النص المفهرس

صفحات 161-180

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٥٢ ۔ حديث عمر
وابن ماجه (والترمذي ، وزاد: ((اللَّهُمَّ ! اجعلني من التوابين ، واجعلني من
المتطهرين))): جمع بينهما إلماماً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولما كانت التوبة طهارة الباطن من أدران الذنوب ،
والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرب إليه تعالى ، ناسب
الجمع بينهما؛ أي : طلب ذلك من الله تعالى غاية المناسبة في طلب أن يكون
السائل محبوباً لله ، وفي زمرة المحبوبين له .
وهذه الرواية - وإن قال الترمذي بعد إخراجه الحديث : في إسناده
اضطراب(١) - فصدر الحديث ثابت في مسلم ، وهذه الزيادة قد رواها البزار ،
والطبراني في ((الأوسط)) من طريق ثوبان ، بلفظ : ((من دعا بوضوء فتوضأ
فساعة فرغ من وضوئه يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله ، اللَّهُمَّ! اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين)) . ورواه
ابن ماجه من حديث أنس(٢)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم
(١) وتمام كلامه: ((ولا يصح عن النبي {﴿ في هذا الباب كبير شيء)).
قلت: ومدار الحديث - عند مسلم وغيره - على (معاوية بن صالح) ؛ يرويه عنه جماعة ؛
منهم (زيد بن الحباب) عند الترمذي ، وهو الذي اضطرب في سنده دون الآخرين ؛ كما بينته
في ((صحيح أبي داود)) (١٦٢).
ولذلك؛ فالحديث صحيح ؛ لا يعله هذا الاضطراب. وقال في ((التلخيص)) (٣٧) - متعقباً
على الترمذي -:
«لكن رواية مسلم سالمة من الاضطراب)).
وقد بين ذلك بياناً شافياً في ((نتائج الأفكار)).
(٢) قلت : وسنده ضعيف ، وليس فيه الزيادة المذكورة؛ خلافاً لما أوهمه كلام الشارح!
١٦١

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٥٢ - حديث عمر
في ((المستدرك)) من حديث أبي سعيد بلفظ: ((من توضأ فقال : سبحانك اللَّهُمَّ
وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ؛ كتب في رق ،
ثم طبع بطابع؛ فلا يكسر إلى يوم القيامة)). وصحح النسائي أنه موقوف(١) ،
وهذا الذكر عقيب الوضوء .
قال النووي : قال أصحابنا : ويستحب أيضاً عقيب الغسل .
وإلى هنا انتهى باب الوضوء ، ولم يذكر المصنف من الأذكار فيه إلا حديث
التسمية في أوله ، وهذا الذكر في آخره ، وأمّا حديث الذكر مع غسل كل عضو
فلم يذكره؛ للاتفاق على ضعفه(٢)، قال النووي: الأدعية في أثناء الوضوء لا
أصل لها ، ولم يذكرها المتقدمون .
وقال ابن الصلاح : لم يصح فيه حديث .
هذا؛ ولا يخفى حسن ختم المصنف باب الوضوء بهذا الدعاء الذي يقال
عند تمام الوضوء فعلاً، فقاله عند تمام أدلته تأليفاً، وعقب الوضوء بالمسح على
الخفين ؛ لأنه من أحكام الوضوء ، فقال :
(١) قلت: وقد أخرجه موقوفاً الدارمي، وسعيد بن منصور بسند صحيح؛ كما بينته في
((الإرواء)) (٦٩٦)؛ وهو في حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي .
وقد صححه موقوفاً في ((التلخيص)) (٣٧).
وصحح بعض طرقه المرفوعة في ((نتائج الأفكار)).
(٢) وقد فصل القول في ذلك الحافظ في ((النتائج)).
١٦٢

١ -- كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٣ - حديث المغيرة بن شعبة
٥ - بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْحُفَّيْنِ
أي : باب ذكر أدلة شرعية ذلك ، والخف : نعل من أدَمَ يغطي الكعبين ،
والجرموق : خف كبير(١) يلبس فوق خف صغير، والجورب : فوق(٢) الجرموق؛
يغطي الكعبين بعض التغطية ؛ دون(٣) النعل (٤) ، وهي تكون دون الكعاب.
٥٣ - عن الْمُغيرَة بن شُعْبَةَ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ مَع النّبِيِّ ◌َهِ،
فَتَوَضَّأَ ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَيْهِ، فَقَالَ: ((دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنٍ))،
فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. متفقٌ عليه، وللأربعة عنه إلا النسائي: أن النبي ◌ُُّ مسح
أعلى الخفِّ وأسفلَهُ . وفي إسناده ضعفٌ .
(عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي تَ له) : أي: في
سفر؛ كما صرح به البخاري ، وعند مالك وأبي داود تعيين السفر أنه في غزوة
تبوك ، وتعيين الصلاة أنها صلاة الفجر(٥) (فتوضأ) : أيْ : أخذ في الوضوء ؛ كما
(١) وهو مقطوع الساقين .
(٢) أي : أعلى .
(٣) كذا ! ولعله (فوق النعل) .
ثم الذي في ((القاموس)): ((الجورب: لفافة الرجل))؛ فلم يذكر التغطية . وكذلك صنع
الشوكاني (١٥٨/١).
لكنه ذكر (١٥٧/١) أن الجورب أكبر من الجرموق ! .
(٤) أي : فإنها لا تغطي بعض التغطية .
(٥) قلت: وسند أبي داود صحيح، وسند مالك معلول؛ كما بينته في ((الصحيح)) رقم
(١٣٦). وغزوة تبوك كانت بعد غزوة المريسيع التي نزلت فيها آية الوضوء؛ كما صرّح الحافظ في
((الفتح)» (٢٤٦/١).
١٦٣

