النص المفهرس

صفحات 181-200

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦١ - حديث أنس
فهو فعل صحابي لا يدرى كيف وقع ، والحجة إنما هي في أفعاله ، وأقواله ،
وتقريراته
•
القول الثاني : أنه لا ينقض مطلقاً؛ لما سلف من حديث أنس ، وحكاية
نوم الصحابة على تلك الصفات ؛ ولو كان ناقضاً لما أقرّهم الله عليه ، وأوحى إلى
رسوله ﴿﴿﴿ في ذلك؛ كما أوحى إليه في شأن نجاسة نعله ، وبالأولى صحة
صلاة من خلفه ، ولكنه يرد عليهم حديث صفوان بن عسال .
القول الثالث : أن النوم ناقضٌ كلّه ، إنما يعفى عن خفقتين، ولو توالتا ،
وعن الخفقات المتفرقات ، وهو مذهب الهادوية . والخفقة : هي ميلان الرأس من
النعاس ، وحدّ الخفقة : أن لا يستقر رأسه من الميل ، حتّى يستيقظ ، ومَنْ لم يمل
رأسه ، عفي له عن قدر خفقة ، وهي ميل الرأس فقط ، حتّى يصل ذقنه صدره ؛
قياساً على نوم الخفقة ، ويحملون أحاديث أنس على النعاس الذي لا يزول معه
التمييز؛ ولا يخفى بُعْده .
القول الرابع : أنّ النوم ليس بناقض بنفسه ؛ بل هو مظنة للنقض لا غير،
فإذا نام جالساً(١) مُمَكِّناً مقعدته من الأرض ؛ لم ينتقض وإلا انتقض ، وهو
(١) قال ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ)) (٢/١١٧/١): ((قال أبو عبيد: كنت أفتي أن من نام
جالساً ، لا وضوء عليه؛ حتى قعد إلى جنبي رجل يوم الجمعة ؛ فنام ، فخرجت منه ريح ،
فقلت : قم فتوضأ، فقال : لم أنم ! فقلت : بلى ، وقد خرجت منك ريح تنقض الوضوء ! فجعل
يحلف بالله ما كان ذلك منه ، وقال لي : بل منك خرجت ! فرأيت (كذا ، ولعله : فزايلت) ما
كنت أعتقد في نوم الجالس ، وراعيت غلبة النوم ومخالطته القلب» .
١٨١

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦١ - حديث أنس
مذهب الشافعي(١)، واستدل بحديث علي عليه السلام: ((العين وكاء السَّه؛
فمن نام؛ فليتوضأ))، حسنه الترمذي (٢) ، إلا أن فيه مَنْ لا تقوم به حجة ، وهو
بقية بن الوليد ، وقد عنعنه(٣)، وحمل أحاديث أنس على من نام مُمَكِّناً
مقعدته ، جمعاً بين الأحاديث ، وقيّد حديث صفوان بحديث علي عليه
السَّلام هذا(٤) .
الخامس : أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلي راكعاً ، أو ساجداً، أو
قائماً ؛ فإنه لا ينتقض وضوؤه ، سواء كان في الصلاة ، أو خارجها ؛ فإن نام
مضطجعاً، أو على قفاه نقض ، واستدل له بحديث: ((إذا نام العبد في
سجوده ، باهى الله به الملائكة ؛ يقول : عبدي روحه عندي ، وجسده ساجد
بين يدي))، رواه البيهقي وغيره ، وقد ضُعَّف(٥) .
قالوا : فسمَّاه ساجداً ، وهو نائم ، ولا سجود إلا بطهارة .
(١) والحنفية .
(٢) كذا ! ولعله سبق قلم أو نظر من المؤلف ، أو وهم من الناسخ أو الطابع ؛ فإن الحديث لم
أر من ذكر تحسين الترمذي إياه؛ وإنما حسنه المنذري وابن الصلاح؛ كما في ((التلخيص))، وكذا
حسنه النووي في ((المجموع)) .
(٣) قلت : لكن صرح بالتحديث عند أحمد (رقم ٨٨٧).
(٤) قلت : حديث علي: ((من نام؛ فليتوضأ)) عام يشمل كل نائم؛ فهو مثل حديث صفوان ؛
لأن (النوم) فيه مطلق ؛ فیشمل كل نوم ؛ فاتفقا .
وحمل حديث أنس على ما ذكر؛ لا يخفى بُعْدُه !
(٥) قال في ((التلخيص)) (٤٤): ((وفيه داود بن الزبرقان؛ وهو ضعيف)).
١٨٢

