النص المفهرس

صفحات 241-260

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٢ - حديث ابن مسعود
وفي الباب من حديث أنس: أنه ◌َ ﴿ كان يقول: ((الحمد لله الذي أحسن
إليَّ في أوله وآخره)) .
وحديث ابن عمر: أنه كان يقول إذا خرج: ((الحمد لله الذي أذاقني لذته ،
وأبقى فيَّ قوته ، وأذهب عني أذاه)) ، وكل أسانيدها ضعيفة .
وقال أبو حاتم : أصح ما فيه حديث عائشة .
قلت: لكنه لا بأس في الإتيان بها جميعاً؛ شكراً على النعمة ، ولا يشترط
الصحة للحديث في مثل هذا .
٩٢ - وعن ابن مسعود قالَ: أتى النبيُّ :﴿ِ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آَتِيه
بثلاثة أحْجارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ ، ولم أجِدْ ثالثاً، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ ، فَأَخَذَّهُمَا
وأَلَّقَى الرَّوَثَةَ، وقالَ: ((إِنها ركّسٌ)). أخرجه البخاريُّ، وزاد أحْمدُ والدارقطنيُّ:
((ائْتِنِي بِغَيْرِها)).
(وعن ابن مسعود) : هو عبد الله بن مسعود ، قال الذهبي: هو الإمام الرباني
أبو عبد الرحمن ، عبد الله بن أم عبد الهذلي، صاحب رسول الله عَ ليهٍ ،
وخادمه ، وأحد السابقين الأولين ، من كبار البدريين ، ومن نبلاء الفقهاء
سبعين سورة، وقال آخر :
والمقربين ، أسلم قديماً ، وحفظ من في رسول الله
((مَنْ أحب أن يقرأ القرآن غضّاً؛ كما أنزل ؛ فليقرأه على قراءة ابن أم عبد))،
وفضائله جمة عديدة ، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثین وله نحو من ستين سنة
(قال: أتى النبي ◌َ ﴿ الغائط، فأمرني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ
حَجَرِينِ ، ولم أجلم ثالثاً، فأتيْتُهُ برَوْثة، فأخذهما وألقَى الرَّوثَة) : زاد ابن خزيمة :
٢٤١

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٢ - حديث ابن مسعود
أنها كانت روثة حمار(١) (وقال: ((إنها ركس (٢))): بكسر الراء وسكون الكاف ؛
في ((القاموس)): إنه الرجس (أخرجه البخاري ، وزاد أحمد والدارقطني :
(«ائتني بغيرها(٣))).
أخذ بهذا الحديث الشافعي ، وأحمد ، وأصحاب الحديث ، فاشترطوا ألا
تنقص الأحجار عن الثلاث مع مراعاة الإنقاء ، وإذا لم يحصل بها زاد حتّى
ينقى ، ويستحب الإيتار، وتقدمت الإشارة إلى ذلك ، ولا يجب الإيتار؛ لحديث
أبي داود : ((ومن لا ؛ فلا حرج)) ، تقدم .
قال الخطابي: لو كان القصد الإنقاء فقط ؛ لخلا ذكر اشتراط العدد عن
الفائدة ، فلما اشترط العدد لفظاً ، وعلم الإنقاء معنًى دلّ على إيجاب الأمرين (٤)،
(١) كذا في ((الفتح)) (٢٠٦/١) ، وقال :
((ونقل التيمي : أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير)).
(٢) وسيأتي (ص٢٤٧) تعليل آخر؛ وهو أنها لا تطهِّر ، وتعليل ثالث؛ وهو أنها من طعام
الجن .
(٣) وفي رواية للدارقطني، والبيهقي (١٠٣/١): ((بحجر)). ورجاله ثقات؛ لكن قال
الدارقطني :
-۵
((اختلف على أبي إسحاق في إسناد هذا الحديث)).
لكن رواه الطبراني في «الكبير» (١/٥٨/٣) من غير طريق أبي إسحاق؛ دون قوله: («ائتني
بغيرها)) ؛ وفيه الزيادة التي عند ابن خزيمة ، وسندها حسن .
(٤) وتمام كلام الخطابي؛ كما في ((الفتح)) (٢٠٦/١):
((ونظيره : العِدّة بالأقراء ؛ فإن العدد مشترط، ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد)).
٢٤٢

