النص المفهرس
صفحات 121-140
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣١ - حديث علي
* في المدينة خليفة عنه، وقال له: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلةٍ هارون
من موسى)) ، استُخْلِفَ يوم قُتل عثمان يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من شهر
ذي الحجة ؛ سنة خمس وثلاثين ، واستشهد صبح الجمعة بالكوفة لسبع عشرة
ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ، ومات بعد ثلاث من ضربة الشقي ابن
ملجم له ، وقيل: غير ذلك ؛ وخلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأيام ، وقد أُلِّفَت
في صفاته ، وبيان أحواله كُتُبٌ جمة ، واستوفينا شطراً صالحاً من ذلك في
«الروضة الندية شرح التحفة العَلَويَّة)).
(- في صفة وضوء النبي {﴿ - قال: ومَسَحَ برأسه واحدة . أخرجه أبو
داود)(١) : هو قطعة من حديث طويل ، استوفى فيه صفة الوضوء من أوله إلى
آخره ، وهو يفيد ما أفاد حديث عثمان ، وإنما أتى المصنف بما فيه التصريح بما لم
يُصَرَّح به في حديث عثمان، وهو مسح الرأس مرة ؛ فإنه نَصَّ أنه واحدة ؛ مع
تصريحه بتثليث ما عداه من الأعضاء .
وقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال قوم بتثليث مسحه ؛ کما یثلث غيره من
الأعضاء؛ إذْ هو من جملتها ، وقد ثبت في الحديث تثليثه ، وإن لم يذكر في
كل حديث ذكر فيه تثليث الأعضاء ؛ فإنه قد أخرج أبو داود من حديث عثمان
في تثليث المسح؛ أخرجه من وجهين(٢)، صحح أحدهما ابن خزيمة ، وذلك
كافٍ في ثبوت هذه السنة .
(١) قلت: وسنده صحيح. وكذا قال الحافظ؛ كما ذكرته في ((صحيح أبي داود)) (١٠٤).
(٢) قلت: وإسناد كل منهما حسن ، كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٩٥، ٩٧)، وذكرت
له فيه إسناداً ثالثاً .
١٢١
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء ٣٢ - حديث عبد الله بن زيد بن عاصم
وقيل : لا يشرع تثليثه ؛ لأن أحاديث عثمان الصحاح كلها - كما قال أبو
داود - تدل على مسح الرأس مرة واحدة ، وبأن المسح مبنيّ على التخفيف ؛ فلا
يقاس على الغسل ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح ؛ لصار في صورة الغسل .
وأجيب بأن كلام أبي داود ينقضه ما رواه هو ، وصححه ابن خزيمة - كما
ذكرناه -، والقول بأن المسح مبني على التخفيف قياس في مقابلة النَّص ؛ فلا
يسمع؛ فالقول بأنه يصير في صورة الغسل ، لا يبالى به بعد ثبوته عن الشارع ؛
ثم رواية الترك لا تعارض رواية الفعل ، وإن كثرت رواية الترك؛ إذ الكلام في أنه
غير واجب ؛ بل سنة ؛ من شأنها أن تُفعل أحياناً وتترك أحياناً .
(وأخرجه) : أيْ: حديث عَليِّ عليهِ السَّلام (النسائي والترمذي بإسناد
صحیح ؛ بل قال الترمذي : إنه أصح شيء في الباب): وأخرجه أبو داود من
ست طرق ، وفي بعض طرقه لم يذكر المضمضة والاستنشاق(١) ، وفي بعض :
ومسح على رأسه ، حتّى لم يقطر(٢) .
٣٢ - وعن عبد الله بن زَيَّدٍ بن عاصم رضيَ الله عنهُمَا، - في صفة
برأسِهِ ، فأقْبَلَ بِيَدَيْهِ وأَدْبَرَ . متفق عليه .
الوضوءِ - قالَ : وَمَسحَ رسول الله
(١) هذا يخالف ما سيأتي (ص١٥٤) أن الجمع بين المضمضة والاستنشاق ورد من حديث
علي من ست طرق ! والصواب أنه أخرجه من خمس طرق فقط ، وهي : ((عبد خير ، وزر بن
حبيش، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبي حية ، وابن عباس))؛ لم يذكر المضمضة والاستنشاق
إلا في الأولى والثانية والخامسة ، ولم يذكر الجمع بينهما إلا في الطريق الأولى !
