو زيادة على حديث عبد الله بن زيد ، وزيادة العدل مقبولة .
وإلى عدم القول به ذهب الهادي وأبو حنيفة ، وآخرون ؛ عملاً منهم بحديث
عبد الله بن زيد الذي تقدم (أخرجه مسلم ، ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين
فقط): لا كما ذكره عبد الله بن زيد آنفاً، وبهذه الرواية عملت الهادوية ،
ومالك ، وغيرهم(١) (ورواه): أيْ: حديث أبي محذورة هذا (الخمسة): هم أهل
((السنن)) الأربعة، وأحمد (فذكروه): أيْ: التكبير في أول الأذان (مربعاً)(٢):
کروایات حدیث عبد الله بن زید .
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): التكبير أربع مرات في أول الأذان محفوظ
من رواية الثقات ، من حديث أبي محذورة ، ومن حديث عبد الله بن زيد ، وهي
زيادة يجب قبولها .
(١) قلت : لكنها رواية شاذة؛ كما سيأتي من الماتن والشارح . وقد أوضحت ذلك في
((صحيح أبي داود)) (٥١٧) .
(٢) قلت: وكذلك رواه أبو عوانة في ((صحيحه)) (٣٣٠/١ -٣٣١) ، وزاد أبو داود وغيره
بسند مسلم :
((والإقامة : الله أكبر الله أكبر ... )).
قلت : فذكرها مثل الأذان مربعاً، وزيادة: ((قد قامت الصلاة مرتين)).
وكذلك رواه ابن حبان في «صحيحه» (٢٨٨)، وزاد في أوله: علمني الأذان تسع عشرة
كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة .
٣٦٢

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٠ - حديث أنس
واعلم أن ابن تيمية في ((المنتقى)) نسب التربيع في حديث أبي محذورة إلى رواية
مسلم ، والمصنف لم ينسبه إليه ؛ بل نسبه إلى رواية الخمسة ، فراجعت ((صحيح
مسلم) و((شرحه))، فقال النووي : إن أكثر أصوله فيها التكبير مرتين في أوله.
وقال القاضي عياض : إن في بعض طرق الفارسي لــ ((صحيح مسلم)): ذكر
التكبير أربع مرات في أوله ، وبه تعرف أن المصنف اعتبر أكثر الروايات ، وابن
تيمية اعتمد بعض طرقه ؛ فلا يتوهم المنافاة بين كلام المصنف ، وابن تيمية .
١٧٠ - وعن أنس رضي الله عنه قال: أُمِرَ بلالٌ أن يشْفع الأذان شَفْعاً،
ويوترَ الإقامةَ ، إلا الإقامةَ - يَعْني: قدْ قامتِ الصَّلاة -. متّفقٌ عليه ، ولم يذكر
مُسلمٌ الاستثناء .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: أُمر) : بضم الهمزة مبني لما لم يسم، بني
كذلك؛ للعلم بالفاعل؛ فإنه لا يأمر في الأصول الشرعية إلا النَّبِيّ ◌َ ◌ّهُ؛ ويدل
له الحديث الآتي قريباً (بلالٌ): نائب الفاعل (أنْ يشْفع): بفتح أوله (الأذان) :
يأتي بكلماته (شفعاً) : أي : مثنى مثنى، أو أربعاً أربعاً؛ فالكل يصدق عليه أنه
شفع ، وهذا إجمال ، بينه حديث عبد الله بن زيد ، وأبي محذورة ، فشفع
التكبير أن يأتي به أربعاً أربعاً؛ وشفع غيره أن يأتي به مرتين مرتين ، وهذا بالنظر
إلى الأكثر، وإلا ؛ فإن كلمة التهليل في آخره مرة واحدة اتفاقاً (ويوتر الإقامة) :
يفرد ألفاظها (إلا الإقامة) : بين المراد بها بقوله (يعني: قد قامت الصلاة):
فإنه يشرع أن يأتي بها مرتين ، ولا يوترها (متفق عليه ، ولم يذكر مسلم
الاستثناء) : أعني قوله : إلا الإقامة .
٣٦٣

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧١ - حديث أنس
فاختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال :
الأول : للهادوية ، فقالوا : تشرع تثنية ألفاظ الإقامة كلها ؛ لحديث : إن بلالاً
كان يثني الأذان والإقامة . رواه عبد الرزاق، والدارقطني، والطحاوي(١)، إلا أنه
قد ادعى فيه الحاكم الانقطاع ، وله طرق فيها ضعف .
وبالجملة لا تعارض رواية التربيع في التكبير رواية الإفراد في الإقامة ؛
لصحتها ؛ فلا يقال : إن التثنية في ألفاظ الإقامة زيادة عدل ، فيجب قبولها ؛
لأنك قد عرفت أنها لم تصح (٢) .
والثاني : لمالك ، فقال : تفرد ألفاظ الإقامة حتى : قد قامت الصلاة .
والثالث : للجمهور؛ أنها تفرد ألفاظها ، إلا قد قامت الصلاة ، فتكرر؛ عملاً
بالأحاديث الثابتة بذلك .
١٧١ - والنسائي: أمَرَ النَّبِيُّ ◌َ ﴿ه بلالاً.
(وللنسائي): أيْ: عن أنس (أمر): بالبناء للفاعل، وهو (النَّبيّ ◌َيه
بلالاً): وإنما أتى به المصنف ؛ ليفيد أن الحديث الأول المتفق عليه مرفوع ؛ وإن
ورد بصيغة البناء للمجهول ؛ قال الخطابي : إسناد تثنية الأذان ، وإفراد الإقامة
(١) (٨٠/١).
(٢) قلت : لكن جاء التربيع في الإقامة من طريق أخرى من حديث أبي محذورة ؛ لم
يتعرض الشارح لذكرها ! وقد أشرنا إلى هذه الرواية في الحديث الذي قبله .
والحق أن التربيع والتثنية في الإقامة كلاهما مشروع ، ولا تعارض بينهما ؛ بل كل سنة ؛
كما سيأتي في ((الشرح)) عن بعض المتأخرين .
٣٦٤