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦١ - حديث أنس
وأجيب : بأنه سمّاه باعتبار أول أمره ، أو باعتبار هيئته .
السادس : أنه ينقض إلا نوم الراكع والساجد ؛ للحديث الذي سبق ، وإن
كان خاصاً بالسجود ؛ فقد قاس عليه الركوع ؛ كما قاس الذي قبله سائر هيئات
المصلي .
السابع : أنه لا ينقض النوم في الصلاة على أي حال ، وينقض خارجها ،
وحجته الحديث المذكور؛ لأنه حجة هذه الأقوال الثلاثة .
الثامن : أن كثير النوم ينقض على كل حال ، ولا ينقض قليله . وهؤلاء
يقولون : إن النوم ليس بناقض بنفسه ؛ بل مظنة النقض . والكثير مظنة ؛
بخلاف القليل ، وحملوا أحاديث أنس على القليل ، إلا أنهم لم يذكروا قدر
القليل ، ولا الكثير ، حتّى يعلم كلامهم بحقيقته ، وهل هو داخل تحت أحد
الأقوال ، أم لا؟ .
فهذه أقوال العلماء في النوم اختلفت أنظارهم فيه ؛ لاختلاف الأحاديث
التي ذكرناها ، وفي الباب أحاديث لا تخلو عن قدح ؛ أعرضنا عنها .
والأقرب القول : بأنّ النوم ناقض ؛ لحديث صفوان ، وقد عرفت أنه صححه
ابن خزيمة ، والترمذي ، والخطابي ؛ ولكن لفظ النوم في حديثه مطلق ، ودلالة
الاقتران ضعيفة ؛ فلا يقال : قد قرن بالبول والغائط . وهما ناقضان على كل
حال(١) . ولما كان مطلق ورود حديث أنس بنوم الصحابة ، وأنهم كانوا لا يتوضؤون ،
(١) قلت : لقائل أن يقول: إن الاستدلال بإطلاق لفظ: (النوم) يغني عن الاستدلال =
١٨٣

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦١ - حديث أنس
ولو غطوا غطيطاً ، وبأنهم كانوا يضعون جنوبهم ، وبأنهم كانوا يوقظون ، والأصل
جلالة قدرهم ، وأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء ، سيِّمًا ، وقد حكاه أنس عن
الصحابة مطلقاً ، ومعلوم أن فيهم العلماء العارفين بأمور الدين ؛ خصوصاً الصلاة
التي هي أعظم أركان الإسلام ، وسيما الذين كانوا منهم ينتظرون الصلاة معه
﴿﴿؛ فإنهم أعيان الصحابة ، وإذا كانوا كذلك؛ فيقيد مطلق حديث صفوان
بالنوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك ، ويؤوَّل ما ذكره أنس من الغطيط
ووضع الجنوب والإيقاظ بعدم الاستغراق ، فقد يغط من هو في مبادئ نومه قبل
استغراقه(١) ، ووضع الجَنْب لا يستلزم الاستغراق؛ فقد كان صلى الله عليه وآله
وسلم يضع جنبه بعد ركعتي الفجر ، ولا ينام؛ فإنه كان يقوم لصلاة الفجر بعد
وضع جنبه . - وإن كان قد قيل: إنه من خصائصه 8َ ، أنه لا ينقض نومه
وضوءه - فعدم ملازمة النوم لوضع الجنب معلومة ، والإيقاظ قد يكون لمن هو في
= بالاقتران ؛ فإن اللفظ - بإطلاقه لا باقترانه فقط -، يشمل قليل النوم وكثيره ؛ والمراد طول
زمانه وقصره؛ لا مبادیه؛ كما في ((الفتح)) (٢٥١/١).
قلت : وهذا يلتقي مع تفسير المراد من النوم في كلام الخطّابي الآتي قريباً، ولعله هو مراد
الشارح بالنوم المستغرق الذي حمل عليه حديث صفوان في آخر البحث !
(١) قلت: قال الخطّابي في ((غريب الحديث)) (ق٢/٣٢): ((وحتميقة النوم: هو الغشية
الثقيلة التي تهجم على القلب ، فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة . والناعس : هو الذي رهقه
ثقل فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة)) . قلت : فهذا النوم هو الناقض ؛ سواء صحبه الاستغراق
أم لا .
وتأویل حدیث أنس بما ذكره الشارح؛ لا يخلو من تكلف ؛ کما هو ظاهر ! فالأولى أن يقال :
إن ما حكاه أنس كان قبل تشريع أن النوم ناقض .
١٨٤

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٢ - حديث عائشة
مبادئ النوم ، فينبه ، لئلا يستغرقه النوم .
هذا؛ وقد ألحق بالنوم الإغماء ، والجنون ، والسكر بأي مسكر؛ بجامع زوال
العقل. وذكر في ((الشرح)) أنهم اتفقوا على أن هذه الأمور ناقضة ؛ فإن صح كان
الدليل الإجماع .
٦٢ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش
، فَقَالَتْ: يا رسولَ الله، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ ؛ فلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ
إلى النّبي ◌ِ
PA
الصَّلاةَ؟ قالَ: ((لا، إنّمَا ذلك عِرْقٌ، وليسِ بحَيْض؛ فإذا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك؛
فَدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أَدْبَرَتْ؛ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ، ثَمَّ صَلِّي)) . متفق عليه .
وللبخاريِّ: ((ثُمَّ تَوَضَّتِي لِكُلِّ صلاةٍ» ، وأشار مُسْلِمٌ إلى أنهُ حَذَفَها عَمْداً .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنتُ أبي حُبَيْش) :
حبيش ؛ بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية فشين
،
معجمة ، وفاطمة قرشية أسدية ، وهي زوج عبد الله بن جحش (إلى النبي
فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُسْتَحاض): من الاستحاضة ، وهو جريان
الدم من فرج المرأة في غير أوانه (فلا أطْهُرُ، أفادعُ الصلاة؟ قال: ((لا ، إنما
ذلك) : بكسر الكاف خطاب للمؤنث (عرق) : بكسر العين المهملة وسكون
الراء فقاف، وفي ((فتح الباري)): أن هذا العرق يسمى : العاذل؛ بعين مهملة
وذال معجمة ، ويقال: عاذر؛ بالراء بدلاً عن اللام؛ كما في ((القاموس)) (وليس
بحيض) : فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة ، فهو إخبار باختلاف المخرجين ،
وهو رد لقولها : لا أطهر ؛ لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع
١٨٥