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٢ - حديث ابن مسعود
وأمّا قول الطحاوي: لو كان الثلاث شرطاً لطلب عَّاهُ ثالثاً ، فجوابه أنه قد طلب
الثالث؛ كما في رواية أحمد والدارقطني المذكورة في كلام المصنف ، وقد
قال في ((الفتح)): إن رجاله ثقات(١) ، على أنه لو لم تثبت الزيادة هذه ، فالجواب
على الطحاوي أنه ◌َ اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاث ، وحين ألقى الروثة
علم ابن مسعود أنه لم يتم امتثاله الأمر، حتّى يأتي بثالثة، ثم يحتمل أنه عَليه
اكتفى بأحد أطراف الحجرين ، فمسح به المسحة الثالثة ؛ إذ المطلوب تثليث
المسح ؛ ولو بأطراف حجر واحد ، وهذه الثلاث لأحد السبيلين .
ويشترط للآخر ثلاثة أيضاً فتكون ستة ؛ لحديث ورد بذلك في ((مسند
أحمد))(٢)، على أنّ في النفس من إثبات ستة أحجار شيئاً؛ فإنه تَّةٍ ما علم أنه
طلب ستة أحجار، مع تكرّر ذلك منه مع أبي هريرة ، وابن مسعود ، وغيرهما .
والأحاديث بلفظ: ((من أتى الغائط))؛ كحديث عائشة: ((إذا ذهب أحدكم إلى
الغائط ، فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه))، عند أحمد ، والنسائي ،
وأبي داود، والدارقطني ، وقال: إسناده حسن صحيح (٣)، مع أن الغائط - إذا أطلق -
ظاهر في خارج الدبر ، وخارج القبل يلازمه . وفي حديث خزيمة بن ثابت : أنه
* سئل عن الاستطابة فقال: ((بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع». أخرجه أبو
(١) زاد في ((الفتح)) (٢٠٧/١): ((أثبات)).
(٢) لم أعرف الحديث المعزو إليه! ولم يورده الهيثمي في ((المجمع))! وغالب الظن - إن وجد
فيه - أنه ضعيف الإسناد ؛ لما ذكره الشارح .
(٣) والتحقيق أنه حديث حسن لغيره؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٣٠).
٢٤٣

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
:
٩٢ - حديث ابن مسعود
داود(١) ، والسؤال عام للمخرجيْن معاً ، أو أحدهما ، والمحل محل البيان . وحديث
سلمان بلفظ : أمرنا أن لا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ، وهو مطلق في المخرجيْن ، ومن
اشترط الستة ؛ فلحدیث أخرجه أحمد ، ولا أدري ما صحته(٢) ، فيبحث عنه .
ثم تتبعت الأحاديث الواردة في الأمر بثلاثة أحجار ، والنهي عن أقل منها ؛
فإذا هي كلها في خارج الدبر؛ فإنها بلفظ النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة
أحجار، وبلفظ الاستجمار: ((إذا استجمر أحدكم؛ فليستجمر ثلاثاً))(٣)،
وبلفظ التمسح: نهى ﴿ أن يتمسح بعظم(٤).
إذا عرفت هذا؛ فالاستنجاء لغة : إزالة النجو ، وهو الغائط ، والغائط كناية
عن العذرة ، والعذرة خارج الدبر؛ كما يفيد ذلك كلام أهل اللغة ؛ ففي
(القاموس)): النجو: ما يخرج من البطن من ريح ، أو غائط ؛ واستنجى : اغتسل
بالماء ، أو تمسح بالحجر ، وفيه : استطاب : استنجى ، واستجمر : استنجى ؛ وفيه :
التمسح : إمرار اليد لإزالة الشيء السائل ، أو المتلطخ (٥) . اهـ.
(١) والقول فيه كالقول في الذي قبله ؛ انظر (رقم ٣١).
(٢) إلى هنا نسخة المحمودية (رقم ١٣٧١).
(٣) أحمد .
(٤) مسلم .
(٥) الذي في ((القاموس)): ((التمسُّح: إمرار اليد على الشيء السائل أو المتلطخ؛ لإذهابه))!
قلت: ولا يخفى أن هذا النص من ((القاموس)) لا يختص بإزالة العذرة فقط ؛ بل إن قوله فيه :
(السائل)) أدل على البول منه على العذرة، وبعكس ذلك؛ قوله: ((أو المتلطخ))؛ فإنه أدل على العذرة
منه على البول؛ فهذا دليل على أن (التمسح) يطلق على كل من الأمرين أو يشملهما؛ كما هو ظاهر.
ويؤيده الحديث المتقدم برقم (٨٧): ((ولا يتمسح من الخلاء بيمينه)). قال النووي في =
٢٤٤