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٢ - حديث أبي جحيفة
أصحها - أي: الروايات - وعليه أكثر علماء الأمصار، وجرى العمل به في
الحرمين ، والحجاز، والشام، واليمن ، وديار مصر ، ونواحي الغرب ، إلى أقصى
حجر من بلاد الإسلام ، ثم عد من قاله من الأئمة .
قلت : وكأنه أراد باليمن من كان فيها شافعي المذهب ، وإلا ؛ فقد عرفت مذهب
الهادوية(١) وهم سكان غالب اليمن ، وما أحسن ما قاله بعض المتأخرين ، وقد
ذكر الخلاف في ألفاظ الأذان ؛ هل هو مثنى ، أو أربع؟ - أي : التكبير في أوله .
وهل فيه ترجيع الشهادتين ، أو لا؟ والخلاف في الإقامة ، ما لفظه :
هذه المسألة من غرائب الواقعات ، يقلّ نظيرها في الشريعة ؛ بل وفي
العادات ، وذلك أن هذه الألفاظ في الأذان والإقامة قليلة محصورة معينة ، يصاح
بها في كل يوم وليلة خمس مرات ، في أعلى مكان ، وقد أمر كل سامع أن يقول
كما يقول المؤذن ، وهم خير القرون في غرة الإسلام ، شديدو المحافظة على
الفضائل ، مع هذا كله ، لم يذكر خوض الصحابة ، ولا التابعين ، واختلافهم فيها ،
ثم جاء الخلاف الشديد في المتأخرين ، ثم كل من المتفرقين أدلى بشيء صالح في
الجملة ، وإن تفاوت ، وليس بين الروايات تناف ؛ لعدم المانع من أن يكون كل
سنة ، كما نقوله ، وقد قيل في أمثاله ، كألفاظ التشهد ، وصورة صلاة الخوف .
١٧٢ - وعن أبي جُحيفة قال: رأيْتُ بلالاً يؤذن ، وأَتَتَبَعُ فَاه ههنا وهَهُنا،
وإصْبَعاهُ في أُذنيْه . رواهُ أحمدُ والترمذي ، وصححهُ .
ولابن ماجَهْ : وجعَلَ إصبَعَيْهِ في أُذُنیه .
(١) يعني: ما ذكره في الصفحة السابقة أنهم قالوا : تشرع تثنية ألفاظ الإقامة كلها .
٣٦٥

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٢ - حديث أبي جحيفة
ولأبي داود : لَوى عُنُقَهُ ، لما بلغ: حيَّ على الصلاة ، يميناً وشمالاً ، ولم
يستدرْ، وأصْلُه في ((الصَّحيحين)).
(وعن أبي جُحَيفة) : بضم الجيم وفتح الحاء المهملة فمثناة تحتية ساكنة
ففاء ، هو وهب بن عبد الله ، وقيل : ابن مسلم السوائي ؛ بضم السين المهملة
وتخفيف الواو وهمزة بعد الألف ، العامري ، نزل الكوفة ، وكان من صغار
الصحابة، توفي رسول الله عَ ليه، ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه ، جعله عليّ
على بيت المال ، وشهد معه المشاهد كلها ، توفي بالكوفة سنة أربع وسبعين .
(قال: رأيت بلالاً يُؤذّن ، وأتتبع فاه) : أيْ: أنظر إلى فيه متتبعاً (ههنا):
أيْ: يمنة (وههنا) : أيْ: يسرة (وإصبعاه) : أيْ : إبهاماه، ولم يرد تعيين
الإصبعين ، وقال النووي : هما المسبحتان (في أذنيه . رواه أحمد والترمذي ،
وصححه ، ولابن ماجه) : أيْ : من حديث أبي جحيفة أيضاً (وجعل إصبعيه
في أذنيه ، ولأبي داود): من حديثه أيضاً (لوى عُنُقه، لما بلغ: حيَّ على
الصلاة ، يميناً وشمالاً) : هو بيان لقوله : ههنا وههنا (ولم يستدر) : بجملة بدنه
(وأصله في ((الصحيحين))) .
الحديث دل على آداب للمؤذن وهي : الالتفات إلى جهة اليمين ، وإلى جهة
الشمال ، وقد بين محل ذلك لفظ أبي داود حيث قال : لوى عنقه لما بلغ : حي
على الصلاة . وأصرح منه حديث مسلم بلفظ: ((فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا ، يميناً
وشمالاً ، يقول: حي على الصلاة ، حي على الفلاح)). ففيه بيان أن الالتفات
عند الحيعلتين ، وبوَّب عليه ابن خزيمة بقوله : انحراف المؤذن عند قوله : حيَّ على
٣٦٦

