النص المفهرس
صفحات 341-360
٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٤ - حديث أبي قتادة ثم أحاديث النهي عامة لكلِّ محلّ يُصلَّى فيه ، إلا أنه خصَّها بمكة قوله : = الإمام . وفي الحديث الصحيح: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، فيتطهر ما استطاع من طهر، ويدّهن من دهن ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام ؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) . رواه البخاري (في باب : لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة). فندبه إلى صلاة ما كتب له ، ولم يمنعه عنها إلا وقت خروج الإمام . ولهذا قال غير واحد من السلف؛ منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وتبعه عليه أحمد بن حنبل : خروج الإمام يمنع الصلاة ، وخطبته تمنع الكلام ، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار . وأيضاً : فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف ، ولا يشعرون بوقت الزوال ، والرجل يكون متشاغلاً بالصلاة لا يدري بوقت الزوال ، ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس وينظر إلى الشمس ويرجع ، ولا يشرع له ذلك ! وحديث أبي قتادة هذا ؛ قال أبو داود : هو مرسل ؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة . والمرسل إذا اتصل به عمل ، وعضده قياس ، أو قول صحابي ، أو كان مرسله معروفاً باختيار الشيوخ ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته ؛ عُمل به . وأيضاً ؛ فقد يعضده شواهد أخر؛ منها : ما ذكره الشافعي في كتابه فقال : روي عن إسحاق ابن عبدالله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة: أن النبي ﴿ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس؛ إلا يوم الجمعة. هكذا رواه في كتاب ((اختلاف الحديث)). ورواه في كتاب (الجمعة) : حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق . ورواه أبو خالد الأحمر عن شيخ من أهل المدينة ؛ يقال له : عبدالله بن سعيد المقبري عن أبي ٤. وقد رواه البيهقي في ((المعرفة)) (ثم ذكر نحو ما ذكره المصنف ، ثم قال) هريرة عن النبي قال البيهقي : ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة ؛ أحدثت بعض القوة . قال الشافعي : موجود في الأحاديث الصحيحة؛ وهو أن النبي ◌َ له رغَّب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء ؛ وذلك موافق لهذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة = ٣٤١ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٥ ۔ حدیث جبير بن مطعم : ((يا بني عَبْدِ ١٥٥ - وعن جُبير بن مُطْعم قال: قالَ رسول الله مناف ، لا تَمْنعُوا أحداً طافَ بهذاَ البَيْت وصلَّى ؛ أيّةَ ساعة شاءَ من لَيْل، أو نهار)) . رواه الخمسةُ ، وصححهُ الترمذي وابن حبّان . ء (وعن جبير) : بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية فراء (ابن مطعم) : بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة ، وهو أبو محمد جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي ، كنيته أبو أمية ، أسلم قبل الفتح ، ونزل المدينة ، ومات بها سنة أربع ، أو سبع ، أو تسع وخمسين ، وكان جبير عالماً بأنساب قريش ، قيل : إنه أخذ ذلك من أبي بكر . (قال: قال رسول الله عَ ليهِ: ((يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طافَ بهذا البيت وصلى ؛ أية ساعة شاء من ليل ، أو نهار)) . رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وابن حبان) : وأخرجه الشافعي ، وأحمد ، والدارقطني ، وابن خزيمة ، والحاكم من حديث جبير أيضاً ، وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس ، وأخرجه غيرهم . وهو دال على أنه لا يكره الطواف بالبيت ، ولا الصلاة فيه ، في أي ساعة من ساعات الليل والنهار ، وقد عارض ما سلف . فالجمهور عملوا بأحاديث النهي ؛ ترجيحاً لجانب الكراهة ، ولأن أحاديث نصف النهار يوم الجمعة . ورؤِّينا الرخصة في ذلك عن عطاء والحسن ومكحول)). انتهى = ببعض تلخيص . قلت: وهو قول الإمام أبي يوسف؛ وهو المصحح المعتمد في المذهب؛ كما في ((الأشباه والنظائر)). وفي ((الحاوي القدسي)): ((وعليه الفتوى)). كذا في ((الطحطاوي على المراقي)). ٣٤٢ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٦ - حديث ابن عمر النهي ثابتة في (الصحيحين)) وغيرهما ، وهي أرجح من غيرها . وذهب الشافعي وغيره إلى العمل بهذا الحديث؛ قالوا : لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة ، والمنوم عنها ، والنافلة التي تقضى ، فضعفوا جانب عمومها ، فتخصص أيضاً بهذا الحديث . ولا تكره النافلة بمكة في أي ساعة من الساعات . وليس هذا خاصاً بركعتي الطواف ؛ بل يعم كل نافلة لرواية ابن حبان في ((صحيحه)): ((يا بني عبد المطلب ، إن كان لكم من الأمر شيء ؛ فلا أعرفن أحداً منكم يمنع من يصلي عند البيت ؛ أي ساعة شاء من ليل ، أو نهار)). قال في ((النجم الوهاج)): وإذا قلنا بجواز النفل - يعني في المسجد الحرام في أوقات الكراهة -، فهل يختص ذلك بالمسجد الحرام ، أو يجوز في جميع بيوت حرم مكة؟ فيه وجهان ، والصواب : أنه يعم جميع الحرم . قالَ: ((الشّفقُ ١٥٦ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيّ الحُمْرةُ)). رواهُ الدارقطنيُّ، وصححهُ ابنُ خُزيمةَ ، وغيرُهُ وقَفَهُ على ابن عُمَرَ . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النَّبيّ ◌َ ﴿ُ قال: ((الشفقُ الحُمْرَةُ)). رواه الدارقطني ، وصححه ابن خزيمة(١)، وغيره وقفه على ابن عمر) . (١) في هذا نظر! فإن ابن خزيمة لم يخرج الحديث عن ابن عمر إطلاقاً؛ وإنما رواه عن عبدالله بن عمرو في أثناء حديثه المتقدم (رقم ١٣٩) بلفظ : إلى أن تذهب حمرة الشفق . ثم هو لم يصححه ؛ بل أشار إلى تضعيفه بقوله : ((إن صحت هذه اللفظة))؛ ذكره الحافظ نفسه في ((التلخيص)) (٦٥) . وإنما صح بلفظ: ((ثور الشفق)). وفي لفظ: ((نور الشفق)). ٣٤٣ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٦ - حديث ابن عمر وتمام الحديث: ((فإذا غاب الشفق ؛ وجبت الصلاة)). وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق)) . وقال البيهقي : روي هذا الحديث عن علي ، وعمر ، وابن عباس ، وعبادة بن الصامت ، وشداد بن أوس ، وأبي هريرة ، ولا يصح منها شيء. قلت : البحث لغوي ، والمرجع فيه إلى أهل اللغة ؛ وابن عمر من أهل اللغة وقُحّ العرب ، فكلامه حجة ، وإن كان موقوفاً عليه ، وفي ((القاموس)): الشفق ، محركة : الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء ، وإلى قريبها ، أو إلى قريب العتمة . اهـ . والشافعي يرى أن وقت المغرب عقيب غروب الشمس بما يتسع لخمس ركعات ، ومضى قدر الطهارة ، وستر العورة ، وأذان ، وإقامة لا غير، وحجته حديث جبريل: أنه صلى به ﴿ل المغرب في اليومين معاً؛ في وقت واحد عقيب غروب الشمس ؛ قال : فلو كان للمغرب وقت ممتد ؛ لأخَّره إليه ، كما أخر الظهر إلى مصير ظل الشيء مثله في اليوم الثاني . وأجيب عنه بأن حديث جبريل متقدم في أول فرض الصلاة بمكة اتفاقاً ، وأحاديث: إن آخر وقت المغرب الشفق متأخرة واقعة في المدينة أقوالاً وأفعالاً ، فالحكم لها ، وبأنها أصح إسناداً من حديث توقيت جبريل ، فهي مقدمة عند التعارض . وأما الجواب بأنها أقوال ، وخبر جبريل فعل ، فغير ناهض ؛ فإن خبر جبريل فعل وقول؛ فإنه قال له له بعد أن صلى به الأوقات الخمسة: ((ما بين هذين ٣٤٤ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٧ - حديث ابن عباس الوقتين وقت لك ولأمتك))، نعم ، لا بَيْنِيَّةَ بين المغرب والعشاء على صلاة جبريل ، فيتم الجواب بأنه فعل بالنظر إلى وقت المغرب ، والأقوال مقدمة على الأفعال عند التعارض على الأصح ، وأمّا هنا فما ثم تعارض ، إنما الأقوال أفادت زيادة في الوقت للمغرب ، مَنَّ الله بها . قلت : لا يخفى أنه كان الأولى تقديم هذا الحديث في أول باب الأوقات عقب أول حديث فيه ، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه . واعلم أن هذا القول هو قول الشافعي في الجديد ، ودوله القديم : إن لها وقتين : أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق ، وصححه أئمة من أصحابه ، كابن خزيمة ، والخطابي، والبيهقي، وغيرهم، وقد ساءً النووي في («شرح المهذب)) الأدلة على امتداده إلى الشفق؛ فإذا عرفت الأحاديث الصحيحة؛ تعين القول به جزماً؛ لأن الشافعي نص عليه في القديم ، وعلق القول به في ((الإملاء)) على ثبوته ، وقد ثبت الحديث ، بل أحاديث . ١٥٧ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال، قالَ رسول الله صَلاة): «الفَجْرُ فَجْرَان: فَجْرٌ يحرِّمُ الطّعاءَ وتَحَلُّ فيه الصَّلاةُ، وفَجْر تَحْرِمُ فيه الصَّلاةُ - أيّ: صلاةُ الصُّبح - ويحلُّ فيه الطّعامُ)) . رواهُ ابنُ خْزَيْمَةَ والحاکِمُ، وصَحّحاه . (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول اللّه ◌َّةٍ: «الفَجْرُ): أيْ: لغة (فَجْران: فَجْرٌ يحرِّمُ الطّعام): يريد على الصائم (وتحلُّ فيه الصَّلاةُ) : أيْ : يدخل وقت وجوب صلاة الفجر (وفجرٌ تحرمٌ فيه الصلاةُ - أيْ: صلاة الصبح -) : فسره بها ؛ لئلا يتوهم أنها تحرم فيه مطلق الصلاة ، والتفسير يحتمل ٣٤٥ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٨ - حديث جابر أنه منه ◌َّةٍ، وهو الأصل، ويحتمل أنه من الراوي (ويحلُّ فيه الطعام)) . رواه ابن خزيمة والحاكم، وصححاه)(١): لما كان الفجر لغة مشتركاً بين الوقتين ، وقد أطلق في بعض أحاديث الأوقات أن أول صلاة الصبح الفجر؛ بيَّن ◌َ ة المراد به ، وأنه الذي له علامة ظاهرة واضحة ؛ وهي التي أفادها قوله : ١٥٨ - وللحاكم من حديث جابر نَحْوُهُ، وزاد في الذي يُحرِّمُ الطّعام أنه (يذهبُ مستطيلاً في الأفُقَ))، وفي الآخر أنه ((كَذَنَبِ السِّرْحَانِ)). (وللحاكم من حديث جابر نحوه) : نحو حديث ابن عباس ولفظه في ((المستدرك)): ((الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان؛ فلا يحل الصلاة ، ويحل الطعام ، وأمّا الذي يذهب مستطيلاً في الأفق ؛ فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام))، وقد عرفت معنى قول المصنف (وزاد في الذي يحرم الطعام ((أنه يذهب مستطيلاً): أيْ: ممتداً (في الأفق))): وفي رواية للبخاري (٢) (١) أخرجه الحاكم (١٩١/١) من طريق ابن خزيمة؛ وقال: ((صحيح على شرط الشيخين في عدالة الرواة)) ، ووافقه الذهبي ! قلت : فيه عنعنة ابن جريج . ومن طريقه رواه الدارقطني (٢٣١)، والبيهقي (٣٧٧/١)، وقالا: ((هكذا رواه أبو أحمد الزبيري مرفوعاً ، ورواه غيره موقوفاً . والموقوف أصح» . قلت : لکن له شاهدان : أحدهما : عن عبدالرحمن بن عائش موقوفاً . رواه الدارقطني ، وقال : «إسناده صحيح)) . والآخر: مرفوع؛ وهو الحديث الآتي . وإسناده صحيح ؛ كما قال الحاكم ووافقه الذهبي . (٢) أي: من حديث ابن مسعود؛ كما في ((التلخيص)) (٦٦)؛ وليس من حديث جابر؛ كما يوهمه صنيع الشارح !! ٣٤٦ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٩ - حديث ابن مسعود أنه عَ وّ مد يده عن يمينه ويساره (وفي الآخر): وهو الذي لا تحل فيه الصلاة ، ولا يحرم فيه الطعام؛ أي: وقال في الآخر (أنّه): في صفته ((«كذنب السرحان))): بكسر السين المهملة وسكون الراء فحاء مهملة ، وهو الذئب . والمراد أنه لا يذهب مستطيلاً ممتداً؛ بل يرتفع في السماء كالعمود ، وبينهما ساعة ؛ فإنه يظهر الأول ، وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهوراً بيناً . فهذا فيه بيان وقت الفجر ، وهو أول وقته ، وآخره ما يتسع لركعة ؛ كما عرفتَ . ولما كان لكل وقت أول وآخر، بين ◌َ هه الأفضل منهما في الحديث الآتي وهو: مَاءِ : «أفضلُ ١٥٩ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله الأعْمال الصَّلاةُ في أوَّل وقْتها)). رواهُ الترمذي والحاكم، وصحّحاه، وأصْلُهُ في ((الصَّحيحين)). (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َُّورٍ: «أفضلُ الأعْمال الصَّلاةُ في أوَّل وقْتها)). رواهُ الترمذي والحاكم(١) ، وصحّحاه ، وأصْلُهُ في ((الصَّحيحين))): أخرجه البخاري عن ابن مسعود بلفظ: سألت النَّبيّ :醬 أي العمل أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة لوقتها))، وليس فيه لفظ: ((أول)). فالحديث دل على أفضلية الصلاة في أول وقتها ، على كل عمل من الأعمال ؛ (١) قلت: ووافقه الذهبي على تصحيحه (١٨٨/١ - ١٨٩). وهو كما قالا . ورواه الدارقطني (ص٩١) . وأما الترمذي؛ فإنما رواه (٣٢٥/١ -٣٢٦) بلفظ: ((الصلاة على مواقيتها)). وفي رواية له (١١٦/٣): ((لميقاتها)). ٣٤٧ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٥٩ - حديث ابن مسعود كما هو ظاهر التعريف للأعمال باللام، وقد عورض بحديث: ((أفضل الأعمال إيمان بالله))، ولا يخفى أنه معلوم أن المراد من الأعمال في حديث ابن مسعود ، ما عدا الإيمان ؛ فإنه إنما سأل عن أفضل أعمال أهل الإيمان ، فمراده غير الإيمان . قال ابن دقيق العيد : الأعمال هنا - أي : في حديث ابن مسعود - ، محمولة