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٣ - حديث المغيرة بن شعبة
صرحت به الأحاديث ، ففي لفظ : تمضمض واستنشق ثلاث مرات ، وفي
أخرى : فمسح برأسه . فالمراد بقوله : توضأ؛ أخذ فيه ، لا أنه استكمله ؛ كما هو
ظاهر اللفظ (فأهويت) : أيْ: مددت يدي ، أو قصدت الهَوِيَّ من القيام إلى
القعود (لأنزع خفيه) : كأنه لم يكن قد علم برخصة المسح ، أو علمها وظن
أنه ◌َ﴿ سيفعل الأفضل ؛ بناء على أن الغسل أفضل ، ويأتي فيه الخلاف ، أو
جوز أنه لم يحصل شرط المسح . وهذا الأخير أقرب ؛ لقوله (فقال: ((دعهما):
أي : الخفين (فإني أدخلتُهما طاهرَتين))): حال من القدمين ؛ كما تبينه رواية
أبي داود: ((فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان))(١) (فمسح عليهما .
متفق عليه) : بين الشيخين ، ولفظه هنا للبخاري ، وذكر البزار أنه روي عن
المغيرة من ستين طريقاً ، وذكر منها ابن منده خمسة وأربعين طريقاً .
والحديث دليل على جواز المسح على الخفين في السفر؛ لأن هذا الحديث
ظاهر فيه ؛ كما عرفت ، وأمّا في الحضر فيأتي الكلام عليه في الحديث الثالث(٢).
وقد اختلف العلماء في جواز ذلك ، فالأكثر على جوازه سفراً؛ لهذا الحديث ،
وحضراً؛ لغيره من الأحاديث ، قال أحمد بن حنبل : فيه أربعون حديثاً عن
الصحابة مرفوعة .
وقال ابن أبي حاتم : فيه عن أحدٍ وأربعين صحابياً ، وقال ابن عبد البر في
((الاستذكار)): روى عن النبي ﴿ المسح على الخفين نحو من أربعين من الصحابة.
(١) وسندها صحيح؛ كما بينته هناك (١٤١).
(٢) الصواب : الخامس! [وهو يوافق الحديث السادس والخمسين بترقيمنا. الناشر].
١٦٤

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٣ - حديث المغيرة بن شعبة
ونقل ابن المنذر عن الحسن البصري قال : حدثني سبعون من أصحاب
رسول الله : أنه كان يمسح على الخفين.
وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في ((تذكرته))، فبلغوا ثمانين صحابياً؛
والقول بالمسح قول أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وسعد بن أبي وقاص ،
وبلال ، وحذيفة ، وبريدة ، وخزيمة بن ثابت ، وسلمان ، وجرير البجلي ، وغيرهم .
قال ابن المبارك : ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف ؛ لأن
کل من رُوي عنه إنكاره فقد رُوي عنه إثباته(١) .
وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه رُوي عن أحد من(٢) السلف إتكاره، إلا عن
مالك ، مع أن الرواية الصحيحة عنه مصرحة بإثباته .
قال المصنف : قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح متواتر . وقال به أبو
حنيفة ، والشافعي ، وغيرهما مستدلين بما سمعت .
ورُوي عن الهادوية والإمامية والخوارج القول بعدم جوازه ، واستدلوا بقوله
تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: فعينت الآية مباشرة
الرجلين بالماء ، واستدلوا أيضاً : بما سلف في باب الوضوء من أحاديث التعليم ،
وكلها عينت غسل الرجلين ، قالوا: والأحاديث التي ذكرتم في المسح منسوخة
بآية المائدة ؛ والدليل على النسخ قول علي عليه السلام : سبق الكتاب الخفين ،
وقول ابن عباس : ما مسح رسول الله
بعد المائدة .
(١) منهم ابن عمر؛ انظر ((الموطأ)) (٥٨/١ - ٥٩).
(٢) من فقهاء .
١٦٥