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٣، ١٧٤ - حديثا أبي محذورة وجابر بن سمرة
الصلاة ، حيَّ على الفلاح بفمه ، لا ببدنه كله . قال : وإنما يمكن الانحراف بالفم
بانحراف الوجه ، ثم ساق من طريق وكيع : فجعل يقول في أذانه هكذا ؛ وحرف
رأسه يميناً وشمالاً . وأمّا رواية أن بلالاً استدار في أذانه ، فليست بصحيحة ،
وكذلك رواية أنه { * أمره أن يجعل إصبعيه في أذنيه، رواية ضعيفة(١)، وعن
أحمد بن حنبل : لا يدور؛ إلا إذا كان على منارة قصداً لإسماع أهل الجهتين .
وذكر العلماء أن فائدة التفاته أمران :
أحدهما : أنه أرفع لصوته .
وثانيهما : أنه علامة للمؤذن ؛ ليعرف من يراه على بعد ، أو من كان به صمم
أنه يؤذن ، وهذا في الأذان ، وأمّا الإقامة ، فقال الترمذي : إنه استحسنه الأوزاعي .
١٧٣ - وعن أبي مَحْذورة رضي الله عنه: أنَّ النَّبِي ◌َ ﴿ أعجبهُ صَوْتُهُ،
فَعَلَّمَهُ الأذان . رواه ابنُ خُزيمة .
(وعن أبي مَحْذورة رضي الله عنه: أنَّ النَّبي ◌َّ﴿ أعجبهُ صَوْتُهُ، فَعَلّمهُ
الأذان . رواه ابنُ خُزيمة): وصححه، وقد قدمنا القصة، واستحسانه عَ ليه
لصوته ، وأمره له بالأذان بمكة .
وفيه دلالة على أنه يستحب أن يكون صوت المؤذن حسناً .
صَلى الله
١٧٤ - وعن جابر بن سَمُرةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَيْت مع رسول الله
العيدينِ ، غَيْرَ مرَّةٌ ، ولا مرّتين ، بغير أذان ، ولا إقامة . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(١) بيانه في ((الإرواء)) (٢٤٩/١) . لكن فيه أنه صح من فعل بلال ؛ فراجعه .
٣٦٧

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٥ - حديث ابن عباس
(وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : صليت مع رسول الله
العيديْن ، غير مرَّة ، ولا مرّتين): أي: بل مرات كثيرة (بغير أذان ، ولا إقامة) :
أيْ : حال كون الصلاة غير مصحوبة بأذان ، ولا إقامة (رواه مسلم) .
فيه دليل على أنه لا يشرع لصلاة العيدين أذان ، ولا إقامة ، وهو كالإجماع،
وقد روي خلاف هذا عن ابن الزبير ، ومعاوية ، وعمر بن عبد العزيز؛ قياساً
منهم للعيدين على الجمعة ، وهو قياس غير صحيح ؛ بل فعل ذلك بدعة ؛ إذْ لم
يؤثر عن الشارع ، ولا عن خلفائه الراشدين ، ويزيده تأكيداً قوله :
١٧٥ - ونَحْوه في المتفق عليه عن ابن عباس رضيَ الله عنهُ ، وغيره .
(ونحوه) : أيْ : نحو حديث جابر بن سمرة (في المتفق عليه) : أي : الذي اتفق
على إخراجه الشيخان (عن ابن عباس رضي الله عنه ، وغيره) : من الصحابة .
وأما القول بأنه يقال في العيد عوضاً عن الأذان : الصلاة جامعة ، فلم ترد به
سنة في صلاة العيدين، قال في ((الهدي النبوي)): وكان ◌َ إذا انتهى إلى
المصلى ، أخذ في الصلاة - أي : صلاة العيد - من غير أذان ، ولا إقامة ، ولا
قول : الصلاة جامعة . والسنة أن لا يُفعل شيء من ذلك .
وبه يعرف أن قوله في ((الشرح)): ويستحب في الدعاء إلى الصلاة في
العيدين ، وغيرهما ، مما لا يشرع فيه أذان ، كالجنازة : الصلاة جامعة ؛ غير
صحيح؛ إذْ لا دليل على الاستحباب، ولو كان مستحباً لما تركه عي له، والخلفاء
الراشدون من بعده .
نعم ، ثبت ذلك في صلاة الكسوف لا غير ، ولا يصح فيه القياس ؛ لأن ما
٣٦٨