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٢ - حديث ابن مسعود
فعرفت من هذا كله أن الثلاثة الأحجار، لم يرد الأمر بها والنهي عن أقل
= ((شرح مسلم)) :
((ليس التقييد بالخلاء للاحتراز عن البول؛ بل هما سواء، والخلاء هو الغائط)).
قلت : وهذا ظاهر في الخارج من الدبر، ويلازمه الخارج من القبل ؛ كما قال الشارح نفسه
فيما سبق في الصفحة المتقدمة ، وذكر نحو ما نقلته عن النووي في شرحه للحديث المشار إليه .
ومثل هذا يقال - أيضاً - في (الاستطابة) ؛ لأن أصل هذه الكلمة واشتقاقها يساعد عليه ؛
ففي ((القاموس)) - عقب قوله: ((واستطاب: استنجى)) -: (( ... وحلق العانة)). فإذا كان الحلق
استطابة؛ فكذلك إزالة البول من العضو استطابة ؛ وإنما لم ينص على ذلك في ((القاموس))؛ لأنه
متلازم مع الاستنجاء ؛ كما سبق .
وشمول (الاستنجاء) و(الاستطابة) لتطهير المحلّين هو الذي جرى عليه الاستعمال العربي؛ فانظر
مثلاً الحديث الثالث ؛ وفيه : (فيستنجي بالماء) ، ومثله أحاديث أخرى في استنجائه
ء بالماء .
فهل ترى أن رواتها من الصحابة قصدوا بـ (الاستنجاء) ؛ إزالة النجو (الغائط) دون البول؟!
وأصرح من هذا حديث عائشة : مُرْنَ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء ؛ فإني أستحييهم .
وفي رواية عنها : أنها أمرتهن أن يستنجين بالماء ، وقالت: مُرْنَ أزواجكن بذلك . رواه أحمد
(٩٣/٦).
وفي أخرى بلفظ :... أن يغسلوا أثر الغائط والبول ... أخرجه أحمد (١١٣/٦، ١١٤،
١٢٠، ١٣٠، ١٧١، ٢٣٦).
فدل الحديث - برواياته الثلاث - على أنهم كانوا يطلقون (الاستنجاء) و(الاستطابة بالماء)
على غسل المحلين .
وإذا كان الأمر كذلك ؛ فالاستنجاء والاستطابة بالحجارة ؛ يراد بهما شرعاً : مسح العضوين
بها؛ لا الدبر فقط ؛ خلافاً لما انتهى إليه كلام الشارح !
وبذلك يتضح أن المراد من الأحاديث الموجبة للأحجار الثلاثة ؛ استعمالها لتطهير المحلين
معاً، وأن قول الشارح: ((والأصل عدم التقدير بعدد))، ساقط الاعتبار.
=
٢٤٥

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٣ - حديث أبي هريرة
منها ؛ إلا في إزالة خارج الدبر، لا غير ، ولم يأت بها دليل في خارج القبل ،
والأصل عدم التقدير بعدد(١)؛ بل المطلوب الإزالة لأثر البول من الذكر، فيكفي
فيه واحدة ، مع أنه قد ورد بيان استعمال الثلاث في الدبر بأنَّ واحدة للمسربة
واثنتين للصفحتين ، ما ذاك إلا لاختصاصه بها .
٩٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: إِنَّ رسولَ اللهعَ لُهُ نهى أن يُسْتَنْجى
بعظّم ، أو رَوْثٍ ، وقالَ : «إنّهُمَا لا يُطَهِّران)) . رواه الدارقطني وصححه .
نھی أن یُسْتَنْجی
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: إِنَّ رسولَ الله
بعظْم، أو رَوْثٍ، وقالَ : ((إنّهُمَا لا يُطَهِّرانِ)). رواه الدارقطني (٢) وصححه(٣).
وأخرجه ابن خزيمة بلفظه هذا ، والبخاري بقريب منه (٤) ، وزاد فيه أنه قال له
أبو هريرة لما فرغ: ما بال العظم والروث؟ قال: ((هي (٥) من طعام الجن))، وأخرجه
= والحديث الذي جاء في بيان استعمال الأحجار الثلاثة في الدُّبر؛ لا يصح إسناده ؛ كما
سبق بيانه في الحاشية على الصفحة (٢٣٣) .
(١) أي : في خارج القبل .
(٢) (٢١) .
(٣) وفي تصحيحه نظر عندي! وبحسبه أن يكون حسناً؛ فإن فيه الحسن بن فرات القزاز؛
قال الحافظ فى ((التقريب)» :
(صدوق یهم)) .
(٤) في ((صحيحه)) (٢٠٥/١)؛ وليس فيه: ((إنهما لا يطهران)). وكذا رواه البيهقي (١٠٧/١
-١٠٨) .
(٥) في ((البخاري)): ((هما)).
٢٤٦

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٣ - حديث أبي هريرة
البيهقي مطولاً(١) كذا في ((الشرح))، ولفظه في ((سنن البيهقي)) أنه تَ ◌ّةٍ قال
لأبي هريرة رضي الله عنه: ((ابغني أحجاراً أستنفض(٢) بها ، ولا تأتني بعظم،
ولا روث)) فأتيته بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه ، حتّى إذا فرغ وقام
تبعته ، فقلت : يا رسول الله ! ما بال العظم والروث؟
فقال: ((أتاني وفد نصيبين، فسألوني الزاد ، فدعوت الله لهم ألا يمرُّوا
بروثة ، ولا عظم؛ إلا وجدوا عليه طعاماً)) .
والنهي في الباب عن الزبير ، وجابر ، وسهل بن حنيف ، وغيرهم بأسانيد
فيها ما فيه مقال ، والمجموع يشهد بعضها لبعض .
وعلّل هنا بأنهما لا يطهران ، وعلّل بأنهما طعام الجن ؛ وعلّلت الروثة بأنها
ركس ، والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركساً ، وأمّا عدم تطهير العظم ؛
فلأنه لزج لا يكاد يتماسك؛ فلا ينشف النجاسة، ولا يقطع البِلة، ولما علل ح الية بأن
العظم والروثة طعام الجن ، قال له ابن مسعود : وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟
قال : ((إنهم لا يجدون عظماً ، إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ ، ولا
وجدوا روثاً ، إلا وجدوا فيه حبه الذي كان يوم أكل)) . رواه أبو عبد الله الحاكم في
((الدلائل))، ولا ينافيه ما ورد: أن الروث علف لدوابهم(٣)؛ كما لا يخفى(٤).
(١) وكذلك أخرجه البخاري في رواية له في (المبعث) (١٣٦/٧)؛ وفيها الزيادة التي ذكرها
الشارح ، وليست عند البيهقي صراحة ؛ كما تراه في ((الشرح)).
(٢) من (الاستنفاض): (الاستخراج)؛ كناية عن الاستجمار.
(٣) مسلم .
(٤) لإمكان حمل الطعام في حديث أبي هريرة على طعام دوابهم؛ كما في ((الفتح)) (١٣٧/٧).
٢٤٧