(٢) قلت: الذي في ((سنن أبي داود)) (رقم ١٠٣ - من ((صحيحه))) (لَّا يقطر)، وسنده صحيح .
١٢٢
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء ٣٢ - حديث عبد الله بن زيد بن عاصم
وفي لفظ - لَهُما -: بَدأ بِمُقَدَّم رأسِهِ ، حتّى ذَهَبَ بهما إلى قَفَاهُ ، ثم
رَدَّهُمَا إلى المكانِ الذي بدأَ مِنْهُ .
(وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهما) : هو الأنصاري المازني ،
من مازن بن النجار ، شهد أحداً ، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب ، وشاركه
وَحْشِيّ ، وقُتِلَ عبد الله يوم الحَرّة ، سنة ثلاث وستين ، وهو غير عبد الله بن زيد
ابن عبد ربه ؛ الذي يأتي حديثه في الأذان ، وقد غلط فيه بعض أئمة الحديث ؛
فلذا نبهنا عليه (- في صفة الوضوء - قال: ومسحَ رسول اللّه ◌َاهُ برأسه،
فأقبل (١) بَيَدِيْه وأدْبَرَ. متفق عليه): فسر الإقبال بهما بأنه بدأ من مؤخر رأسه ؛
فإن الإقبال باليد إذا كان مقدماً ، يكون من مؤخر الرأس ، إلا أنه قد ورد في
((البخاري)) بلفظ: وأدبر بيديه وأقبل(٢)، واللفظ الآخر في قوله (وفي لفظ لهما):
أيْ: للشيخين (بدأ بمقدم رأسه، حتّى ذهب بهما): أي: اليدين (إلى قفاه،
ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٣)) .
(١) أي: أقبل: على البداءة بالقبل. وأدبر: على البداءة بالدبر.
(٢) لا ذكر لليدين في هذه الرواية عند البخاري؛ كما يأتي فيها! والشارح تبع في ذلك
العسقلاني في ((الفتح)) (٢٣٥/١)! وتبعه الشوكاني أيضاً (١٣٥/١) !.
(٣) وهذا اللفظ هو تمام اللفظ الأول في رواية الشيخين وأبي داود أيضاً وغيره ، انظر ((صحيح
أبي داود)) (١٠٩)؛ وهو تفسير من الراوي لقوله: (أقبل وأدبر) ؛ فلا يلتفت إلى قول غيره .
ويؤيده حديث المقدام الذي ذكره الشارح ، وسنده صحيح ، انظر ((صحيح أبي داود)) (١١٣).
وله فيه (١١٥) شاهد من حديث معاوية .
وبهذا التفسير قال أحمد؛ كما في ((مسائله)) (٦).
١٢٣
أ
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء ٣٢ - حديث عبدالله بن زيد بن عاصم
الحديث يفيد صفة المسح للرأس ، وهو أن يأخذ الماء ليديه فيقبل بهما ويدبر .
وللعلماء ثلاثة أقوال :
الأول: يبدأ بمقدم رأسه الذي يلي الوجه ؛ فيذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى
المكان الذي بدأ منه ، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه ؛ وهذا هو الذي يعطيه
ظاهر قوله : بدأ بمقدم رأسه ، حتّى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما، حتّى رجع
إلى المكان الذي بدأ منه ، إلا أنه أورد على هذه الصفة أنه أدبر بهما وأقبل ؛ لأن
ذهابه إلى جهة القفا إدبار ، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال ، وأجيب بأن الواو لا
تقتضي الترتيب ؛ فالتقدير : أدبر وأقبل .
والثاني : أن يبدأ بمؤخر رأسه ، ويمر إلى جهة الوجه ، ثم يرجع إلى المؤخر؛
محافظة على ظاهر لفظ : أقبل وأدبر ، فالإقبال إلى مقدم الوجه ، والإدبار إلى
ناحية المؤخر، وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح: بدأ بمؤخر رأسه(١)،
وَيُحْمَل الاختلاف في لفظ الأحاديث على تعدد الحالات .