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٦، ١٧٧ - حديثا أبي قتادة وجابر
وجد سببه في عصره ، ولم يفعله ، ففعله بعد عصره بدعة ؛ فلا يصح إثباته
بقياس ، ولا غيره .
١٧٦ - وعن أبي قَتَادة - في الحديث الطويل، في نوْمهم عن الصَّلاة -:
ثم أَذَّن بلالٌ ، فصلى النّبي ◌ِ﴿، كما كان يصْنعُ كلَّ يوم . رواه مسلم .
(وعن أبي قتادة - في الحديث الطويل ، في نومهم عن الصلاة -) : أيْ :
عن صلاة الفجر ، وكان عند قفولهم من غزوة خيبر ، قال ابن عبد البر: هو
الصحيح (ثم أذَّن بلالٌ): أي: بأمره تَ ◌ٍ، كما في ((سنن أبي داود)»: ثم أمر
بلالاً أن ينادي بالصلاة فنادى بها (فصلى النبي ﴿ ، كما كان يصنَع كُلَّ
يوم . رواه مسلم) .
فيه دلالة على شرعية التأذين للصلاة الفائتة بنوم ، ويلحق بها المنسية ؛
لأنه ◌َ﴿ جمعهما في الحكم؛ حيث قال: ((من نام عن صلاته، أو نسيها))،
الحديث ، وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة: أنه ◌َ ةٍ أمر بلالاً بالإقامة،
ولم يذكر الأذان، وبأنه عَ ه لما فاتته الصلاة يوم الخندق ، أمر لها بالإقامة ، ولم
يذكر الأذان ، كما في حديث أبي سعيد عند الشافعي ، وهذه لا تعارض رواية
أبي قتادة ؛ لأنه مثبت ، وخبر أبي هريرة ، وأبي سعيد ليس فيهما ذكر الأذان
بنفي ، ولا إثبات؛ فلا معارضة ؛ إذْ عدم الذكر لا يعارض الذكر .
١٧٧ - ولهُ عن جابر: أنَّ النَّبيّ ◌َ﴿ أتى المزدلفةَ فصلى بها المغرب
والعشَاءَ ، بأذان واحد وإقامتين .
(وله): أيْ: لمسلم (عن جابر: أن النَّبِيّ ◌َ ﴿ أتى المزْدَلفة): أيْ: منصرفاً
٣٦٩

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٨ - حديث ابن عمر
من عرفات (فصلى بها المغرب والعشاء): جمع بينهما (بأذان واحد وإقامتين) :
وقد روى البخاري من حديث ابن مسعود : أنه صلى - أي: بالمزدلفة - المغرب
يفعله .
بأذان ، وإقامة ، والعشاء بأذان ، وإقامة ، وقال : رأيت رسول الله
ويعارضهما معاً قوله :
١٧٨ - ولهُ عن ابن عمرَ رضي الله عنهُ: جمعَ النَّبِيّ :﴿ بَيْنَ المغربِ
والعشاء بإقامة واحدة ، وزاد أبو داود: لكل صلاة ، وفي رواية لهُ: ولم يُناد
في واحدة منهُما .
(وله): أيْ: لمسلم (عن ابن عمر رضي الله عنه: جمع النَّبِيّ ◌َُّ بين
المغرب والعشاء بإقامة واحدة): وظاهره: أنه لا أذان فيهما ، وهو صريح في
((مسلم)) : أن ذلك بالمزدلفة ؛ فإن فيه : قال سعيد بن جبير : أفضنا مع ابن عمر ،
حتّى أتينا جَمْعاً - أي : المزدلفة ؛ فإنه اسم لها ، وهو بفتح الجيم وسكون الميم -،
فصلى بها المغرب والعشاء بإقامة واحدة ، ثم انصرف وقال : هكذا صلى بنا
رسول الله في هذا المكان .
وقد دل على أنه لا أذان بهما ، وأنه لا إقامة إلا واحدة للصلاتین ، وقد دل
قوله (وزاد أبو داود) : أيْ: من حديث ابن عمر (لكل صلاة) : أي : أنه أقام
لكل صلاة ؛ لأنه زاد بعد قوله بإقامة واحدة : لكل صلاة ؛ فدل على أن لكل
صلاة إقامة ، فرواية مسلم تقيد برواية أبي داود هذه .
(وفي رواية له): أيْ: لأبي داود عن ابن عمر (ولم يناد في واحدة منهما) :
وهو صريح في نفي الأذان ، وقد تعارضت هذه الروايات ، فجابر أثبت أذاناً واحداً ،
٣٧٠