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٤ - حديث أبي هريرة
وفيه دليل على أن الاستنجاء بالأحجار طهارة لا يلزم معها الماء - وإن
استحب -؛ لأنه علل بأنهما لا يطهران ، فأفاد أن غيرهما يطهر .
٩٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسول الله عَهُ: ((اسْتَنزهُوا
مِن الْبَوْلِ؛ فإن عامّةَ عذابِ القَبْرِ مِنْهُ)) . رواه الدارقطنيُّ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((اسْتَنْزهوا): من
التنزه - وهو البعد - ؛ بمعنى تنزهوا ، أو بمعنى: اطلبوا النزاهة (من البَوْل؛ فإن
عامَّةَ عذاب القبر) : أيْ : أكثر من يعذب فيه (منه))) : أيْ: بسبب ملابسته له
وعدم التنزه عنه (رواه الدارقطني(١)).
والحديث آمر بالبعد عن البول ، وأنّ عقوبة عدم التنزه منه تُعَجَّل في القبر،
وقد ثبت حديث ((الصحيحين)): أنه تَّل مرّ بقبرين يعذبان ، ثم أخبر أن عذاب
أحدهما؛ لأنه كان لا يستنزه من البول ، أو لأنه لا يستتر من بوله . من
الاستتار؛ أي : لا يجعل بينه وبين بوله ساتراً يمنعه عن الملامسة له ، أو لأنه لا
يستبرئ ، من الاستبراء ، أو لأنه لا يتوقاه ، وكلها ألفاظ واردة في الروايات ،
(١) في ((السنن)) (٤٧)، وأعله بقوله: ((الصواب مرسل)).
وفيه محمد بن الصباح السمان البصري ؛ لا يعرف؛ كما قال الذهبي .
لكن له طريق أخرى عن أبي هريرة مختصراً ، وهو الآتي بعده .
وله شاهد من حديث أنس بلفظ: «تنزهوا ... » والباقي مثله سواء . رواه الدارقطني ، وأعله
هو وأبو حاتم بالإرسال !
وخالفهم أبو زرعة، فقال: ((المحفوظ الموصول)).
فالحديث صحيح .
٢٤٨

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٤ - حديث أبي هريرة
والكلّ مفيد لتحريم ملامسة البول وعدم التحرّز منه .
وقد اختلف الفقهاء هل إزالة النجاسة فرض ، أو لا؟
فقال مالك : إزالتها ليست بفرض .
وقال الشافعي : إزالتها فرض ما عدا ما يعفى عنه منها ، واستدل على
الفرضية بحديث التعذيب على عدم التنزه من البول ، وهو وعيد لا يكون إلا
على ترك فرض .
واعتذر لمالك عن الحديث بأنه يحتمل أنه عذّب ؛ لأنه كان يترك البول
يسيل عليه ، فيصلي بغير طهور؛ لأن الوضوء لا يصح مع وجوده . ولا يخفى أن
أحاديث الأمر بالذهاب إلى المخرج بالأحجار، والأمر بالاستطابة دالّة على
وجوب إزالة النجاسة ، وفيه دلالة على نجاسة البول .
والحديث نص في بول الإنسان ؛ لأن الألف واللام في البول في حديث
الباب عوض عن المضاف ؛ أي: عن بوله ، بدليل لفظ البخاري في صاحب
القبرين ، فإنها بلفظ: ((كان لا يستنزه عن بوله))، ومن حمله في جميع
الأبوال ، وأدخل فيه أبوال الإبل - كالمصنف في ((فتح الباري))(١) -؛ فقد تعسف ،
وقد بيّنا وجه التعسف في هوامش ((فتح الباري)) .
(١) قلت: هذا في موضع (٢٦٨/١ - ٢٦٩) في شرح حديث العرنيين .
وفي موضع آخر (٢٥٦/١ - ٢٥٧) في شرح حديث القبرين؛ فقد ساق كلام ابن بطال
والقرطبي في الرد على من استدل به على نجاسة كل الأبوال وأقرهما .
٢٤٩