والثالث : أن يبدأ بالناصية ، ويذهب إلى ناحية الوجه ، ثم يذهب إلى جهة
مؤخر الرأس ، ثم يعود إلى ما بدأ منه ، وهو الناصية ، ولعل قائل هذا قصد
(١) قلت: لم يرد هذا فيما علمنا، ولا أشار إليه الحافظ في ((الفتح))؛ وإنما عند البخاري في
رواية (٢٤٣/١) بلفظ : فمسح رأسه ، فأدبر به وأقبل .
وهذا؛ وإن كان بظاهره يوهم أنه بدأ بمؤخر الرأس ؛ فليس بمراد ؛ لأنه خلاف قول الراوي : بدأ
بمقدم رأسه .
نعم؛ ورد ما ذكره الشارح من حديث الرُّبَيِّع بسند حسن لا صحيح ! انظر ((صحيح أبي
داود» (١١٧).
١٢٤
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٣ - حديث عبدالله بن عمرو
المحافظة على قوله : بدأ بمقدم رأسه ، مع المحافظة على ظاهر لفظ: أقبل وأدبر؛
لأنه إذا بدأ بالناصية ؛ صدق أنه بدأ بمقدم رأسه ، وصدق أنه أقبل أيضاً؛ فإنه
ذهب إلى ناحية الوجه ، وهو القبل .
وقد أخرج أبو داود من حديث المقدام: أنه تَ ﴿ لما بلغ مسح رأسه ، وضع
كفِّيه على مقدَّم رأسه ، فَأَمَرَّهُمَا، حَتَّى بلغ القفا، ثم رَدَّهُمَا إلى المكان الذي بدأ
منه . وهي عبارة واضحة في المراد .
والظاهر أن هذا من العمل الْمُخَيَّر فيه ، وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس
بالمسح .
٣٣ - وعن عبد الله بن عَمْرو رضيَ الله عنهُمَا، - في صفةِ الوُضُوء - قالَ:
ثُمَّ مسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السّبَّاحتَين في أُذُنَيْهِ، ومَسَحَ بإيهامَيْهِ ظَاهِرَ
أُذُنَيه. أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه ابنُ خُزَيْمَةَ.
(وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما) : بفتح العين المهملة ، وهو أبو
عبد الرحمن ، أو أبو محمد ، عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي
القرشي، يلتقي مع النبي { ** في كعب بن لؤي ، أسلم عبد الله قبل أبيه ،
وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة ، وكان عبد الله عالماً حافظاً عابداً ، وكانت
وفاته سنة ثلاث وستين ، وقيل : وسبعين ، وقيل غير ذلك ، واختلف في موضع
وفاته ، فقيل : بمكة ، أو الطائف ، أو مصر ، أو غير ذلك .
(- في صفة الوضوء - قال: ثم مسح): أيْ: رسول الله ◌َ﴿﴿ (برأسه،
وأدخل إصْبَعَيْه السّباحَتيْن) : بالمهملة فموحدة فألف بعدها مهملة ؛ تثنية
١٢٥
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٣ - حديث عبد الله بن عمرو
سبّاحة ، وأراد بهما مسبحتي اليد اليمنى واليسرى ، وسميت : سباحة ؛ لأنه
يشار بها عند التسبيح (في أذُنَيْهِ ، ومسَحَ بإبهاميه) : إبهامي يديه (ظاهر
أذنيه. أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة)(١).
والحديث كالأحاديث الأوّل في صفة الوضوء ، إلا أنه أتى به المصنف ؛ لما
ذكر من إفادة مسح الأذنين ، الذي لم تفده الأحاديث التي سلفت ، ولذا اقتصر
على ذلك من الحديث .
ومسح الأذنين قد ورد في عدة من الأحاديث من حديث المقدام بن
معدیکرب عند أبي داود ، والطحاوي بإسناد حسن ، ومن حديث الرُّبيِّع أخرجه
أبو داود أيضاً ، ومن حديث أنس عند الدارقطني ، والحاكم ، ومن حديث عبدالله
مسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه . وسيأتي ،
ابن زید ؛ وفيه : أنه
وقال فيه البيهقي : هذا إسناد صحيح . وإن كان قد تعقبه ابن دقيق العيد ، وقال
الذي في ذلك الحديث : ومسح رأسه بماء غير فضل يديه ؛ ولم يذكر الأذنين ،
وأيَّده المصنف بأنه عند ابن حبان ، والترمذي كذلك(٢).