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٩ - حديث ابن عمر وعائشة
وإقامتين ، وابن عمر نفى الأذان ، وأثبت الإقامتين ؛ وحديث ابن مسعود الذي
ذكرناه أثبت الأذانين ، والإقامتين ؛ فإن قلنا : المثبت مقدم على النافي ؛ عملنا
بخبر ابن مسعود . والشارح رحمهُ الله قال : يقدم خبر جابر ؛ أي : لأنه مثبت
للأذان على خبر ابن عمر ؛ لأنه ناف له ، ولكن نقول : بل نقدم خبر ابن
مسعود ؛ لأنه أكثر إثباتاً .
١٧٩ - وعن ابْن عمرَ وعائشةَ رضي الله عنهما قالا : قالَ رسولُ الله
:
((إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليْلِ، فَكُلُوا واشْرَبوا ، حتّى ينادي ابنُ أُمَّ مَكْتوم)) ، وكان
رجلاً أعمى لا يُنادي، حتّى يقال له: أصبحْتَ، أَصْبحتَ . متفقٌ عليه،
وفي آخره إدراجٌ .
(وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله عَزاله: ((إنَّ
بلالاً يؤذن بليل) : قد بينت رواية البخاري أن المراد به قبيل الفجر ؛ فإن
فيها: ولم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا ، وينزل ذا . وعند الطحاوي بلفظ : إلا
أن يصعد هذا وينزل هذا (فكلوا واشربوا ، حتّى ينادي ابن أمِّ مَكْتُوم))) !:
واسمه عمرو (وكان): أي: ابن أم مكتوم (رجلاً أعمى لا ينادي ، حتّى
يقال له: أصبحت أصبحت): أيْ: دخلت في الصباح (متفق عليه . وفي
آخره إدراج): أيْ: كلام ليس من كلامه {َ﴿﴿ ، يريد به قوله : وكان رجلاً
أعمى إلى آخره ، ولفظ البخاري هكذا: قال : وكان رجلاً أعمى ، بزيادة لفظ :
قال، وبَيَّن الشارح فاعل قال أنه ابن عمر ، وقيل : الزهري ، فهو كلام مدرج
من كلام أحد الرجلين .
٣٧١

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٧٩ - حديث ابن عمر وعائشة
وفي الحديث : شرعية الأذان قبل الفجر، لا لما شرع له الأذان ؛ فإن الأذان
شرع - كما سلف - ؛ للإعلام بدخول الوقت ، ولدعاء السامعين لحضور الصلاة .
وهذا الأذان الذي قبل الفجر، قد أخبر تَ له بوجه شرعيته بقوله: ((ليوقظ
نائمكم ، ويرجع قائمكم)) . رواه الجماعة إلا الترمذي . والقائم هو الذي يصلي
صلاة الليل ، ورجوعه عوده إلى نومه ، أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان ؛
فليس للإعلام بدخول وقت ، ولا لحضور الصلاة ، وإنما هو كالتسبيحة الأخيرة
التي تفعل في هذه الأعصار، غايته أنه كان بألفاظ الأذان ، وهو مثل النداء
الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة لصلاتها ؛ فإنه كان يأمر بالنداء لها في محل
يقال له : الزوراء ؛ ليجتمع الناس للصلاة ، وكان ينادي لها بألفاظ الأذان
المشروع، ثم جعله الناس من بعده تسبيحاً بالآية، والصلاة على النَّبِيّ مَ ﴿،
فذكر الخلاف في المسألة ، والاستدلال للمانع والمجيز، لا يلتفت إليه من همه
العمل بما ثبت .
وفي قوله: ((كلوا واشربوا))؛ أي: أيها المريدون للصيام ((حتى يؤذن ابن أم
مكتوم)) ، ما يدل على إباحة ذلك إلى أذانه .
وفي قوله : إنه كان لا يؤذن - أي : ابن أم مكتوم - حتى يقال له : أصبحت
أصبحت ، ما يدل على جواز الأكل والشرب بعد دخول الفجر .
وقال به جماعة ، ومن منع من ذلك قال : معنى قوله : أصبحت أصبحت ؛
قاربت الصباح ، وأنهم يقولون له ذلك عند آخر جزء من أجزاء الليل ، وأذانه يقع
في أول جزء من طلوع الفجر .
٣٧٢

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨٠ - حديث ابن عمر
وفي الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد ، ويؤذن واحد
بعد واحد ، وأمّا أذان اثنين معاً ، فمنعه قوم ، وقالوا : أول من أحدثه بنو أمية ،
وقيل : لا يكره ، إلا أن يحصل بذلك تشويش ، قلت : وفي هذا المأخذ نظر؛ لأن
بلالاً لم يكن يؤذن للفريضة ؛ كما عرفت ؛ بل المؤذن لها واحد ؛ هو ابن أم مكتوم .
واستدل بالحديث على جواز تقليد المؤذن الأعمى ، والبصير ، وعلى جواز
تقليد الواحد ، وعلى جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر؛ إذ الأصل
بقاء الليل ، وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا عرفه ، وإن لم
يشاهد الراوي ، وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة ، إذا كان القصد
التعريف به ونحوه ، وجواز نسبته إلى أمه إذا اشتهر بذلك .
١٨٠ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أن بلالاً أذَّن قَبْلِ الفَجْر، فأمَرَهُ
النَّبِيّ ◌َ﴿ِ أن يرجعَ، فيُناديَ: ((ألا إنَّ العَبْدَ نامَ)). رواهُ أبو داودَ ، وضعّفه.
(وعن ابنِ عُمَر - رضي الله عنهُمَا -: أن بلالاً أذَّن قَبْلِ الفَجْر، فأمَرَهُ النَّبيّ
﴿ أن يرجعَ، فيُناديَ: ((ألا إنَّ العَبْدَ نامَ)). رواه أبو داودَ، وضعّفه(١)):
فإنه قال عقب إخراجه : هذا حديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة (٢).
(١) وقد تكلم عليه المؤلف في ((الفتح)) (٨٢/٢)، وذكر له طرقاً .
(٢) لكن دعوى تفرد حماد به عن أيوب خطأ! ثم إن له طرقاً أخرى وشواهد ، يدل مجموعها
على أن للحديث أصلاً .
وإليه مال المصنف في ((الفتح)) (٨١/٢). وقد فصلت القول في ذلك في ((صحيح أبي داود))
(٥٤٢) .
٣٧٣