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٢ : حديث عائشة
الدم ، فكنّت بعدم الطهر عن اتصاله ، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي ،
فظنّت أنّ ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها عمر : أنه ليس بحيض ،
وأنها طاهرة يلزمها الصلاة (فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُك) : بفتح الحاء ويجوز كسرها ،
والمراد بالإقبال ابتداء دم الحيض (فدعي الصلاة) : يتضمّن نهي الحائض عن
الصلاة ، وتحريم ذلك عليها ، وفساد صلاتها، وهو إجماع (وإذا أدْبَرَتْ): هو
ابتداء انقطاعها (فاغسلي عنك الدمَ) : أي : واغتسلي ، وهو مستفاد من أدلة
أخرى (ثم صلي)) . متفق عليه) .
الحديث دليل على وقوع الاستحاضة ، وعلى أنّ لها حكماً يخالف حكم
الحيض، وقد بيّنه ﴿ أكمل بيان ؛ فإنه أفتاها بأنها لا تدع الصلاة مع جريان
الدم ، وبأنها تنتظر وقت إقبال حيضتها ، فتترك الصلاة فيها ، وإذا أدبرت ؛
غسلت الدم ، واغتسلت ؛ كما ورد في بعض طرق البخاري : ((واغتسلي))، وفي
بعضها ؛ كرواية المصنف هنا الاقتصار على غسل الدم .
والحاصل ؛ أنه قد ذكر الأمران في الأحاديث الصحيحة ؛ غسل الدم،
والاغتسال ، وإنما بعض الرواة اقتصر على أحد الأمرين ، والآخر على الآخر ، ثم
أمرها بالصلاة بعد ذلك . نعم؛ وإنما بقي الكلام في معرفتها الإقبال الحيض مع
استمرار الدم بماذا يكون؟ فإنه قد أعلم الشارع المستحاضة بأحكام إقبال
الحيضة ، وإدبارها ، فدل على أنها تميز ذلك بعلامة . وللعلماء في ذلك قولان :
أحدهما : أنها تميّز ذلك بالرجوع إلى عادتها ، فإقبالها وجود الدم في أول
أيام العادة ، وإدبارها انقضاء أيام العادة ، وورد الردّ إلى أيام العادة في حديث
١٨٦

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٢ - حديث عائشة
فاطمة في بعض الروايات(١) بلفظ: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين
فيها))، وسيأتي في باب الحيض تحقيق الكلام على ذلك .
الثاني : ترجع إلى صفة الدم؛ كما يأتي في حديث عائشة في قصة فاطمة
بنت أبي حبيش هذه، بلفظ: ((إن دم الحيض أسود يعرف(٢) ؛ فإذا كان ذلك؛
فأمسكي عن الصلاة ، وإذا كان الآخر؛ فتوضئي ، وصلي))، ويأتي في باب
الحيض إن شاء الله تعالى؛ فيكون إقبال الحيض إقبال الصفة ، وإدباره إدبارها ،
ويأتي أيضاً(٣) الأمر بالرد إلى عادة النساء ، ويأتي تحقيق ذلك جميعاً، ويأتي
بيان اختلاف العلماء ، وأن كلاً ذهب إلى القول بالعمل بعلامة من العلامات .
(وللبخاري) : أي: من حديث عائشة هذا زيادة («ثم توضئي لكُلّ صلاة))،
وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمداً): فإنه قال في ((صحيحه)) بعد سياق
الحديث : وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره ؛ قال البيهقي : هو قوله :
((توضئي))؛ لأنها زيادة غير محفوظة ، وأنه تفرد بها بعض الرواة عن غيره ممن
روى الحديث، وقد قرر المصنف في ((الفتح)) (٤) أنها ثابتة من طرق ينتفي معها
تفرد من قاله مسلم .
(١) عند البخاري (٣٣٨/١ - فتح).
(٢) وإسناده حسن؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٢٨٤) .
(٣) (ص٣٠٩) .
(٤) ذكر فيه (٣٢٥/١) أن هذه الزيادة اتفق عليها : أبو معاوية ، وحماد بن زيد، وحماد بن
سلمة ، ويحيى بن سليم؛ كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .
١٨٧