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٥ - حديث أبي هريرة
٩٥ - وللْحَاكم: «أكثرُ عَذابِ الْقبر مِنَ الْبَوْلِ)». وهو صحيحُ الإسْنادِ .
(وللحاكم) : أي: من حديث أبي هريرة ((أكثر عذاب القبر من البول)).
وهو صحيح الإسناد(١)) .
هذا كلامه هنا، وفي ((التلخيص)) ما لفظه : وللحاكم ، وأحمد ، وابن ماجه :
((أكثر عذاب القبر من البول)). وأعله أبو حاتم، وقال: إن رفعه باطل(٢). اهـ.
ولم يتعقبه بحرف ، وهنا جزم بصحته ، فاختلف كلامه ؛ كما ترى ، ولم يتنبه
الشارح رحمهُ الله لذلك ، فأقرّ كلامه هنا .
والحديث يفيد ما أفاده الأول ، واختلف في عدم الاستنزاه ؛ هل هو من
الكبائر، أو من الصغائر؟ وسبب الاختلاف حديث صاحبي القبرين ؛ فإن فيه :
((وما يعذبان في كبير ، بلى ، إنه لكبير)) ، بعد أن ذكر أن أحدهما عذب بسبب
عدم الاستبراء من البول .
فقيل: إنّ نفيه :﴿ كبر ما يعذبان فيه يدل على أنه من الصغائر.
ورد هذا بأن قوله : ((بلی ، إنه لكبير)) ، يرد هذا .
وقيل : بل أراد أنه ليس بكبير في اعتقادهما ، أو في اعتقاد المخاطبين ، وهو
عند الله كبير .
(١) وصححه أيضاً الحاكم، والذهبي، وكذا الدارقطني، وابن خزيمة؛ كما في ((الفتح))
(٢٥٤/١)؛ والحديث صحيح بلا شك .
وله شاهد من حديث ابن عباس وأنس؛ انظر حاشيتنا على ((الترغيب)) (٨٦/١).
(٢) لم أجد هذا في (الطهارة) من ((العلل))؛ وإنما فيه إعلال حديث أنس المشار إليه آنفاً بالإرسال .
٢٥٠

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٦ - حديث سراقة بن مالك
وقيل : ليس بكبير في مشقة الاحتراز، وجزم بهذا البغوي ، ورجّحه ابن
دقيق العيد .
وقيل : غير ذلك ؛ وعلى هذا فهو من الكبائر .
٩٦ - وعن سُرَاقَةَ بن مالك رضي الله عنه قالَ: عَلّمَنَا رَسُولُ الله عَليه
في الْخَلاءِ أنْ نَفْعدَ على اليُسْرى، ونَنْصب اليُمْنى . رواهُ الْبَيْهقي بِسَنَدٍ
ضَعیفٍ .
(وعن سراقة) : بضم السين المهملة وبعد الراء قاف ، وهو أبو سفيان سراقة
(ابن مالك رضي الله عنه) : ابن جعشم؛ بضم الجيم وسكون المهملة وضم
الشين المعجمة، وهو الذي ساخت قوائم فرسه لما لحق برسول الله تَ الٍ حين
خرج فاراً من مكة ، والقصة مشهورة ، قال سراقة في ذلك يخاطب أبا جهل :
أبا حكم والله لو كنت شاهداً لأمر جوادي حين ساخت قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمداً رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
من أبيات ، توفي سراقة سنة أربع وعشرين في صدر خلافة عثمان .
(قال: علّمَنَا رسول الله عَ ةٍ في الخلاء أن نقعد على اليُسْرَى): من
الرجلين (ونَنْصبَ اليمنى . رواه البيهقي بسند ضعيف): وأخرجه الطبراني .
قال الحازمي : في سنده مَن لا نعرفه ، ولا نعلم في الباب غيره .
قيل : والحكمة في ذلك أنه يكون أعون على خروج الخارج ؛ لأن المعدة في
الجانب الأيسر .
٢٥١

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة ٩٧ - حديث عيسى بن يزداد عن أبيه
وقيل : ليكون معتمداً على اليسرى ، ويقل مع ذلك استعمال اليمنى ؛
لشرفها .
٩٧ - وعن عيسى بن يَزْدَادَ، عن أبيه قال: قَالَ رسول الله ◌َّهُ: ((إذا بالَ
أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثلاث مَرَّاتٍ)) . رواه ابنُ ماجَهْ بِسَنَد ضعيف .
(وعن عيسى بن يزداد) : قيل : بباء موحدة وراء مهملة ودالين مهملتين
بينهما ألف ، وضبط بمثناة تحتية وزاي معجمة وبقيته كالأول (عن أبيه قال : قال
رسول الله عَّه: ((إذا بال أحدكم؛ فَلْيَنْتُر ذكرَهُ ثلاث مرات)). رواه ابن ماجه
بسند ضعيف): ورواه أحمد في («مسنده)) ، والبيهقي ، وابن قانع ، وأبو نعيم
في ((المعرفة))، وأبو داود في ((المراسيل))، والعقيلي في ((الضعفاء))، كلهم من
رواية عيسى المذكور ، قال ابن معين : لا يعرف عيسى ، ولا أبوه .
وقال العقيلي : لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به .
وقال النووي في ((شرح المهذب)): اتفقوا على أنه ضعيف(١)، إلا أن معناه
في ((الصحيحين)) في رواية صاحبي القبرين على رواية ابن عساكر: ((كان لا
يستبرئ من بوله))؛ بموحدة ساكنة ؛ أي : لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه
منه ، فيخرج بعد وضوئه .
(١) وانظر (العلل)) (٤٢/١)؛ فإنه قال: ((هو عيسى بن يزداد بن فَسَّاء؛ وليس لأبيه
صحبة ، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز؛ هو وأبوه مجهولان)). ولهذا قال في
«الاختيارات» (٥) :
((ويكره السلت والنتر، ولم يصح الحديث في الأمر. والمشي والتنحنح عقيب البول بدعة)).
٢٥٢