على البدنية ؛ فلا تتناول أعمال القلوب ؛ فلا تعارض حديث أبي هريرة : ((أفضل الأعمال الإيمان بالله عز وجل)). ولكنها قد وردت أحاديث أخر في أنواع من أعمال البر بأنها أفضل الأعمال ، فهي التي تعارض حديث الباب ظاهراً، وقد أجيب بأنه مح له أخبر كل مخاطب بما هو أليق به ، وهو به أقوم ، وإليه أرغب ، ونفعه فيه أكثر ؛ فالشجاع أفضل الأعمال في حقه الجهاد ؛ فإنه أفضل من تخليه للعبادة ، والغني أفضل الأعمال في حقه الصدقة ، وغير ذلك ، أو أن كلمة : من ، مقدرة ، والمراد : من أفضل الأعمال، أو كلمة ((أفضل)) لم يرد بها الزيادة ؛ بل الفضل المطلق ، وعورض تفضيل الصلاة في أول وقتها ، على ما كان منها في غيره بحديث العشاء ؛ فإنه قال ◌َيليه: ((لولا أن أشق على أمتي؛ لأخرتها))؛ يعني: إلى النصف ، أو قريب منه ، وبحديث الإصباح ، أو الإسفار بالفجر ، وبأحاديث الإبراد بالظهر. والجواب : أن ذلك تخصيص لعموم أول الوقت ، ولا معارضة بين عام وخاص . وأما القول بأن ذكر أول وقتها تفرد به علي بن حفص(١) من بين أصحاب (١) لم يتفرد به ؛ بل تابعه محمد بن جعفر عند الدارقطني والحاكم. وله طريق أخرى عن شيخ شعبة فيه عند الحاكم . ٣٤٨ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٦٠ - حديث أبي محذورة شعبة ، وأنهم كلهم رووه بلفظ: ((على وقتها))، من دون ذكر: ((أول))؛ فقد أجيب عنه من حيث الرواية بأن تفرده لا يضر ؛ فإنه شيخ صدوق من رجال مسلم ، ثم قد صحح هذه الرواية الترمذي ، والحاكم ، وأخرجها ابن خزيمة في ((صحيحه))؛ ومن حيث الدراية أن رواية لفظ: ((على وقتها)) تفيد معنى لفظ: ((أول))؛ لأن كلمة ((على)): تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت ، ورواية : ((لوقتها))؛ باللام تفيد ذلك ؛ لأن المراد : لاستقبال وقتها ؛ ومعلوم ضرورة شرعية أنها لا تصح قبل دخوله ، فتعين أن المراد لاستقبالكم الأكثر من وقتها ، وذلك بالإتيان بها في أول وقتها، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ولأنه ◌َّ ةٍ كان دأبه دائماً الإتيان بالصلاة في أول وقتها ، ولا يفعل إلا الأفضل ، إلا لما ذكرناه كالإسفار، ونحوه كالعشاء ، ولحديث علي عند أبي داود: ((ثلاث لا تؤخر ... ))، ثم ذكر منها الصلاة إذا حضر وقتها ، والمراد : أن ذلك الأفضل ، وإلا ؛ فإن تأخيرها بعد حضور وقتها جائز، ويدل له أيضاً قوله : ١٦٠ - وعن أبي مخْذورةَ: أنَّ النَّبِيّ ◌َظِ قال: ((أوَّلُ الوَقت رضوان الله ، وأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ الله ، وآخرُهُ عَفْوُ الله)). أخْرَجهُ الدَّارِقُطْني بسندٍ ضعيف جداً. (وعن أبي محذورة) : بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الذال المعجمة بعد الواو راء ، واختلفوا في اسمه على أقوال : أصحها أنه سمرة بن معين ؛ بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة التحتية ، وقال ابن عبد البر: إنه اتفق العالمون بطريق أنساب قريش أن اسم أبي محذورة أوس ، وأبو محذورة مؤذن ٣٤٩ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٦١ - حديث ابن عمر النَّبيّ ◌َهه، أسلم عام الفتح، وأقام بمكة إلى أن مات؛ يؤذن بها للصلاة ، مات سنة تسع وخمسين . (أن النَّبِيّ ◌َ ﴿ قال: ((أول الوقت): أيْ: للصلاة المفروضة (رضوان الله): أي : يحصل بأدائها فيه رضوان الله تعالى عن فاعلها (وأوسطه رحمة الله) : أيْ : يحصل لفاعل الصلاة فيه رحمته ، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ (وآخره عفو الله))): ولا عفو إلا عن ذنب (أخرجه الدارقطني(١) بسند ضعيف): لأنه من رواية يعقوب بن الوليد المدني ، قال أحمد: كان من الكذابين الكبار ، وكذبه ابن معين ، وتركه النسائي ، ونسبه ابن حبان إلى الوضع ، كذا في ((حواشي القاضي)). وفي ((الشرح)) أن في إسناده إبراهيم بن زكريا البجلي ، وهو متهم؛ ولذا قال المصنف (جداً) : مؤكداً لضعفه ، وقدمنا إعراب: جداً ، ولا يقال : إنه يشهد له قوله : ١٦١ - وللترمذي من حديث ابن عُمرَ نَحوهُ، دون الأوْسَطِ . وهو ضعيفٌ أيضاً . (وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه): في ذكر أول الوقت وآخره (دون الأوسط . وهو ضعيف أيضاً) : لأن فيه يعقوب بن الوليد أيضاً(٢) ، وفيه ما سمعت ، وإنما قلنا : لا يصح شاهداً؛ لأن الشاهد والمشهود له فيهما من قال (١) في ((سننه)) (٩٣)؛ وفيه إبراهيم بن زكريا ؛ قال ابن عدي : ((حدث عن الثقات بالأ باطيل)). وليس فيه يعقوب بن الوليد؛ كما وهم الشارح. (٢) ومن طريقه رواه الدارقطني (٩٢)، والحاكم (١٨٩/١)، والبيهقي (٤٣٥/١). ٣٥٠ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٦٢ - حديث ابن عمر الأئمة فيه : إنه كذاب ، فكيف يكون شاهداً ومشهوداً له؟! وفي الباب عن جابر ، وابن عباس ، وأنس؛ وكلها ضعيفة ، وفيه عن علي عليه السلام ؛ من رواية موسى بن محمد عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي ، قال البيهقي : إسناده - فيما أظن - أصح ما روي في هذا الباب ، مع أنه معلول ؛ فإن المحفوظ روايته عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفاً . قال الحاكم : لا أعرف فيه حديثاً يصح عن النَّبيّ ◌َ ﴿ ، ولا عن أحد من الصحابة ، وإنما الرواية فيه عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفاً(١) . قلت : إذا صح هذا الموقوف ، فله حكم الرفع ؛ لأنه لا يقال في الفضائل بالرأي ، وفيه احتمال(٢)، ولكن هذه الأحاديث، وإن لم تصح ، فالمحافظة منه تَّة على الصلاة أول الوقت دالة على أفضليته، وغير ذلك من الشواهد التي قدمناها . ١٦٢ - وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنَّ رسول الله عَّةٍ قالَ: ((لا صلاةَ بعْدَ الفجر؛ إلا سجْدتَيْن)). أخرجه الخمْسَةُ؛ إلا النسائيَّ، وفي رواية عبد الرزاق: ((لا صلاة بعْدَ طلوع الفجْر؛ إلا ركعتي الفَجْرِ)). (وعن ابن عمر رضي الله عنه : أن رسول الله قال: ((لا صلاةَ بعد (١) وهكذا رواه البيهقي (٤٣٦/١). (٢) قلت: لو لم يرد هذا الاحتمال، وسلَّم بأنه في حكم المرفوع؛ لكان مرسلاً؛ لأن محمداً والدُ جعفر؛ وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ وهو لم يدرك أحداً من الصحابة . ٣٥١ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٦٣ - حديث عمرو بن العاص الفَجْر ؛ إلا سجدتين))) : أيْ: ركعتي الفجر؛ كما يفسره ما بعده (أخرجه الخمسة ؛ إلا النسائي) : وأخرجه أحمد ، والدارقطني . قال الترمذي : غريب ، لا يعرف ، إلا من حديث قدامة بن موسى(١) . والحديث دليل على تحريم النافلة بعد طلوع الفجر قبل صلاته ، إلا سنة الفجر ؛ وذلك أنه وإن كان لفظه نفياً ، فهو في معنى النهي ، وأصل النهي التحريم . قال الترمذي : أجمع أهل العلم على كراهة أن يصلى الرجل بعد الفجر ؛ إلا ركعتي الفجر. قال المصنف : دعوى الترمذي الإجماع عجيب ؛ فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره . وقال الحسن البصري : لا بأس بها ، وكان مالك يرى أن يفعل من فاتته الصلاة في الليل. والمراد بـ ((بعد الفجر)): بعد طلوعه ؛ كما دل له قوله (وفي رواية عبد الرزاق): أيْ: عن ابن عمر ((لا صلاة بعد طلوع الفجْر؛ إلا ركعتي الفَجْر))): وكما يدل له قوله : ١٦٣ - ومثلُهُ الدَّارقطني عن عَمْرو بن العاص . (ومثلُهُ الدَّارقطني عن عَمْرو بن العاص(٢)): (١) قلت : وهو ثقة ؛ لكن شيخه أيوب بن حصين، وقيل : محمد بن حصين ؛ مجهول . لكن له طرق أخرى وشواهد يتقوى بها، وقد تكلمت عليه في «الإرواء» (٤٧٨). (٢) لم أره من حديث عمرو بن العاص عند الدارقطني! وإنما رواه (٩١، ١٦١) من حديث ابنه عبد الله . وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة وابن نصر والبيهقي ؛ وفيه عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ؛ وفيه ضعف ، ولكنه يتقوى بشواهده التي منها الحديث الذي قبله . وهو يخصص حديث عمرو بن عبسة السلمي أنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي الليل = ٣٥٢ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٦٤ - حديث أم سلمة فإنهما فسرا المراد بـ ((بعد الفجر))، وهذا وقت سادس من الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ، وقد عرفت الخمسة الأوقات مما مضى ، إلا أنه قد عارض النهي عن الصلاة بعد العصر الذي هو أحد الستة الأوقات ، الحديث . ١٦٤ - وعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالتْ: صلى رسول الله عَّهِ الْعَصْرَ، ثم دَخَلَ بيْتي، فصلَّى ركْعتين، فسأَلْتُهُ، فقالَ: ((شُغُلْتُ عن ركعتين بعدَ الظُّهْرِ فصَلّيْتُهُمَا الآن))، فقلتُ: أَفَنَقضيهما إذا فاتتا؟ قال: ((لا)). أخرجهُ أحمدُ . (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله عَ ليه العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فسألته): في سؤالها ما يدل على أنه مَ الية لم يصلهما قبل ذلك عندها ، أو أنها قد كانت علمت بالنهي ، فاستنكرت مخالفة الفعل له (فقال: ((شغلت عن ركعتين بعد الظهر): قد بين الشاغل له وَلِ أنه أتاه ناس من عبد القيس، وفي رواية عن ابن عباس عند الترمذي: أنه تَ ه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر (فصَلَيْتُهما الآن))): أي : قضاء عن ذلك، وقد فهمت أم سلمة أنهما قضاء ؛ فلذا قالت (فقلت : أفنقضيهما إذا فاتتا؟): أيْ: كما قضيتهما في هذا الوقت (قال: ((لا))): أيْ: لا تقضوهما في هذا = أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر ؛ فصلِّ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة ؛ حتى تصلي الصبح ... )) الحديث. رواه أبو داود، وعنه ابن حزم (١٢/٣)، وأحمد (١١١/٤ - ١١٢، ١١٣ - ١١٤) بسند صحيح . وفي رواية لأحمد (٣٨٥/٤) بلفظ: ((حتى يطلع الفجر؛ فإذا طلع الفجر ؛ فلا صلاة إلا الركعتين ، حتى تصلي الفجر ... )) الحديث ؛ وفي سنده شهر بن حوشب ، وفيه ضعف . ٣٥٣ ٢ - كتاب الصلاة ١ - باب المواقيت ١٦٥ - حديث عائشة الوقت ، بقرينة السياق ، وإن كان النفي غير مقيد (أخرجه أحمد (١)) : إلا أنه سكت عليه المصنف هنا . وقال بعد سياقه له في ((فتح الباري)): إنها رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة ، ولم يبين هنالك وجه ضعفها ، وما كان يحسن منه أن يسكت هنا عما قيل فيه . والحديث دليل على ما سلف من أن القضاء في ذلك الوقت كان من خصائصه ، وقد دل على هذا حديث عائشة: أنه #* كان يصلي بعد العصر ، وينهى عنها ، ويواصل ، وينهى عن الوصال . أخرجه أبو داود ، ولكن قال البيهقي: الذي اختص به ◌َ ﴿ المداومة على الركعتين بعد العصر، لا أصل القضاء . اهـ . ولا يخفى أن حديث أم سلمة المذكور يرد هذا القول ، ويدل على أن القضاء خاص به أيضاً ، وهذا الذي أخرجه أبو داود ، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله : ١٦٥ - ولأبي داود عنْ عائشةَ رضي الله عَنْها بمعناهُ. (ولأبي داود عنْ عائشةَ رضي الله عنها بمعناه) . تقدم الكلام فيه . (١) في ((المسند)) (٣١٥/٦)؛ وهو معلول بالاختلاف في متنه على حماد بن سلمة، والأكثر لم يذكر عنه : ((قلت: أفنقضيهما؟ ... )) . وبالانقطاع بين ذكوان وأم سلمة ، وبأن الأكثر أدخلوا بينهما عائشة . وأنها كانت ترى جواز الصلاة بعد العصر مطلقاً؛ فكيف لا ترى القضاء؟! فلو كان عندها هذا النهي عن القضاء ، لم تقل بالجواز المذكور . ورواه أبو يعلى (١/٣٣١) عن يزيد بن هارون بسند أحمد . ٣٥٤ ٢ - كتاب الصلاة ٢ - باب الأذان ١٦٦ - حديث عبد الله بن زيد ٢ - باب الأذان الأذان لغة: الإعلام ، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ منَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، وشرعاً : الإعلام بوقت الصلاة ، بألفاظ مخصوصة ، وكان فرضه بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة ، ووردت أحاديث تدل على أنه شرع بمكة ، والصحيح الأول . ١٦٦ - عن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه قال: طافَ بي - وأنا نائمٌ - رجلٌ فقالَ: تقولُ: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان - بتربيع التكبير، بغير ترجيع ، والإقامة فُرَادَى ، إلا قد قامت الصَّلاةُ - قال: فلما أصْبَحْتُ أتيتُ رسولَ الله ﴿ِ، فقالَ: «إنّها لَرُؤيا حق)»، الحديث. أخرجهُ أحمد وأبو داود ، وصحّحهُ التِّرْمذي وابنُ خُزْةَ . (عن عبد الله بن زيد) : هو أبو محمد عبد الله بن زيد (ابن عبد ربه): الأنصاري الخزرجي، شهد عبد الله العقبة ، وبدراً، والمشاهد بعدها ، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين (قال: طاف بي - وأنا نائم - رجل): وللحديث سبب، وهو ما في الروايات أنه لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يجمعهم لها، فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً؟ فقال رسول الله عَ انٍ: ((ذلك للنصارى))، فقالوا: لو اتخذنا بوقاً؟ قال: ((ذلك لليهود))، فقالوا: لو رفعنا ناراً؟ قال : ((ذلك للمجوس))، فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النَّبِيّ ◌َهُ، فقال: طاف بي، الحديث . وفي ((سنن أبي داود)): فطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله ، أتبيع الناقوس؟ قال : وما تصنع به؟ قلت : ندعو به إلى الصلاة ، قال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت : ٣٥٥ ٢ - كتاب الصلاة ٢ - باب الأذان ١٦٦ - حديث عبد الله بن زيد بلى (فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان) : أيْ: إلى آخره (بتربيع التكبير) : تكريره أربعاً ، ويأتي ما عاضده، وما عارضه (بغير ترجيع): أيْ: في الشهادتين ، قال في ((شرح مسلم)): هو العود إلى الشهادتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت ، ويأتي قريباً (والإقامة فرادى(١)) : لا تكرير في شيء من ألفاظها (إلا قد قامت الصلاة): فإنها تكرر (قال : فلما أصبحت أتيت رسول الله عَ ليه، فقال: ((إنها لرؤيا حق)) ، الحديث . أخرجه أحمد وأبو داود ، وصححه الترمذي وابن خزيمة (٢)) . الحديث دليل على مشروعية الأذان للصلاة ، دعاء للغائبين ؛ ليحضروا إليها ، ولذا اهتم ◌َ في النظر في أمر يجمعهم للصلاة ، وهو إعلام بدخول وقتها أيضاً . واختلف العلماء في وجوبه ، ولا شك أنه من شعار أهل الإسلام، ومن محاسن ما شرعه الله ، وأمّا وجوبه ، فالأدلة فيه محتملة ، وتأتي ، وكمية ألفاظه قد اختلف فيها . وهذا الحديث دل على أنه يكبر في أوله أربع مرات ، وقد اختلفت الرواية ، (١) هذا اختصار من المؤلف رحمه الله؛ وهو اختصار مخل ، أوقع الشارح في الوهم؛ وهو أنه ظن أن قوله : (والإقامة فرادى) هو من الحديث ؛ فاضطر إلى تأويله ؛ كما يأتي ! وإنما لفظ الحديث: ((ثم تقول إذا أقمت الصلاة : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ... )) الحديث. (٢) وكذا ابن حبان (٢٨٧)، وإسنادهم حسن؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٥١٢). والترمذي إنما أخرجه مختصراً ، ليس في صيغة الأذان والإقامة ! ٣٥٦ ٢ - كتاب الصلاة ٢ - باب الأذان ١٦٦ - حديث عبد الله بن زيد فوردت بالتثنية في حديث أبي محذورة في بعض رواياته ، وفي بعضها بالتربيع أيضاً ، فذهب الأكثر إلى العمل بالتربيع ؛ لشهرة روايته ، ولأنها زيادة عدل ، فهي مقبولة . ودل الحديث على عدم مشروعية الترجيع ، وقد اختلف في ذلك، فمن قال : إنه غير مشروع ، عمل بهذه الرواية ؛ ومن قال : إنه مشروع ؛ عمل بحديث أبي محذورة ، وسيأتي . ودل على أن الإقامة تفرد ألفاظها ، إلا لفظ الإقامة ؛ فإنه يكررها . وظاهر الحديث أنه يفرد التكبير في أولها ، ولكن الجمهور على أن التكبير في أولها يكرر مرتين ، قالوا : ولكنه بالنظر إلى تكريره في الأذان أربعاً ، كأنه غير مكرر فيها ، وكذلك يكرر في آخرها ، ويكرر لفظ الإقامة ، وتفرد بقية الألفاظ ، وقد أخرج البخاري حديث : أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ؛ إلا الإقامة ، وسيأتي ، وقد استدل به من قال: الأذان في كل كلماته ، مثنى مثنى ، والإقامة ألفاظها مفردة ، إلا : قد قامت الصلاة ، وقد أجاب أهل التربيع بأن هذه الرواية صحيحة دالة على ما ذكر ، لكن رواية التربيع قد صحت بلا مرية ، وهي زيادة من عدل مقبولة ، فالقائل بتربيع التكبير أول الأذان قد عمل بالحديثين ، ويأتي أن رواية : يشفع الأذان ، لا تدل على عدم التربيع للتكبير. هذا ، ولا يخفى أن لفظ كلمة التوحيد في آخر الأذان والإقامة مفردة بالاتفاق ؛ فهو خارج عن الحكم بالأمر بشفع الأذان . قال العلماء : والحكمة في تكرير الأذان ، وإفراد ألفاظ الإقامة هي أن الأذان ٣٥٧ ٢ - كتاب الصلاة ٢ - باب الأذان ١٦٧ - حديث عبد الله بن زيد الإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكرير؛ ولذا يشرع فيه رفع الصوت ، وأن يكون على محل مرتفع ، بخلاف الإقامة ؛ فإنها لإعلام الحاضرين ؛ فلا حاجة إلى تكرير ألفاظها ؛ ولذا شرع فيها خفض الصوت والحدر ، وإنما كررت جملة : قد قامت الصلاة ؛ لأنها مقصود الإقامة . ١٦٧ - وزادَ أحمد في آخره قِصَّة قولِ بلال في أَذان الفَجْر : الصَّلاةُ خيرٌ من النوم . (وزاد أحمد (١) في آخره) : ظاهره في حديث عبد الله بن زيد (قصة قول بلال في أذان الفجر : الصَّلاة خيرٌ من النوم) : روى الترمذي ، وابن ماجه ، وأحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال : قال لي رسول الله ﴿﴿: «لا تثوبنَّ في شيء من الصلاة، إلا في صلاة الفجر)»، إلا أن فيه ضعيفاً ، وفيه انقطاع أيضاً ، وكان على المصنف أن يذكر ذلك على عادته ، ويقال (١) في («مسنده» (٤٢/٤ - ٤٣) من طريق أخرى فيها محمد بن إسحاق ، وقد عنعنه ؛ وفيها القصة التي أشار إليها المؤلف ، وهي - بعد قوله: ((إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله)) -: ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ثَ﴿ إلى الصلاة. قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله عَ ﴿ل نائم. قال: فصرخ بلال بأعلى صوته : الصلاة خير من النوم . قال سعيد بن المسيب : فأدخلت هذ الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر . ثم وجدت له طريقاً أخرى عند البيهقي (٤٢٢/١ -٤٢٣) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب ... فذكر قصة عبدالله بن زيد ورؤياه ؛ إلى أن قال : ثم زاد بلال في التأذين : الصلاة خير من النوم؛ وذلك أن بلالاً أتى بعدما أذن التأذينة الأولى ليؤذن النبي ﴿ بالصلاة، فقيل له: إن النبي ﴿ نائم؛ فأذن بلال . ٣٥٨ ٢ - كتاب الصلاة ٢ - باب الأذان ١٦٨ - حديث أنس التثويب مرتين ؛ كما في ((سنن أبي داود))، وليس : الصلاة خير من النوم ، في حديث عبد الله بن زيد ، كما ربما توهمه عبارة المصنف حيث قال في آخره ، وإنما يريد أن أحمد ساق رواية عبد الله بن زيد ، ثم وصل بها رواية بلال(١). ١٦٨ - ولابن خُزيمةَ عنْ أَنس رضي الله عنه قال: منَ السُّنّة إذا قالَ المؤذِّنُ في الفَجْر: حيَّ على الفلاحِ ، قالَ : الصَّلاةُ خيرٌ من النّوْمِ . (ولابن خزيمة (٢) عن أنس رضي الله عنه قالَ : من السنة) : أيْ : طريقة النَّبِيّ ◌َ (إذا قال المؤذن في الفجر: حيَّ على الفلاح) : الفلاح هو الفوز والبقاء ؛ أي : هلموا إلى سبب ذلك (قال : الصَّلاة خيرٌ من النوْم): وصححه ابن السكن ، وفي رواية النسائي(٣) : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم في الأذان الأول من الصبح . وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات ، قال ابن رسلان : وصحح هذه الرواية ابن خزيمة . قال : فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر ؛ لأنه لإيقاظ النائم ، (١) ليس الوصل من أحمد ؛ بل الرواية عنده موصول بها رواية بلال ؛ كما عرفت مما نقلناه من ((المسند)) آنفاً! (٢) وكذا الطحاوي (٨٢/١). وإسناده صحيح ؛ لولا أنه فيه عنعنة هشيم. ثم وجدت له متابعاً عند الدارقطني (٩٠)، والبيهقي (٤٢٣/١) ، وقال : «إسناد صحيح)) . (٣) أي : في حديث أبي محذورة الآتي؛ وهي عند أبي داود أيضاً في رواية ، وهي صحيحة الإسناد لغيره؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٥١٦). ومن شواهده الرواية الآتية . ٣٥٩ ٢ - كتاب الصلاة ٢ - باب الأذان ١٦٨ - حديث أنس وأمّا الأذان الثاني ؛ فإنه إعلام بدخول الوقت ، ودعاء إلى الصلاة . ولفظ النسائي في ((سننه الكبرى))(١) من جهة سفيان عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن أبي محذورة، قال: كنت أؤذن لرسول الله تَخلية ، فكنت أقول في أذان الفجر الأول : حيَّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاح ، الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، قال ابن حزم: وإسناده صحيح. اهـ من «تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي)». ومثل ذلك في ((سنن البيهقي الكبرى)) ، من حديث أبي محذورة أنه كان يثوب في الأذان الأول من الصبح ، بأمره · 樂 قلت : وعلى هذا ، ليس : الصلاة خير من النوم ، من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة ، والإخبار بدخول وقتها؛ بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم ، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة ؛ عوضاً عن الأذان الأول . وإذا عرفت هذا؛ هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب ؛ هل (١) قلت: ورواه في ((الصغرى)) أيضاً (١٠٦/١) من طريق أبي جعفر عن أبي سلمان عن أبي محذورة ... وصرّح في رواية بأن أبا جعفر هذا ليس بأبي جعفر الفراء . ويؤيده أن ابن حزم رواه (١٥١/٣) فقال: عن أبي جعفر المؤذن . قلت : والمؤذن هذا وشيخه أبو سلمان مقبولان عند الحافظ . فإن صح ما نقله الشارح عن ابن حزم أنه قال : ((إسناده صحيح)) ؛ فهو وهم من ابن حزم ! ويشهد له حديث ابن عمر: كان في الأذان الأول - بعد الفلاح -: الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم . وسنده جيد. ورواه البيهقي أيضاً (٣٢٣/١). ٣٦٠