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٢ - حديث عائشة
واعلم أن المصنف ساق حديث المستحاضة في باب النواقض ، وليس المناسب
للباب إلا هذه الزيادة ، لا أصل الحديث ؛ فإنه من أحكام باب الاستحاضة
والحيض ، وسيعيده هنالك! فهذه الزيادة هي الحجة على أنّ دم الاستحاضة
حدث ، من جملة الأحداث ، ناقض للوضوء ، ولهذا أمر الشارع بالوضوء منه
لكل صلاة؛ لأنه إنما رفع الوضوء حكمه ؛ لأجل الصلاة ، فإذا فرغت من
الصلاة نقض وضوؤها ، وهذا قول الجمهور : أنها توضأ لكل صلاة .
وذهبت الهادوية والحنفية(١) إلى أنها توضأ لوقت كل صلاة ، وأن الوضوء
متعلق بالوقت(٢)، وأنها تصلي به الفريضة الحاضرة ، وما شاءت من النوافل ،
(١) وكذا الحنابلة: ((مقنع)) (٩٢/١).
(٢) قلت: وهذا يحتاج إلى دليل؛ كما قال الحافظ (٣٢٥/١).
قلت: وقد استدل صاحب ((الهداية)) بحديث: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) ! لكن
قال الزيلعي (٢٠٤/١) :
((غريب جدًا)). وقال الحافظ في ((الدراية)):
((لم أجده هكذا)). قال الشيخ عبيدالله الرحماني المباركفوري في ((مرعاة المفاتيح)) (٣٦٧/١):
((وأما ما روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبيَ * قال لفاطمة
بنت أبي حبيش: «توضئي لوقت كل صلاة)). ففي كونه محفوظاً نظر قوي ؛ فإن الطرق
الصحيحة كلها ، قد وردت بلفظ: ((توضئي لكل صلاة))، وأما هذا اللفظ ؛ فتفرد به أبو حنيفة ،
وهو سيئ الحفظ ؛ كما صرّح به ابن عبدالبر)) .
قلت : بل أنا في شك في ثبوت هذا اللفظ عن أبي حنيفة رحمه الله ؛ فقد أخرجه الطحاوي
في ((شرح المعاني)) (٦١/١) عنه بسنده المذكور بلفظ: («ثم توضئي لكل صلاة)).
فلو كان ذكر الوقت فيه ، محفوظاً عن أبي حنيفة ؛ لذكره الطحاوي ؛ فإنه من أعرف الناس
بحديثه؛ كما لا يخفى على أهل العلم !
١٨٨

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٣ - حديث علي
وتجمع بين الفريضتين على وجه الجواز عند من يجيز ذلك ، أو لعذر، وقالوا :
الحديث فيه مضاف مقدر وهو : لوقت كل صلاة ، فهو من مجاز الحذف؛ ولكنه
لا بدّ من قرينة توجب التقدير، وقد تكلف في ((الشرح)) إلى ذكر ما لعله يقال :
إنه قرينة للحذف ، وضعفه .
وذهبت المالكية إلى أنه يستحب الوضوء(١) ، ولا يجب إلا لحدث آخر .
وسيأتي تحقيق ما في ذلك في حديث حمنة بنت جحش في باب الحيض
إن شاء الله تعالى . وتأتي أحكام المستحاضة التي تجوز لها ، وتفارق بها الحائض
هنالك؛ فهو محل الكلام عليها ، وفي ((الشرح)) سرده هنالك، وأمّا هنا فما ذكر
حديثها إلا باعتبار نقض الاستحاضة للوضوء .
٦٣ - وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءُ، فأمَرْتُ
المقْدَادَ أنْ يَسْأَلَ رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ، فَسَأَلَهُ، فقَالَ: ((فيهِ الْوُضُوءُ)). متفقٌ عليهِ،
واللفظ للبخاري .
(وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً) : بزنة
ضراب؛ صيغة مبالغة من المذي ، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف
الياء ، وفيه لغات(٢)، وهو ماء أبيض لزج رقيق يخرج عند الملاعبة، أو تذكر
الجماع ، أو إرادته . يقال : مذى زيد يمذي ، مثل : مضى يمضي ، وأمذى يمذي ،
مثل : أعطى يعطي (فأُمَرْتُ المِقْدَادَ): وهو ابن الأسود الكندي (أنْ يسألَ
(١) أي : لكل صلاة .
(٢) فيقال فيه على وزن: (غَنِيّ) ، و (المذِي) بسكون الياء.
١٨٩

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٣ - حديث علي
٢): أي: عما يجب على مَنْ أمذى (فسأله فقال: ((فيه الوُضُوء)).
رسولَ الله ◌َ
متفق عليه ، واللفظ للبخاري(١)) .
وفي بعض ألفاظه عند البخاري بعد هذا(٢) : فاستحييت أن أسأل رسول
وفي لفظ: لمكان ابنته مني (٣)، وفي لفظ لمسلم: لمكان فاطمة.
ووقع عند أبي داود ، والنسائي ، وابن خزيمة عن علي عليه السلام بلفظ: كنت
رجلاً مذاءً ، فجعلت أغتسل منه في الشتاء ، حتّى تشقق ظهري(٤) . وزاد في لفظ
للبخاري فقال: ((توضأ واغسل ذكرك))، وفي مسلم: ((اغسل ذكرك وتوضأ))،
وقد وقع اختلاف في السائل ؛ هل هو المقداد؛ كما في هذه الرواية ، أو عمار؛ كما
في رواية أخرى(٥)؟ وفي رواية أخرى: أن علياً رضي الله عنه هو السائل(٥) .
(١) في (العلم) (١٨٥/١).
(٢) قلت: البَعْدية المشار إليها غير ظاهرة! واللفظ المذكور إنما هو عند البخاري في ((الطهارة))
(٢٢٧/١) بعد قوله : (مَذَّاءٌ) في الرواية الأولى .
(٣) ليس في نسختنا من ((البخاري)): (مِنِّ)! وقد أخرجه في «الطهارة)) أيضاً (٣٠٢/١).
(٤) وإسناده صحيح؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٠).
(٥) هي رواية للنسائي. والتي بعدها لابن حبان (٢٤١)، والإسماعيلي؛ كما في ((الفتح))
(٣٠٢/١)؛ وعنه أخذ الشارح الجمع المذكور .
وذكر رواية أخرى: أن عليّاً أمر المقداد وعماراً أن يسألاه
وأخرى عند النسائي : أنه قال : أمرت عماراً أن يسأل ...
ونحوها عند ابن حبان (٢٣٩) ؛ وفي سنده إياس بن خليفة ؛ قال الذهبي :
«لا یکاد یعرف» .
١٩٠