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٨ ۔ حديث ابن عباس
والحكمة في ذلك حصول الظن بأنه لم يبق في المخرج ما يخاف من خروجه ،
وقد أوجب بعضهم الاستبراء ؛ لحديث أحد صاحبي القبرين هذا ، وهو شاهد
لحديث الباب .
سألَ أَهْلَ قُبَاء ؛
٩٨ - وعن ابن عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبي
=
فقالَ: ((إنَّ الله يُثني عَلَيْكم؟))، فقالوا: إنّا نُتْبعُ الحجارةَ الماءَ . رواه البزَّارُ
بِسَنَدٍ ضعيفٍ ، وأصْلُهُ في أبي داود .
وصَحّحَهُ ابنُ خُزِيَةَ مِنْ حديثٍ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بدُون ذكر
الحجارة .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي :{ 98 سأل أهل قباء) :
بضم القاف ممدود ؛ مذكر مصروف ، وفيه لغة بالقصر وعدم الصرف (فقال :
((إنَّ الله يثْني عليكم؟))، فقالوا: إنّا نُتْبع الحجارة الماء . رواه البزار بسند
ضعيف): قال البزار: لا نعلم أحداً رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد
العزيز ، ولا عنه إلا ابنه(١) ، ومحمد ضعيف ، وراويه عنه عبد الله بن شبيب
ضعيف (وأصله في أبي داود): والترمذي في ((السنن)) عن أبي هريرة عن
﴿ قال: ((نزلت هذه الآية في أهل قباء)) ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن
النبى
يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]؛ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.
قال المنذري : زاد الترمذي : غريب ؛ وأخرجه ابن ماجه (وصححه ابن خزيمة
(١) واسمه أحمد. وعنه رواه عبدالله بن شبيب؛ خلافاً لما في ((الشرح))!
٢٥٣

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٨ - حديث ابن عباس
من حديث أبي هريرة بدون ذكر الحجارة(١))
.
قال النووي في ((شرح المهذب)) : المعروف في طرق الحديث أنهم كانوا
يستنجون بالماء ، وليس فيه أنهم كانوا يجمعون بين الماء والأحجار، وتبعه ابن
الرِّفعة فقال : لا يوجد هذا في كتب الحديث ، وكذا قال المحب الطبري نحوه ،
قال المصنف : ورواية البزار واردة عليهم ، وإن كانت ضعيفة .
قلت : يحتمل أنهم يريدون : لا يوجد في كتب الحديث بسند صحيح ، ولكن
الأولى الردّ بما في ((الإلمام)) (٢)؛ فإنه صحح ذلك(٣)، قال في ((البدر)): والنووي
معذور ؛ فإن رواية ذلك غريبة في زوايا وخبايا ، لو قطعت إليها أكباد الإبل ،
لكان قليلاً .
قلت : يتحصل من هذا كله أن الاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة ، والجمع
بينهما أفضل من الكل بعد صحة ما في ((الإلمام))(٤)، ولم نجد عنه ﴿﴿﴿ أنه جمع
بینھما .
وعدة أحاديث باب قضاء الحاجة أحد وعشرون .
(١) وكذلك رواه جماعة آخرون من الصحابة ؛ منهم عويم بن ساعدة ، وابن عباس ، وغيرهما؛
انظر ((صحيح أبي داود)) (٣٤).
(٢ و٤) في نسخة ((الإمام)) في الموضعين ، وفي أخرى العكس .
(٢) و((الإمام))
.
(٣) هذا وهم على صاحب ((الإمام)) ؛ فإنه لم يصحح ذلك ؛ بل ضعفه! ومن شاء الوقوف
على نص كلامه في ذلك ؛ فليراجع ((نصب الراية)) (٢١٨/١).
٢٥٤

١ - كتاب الطهارة
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
٩٨ - حديث ابن عباس
وقال في ((الشرح)): خمسة عشر، وكأنه عدَّ أحاديث الملاعن حديثاً واحداً،
ولا وجه له ؛ فإنها أربعة أحاديث عن أبي هريرة عند مسلم ، وعن معاذ عند أبي
داود ، وعن ابن عباس عند أحمد ، وعن ابن عمر عند الطبراني ؛ فقد اختلفت
صحابة ومخرجين ، وعد حديثي النهي عن استقبال القبلة واحداً وهما
حديثان ؛ عن سلمان عند مسلم ، وعن أبي أيوب عند السبعة .
٢٥٥