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨١ - حديث أبي سعيد الخدري
وقال المنذري : قال الترمذي : هذا حديث غير محفوظ .
وقال علي بن المديني : حديث حماد بن سلمة هو غير محفوظ ، وأخطأ فيه
حماد بن سلمة .
وقد استدل به من قال : لا يشرع الأذان قبل الفجر ، ولا يخفى أنه لا يقاوم
الحديث الذي اتفق عليه الشيخان ، ولو ثبت أنه صحيح لتؤول على أنه قبل
شرعية الأذان الأول ؛ فإنه كان بلال هو المؤذن الأول، الذي أمر ◌َ ﴿﴿ عبد الله بن
زيد أن يلقي عليه ألفاظ الأذان ، ثم اتخذ ابن أم مكتوم بعد ذلك مؤذناً مع
بلال ؛ فكان بلال يؤذن الأذان الأول؛ لما ذكره # من فائدة أذانه ، ثم إذا طلع
الفجر أذن ابن أم مكتوم .
١٨١٠ - وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله
:
((إذا سمعتُم النِّداءَ فقولوا مثْل ما يقُولُ المؤذِّنُ)). متفَقٌ عليه .
(وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ميزانية: ((إذا
سمعتُم النِّداءَ فقولوا مِثْل ما يقُولُ المؤذِّنُ)). متفَقٌ عليه).
فيه شرعية القول لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول على أي حال كان من
طهارة ، وغيرها ، ولو جنباً ، أو حائضاً ، إلا حال الجماع ، وحال التخلي ؛ لكراهة
الذکر فيهما .
وأمّا إذا كان السامع في حال الصلاة ، ففيه أقوال : الأقرب : أنه يؤخر
الإجابة إلى ما بعد خروجه منها ، والأمر يدل على الوجوب على السامع ، لا
على من رآه فوق المنارة ، ولم يسمعه ، أو كان أصم .
٣٧٤

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨١ - حديث أبي سعيد الخدري
وقد اختلف في وجوب الإجابة ، فقال به الحنفية ، وأهل الظاهر ، وآخرون .
وقال الجمهور: لا يجب، واستدلوا بأنه ◌َ الية سمع مؤذناً، فلما كبر قال :
((على الفطرة))، فلما تشهد قال: ((خرجت من النار)). أخرجه مسلم ، قالوا:
﴿ كما قال المؤذن ، فلما لم يقل ؛ دل على أن
فلو كانت الإجابة واجبة ، لقال
الأمر في حديث أبي سعيد للاستحباب ، وتعقب بأنه ليس في كلام الراوي ما
يدل على أنه ◌َةٍ لم يقل كما قال، فيجوز أنه عَ * قال مثل قوله ، ولم ينقله
الراوي ؛ اكتفاء بالعادة ، ونقل الزائد ، وقوله: ((مثل ما يقول))، يدل على أنه
يتبع كل كلمة يسمعها ، فيقول مثلها .
وقد روت أم سلمة: أنه ﴿ كان يقول كما يقول المؤذن ، حتّى يسكت .
أخرجه النسائي ، فلو لم يجاوبه ، حتّى فرغ من الأذان ، استحب له التدارك إن
لم يطل الفصل .
وظاهر قوله: ((في النداء))، أنه يجيب كل مؤذن أذَّن بعد الأول ، وإجابة
الأول أفضل ، قال في ((الشرح)): إلا في الفجر ، والجمعة ، فهما سواء ؛ لأنهما
مشروعان ، قلت : يريد الأذان قبل الفجر ، والأذان قبل حضور الجمعة ، ولا
يخفى أن الذي قبل الفجر قد صحت مشروعيته، وسماه النَّبيّ ◌َ ﴿ أذاناً في
قوله : ((إن بلالاً یؤذن بلیل» ، فيدخل تحت حديث أبي سعيد .
وأمّا الأذان قبل الجمعة، فهو محدث بعد وفاته تَيه، ولا يسمى أذاناً شرعياً ،
وليس المراد من المماثلة أن يرفع صوته كالمؤذن ؛ لأن رفعه لصوته ؛ القصد الإعلام،
بخلاف المجيب ، ولا يكفي إمراره الإجابة على خاطره ؛ فإنه ليس بقول .
٣٧٥