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٣ - حديث علي
وجمع ابن حبان بين ذلك بأن علياً عليه السَّلام أمر المقداد أن يسأل ، ثم
سأل بنفسه ، إلا أنه تعقب بأن قوله : فاستحييت أن أسأل ؛ لمكان ابنته مني ؛
دالٌ على أنه رضي الله عنه لم يباشر السؤال ، فنسبة السؤال إليه في رواية مَنْ
قال : إنّ علياً سأل ، مجاز؛ لكونه الآمر بالسؤال .
والحديث دليل على أنّ المذي ينقض الوضوء ، ولأجله ذكره المصنف في هذا
الباب؛ ودليل على أنه لا يوجب غسلاً، وهو إجماع . ورواية : «توضأ واغسل
ذكرك)»، لا تقتضي تقديم الوضوء ؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب ، ولأن لفظ
رواية مسلم تبين المراد ، وأمّا إطلاق لفظ: ((ذكرك)) فهو ظاهر في غسل الذكر
كله ، وليس كذلك؛ إذ الواجب غسل محل الخارج ، وإنما هو من إطلاق اسم
الكل على البعض(١)، والقرينة ما علم من قواعد الشرع.
وذهب البعض إلى أنه يغسله كله ؛ عملاً بلفظ الحديث ، وأيده رواية أبي
داود: ((يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ))، وعنده أيضاً: ((فتغسل من ذلك فرجك
وأنثييك وتوضأ للصلاة))(٢)، إلا أنّ رواية غسل الأنثيين قد طعن فيها ، وأوضحناه
(١) قلت : هذا خلاف الأصل! والقرينة التي ذكرها إنما هي دعوى فقط! وإلا ؛ فأين القاعدة
المزعومة؟!
(٢) هذه الرواية ليست من حديث علي؛ كما يوهمه كلام الشارح! وإنما هي من رواية عبدالله
ابن سعد الأنصاري رضي الله عنه . وسندها صحيح؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٥).
وعليه ؛ فلا يشمله الطعن المذكور، وهو خاص في الرواية التي قبلها ، على أننا قد رجحنا
هناك (٢٠٢) تصحيح إسنادها أيضاً ، وردّ الطعن فيه .
فإذا ضم إلى ذلك طريق عبيدة عن علي - وإسنادها صحيح أيضاً -؛ فلا شك حينئذٍ في ثبوت
رواية غسل الأنثیین ؛ فوجب القول به !
١٩١

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٤ - حديث عائشة
في ((حواشي ضوء النهار))؛ وذلك أنها من رواية عروة ، عن علي ، وعروة لم يسمع
من علي؛ إلا أنه رواه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق عبيدة(١)، عن علي
بالزيادة، قال المصنف في ((التلخيص)): وإسناده لا مطعن فيه ؛ فمع صحتها؛
فلا عذر عن القول بها .
وقيل : الحكمة فيه أنه إذا غسله كله تقلص فبطل خروج المذي ، واستدل
بالحديث على نجاسة المذي .
قَبّل بَعْضَ نِسائِهِ ، ثم
٦٤ - وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النَّبي:
خَرَجَ إلى الصَّلاةِ ، ولم يَتَوَضَّأ. أخرجهُ أحمد ، وضعّفهُ البُخاريُ.
قَبّل بَعْضَ نِسائِهِ ، ثم خَرَجَ
(وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النَّبي ◌َ﴾
إلى الصَّلاةِ، ولم يَتَوَضَّأ. أخرجهُ أحمد ، وضعّفهُ البُخاريُ) .
وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ؛ قال الترمذي : سمعت
محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث(٢). وأبو داود أخرجه من طريق إبراهيم
التيمي عن عائشة ، ولم يسمع منها شيئاً؛ فهو مرسل .
وقال النسائي : ليس في هذا الباب حديث أحسن منه ، ولکنه مرسل ،
قال المصنف : روي من عشرة أوجه عن عائشة ؛ أوردها البيهقي في
(١) هو: ابن عمرو السليماني .
(٢) قلت : وتمام كلام البخاري: ((وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة)).
قلت : وهذا هو الإرسال الذي عناه النسائي فيما يأتي .
١٩٢
.-