١٠ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٣ - حديث المغيرة بن شعبة
وأجيب :
أولاً: بأن آية الوضوء نزلت في غزوة المريسيع، ومسحه {﴿ في غزوة تبوك ؛
كما عرفت ! فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟!
وثانياً : بأنه لو سلم تأخر آية المائدة ؛ فلا منافاة بين المسح والآية ؛ لأن قوله
تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦]، مطلق(١)، وقيدته أحاديث المسح على الخف،
أو عام وخصصته تلك الأحاديث .
وأما ما روي عن علي عليه السلام ، فهو حديث منقطع ، وكذا ما روي عن
ابن عباس ، مع أنه يخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح .
وقد عارض حديثهما ما هو أصح منهما ، وهو حديث جرير البجلي ؛ فإنه لما
روی : أنه رأی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم يمسح علی خفیه ، قيل له : هل
كان ذلك قبل المائدة ، أو بعدها؟ قال: وهل أسلمت إلا بعد المائدة؟ وهو صحيح (٢).
وأما أحاديث التعليم ، فليس فيها ما ينافي جواز المسح على الخفين ؛ فإنها
كلها فيمن ليس عليه خفان ، فأي دلالة على نفي ذلك؟! على أنه قد يقال : قد
ثبت في آية المائدة القراءة بالجر لأرجلكم عطفاً على الممسوح ، وهو الرأس ،
فيحمل على مسح الخفين ؛ كما بينته السنة ، ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب ،
وهو أحسن الوجوه التي توجه به القراءة بالجر .
(١) أي: ليس عاماً؛ فلا تشمل الآية القائم إلى الصلاة في كل أحواله ؛ بل هو مطلق في
ذلك مسكوت عنه ؛ فبينت السنة أن لابس الخفين لا يجب عليه غسل الرجلين .
(٢) قلت: صح ذلك عن جرير من طريقين؛ كما ذكرته في ((صحيح أبي داود)) (١٤٣).
١٦٦

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٣ - حديث المغيرة بن شعبة
إذا عرفت هذا؛ فللمسح عند القائلين به شرطان :
الأول : ما أشار إليه الحديث ، وهو لبس الخفين مع كمال طهارة القدمين ؛
وذلك بأن يلبسهما ، وهو على طهارة تامة ، بأن يتوضأ، حتّى يكمل وضوءه ، ثم
يلبسهما ؛ فإذا أحدث بعد ذلك حدثاً أصغر ، جاز المسح عليهما ، بناء على أنه
أريد بـ ((طاهرتين))؛ الطهارة الكاملة ، وقد قيل : بل يحتمل أنهما طاهرتان عن
النجاسة ؛ يروى عن داود ، ويأتي من الأحاديث(١) ما يقوي القول الأول .
والثاني : مستفاد من مسمَّى الخف ، فإن المراد به الكامل (٢)؛ لأنه المتبادر
عند الإطلاق ، وذلك بأن يكون ساتراً قوياً مانعاً نفوذ الماء غير مخرق ؛ فلا يمسح
على ما لا يستر العقبين ، ولا على مخرق يبدو منه محل الفرض (٣)، ولا على
(١) كالحديث (٥٨) .
(٢) قلت : إن كان يريد بالكامل ما يستر الكعبين؛ فمسلَّم . وإن كان المراد غير المخرق الذي
يمنع نفوذ الماء؛ فغير مسلّم؛ إذ لا يخفى أن الخف المخروق يسمى: خُفّاً لغةً؛ والشارع قد علق
المسح بمسمى الخف ، فيجوز المسح عليه إطلاقاً .
٠- ٠
وما أحسن ما قال سفيان الثوري: ((امسح ما دام خفّاً؛ وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار
إلا مشققة مخرقة ممزقة؟!)).
ذكره في ((المحلى)) (١٠٢/٢)، ثم نقل عن الأوزاعي أنه قال :
((يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين)).
وارتضاه؛ وهو الصواب؛ فقد صح عنه ﴿ المسح على النعلين، كما صح عن علي رضي الله
عنه .
(٣) روى البيهقي (٢٨٣/١) بسند صحيح عن الثوري قال: ((امسح عليهما ما تعلّقا بالقدم
وإن تخرقا». قال :
=
١٦٧

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٤ - حديث علي
منسوج ؛ إذْ لا يمنع نفوذ الماء ، ولا مغصوب ؛ لوجوب نزعه .
هذا؛ وحديث المغيرة لم يبين كيفية المسح ، ولا کمیته ، ولا محله ، ولكن
الذي أفاده قول المصنف (وللأربعة عَنْهُ إلا النّسائي: أنَّ النبيَّ ﴿ مسَحَ أَعْلى
الْخُفِّ وأسْفَلَهُ. وفي إسناده ضَعْفٌ): بيّن أن محل المسح أعلى الخف وأسفله ،
ويأتي من ذهب إليه ، ولكنه قد أشار إلى ضعفه ، وبيّن وجه ضعفه في
((التلخيص))، وأن أئمة الحديث ضعفوه بكاتب المغيرة هذا .
وكذلك بيّن محل المسح وعارض حديث المغيرة هذا .
٥٤ - وعن عليٍّ رضي الله عنه: أنّهُ قال: لَوْ كان الدِّينُ بالرأي ؛ لكان
أسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وقد رَأَيْتُ رسول الله عَزَّهِ يَمْسَحُ على
ظاهر خُفِيْهِ . أخرجه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ .
(وعن علي رضي الله عنه: أنه قال: لو كانَ الدِّين بالرأي) : أيْ : بالقياس
وملاحظة المعاني (لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) : أيْ: ما تحت
القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما؛ لأنه الذي يباشر المشي ، ويقع
على ما ينبغي إزالته ، بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر القدم (وقد رأيت رسول
الله ◌َّةٍ يَمْسَحُ على ظاهر خفيه. أخرجه أبو داود بإسناد حسن): وقال
المصنف في ((التلخيص)): إنه حديث صحيح(١) .
= ((وكانت كذلك خفاف المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة)).
وإلى هذا مال ابن رشد (١٦/١).
(١) الذي في ((التلخيص)): ((إسناده صحيح)).
١٦٨