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨٢، ١٨٣ - حديثا معاوية وعمر
وظاهر حديث أبي سعيد ، والحديث الآتي ، وهو :
١٨٢ - وللبخاري عنْ معاوية رضي الله عنه مثْلُهُ.
(وللبخاري عنْ معاوية رضي الله عنه مِثْلُهُ) : أي : مثل حديث أبي سعيد
أن السامع يقول كقول المؤذن في جميع ألفاظه ، إلا في الحيعلتين ، فيقول ما
أفاده قوله :
١٨٣ - ولمسْلم عن عُمرَ رضي الله عنه في فَضْل القوْل كما يقولُ المؤذِّنُ
كلمةً كلمةً ، سوىَّ الحَيْعلَتين ، فيقولُ: لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله .
(ولمسلم عن عمر رضي الله عنه في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة
كلمة ، سوى الحيعلتين) : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ؛ فإنه يخصص ما
قبله (فيقول) : أي : السامع (لا حول ولا قوة إلا بالله) : عند كل واحدة منهما .
وهذا المتن هو الذي رواه معاوية؛ كما في ((البخاري))؛ وعمر؛ كما في
((مسلم))، وإنما اختصر المصنف فقال : وللبخاري عن معاوية ؛ أي : القول كما
يقول المؤذن إلى آخر ما ساقه في رواية مسلم عن عمر .
إذا عرفت هذا؛ فيقولها أربع مرات؛ ولفظه عند مسلم: ((إذا قال المؤذن :
الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر))، إلى أن قال: ((فإذا
قال : حيَّ على الصلاة ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حيَّ على
الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ فيحتمل أنه يريد إذا قال: حيَّ على
الصلاة؛ حوقل ، وإذا قالها ثانياً؛ حوقل ، ومثله : حيَّ على الفلاح، فيكن
أربعاً ، ويحتمل أنها تكفي حوقلة واحدة عند الأولى من الحيعلتين .
٣٧٦

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨٣ - حديث عمر
وقد أخرج النسائي ، وابن خزيمة حديث معاوية ، وفيه يقول ذلك ، وقول
المصنف : في فضل القول ؛ لأن آخر الحديث أنه قال: ((إذا قال السامع ذلك من
قلبه ؛ دخل الجنة)) ، والمصنف لم يأت بلفظ الحديث ؛ بل بمعناه .
هذا؛ والحول : هو الحركة ؛ أي : لا حركة ، ولا استطاعة إلا بمشيئة الله .
وقيل : لا حول في دفع شر ، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله . وقيل : لا حول
عن معصية الله إلا بعصمته ، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته ، وحكي هذا عن
ابن مسعود مرفوعاً .
واعلم أن هذا الحديث مقيد لإطلاق حديث أبي سعيد الذي فيه: ((فقولوا
مثل ما يقول))؛ أي : فيما عدا الحيعلة ، وقيل : يجمع السامع بين الحيعلة
والحوقلة ؛ عملاً بالحديثين ، والأول أولى ؛ لأنه تخصيص للحديث العام ، أو
تقييد لمطلقه ؛ ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة من السامع بالحوقلة ؛ فإنه لما
دعي إلى ما فيه الفوز، والفلاح ، والنجاة ، وإصابة الخير ، ناسب أن يقول : هذا
أمر عظيم ، لا أستطيع مع ضعفي القيام به ، إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته ، ولأن
ألفاظ الأذان ذكر الله ، فناسب أن يجيب بها ؛ إذْ هو ذكر له تعالى .
وأمّا الحيعلة ؛ فإنَّما هي دعاء إلى الصلاة ، والذي يدعو إليها هو المؤذن ، وأمّا
السامع ؛ فإنَّما عليه الامتثال والإقبال على ما دعي إليه ، وإجابته في ذكر الله لا
فيما عداه .
والعمل بالحديثين ؛ كما ذكرنا هو الطريقة المعروفة في حمل المطلق على المقيد،
أو تقديم الخاص على العام، فهي أولى بالاتباع ، وهل يجيب عند الترجيع ، أو لا
٣٧٧

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١ - حديث عثمان بن أبي العاص
يجيب؟ وعند التثويب؟ فيه خلاف ، وقيل : يقول في جواب التثويب : صدقت
وبررت ، وهذا استحسان من قائله ؛ وإلا ؛ فليس فيه سنة تعتمد .
فائدة(١): أخرج أبو داود عن بعض أصحاب النَّبِيّ ◌َ *1: أن بلالاً أخذ في
الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النَّبِيّ ◌َةِ: ((أقامها الله وأدامها))،
وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في الأذان ؛ يريد بحديث عمر ما ذكره
المصنف، وسقناه في ((الشرح))؛ من متابعة المقيم في ألفاظ الإقامة كلها .
١٨٤ - وعن عُثمانَ بن أبي العاص رضي الله عنه: أنه قال: يا رسول الله،
اجْعَلني إمام قَوْمي ، فقال: ((أَنْتَ إمامُهُمْ، واقْتدٍ بأَضعفهمْ، واتّخِذْ مُؤذِّناً لا
يأخذُ على أَذانه أجراً)). أخرجه الخمسة، وحسنهُ الترمذيُّ، وصحّحُهُ الحاكِمُ .
(وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه): هو أبو عبد الله عثمان بن
أبي العاص بن بشر الثقفي، استعمله النَّبيّ :﴿﴿ على الطائف ، فلم يزل عليها
مدة حياته # ** ، وخلافة أبي بكر وسنين من خلافة عمر، ثم عزله ، وولاه
عُمان، والبحرين، وكان من الوافدين عليه { 18 في وفد ثقيف ، وكان أصغرهم
عزمت ثقيف على الردة ،
سناً ، له سبع وعشرون سنة ، ولما توفي رسول الله
فقال لهم : يا ثقيف كنتم آخر الناس إسلاماً ؛ فلا تكونوا أولهم ردة ، فامتنعوا من
الردة ، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين (أنه قال : يا رسول الله ! اجعلني إمام
(١) قلت : بل الفائدة أن تعلم أن الحديث ضعيف لا يصح ؛ فيه ثلاث علل : ضعف محمد
ابن ثابت - وهو العبدي - عن رجل - لم يُسَمَّ - عن شهر بن حوشب - وهو سيّئ الحفظ ..
ومن طريق أبي داود: رواه البيهقي (٤١١/١) ؛ فاعلم ذلك؛ فإن الشارح سيعيد الحديث
معزوّاً للبيهقي في آخر الباب (ص ٣٨٨) !
٣٧٨