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٤ - حديث عائشة
((الخلافيات)) وضعّفها(١).
وقال ابن حزم: لا يصح في هذا الباب شيء ، وإن صح؛ فهو محمول على
ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من اللَّمس .
إذا عرفت هذا؛ فالحديث دليل على أن لمس المرأة ، وتقبيلها لا ينقض
الوضوء ؛ وهذا هو الأصل ، والحديث مقرر للأصل ، وعليه الهادوية جميعاً ، ومن
الصحابة علي عليه السلام .
وذهبت الشافعية : إلى أنّ لمس من لا يحرم نكاحها ناقض للوضوء مستدلين
بقوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [النساء: ٤٣]، فلزم الوضوء من اللمس ،
قالوا : واللمس حقيقة في اليد ، ويؤيد بقاءه على معناه قراءة : ﴿أو لمستم النساء﴾؛
فإنها ظاهرة في مجرد لمس الرجل من دون أن يكون من المرأة فعل ؛ وهذا يحقّق
بقاء اللفظ على معناه الحقيقي ، فقراءة: ﴿أو لا مستم النساء﴾، كذلك؛ إذ
الأصل اتفاق معنى القراءتين .
وأجيب عن ذلك بصرف اللفظ عن معناه الحقيقي ؛ للقرينة ؛ فيحمل على
المجاز، وهو هنا حمل الملامسة على الجماع ، واللمس كذلك ، والقرينة حديث
عائشة المذكور، وهو، وإن قدح فيه بما سمعت ، فطرقه يقوي بعضها بعضاً،
(١) قلت: وهذا غير مسلّم؛ فإن له طريقين صحيحين: أحدهما: عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة . والآخر: عن عبدالكريم الجزري عن عطاء عنها . أخرجهما الدارقطني .
وقد أوضحت صحتهما ، ووهَّنتُ ما أُعلا به في ((صحيح أبي داود)» (١٧١).
وقد صحح الحدیث ابن جرير (٣٩٦/٩ و٣٩٩).
١٩٣

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٤ - حديث عائشة
وحديث عائشة في البخاري في أنها كانت تعترض في قِبْلتِه ؛ فإذا قام
يصلي؛ غمزها ، فقبضت رجليها - أيْ: عند سجوده -، وإذا قام ؛ بسطتهما؛
فإنه يؤيد حديث الكتاب المذكور ، ويؤيد بقاء الأصل ، ويدل على أنه ليس
اللمس بناقض، وأمّا اعتذار المصنف في ((فتح الباري)» عن حديثها هذا بأنه
يحتمل أنه كان بحائل ، أو أنه خاص به ؛ فإنه بعيد مخالف للظاهر .
وقد فسر علي عليه السلام الملامسة بالجماع ، وفسرها حّبْر الأمة ابن عباس
بذلك؛ وهو المدعو له بأن يعلمه الله التأويل ؛ فأخرج عنه عبد بن حميد أنه فسر
الملامسة بعد أن وضع أصبعيه في أذنيه : ألا وهو النيك(١). وأخرج عنه الطَّسْتي(٢)
أنه سأله نافع بن الأزرق عن الملامسة ، ففسرها بالجماع ، مع أن تركيب الآية
الشريفة وأسلوبها يقتضي أن المراد بالملامسة الجماع؛ فإنه تعالى عدّ من
مقتضيات التيمم المجيء من الغائط ؛ تنبيهاً على الحدث الأصغر، وعدّ الملامسة
تنبيهاً على الحدث الأكبر ، وهو مقابل لقوله تعالى في الأمر بالغسل بالماء :
وإن كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، ولو حملت الملامسة على اللمس
الناقض للوضوء لفات التنبيه على أن التراب يقوم مقام الماء في رفعه للحدث
الأكبر ، وخالف صدر الآية .
(١) وروى ابن جرير (٣٨٩/٨ - ٣٩٢) معناه من طرق صحيحة عن ابن عباس.
ورواه عن علي ؛ وفيه ابن وكيع ، واسمه سفيان .
(٢) محدث معروف ؛ واسمه عبدالصمد بن علي بن محمد بن مكرم الطَّسْتي أبو الحسين
البغدادي؛ ترجمه الخطيب (٤١/١١) ، وقال :
(وكان ثقة، توفى سنة ٣٤٦)).
١٩٤

1 - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٥ - حديث أبي هريرة
وللحنفية(١) تفاصيل لا ينتهض عليها دليل .
٦٥ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسولُ الله عَنِ: ((إذا وَجَدَ
أَحَدُكُمْ في بطنِهِ شيئاً، فأشكل عليه أَخَرَجَ مِنْهُ شيءٌ ، أم لا؟ فلا يخْرُجَنَّ
مِنَ الْمَسْجِدِ ، حتَّى يَسْمَعَ صَوْناً ، أو يَجِدَ ريحاً)) . أخرجه مُسْلم .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَزاله: ((إذا وجد
أحد كم في بطنه شيئاً، فأشكلَ عليْهِ أخرَجَ منهُ شيء ، أم لا؟ فلا يخرجن
من المسجد): إذا كان فيه ؛ لإعادة الوضوء (حتى يسمع صوتاً) : للخارج (أو
يجد ريحاً))): له (أخرجه مسلم) : وليس السمع ، أو وجدان الريح شرطاً في
ذلك ؛ بل المراد حصول اليقين .
وهذا الحديث الجليل أصل من أصول الإسلام ، وقاعدة جليلة من قواعد
الفقه ؛ وهو أنه دل على أنّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها ، حتّى يتيقن
خلاف ذلك ، وأنه لا أثر للشك الطارئ عقبها ، فمن حصل له ظن ، أو شك بأنه
أحدث؛ وهو على يقين من طهارته ؛ لم يضرّه ذلك ، حتّى يحصل له اليقين ؛
كما أفاده قوله : ((حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً))؛ فإنه علّقه بحصول ما
يحسّه ، وذكرهما تمثيل ، وإلا فكذلك سائر النواقض؛ كالمذي والودي.
ويأتي(٢) حديث ابن عباس: ((إن الشيطان يأتي أحدكم (٣)، فينفخ في
(١) لا نعرف للحنفية تفاصيل في المسألة! وغاية ما قالوه أن الذي ينقض إنما هو المباشرة
الفاحشة . وقد ذكر معنى ذلك الشارح المغربي (٢/٤٧/١) بلفظ :
((إذا تماسّ الفرجان وانتشر ، وإن لم يُمْذِ)). وعزاه لأبي حنيفة وأبي يوسف.
(٢) (ص٢١٥) .
(٣) في صلاته .
١٩٥