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٤ - حديث علي
والحديث فيه إبانة لمحل المسح على الخفين ، وأنه ظاهرهما ، لا غير ، ولا
يمسح أسفلهما .
وللعلماء في ذلك قولان :
أحدهما : أن يغمس يديه في الماء ، ثم يضع باطن كفه اليسرى تحت عقب
الخف ، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه ، ثم يمر اليمنى إلى ساقه ، واليسرى
إلى أطراف أصابعه ، وهذا للشافعي ، واستدل لهذه الكيفية بما ورد في حديث
المغيرة: أنه ي مسح على خفيه ، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن ، ويده
اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة ؛ كأني أنظر أصابعه
على الخفين . رواه البيهقي ، وهو منقطع ، على أنه لا يفي بتلك الصفة .
وثانيهما : مسح أعلى الخف دون أسفله ، وهي التي أفادها حديث علي عليه
السَّلام هذا(١) .
وأما القدر المجزئ من ذلك ؛ فقيل : لا يجزئ إلا قدر ثلاث أصابع ، وقيل :
ولو بأصبع ، وقيل : لا يجزئ إلا إذا مسح أكثره، وحديث علي وحديث المغيرة
المذكوران في الأصل ، ليس فيهما تعرض لذلك . نعم؛ قد روي عن علي عليه
السلام: أنه رأى رسول الله عليه يمسح على ظهر الخف خطوطاً بالأصابع . قال
النووي: إنه حديث ضعيف. ورُويَ عن جابر: أنه ◌ٍَّ أرى بعض من علمه
= قلت : وهذا هو الصواب؛ أنه صحيح .
وقوله هنا : إنه حسن ! فیه قصور .
(١) قلت: وبه يقول الثوري وأحمد؛ كما في ((الترمذي)) (١٦٦/١).
١٦٩

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٥ ۔ حدیث صفوان بن عسال
المسح، أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة ، وفرج بين أصابعه .
قال المصنف : إسناده ضعيف جداً؛ فعرفت أنه لم يرد في الكيفية ، ولا الكمية
حديث يعتمد عليه إلا حديث علي في بيان المسح . والظاهر أنه إذا فعل
المكلف ما يسمى مسحاً على الخف لغة ، أجزأه ، وأمّا مقدار زمان جواز المسح ؛
فقد أفاده الحديث .
٥٥ - وَعَنْ صَفْوانَ رضي الله عنه ابن عَسّالِ قالَ: كان النبيَِّ﴿ يَأْمُرُنا إذا
كِنّا سَفْراً؛ ألا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أيّام وَيَالِيَهُنَّ ، إلا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِط
وبَوْلٍ ونَوْمٍ. أخرجه النسائيُّ والترمذيُّ، واللفْظُ لَهُ ، وابنُ خُزيمةً ، وصححاهُ .
(وعن صفوان رضي الله عنه) : بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء (ابن
عسال): بفتح المهملة وتشديد السين المهملة وباللام ، المرادي سكن الكوفة
.n
(قال: كان النبي ◌َ﴿ يأمُرُنا إذا كنّا سَفْراً): جمع سافر؛ كتجر جمع تاجر(١)
(ألا ننزع خفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليهن إلا من جنابة) : أيْ: فننزعها ، ولو قبل
مرور الثلاث (ولكن) : لا ننزعهن (من غائط وبول ونوم) : أيْ : لأجل هذه
الأحداث إلا إذا مرت المدة المقدرة (أخرجه النسائي والترمذي ، واللفظ له ،
وابن خزيمة ، وصححاه) : أي: الترمذي (٢)، وابن خزيمة ، ورواه الشافعي ، وابن
ماجه ، وابن حبان ، والدارقطني ، والبيهقي ، وقال الترمذي عن البخاري : إنه
(١) قلت: والمسافرون؛ جمع مسافر، والسَّفْرُ والمسافرون بمعنىً؛ كما في ((النهاية)).
(٢) قال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)) .
قلت : وإنما صححه الترمذي ؛ لشواهده ، وإلا فسنده حسن ؛ فيه عاصم بن أبي النَّجود . ومن
طريقه رواه ابن حبان أيضاً (١٧٩) .
١٧٠