١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
٩٩ - حديث أبى سعيد الخدري
٨ - بابُ الغُسْل، وحُكْم الْجُنُب
الغُسْل ؛ بضم الغين المعجمة : اسم للاغتسال .
وقيل : إذا أريد به الماء ؛ فهو مضموم ، وأمّا المصدر؛ فيجوز فيه الضم والفتح .
وقيل : المصدر بالفتح ، والاغتسال بالضم .
:
وقيل : إنه بالفتح فعل المغتسل، وبالضم الذي يغتسل به ، وبالكسر ما
يجعل مع الماء كالأَشنان .
وحكم الجنب ؛ أي : الأحكام المتعلقة بمن أصابته جنابة .
٩٩ - عَنْ أبي سعيدِ الْخُدْري رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله
٠٠
((الماءُ منَ الماءِ)). رواه مُسلمٌ، وأصْلُهُ في البخاريِّ.
( عَنْ أبي سعيدِ الْخُدْري رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ لَةِ: ((الماء
و
مِنَ الماءِ))(١). رواه مُسلمٌ، وأصْلُهُ في البخاريِّ).
أي : الاغتسال من الإنزال ؛ فالماء الأول : المعروف ، والثاني : المني ، وفيه
من البديع الجناس التام .
وحقيقة الاغتسال : إفاضة الماء على الأعضاء .
واختلف في وجوب الدلك ؛ فقيل : يجب .
وقيل : لا يجب؛ والتحقيق أن المسألة لغوية ؛ فإن الوارد في القرآن الغسل
(١) قال أبو حاتم: ((هو منسوخ؛ نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب))؛ انظر
((العلل)) (٤٩/١) .
٢٥٦

١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل، وحكم الجنب ٩٩ - حديث أبي سعيد الخدري
في أعضاء الوضوء ، فيتوقف إثبات الدلك فيه على أنه من مسماه ، وأمّا الغسل
فورد بلفظ: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، وهذا اللفظ فيه زيادة على
مسمى الغسل ، وأقلها الدلك ، وما عدل عزَّ وَجَلَّ في العبارة إلا لإفادة التفرقة بين
الأمرين ؛ فأما الغسل فالظاهر أنه ليس من مسمّاه الدلك ؛ إذْ يقال : غسله العرق ،
وغسله المطر؛ فلا بد من دليل خارجي على شريطة الدلك في غسل أعضاء
الوضوء ، بخلاف غسل الجنابة والحيض ؛ فقد ورد فيه بلفظ التطهير - كما
سمعت -، وفي الحيض : ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا أنه سيأتي في حديث
عائشة وميمونة ما يدل على أنه :﴿ اكتفى في إزالة الجنابة بمجرد الغسل،
وإفاضة الماء من دون دلك ، فالله أعلم بالنكتة التي لأجلها عبّر في التنزيل عن
غسل أعضاء الوضوء بالغسل ، وعن إزالة الجنابة بالتطهير ، مع الاتحاد في الكيفية .
وأما المسح؛ فإنه الإمرار على الشيء باليد ، يصيب ما أصاب ، ويخطئ ما
أخطأ؛ فلا يقال : لا يبقى فرق بين الغسل والمسح ، إذا لم يشترط الدلك .
وحديث الكتاب ذكره مسلم؛ كما نسبه المصنف إليه في قصة عتبان بن
مالك ، ورواه أبو داود ، وابن خزيمة ، وابن حبان بلفظ الكتاب ، وروى البخاري
القصة ، ولم يذكر الحديث ؛ ولذا قال المصنف : وأصله في البخاري وهو : أنه
قال لعتبان بن مالك: ((إذا أعجلت، أو أقحطت؛ فعليك الوضوء))،
والحديث له طرق عن جماعة من الصحابة عن أبي أيوب ، وعن رافع بن
خديج ، وعن عتبان بن مالك ، وعن أبي هريرة ، وعن أنس .
والحديث دالٌ بمفهوم الحصر المستفاد من تعريف المسند إليه ، وقد ورد عند
٢٥٧

١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٠ - حديث أبي هريرة
مسلم بلفظ: ((إنما الماء من الماء))، على أنه لا غسل إلا من الإنزال ، ولا غسل
من التقاء الختانين ، وإليه ذهب داود ، وقليل من الصحابة ، والتابعين ، وفي
البخاري : أنه سئل عثمان عمن يجامع امرأته ، ولم يُمْنِ ، فقال : يتوضأ كما
يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره .
وقال عثمان: سمعته من رسول الله ﴿﴿ ، وبمثله قال علي ، والزبير،
وطلحة، وأبيّ بن كعب، وأبو أيوب، ورفعه إلى رسول الله عَ ليه، ثم قال
البخاري : الغسل أحوط .
وقال الجمهور : هذا المفهوم منسوخ بحديث أبي هريرة الآتي :
١٠٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَلُهُ: ((إذا جَلَسَ
بَيْنَ شُعَبِهَا الأربع، ثم جَهَدَهَا؛ فقد وَجَبَ الغُسْلُ)) . متفق عليه.
زادَ مُسْلِمٌ: ((وإنْ لمْ يُنْزِلْ)) .
: ((إذا جلسَ) :
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
أي : الرجل المعلوم من السياق (بين شُعَبها): أي : المرأة (الأربع) : بضم الشين
المعجمة وفتح العين المهملة فموحدة؛ جمع شعبة (ثم جَهَدَهَا) : بفتح الجيم
والهاء ، معناه: كدها بحركته؛ أي: بلغ جهده في العمل بها (فَقَدْ وَجَبَ
الغُسْلُ))): وفي مسلم: ((ثم اجتهد))، وعند أبي داود: ((وألزق الختان بالختان ،
ثم جهدها))، قال المصنف في ((الفتح)): وهذا يدلّ على أنّ الجهد هنا كناية عن
معالجة الإيلاج (متفق عليه، زاد مسلم: ((وإن لم ينزل))): والشعب الأربع؛
قيل : يداها ورجلاها ، وقيل : رجلاها وفخذاها ، وقيل : ساقاها وفخذاها ،
٢٥٨