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٦ - حديث طلق بن علي
مقعدته ، فَيُخيَّل إليه أنه أحدث ، ولم يحدث ؛ فلا ينصرفن ، حتّى يسمع
صوتاً ، أو يجد ريحاً)) ..
والحديث عامٌّ لمن كان في الصلاة ، أو خارجها؛ وهو قول الجماهير ، وللمالكية
تفاصيل وفروق بين مَنْ كان داخل الصلاة ، أو خارجها ، لا ينتهض عليها دليل .
٦٦ - وعن طَلْقِ بن عليٌّ، قالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي، أو قَال: الرَّجُلُ
يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصلاة ، أَعَلَيْهِ وُضُوء؟
فَقَالَ النّبِيُّ ◌َ﴿ِ: ((لا، إنّما هُوَ بَضْعَةٌ مِنْك)). أخرجهُ الخمسَةُ، وصحّحِهُ
ابنُ حِبّانَ ، وقالَ ابنُ الَديني : هوَ أَحْسَنُ مِنْ حديث بُسْرَة .
(وعن طلق) : بفتح الطاء وسكون اللام (ابن عليٍّ): اليمامي الحنفي . قال
ابن عبدالبر: إنه من أهل اليمامة (قال : قال رجل : مسست ذكري ، أو قال :
الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه وضوء؟ فقال النبي { ل: ((لا): أي: لا
وضوء عليه (إنما هو) : أي: الذكر (بَضْعَةٌ) : بفتح الموحدة وسكون الضاد
المعجمة (منك))) : أي : کالید والرجل ونحوهما ، وقد علم أنه لا وضوء من مس
البضعة منه (أخرجه الخمسة ، وصححه ابن حبان(١)، وقال ابن المديني) :
بفتح الميم فدال مهملة فمثناة تحتية فنون ؛ نسبة إلى جده ، وإلا فهو علي بن
عبد الله المديني . قال الذهبي : هو حافظ العصر وقدوة أهل هذا الشأن ، أبو
الحسن علي بن عبد الله ، صاحب التصانيف ، ولد سنة إحدى وستين ومائة ،
(١) قلت: وهو كما قال ابن حبان. ومن ضعفه، فلم يأت بحجة! وهو في ((الموارد))
(٢٠٧ - ٢٠٩) .
١٩٦

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٧ - حديث بسرة
من تلاميذه البخاري وأبو داود ، وقال ابن مهدي : علي بن المديني أعلم الناس
بحديث رسول الله ، قال النسائي : كأن علي بن المديني خلق لهذا الشأن .
قال العلامة محيي الدين النووي : لابن المديني نحو مائة مصنف (هو أحسن
من حديث بُسْرة) : بضم الموحدة وسكون السين المهملة فراء ، ويأتي حديثها
قريباً ، وهذا الحديث رواه أيضاً أحمد والدارقطني .
وقال الطحاوي : إسناده مستقيم غير مضطرب ؛ وصححه الطبراني ، وابن
حزم ، وضعّفه الشافعي ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، والدارقطني ، والبيهقي ، وابن
الجوزي .
والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء ، وهو
مروي عن علي عليه السلام، وعن الهادوية ، والحنفية .
وذهب إلى أنّ مسه ينقض الوضوء جماعة من الصحابة ، والتابعين ، ومن
أئمة المذاهب أحمد(١) ، والشافعي مستدلين بقوله :
د
قالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ
٦٧ - وعن بُسْرَةَ رضي الله عنها: أنَّ رسُولَ الله
فَلْيَتَوَضَّأ)). أخرجه الخَمْسَةُ، وصَحّحهُ التِّرمِذِيُّ وابن حِبّانَ ، وقالَ البُخاريُّ:
هُوَ أَصَحُّ شيءٍ فِي هذا الْبَابِ .
(وعن بسرة) : تقدم ضبط لفظها ، وهي بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية ،
(١) قال أبو داود في ((مسائله)) (١٢ -١٣): («سمعت أحمد، سأله رجل، قال: مسُّ الذكر؛
المتعمد والخطأ واحد؟ فقال: الخطأ والمتعمد في الصلاة وغير الصلاة واحد)).
١٩٧