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
۵۵ ۔ حدیث صفوان بن عسال
حديث حسن ؛ بل قال البخاري : ليس في التوقيت شيء أصح من حديث
صفوان بن عسال المرادي(١) ، وصححه الترمذي ، والخطابي .
والحديث دليل على توقيت إباحة المسح على الخفين ، للمسافر ثلاثة أيام
ولياليهن ، وفيه دلالة على اختصاصه بالوضوء دون الغسل ، وهو مجمع عليه ، وظاهر
قوله : ((يأمرنا)»؛ الوجوب، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره ، فبقي للإباحة وللندب (٢).
وقد اختلف العلماء : هل الأفضل المسح على الخفين ، أو خلعهما وغسل
القدمين؟ قال المصنف عن ابن المنذر: والذي أختاره أن المسح أفضل .
وقال النووي : صرح أصحابنا بأن الغسل أفضل ، بشرط ألا يترك المسح رغبة
عن السنة (٣)؛ كما قالوا في تفضيل القصر على الإتمام(٤).
(١) قلت: قد أخرجه مسلم وأبو عوانة في ((صحيحيهما)) من حديث علي؛ كما يأتي، ورجاله
ثقات كلهم . وقد قال البيهقي (٢٧٦/١) - بعد أن حكى قول البخاري -:
((حديث علي أصح ما روي في هذا الباب عند مسلم بن الحجاج)).
(٢) قلت : الذي يبدو لي - والله أعلم - أن الأمر هنا لا يفيد الوجوب؛ لأنه جاء في مسح
الرجلين ، وقد أمر الله بغسلهما . فالأمر بمسحهما - والحالة هذه - إنما يفيد الرخصة لا غير.
ومما يؤيد ذلك حديث أبي بكرة عن النبي : أنه رخَّص للمسافر ... الحديث ، وسيأتي
رقم (٥٩) والحديث (٥٨) .
(٣) قلت: والأرجح ما قاله ابن تيمية في ((الاختيارات العلمية)) (١٣): ((والأفضل في حق
كل واحد بحسب قدمه ؛ فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه ؛ اقتداء بالنبي
وأصحابه . ولمن قدماه مكشوفتان الغسل ، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه ، وكان النبي
يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين ، ويمسح إذا كان لابس الخفين)).
(٤) لعل الصواب: (الإتمام على القصر) !
١٧١

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٦ ، ٥٧ _ حديثا علي وثوبان
٥٦ - وعن عليّ رضي الله عنه قالَ: جَعَل رسول الله صلَ ◌ُّ ثلاثَةَ أَيّام
وَلَيَالِيَهِنَّ للمُسَافِرِ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً للمُقِيم ؛ يعْني: في المسْحِ على الحُفَّيْنِ.
أخرجه مسلمٌ .
ثلاثة أيام ولَيَالِيَهنَّ
(وعن علي رضي الله عنه قال: جعل رسول الله ◌َ﴾
للمُسافر ، ويوماً وليلة للمُقيم؛ يعني: في المسح على الخفين.): هذا مدرج
من كلام علي ، أو من غيره من الرواة(١) (أخرجه مسلم): وكذلك أخرجه أبو
داود ، والترمذي ، وابن حبان .
والحديث دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر؛ كما سلف في
الحديث قبله ، ودليل على مشروعية المسح للمقيم أيضاً ، وعلى تقدير زمان
إباحته بيوم وليلة للمقيم (٢)، وإنما زاد في المدة للمسافر؛ لأنه أحق بالرخصة من
المقيم ؛ لمشقة السفر .
٥٧ - وعن ثَوْبَانَ رضي الله عنه قالَ: بَعَثَ رسول الله نَّهِ سَرِيَّةً، فأمَرَهُمْ
أنْ يَمسَحُوا على الْعَصَائِبِ - يعني: العَمَائِمَ - والتّساخِينَ - يعْني: الخِفَاف ..
روَاهُ أحمد وأبو داود، وصححه الحاكمُ.
(وعن ثوبان رضي الله عنه): بفتح المثلثة تثنية ثوب ، وهو أبو عبد الله ، أو
أبو عبد الرحمن ، قال ابن عبد البر: والأول أصح ، ابن بجدد ؛ بضم الموحدة
(١) قلت: بل هو تفسير من الحافظ؛ أخذه من سياق الحديث في ((مسلم)).
(٢) لم يذكر الشارح متى تبدأ مدة المسح؛ والراجح أنها تبدأ من الوقت الذي مسح إلى مثله
من الغد؛ وهو صريح قول أحمد في ((مسائل أبي داود)) (ص١٠).
١٧٢