١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٠ - حديث أبي هريرة
وقيل غير ذلك ، والكل كناية عن الجماع .
فهذا الحديث استدل به الجمهور على نسخ مفهوم حديث: ((الماء من الماء))،
واستدلوا على أن هذا آخر الأمرين بما رواه أحمد (١) وغيره من طريق الزهري ، عن
أبيّ بن كعب أنه قال : إن الفتيا التي كانوا يقولون : إن الماء من الماء رخصة ،
كان رسول الله ﴿ رخص بها في أول الإسلام ، ثم أمر بالاغتسال بعد . صححه
ابن خزيمة ، وابن حبان ، وقال الإسماعيلي : إنه صحيح على شرط البخاري ،
وهو صريح في النسخ(٢) .
على أن حديث الغسل - وإن لم ينزل - أرجح لو لم يثبت النسخ ، منطوق في
إيجاب الغسل ، وذلك مفهوم ، والمنطوق مقدم على العمل بالمفهوم ، وإن كان
(١) في ((المسند)) (١١٥/٥ و١١٥ - ١١٦) من طرق عن الزهري عن سهل بن سعد ، حدثني
أبيُّ بن كعب .
وكذا ؛ رواه ابن حبان في «صحيحه» (رقم ٢٢٨)، وابن الجارود (ص ٥٠)؛ ولم يصرّح الزهري
بسماعه من سهل ؛ بل عنعنه .
وتارة قال : قال سهل بن سعد .
وفي رواية عنه قال : حدثني بعض من أرضى عن سهل بن سعد . رواه أحمد .
لكن رواه ابن حبان (٢٢٩) من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد به نحوه . وسنده صحيح .
(٢) قلت: ومثله ما روى الزهري، قال: سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل؟ قال: على
الناس أن يأخذوا بالآخر فالآخر من أمر رسول الله فَ ه؛ حدثتني عائشة أن رسول الله تَّةٍ كان
يفعل ذلك ولا يغتسل ، وذلك قبل فتح مكة ، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر بالغسل . أخرجه ابن
حبان في ((صحيحه)) (٢٣٠)، ورجاله موثقون؛ غير علي بن الحسين بن سليمان؛ وهو المعدل ؛
لم أجد من ترجمه . والظاهر أنه لم يتفرد به .
٢٥٩

١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠١ - حديث أنس
المفهوم موافقاً للبراءة الأصلية ، والآية تعضد المنطوق في إيجاب الغسل ؛ فإنه
قال تعالى: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُباً فَاطْهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، قال الشافعي: إن كلام
العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع ، وإن لم يكن فيه إنزال ،
قال : فإن كل من خوطب بأن فلاناً أجنب عن فلانة عقل أنه أصابها ؛ وإن لم
ينزل ، قال : ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع ، ولو لم يكن
منه إنزال . اهـ، فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج .
١٠١ - وعن أنس رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله ◌َّهِ - في المرأةِ تَرَى
في منَامِهَا ما يَرَى الرجُلُ - قالَ: ((تَغْتَسِلُ)). متفق عليه .
زادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وهَلْ يَكُونُ هَذا؟ قَالَ: ((نَعَمِ، فَمِنْ أَيْنَ
يَكُونُ الشَّبَهُ؟!)) .
٤ - في المرأة ترى في
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﴿
منامها ما يرى الرجل - قال: ((تغتسل)). متفق عليه ، زاد مسلم: فقالت أم
سلمة : وهل يكون هذا؟ قال: ((نعم، فمن أين يكون الشبه؟!))): بكسر
الشين المعجمة وسكون الموحدة وبفتحهما لغتان .
اتفق الشيخان على إخراجه من طرق عن أم سلمة ، وعائشة ، وأنس ،
ووقعت هذه المسألة لنساء من الصحابيات؛ لخولة بنت حكيم عند أحمد ،
والنسائي ، وابن ماجه ، ولسهلة بنت سهيل عند الطبراني ، ولبسرة بنت صفوان
عند ابن أبي شيبة .
والحديث دليل على أن المرأة ترى ما يراه الرجل في منامه ، والمراد إذا أنزلت
٢٦٠