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٧ - حديث بسرة
كانت من المبايعات له ◌َ ل ، روى عنها عبد الله بن عمر، وغيره (رضي الله
عنها: أن رسول الله ◌َ ﴿ قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكرهُ فليتوضأ)». أخرجه الخمسة،
وصححه الترمذي وابن حبان(١)، وقال البخاري : هو أصح شيء في هذا
الباب) : وأخرجه أيضاً الشافعي ، وأحمد ، وابن خزيمة ، والحاكم ، وابن الجارود .
وقال الدارقطني : صحيح ثابت ، وصححه يحيى بن معين ، والبيهقي ،
والحازمي .
والقدح فيه بأنه رواه عروة عن مروان ، أو عن رجل مجهول ؛ غير صحيح؛
فقد ثبت أن عروة سمعه من بسرة من غير واسطة ؛ كما جزم به ابن خزيمة وغيره
من أئمة الحديث .
وكذلك القدح فيه بأن هشام بن عروة الراوي له عن أبيه لم يسمعه من أبيه ؛
نغير صحيح ؛ فقد ثبت أنه سمعه من أبيه ؛ فاندفع القدح وصح الحديث(٢) .
وبه استدل مَنْ سمعت من الصحابة ، والتابعين ، وأحمد ، والشافعي على
نقض مس الذكر للوضوء ، والمراد مسه من غير حائل ؛ لأنه أخرج ابن حبان في
(صحيحه))(٣) من حديث أبي هريرة: «إذا أفضی أحد کم بیدہ إلی فرجه ، ليس
دونها حجاب، ولا ستر؛ فقد وجب عليه الوضوء)). وصححه الحاكم(٤)،
(١) (٢١١ - ٢١٤) .
(٢) قلت : وقد فصلت القول في ذلك في ((صحيح أبي داود)) (١٧٤).
(٣) (٢١٠) .
(٤) فيه نظر! فإن الذي صححه الحاكم (١٣٨/١) مختصر جدّاً بلفظ: ((من مسَّ فرجه، فليتوضأ)).
وقد رواه الطبراني في ((الصغير)) بتمامه بنحوه . وسنده صحيح .
١٩٨

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٧ - حديث بسرة
وابن عبد البر، قال ابن السكن : هو أجود ما روي في هذا الباب .
وزعمت الشافعية أن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف ، وأنه لا نقض إذا
مس الذكر بظاهر كفه ؛ وردّ عليهم المحققون بأن الإفضاء - لغة: الوصول - أعمّ من
أن يكون بباطن الكف ، أو ظهرها . قال ابن حزم: لا دليل على ما قالوه لا من
كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قول صاحب ، ولا قياس ، ولا رأي صحيح.
وأيدت أحاديث بُسْرة أحاديث أخر، عن سبعة عشر صحابياً مخرجة في
كتب الحديث ، ومنهم طلق بن علي (١) راوي حديث عدم النقض ، وتأول مَنْ
ذكر حديثه في عدم النقض ، بأنه كان في أول الأمر ؛ فإنه قدم في أول الهجرة
قبل عمارته ﴿ مسجده ؛ فحديثه منسوخ بحديث بسرة ؛ فإنها متأخرة
الإسلام (٢) .
وأحسن من القول بالنسخ القول بالترجيح ؛ فإن حديث بسرة أرجح ؛ لكثرة من
صححه من الأئمة ، ولكثرة شواهده ، ولأن بسرة حدثت به في دار المهاجرين
(١) قلت : لكن هذا لم يثبت عنه؛ فإن في الطريق إليه حماد بن محمد الحنفي عن أيوب
ابن عتبة - وكلاهما ضعيف - عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي .
وقد رواه ملازم بن عمرو الحنفي : ثنا عبدالله بن بدر عن قيس بن طلق به باللفظ المتقدم :
((إنما هو بضعة منك)).
وهذا هو المحفوظ ؛ وخلافه منکر .
(٢) هذه دعوى باطلة ؛ فإنها متقدمة الإسلام؛ وقد قال الحافظ في ((التقريب)):
(«لها سابقة وهجرة)).
١٩٩٠

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦٧ - حديث بسرة
والأنصار، وهم متوافرون ، ولم يدفعه أحد(١)؛ بل علمنا أن بعضهم صار إليه،
وصار إلیه عروة عن روايتها ؛ فإنه رجع إلى قولها ، وكان قبل ذلك يدفعه ، وكان
ابن عمر يحدث به عنها ، ولم يزل يتوضأ من مس الذكر إلى أن مات .
قال البيهقي : يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق بن علي أنه
لم يخرجه صاحبا ((الصحيح)) ، ولم يحتجا بأحد من رواته ، وقد احتجا بجميع
رواة حديث بسرة ، ثم إن حديث طلق من رواية قيس بن طلق .
قال الشافعي : قد سألنا عن قيس بن طلق ، فلم نجد من يعرفه ؛ فما يكون
لنا قَبول خبره (٢) .
وقال أبو حاتم ، وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس مِمَّن تقوم به حجة ، وَوَهَّياه(٣).
(١) قلت: فيما ذكره نظر؛ فقد ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يرون الوضوء من
مس الذكر .
وقد أخرج الآثار عنهم الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٤٦/١ - ٤٧)؛ منهم علي، وابن
مسعود ، وعمار ، وسعد أيضاً وحذيفة .
(٢) قلت : قد عرفه من وثّقه ؛ كابن معين والعجلي وابن حبان. ومن وهّاه، فلم يأت بحجة ؛
فهو جرح مردود بتوثيق من وثقه ، وتصحيح من صحح حديثه ؛ وهم : ابن المديني والفلاس وابن
حبان والطبراني وابن حزم؛ كما في ((التلخيص)).
فالحق أن گُلا من الحدیثین ثابت صحیح . ولكل منهما شواهد مرفوعة وموقوفة ؛ فلا بد من
الجمع بينهما .
وأحسن ما وقفت عليه فيه أنه يحمل حديث بسرة على المس بشهوة ، وحديث طلق على
المس بدون شهوة؛ بقرينة قوله: ((بضعة منك؟!)). وبه قال ابن تيمية (١٠/٤).
(٣) ((العلل)) (٤٨/١): «ووهَّماه»!
٢٠٠