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٧ ۔ حديث ثوبان
وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى ، وقيل : ابن جحدر؛ بفتح الجيم
وسكون الحاء المهملة فدال مهملة فراء ، وهو من أهل السراة موضع بين مكة
والمدينة، وقيل: من حِمْيَر، أصابه سبي، فشراه رسول الله ﴿ فأعتقه، ولم
سفراً وحضراً، إلى أن توفي ﴿ ، فنزل الشام ، ثم
يزل ملازماً لرسول الله ◌َّ
انتقل إلى حمص ، فتوفي بها سنة أربع وخمسین .
سرية ، فأمرهُم أنْ يَمْسَحُوا على العَصَائب -
(قال : بعث رسول الله
يعني : العَمائم -): سميت عصابة ؛ لأنه يعصب بها الرأس (والتساخين) : بفتح
المثناة بعدها سين مهملة وبعد الألف خاء معجمة فمثناة تحتية فنون جمع تسخان ،
قال في ((القاموس)): التساخين المراجل(١) الخفاف ، وفسرها الراوي بقوله (- يعني :
الخفاف -): جمع خف ، والظاهر أنه ، وما قبله في قوله : يعني: العمائم؛ مدرج
في الحديث من كلام الراوي (٢) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم (٣)).
ظاهر الحديث : أنه يجوز المسح على العمائم؛ كالمسح على الخفين ، وهل
يشترط فيها الطهارة للرأس ، والتوقيت كالخفين؟ لم نجد فيه كلاماً للعلماء ، ثم
رأيت بعد ذلك في ((حواشي القاضي عبد الرحمن على بلوغ المرام)»: أنه يشترط
في جواز المسح على العمائم أن يعتم الماسح بعد كمال الطهارة ؛ كما يفعل
(١) و.
(٢) قلت: كلا؛ بل هو من تفسير الحافظ؛ فإن الحديث في («المسند» (٢٧٧/٥)، وعنه أبو داود ،
وكذا الحاكم (١٦٩/١)، وعنه البيهقي (٦٢/١)؛ وليس عندهم هذا التفسير؛ فتعيَّن أنه من الحافظ .
(٣) ووافقه الذهبي ، وكذا النووي ، وأقره الحافظ هنا .
وإما في ((التلخيص))؛ فأعله بالانقطاع! وفيه نظر ذكرته في ((صحيح أبي داود)) (١٣٤).
١٧٣

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٨ ۔ حدیث عمر وأنس
الماسح على الخف ، وقال: وذهب إلى المسح على العمائم بعض العلماء ، ولم
یذکر لما ادعاه دليلاً .
وظاهره أيضاً أنه لا يشترط للمسح عليها عذر ، وأنه يجزئ مسحها ، وإن لم
يمس الرأسَ ماءٌ أصلاً .
وقال ابن القيم: إنه ي مسح على العمامة فقط ، ومسح على الناصية ،
وكمل على العمامة . وقيل : لا يكون ذلك إلا للعذر ؛ لأن في الحديث عند أبي
داود (١): أنه ◌َّيُ بعث سرية ، فأصابهم البرد ، فلما قدموا على رسول الله
أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين ، فيحمل ذلك على العذر، وفي هذا
الحمل بعد ، وإن جنح إلى القول به في (الشرح))؛ لأنه قد ثبت المسح على
الخفين ، والعمامة من غير عذر في غير هذا .
٥٨ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه مَوْقُوفاً، وعن أنس رضي الله عنه مَرْفوعاً:
(إذا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فلبس خُفّيْهِ؛ فَلْيَمْسَحْ عليْهِمَا، ولْيُصَلِّ فِيهِمَا ، ولا
يَخْلَعْهُمَا - إنْ شاء - إلا مِنَ جَنَابة)). أخرجه الدارقطني ، والحاكم وصححه .
(وعن عمر رضي الله عنه موقوفاً) : الموقوف : هو ما كان من كلام
(وعن أنس رضي الله عنه مرفوعاً) :
الصحابي، ولم ينسبه إلى النبي ◌َـ
إليه ◌َ﴾ ((إذا توضأ أحدكم فلبس خُفّيْه، فَلْيَمْسَحْ عليهما) : تقييد اللبس ،
والمسح ببعد الوضوء ؛ دليل على أنه أريد بطاهرتين في حديث المغيرة ، وما
(١) قلت: وكذا عند أحمد؛ وقد علمت أن أبا داود أخرجه من طريقه .
ومنه يتبين أن الحافظ اختصر الحديث .
١٧٤

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٩ - حديث أبي بكرة
في معناه ؛ الطهارة المحققة من الحدث الأصغر (وليصل فيهما ، ولا يخلعها - إن
شاء -) : قيدهما بالمشيئة ؛ دفعاً لما يفيده ظاهر الأمر من الوجوب ، وظاهر النهي
من التحريم (إلا من جنابة))) : فقد عرفت أنه يجب خلعهما (أخرجه الدارقطني ،
والحاكم ، وصححه(١)) .
والحديث قد أفاد شرطية الطهارة ، وأطلقه عن التوقيت ، فهو مقيد به ؛ كما
يفيده حديث صفوان ، وحديث علي عليه السلام .
٥٩ - وعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه عن النّبي ◌ِّهِ: أنّهُ رَخّص للمُسَافر
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وللمُقيم يَوْماً ولَيْلَةً، إذا تَطَهّرَ فَلَبِسَ خُفَيْهِ، أَنْ يَمْسَحَ
ے
عَلَيْهِمَا. أخرجه الدارقطنيُّ ، وصححهُ ابنُ خُزَيمَةً .
(وعن أبي بكرة رضي الله عنه) : بفتح الموحدة وسكون الكاف وراء ، اسمه
نفيع - بضم النون وفتح الفاء وسكون المثناة التحتية آخره عين مهملة -، ابن
مسروح ، وقيل : ابن الحارث ، وكان أبو بكرة يقول : أنا مولى رسول الله
(١) قلت: ووافقه الذهبي في ((التلخيص)) (١٨١/١)! وهو عجيب؛ فإن فيه: المقدام بن
داود ؛ قال النسائى :
((ليس بثقة)) . وقال ابن يونس :
((تكلموا فيه)) .
لكن أخرجه الدارقطني (٧٥) من طريق أخرى، وإسناده صحيح؛ كما قال صاحب
((التنقيح))، وأقره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٧٩/١). وقال الحافظ في ((النتائج)) (١/٥٢/١):
((إسناده قوي)) .
والموقوف ؛ أخرجه مالك أيضاً (٥٨/١ - ٥٩).
١٧٥