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨٥ - حديث مالك بن الحويرث
قومي ، فقال : ((أنت إمامُهُم، واقْتِد بأَضْعفهم) : أي : اجعل أضعفهم بمرض ،
أو زمانة ، أو نحوهما قدوة لك، تصلي بصلاته ؛ تخفيفاً (واتخذ مُؤَذِّناً لا يأخذُ
على أذانه أجْراً)). أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم) .
الحديث يدل على جواز طلب الإمامة في الخير، وقد ورد في أدعية عباد
الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف أنهم يقولون : ﴿واجعلنا للمتقين
إماماً﴾ [الفرقان: ٧٤]، وليس من طلب الرياسة المكروهة ؛ فإن ذلك فيما يتعلق
برياسة الدنيا ، التي لا يعان من طلبها ، ولا يستحق أن يعطاها ؛ كما يأتي بيانه .
وأنه يجب على إمام الصلاة أن يلاحظ حال المصلين خلفه ، فيجعل
أضعفهم كأنه المقتدى به ، فيخفف لأجله - ويأتي في أبواب الإمامة في الصلاة
تخفيفه -، وأنه يتخذ المتبوع مؤذناً؛ ليجمع الناس للصلاة ، وأن من صفة المؤذن
المأمور باتخاذه ألا يأخذ على أذانه أجراً - أي: أجرة -، وهو دليل على أن من
أخذ على أذانه أجراً ليس مأموراً باتخاذه ، وهل يجوز له أخذ الأجرة؟ فذهب
الشافعية إلى جواز أخذه الأجرة مع الكراهة ، وذهبت الهادوية ، والحنفية إلى
أنها تحرم عليه الأجرة ؛ لهذا الحديث .
قلت: ولا يخفى أنه لا يدل على التحريم ، وقيل : يجوز أخذها على التأذين
في محل مخصوص ؛ إذْ ليست على الأذان حينئذ ؛ بل على ملازمة المكان ،
كأجرة الرصد .
١٨٥ - وعن مالك بن الحُوَيْرثِ قالَ: قَالَ لنَا النّبِيُّ ◌َةِ: ((إذا حضَرَت
الصلاةُ ؛ فَلْيُؤذن لكم أحَدُكم)» ، الحديث . أخرجَهُ السبعةُ .
(وعن مالك بن الحويرث) : بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون المثناة
٣٧٩

٢ - كتاب الصلاة
٢ - باب الأذان
١٨٦ - حديث جابر
التحتية وكسر الراء وثاء مثلثة ؛ هو أبو سليمان مالك بن الحويرث الليثي ، وفد
على النَّبِيّ ◌َ له، وأقام عنده عشرين ليلة، وسكن البصرة، ومات سنة أربع
وتسعين بها (قال: قال لنا النَّبِيّ ◌ِ: ((إذا حضرت الصَّلاة؛ فليُؤذنْ لِكُمْ
أحدُكُمْ)) ، الحديث . أخرجه السبعة) .
هو مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري بألفاظ : أحدها : قال مالك :
أتيت النَّبِيّ ◌َ﴿ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رحيماً
رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: ((ارجعوا فكونوا فيهم ، وعلِّموهم،
وصلوا ؛ فإذا حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم أحد کم ، ولیؤمکم أکبر کم)» ، زاد
في رواية : ((وصلوا كما رأيتموني أصلي))، فساق المصنف قطعة منه ، هي موضع
ما يريده من الدلالة على الحث على الأذان ، ودليل إيجابه الأمر به ، وفيه أنه لا
يشترط في المؤذن غير الإيمان ؛ لقوله: ((أحد كم)).
١٨٦ - وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسول الله عَةٍ قال لبلال: ((إذا
أَذِّنْتَ فترسّلْ ، وإذا أُقَمْت فاحْدُرْ، واجعل بين أذانك وإقامَتك مقدار ما يفْرُؤُ
الآكل مِنْ أكله))، الحديث . رواه الترمذيُّ وضَعّفهُ .
(وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله ◌َ ﴿ قال لبلال: ((إذا أذنت
فترسل): أيْ: رتل ألفاظه، ولا تعجل، وتسرع في سردها (وإذا أَقَّمْتَ فاحْدُر) :
بالحاء والدال المهملتين والدال مضمومة فراء ، والحدر: الإسراع (واجعل بين
أذانك وإقامتك مقْدارَ ما يفْرُُ الآكل منْ أكله))): أيْ: تمهل وقتاً يقدر فيه فراغ
الآكل من أكله (الحديث): بالنصب على أنه مفعول فعل محذوف ؛ أي : اقرأ
٣٨٠