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٥٩ - حديث أبي بكرة
ويأبى أن ينتسب، وكان قد نزل من حصن الطائف عند حصاره ﴿ له في
، وكان من فضلاء الصحابة .
جماعة من غلمان أهل الطائف ، وأسلم وأعتقه
قال ابن عبد البر: كان مثل النضر بن عبادة(١)، مات بالبصرة سنة إحدى ، أو
اثنتين وخمسين ، وكان أولاده أشرافاً بالبصرة بالعلم والولايات ، وله عقب کثیر .
(عن النبي ◌َ﴿: أنّه رخّص للمُسافر ثلاثةَ أيّام ولَيَاليَهُنّ): أيْ: في المسح
على الخفين (وللمُقيم يَوْماً وَلَيْلَةً إذا تَطَهّرَ): أيْ: كل من المقيم والمسافر إذا
تطهر من الحدث الأصغر (فَلَبِس خُفّيْه) : ليس المراد من الفاء التعقيب؛ بل
مجرد العطف ؛ لأنه معلوم أنه ليس شرطاً في المسح (أن يمسح عليهما . أخرجه
الدارقطني ، وصححه ابن خزيمة(٢)): وصححه الخطابي أيضاً، ونقل البيهقي :
أن الشافعي صححه ، وأخرجه ابن حبان ، وابن الجارود ، وابن أبي شيبة ،
والبيهقي ، والترمذي في «العلل(٣)).
والحديث مثل حديث علي عليهِ السَّلام في إفادة مقدار المدة للمسافر
والمقيم ، ومثل حديث عمر وأنس في شرطية الطهارة ، وفيه إبانة أن المسح
رخصة ؛ لتسمية الصحابي له بذلك .
(١) كذا! والذي في ((الاستيعاب)) (٢٤/٤):
((مثل النَّصْلِ من العبادة))؛ ولعله الصواب .
(٢) وكذا ابن حبان (١٨٤ و١٨٥)، وابن الجارود (٤٩).
(٣) قلت: ونقل البيهقي (٢٧٦/١) عن الترمذي أنه سأل البخاري عنه؟ فقال:
((حديث حسن)).
وإسناده حسن .
١٧٦

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٦٠ - حديث أبي بن عمارة
٦٠ - وعن أُبيِّ بن عِمَارَةَ رضيَ الله عنهُ: أنّهُ قالَ: يا رَسُولَ الله، أَمْسَحُ
على الْخُفَيْنِ؟ قال: ((نَعَمْ))، قَالَ: يوماً؟ قال: ((نَعَمْ)) ، قَال: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ :
(نَعَمْ))، قالَ: وَثلاثَةَ أيّام؟ قالَ: ((نعم، وما شِئْتَ)). أخْرَجَهُ أبو داود ، وقالَ:
لَيْس بالقَويِّ.
(وعن أبيِّ) : بضم الهمزة وتشديد المثناة التحتية (ابن عمارة رضي الله عنه) :
بكسر العين المهملة ، وهو المشهور، وقد تضم، قال المصنف في ((التقريب)): مدني،
سكن مصر ، له صحبة ، في إسناد حديثه اضطراب ؛ يريد هذا الحديث ، ومثله قال
ابن عبدالبر في ((الاستيعاب)) (أنه قال: يا رسول الله، أمْسَحُ عَلى الخُفَيْن؟ قال:
((نعم))، قال: يوماً؟ قال: ((نعم))، قال: ويومين؟ قال: ((نعم))، قال: وثلاثة أيام؟
قال: ((نعم، وما شئت)). أخرجه أبو داود ، وقال: ليس بالقوي) .
قال الحافظ المنذري في ((مختصر السنن)): وبمعناه - أي : بمعنى ما قال أبو
داود - قال البخاري .
وقال الإمام أحمد : رجاله لا يعرفون .
وقال الدارقطني : هذا إسناد لا يثبت . اهـ.
وقال ابن حبان : لست أعتمد على إسناد خبره .
وقال ابن عبد البر: لا يثبت ، وليس له إسناد قائم. وبالغ ابن الجوزي(١)،
فعدّه في ((الموضوعات))(٢).
(١) كذا! والذي في ((التلخيص)) (٦٠): الجوزقاني. وكذا في ((النيل)) (١٦٠/١)!
(٢) لكن؛ روى الدارقطني (٧٣) وغيره بسند صحيح عن عقبة عن عامر: أنه قدم على =
١٧٧

١ - كتاب الطهارة
٥ - باب المسح على الخفين
٦٠ - حديث أبي بن عمارة
وهو دليل على عدم توقيت المسح في حضر ، ولا سفر، وهو مروي عن
مالك ، وقديم قولي الشافعي .
ولكن الحديث لا يقاوم مفاهيم الأحاديث التي سلفت ، ولا يدانيها ؛ ولو
ثبت لكان إطلاقه مقيداً بتلك الأحاديث؛ كما يقيد بشرطية الطهارة التي
أفادتها .
هذا؛ وأحاديث باب المسح تسعة ، وعدَّها في ((الشرح)) ثمانية ، ولا وجه له .
= عمر بفتح دمشق، قال: وعليَّ خُفّان، فقال لي عمر: كم لك يا عقبة لم تنزع خفيك؟
فتذكرت من الجمعة إلى الجمعة ، فقلت : منذ ثمانية أيام ؛ قال : أحسنت وأصبت السنة .
قلت : فهذا بظاهره يخالف أحاديث التوقيت !
لكن ؛ قد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بينه وبينها ؛ فحمله على المسافر الذي يشق عليه .
اشتغاله بالخلع واللبس ؛ كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين .
وهو جمع حسن ؛ فانظر ((الاختيارات العلمية)) (١٥).
١٧٨

١٦ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦١ - حديث أنس
٦ - بابُ نواقض الوضوء
النواقض : جمع ناقض ، والنقض في الأصل : حلّ المبرم ، ثم استعمل في
إبطال الوضوء بما عيّنه الشارع مبطلاً؛ مجازاً ، ثم صار حقيقة عرفية ، وناقض
الوضوء ناقض للتیمم ؛ فإنه بدل عنه .
٦١ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ أصْحَابُ رسول اللّه ◌َـ
على عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ، حتّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثم يُصَلُّونَ ، ولا
يَتَوَضَّؤُونَ. أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصْلهُ في مُسْلم.
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان أصحاب رسول الله
على عَهْده ينتظرون العشاء ، حتّى تخْفقَ) : من باب ضرب يضرب ؛ أي : تميل
(رُؤُوسُهُمْ) : أيْ: من النوم (ثم يُصَلُّونَ ، ولا يَتَوَضؤونَ . أخرجه أبو داود ،
وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم(١)): وأخرجه الترمذي ، وفيه: يوقظون
للصلاة . وفيه (٢): حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ، ثم يقومون فيصلون ، ولا
يتوضؤون . وحمله جماعة من العلماء على نوم الجالس ، ودفع هذا التأويل بأن
ينامون ؛ ثم يصلون ولا يتوضؤون .
(١) بلفظ : كان أصحاب رسول الله
وعنده تصریح قتادة بسماعه إياه من أنس .
(٢) أي : الترمذي! وهو وهم؛ قلّد فيه الشارحُ الحافظَ في ((التلخيص))! والصواب أنها عند
الدارقطني والبيهقي. قال ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ)) (٢/١١٨/١):
((ومثله حديث ابن عمر قال: شُغِلَ رسول الله تَّةٍ عن العشاء ليلةً؛ فأخّرها حتى رقدنا في
المسجد ، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا؛ فقال: ((ليس أحد ينتظر
الصلاة غيركم ... )) .
١٧٩

١ - كتاب الطهارة
٦ - باب نواقض الوضوء
٦١ - حديث أنس
في رواية عن أنس : يضعون جنوبهم ؛ رواها يحيى القطان(١).
قال ابن دقيق العيد: يحمل على النوم الخفيف .
وردّ: بأنه لا يناسبه ذكر الغطيط ، والإيقاظ ؛ فإنهما لا يكونان إلا في نوم
مستغرق .
وإذا عرفت هذا؛ فالأحاديث قد اشتملت على خفقة الرأس ، وعلى الغطيط ،
وعلى الإيقاظ، وعلى وضع الجنوب، وكلها وصفت بأنهم كانوا لا يتوضؤون(٢)
من ذلك ، فاختلف العلماء في ذلك على أقوال ثمانية :
الأول : أنّ النوم ناقض مطلقاً على كل حال ، بدليل إطلاقه في حديث
صفوان بن عسال الذي سلف في مسح الخفين ، وفيه : من بول ، أو غائط ، أو نوم .
قالوا (٣) : فجعل مطلق النوم كالغائط والبول في النقض ؛ وحديث أنس - بأي
عبارة روي - ليس منه بيان أنه قرّرهم رسول الله تَ﴿ على ذلك ، ولا رآهم ؛
(١) وأخرجه البزار، والخلال ، وابن حزم .
وأخرجه أبو داود في ((السنن)) معلقاً، وفي ((مسائل الإمام أحمد)) (٣١٨) من طريق أخرى.
وجميع هذه الروايات ثابتة صحيحة . وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد؛ كما بينته في ((صحيح
أبي داود)» (١٩٤ - ١٩٦).
(٢) في رواية أبي داود - المشار إليها آنفاً - بلفظ: كان أصحاب النبي {* يضعون جنوبهم
فینامون ؛ فمنهم من یتوضأ ، ومنهم من لا يتوضأ !
(٣) ومنهم المزني صاحب الشافعي؛ كما في ((شرح الموطأ)) (١/١١٨/١) لابن عبدالبر.
ونقله ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتابعين ؛ وهو قول أبي عبيد ، وإسحاق بن
راهويه. واختاره ابن المنذر؛ كما في ((الفتح)) (٢٥١/١). وهو قول الحسن: ((بيهقي)) (١١٩/١).
١٨٠