(١) قلت : وسنده حسن . وله شاهد من حديث ابن عباس؛ أوردته في ((صحيح أبي داود))
(١٢٤) .
(٢) قلت: بل هو كذلك عند مسلم أيضاً (١٤٦/١)، وأبي عوانة، وأبي داود (١١١ - من
((صحيحه))) . وقال البيهقى :
((إنه أصح)). وقال الحافظ - فيما يأتي (رقم ٣٩) -:
(وهو المحفوظ)). وهذا معنى قول البيهقي: ((أصح)).
فتعقب ابن دقيق العيد إياه غیر وارد !
١٢٦
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٤ - حديث أبي هريرة
واختلف العلماء ؛ هل يؤخذ للأذنين ماء جديد ، أو يمسحان ببقية ما مسح
به الرأس؟ والأحاديث قد وردت بهذا وهذا(١) ، ويأتي الكلام عليه قريباً .
٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه قال: قال رسول الله عَّهِ: ((إذا اسْتَيْقَظَ
أحدُكُمْ مِنْ منامه؛ فَلْيَسْتَنْثِرِ ثَلاثً؛ فإن الشّيطان يَبِيتُ على خَيْشُومِهِ)).
متفق عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عزالية: ((إذا استيقظ
أحدكم من منامه): ظاهره ليلاً، أو نهاراً (فليستنثر ثلاثاً): في ((القاموس)»:
استنثر: استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف . اهـ. وقد جُمع بينهما
في بعض الأحاديث (٢) ، فمع الجمع يراد من الاستئثار دفع الماء من الأنف ،
ومن الاستنشاق جذبه إلى الأنف (فإن الشيطان يبيتُ(٣) على خيشومه))) : هو
أعلى الأنف ، وقيل: الأنف كله ، وقيل: عِظَامٌ رِقَاقٌ ليِّنة في أقصى الأنف بينه
وبين الدماغ ، وقيل : غير ذلك (متفق عليه) .
الحديث دليل على وجوب الاستئثار عند القيام من النوم مطلقاً ، إلا أن في
(١) قلت: ليس في المسح بماء جديد إلا هذا الحديث الشاذ، وسيذكره الحافظ (رقم ٣٩).
وآخر بلفظ: ((خذوا للرأس ماءً جديداً))؛ وسنده ضعيف جداً؛ كما بينته في ((الضعيفة)»
(٩٩٥) .
(٢) قلت: وهو رواية في حديث أبي هريرة بلفظ: ((إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماءً،
ثم لينثر)) .
(٣) فائدة: ذكر ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ)) (٢/١٢٠/١) عن أهل اللغة أن البيتوتة إنما
تكون بالليل ؛ بنوم وبغير نوم .
١٢٧
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٤ - حديث أبي هريرة
رواية للبخاري : ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ؛ فليستنثر ثلاثاً ؛ فإن
الشيطان ... )) الحديث ، فيقيد الأمر المطلق به هنا بإرادة الوضوء ، ويقيد النوم
بمنام الليل؛ كما يفيده لفظ: ((يبيت))؛ إذ البيتوتة فيه ، وقد يقال: إنه خرج
على الغالب ؛ فلا فرق بين نوم الليل ونوم النهار .
والحديث من أدلة القائلين بوجوب الاستنثار دون المضمضة ، وهو مذهب
أحمد وجماعة .
* للأعرابي :
وقال الجمهور: لا يجب؛ بل الأمر للندب ، واستدلوا بقوله :
(«توضأ كما أَمَرَكَ الله))، وعين له ذلك في قوله: ((لا تتم صلاة أحد ، حتّى
يسبغ الوضوء ؛ كما أمره الله ، فيغسل وجهه ، ويديه إلى المرفقين، ويمسح
رأسه ، ورجليه إلى الكعبين))؛ كما أخرجه أبو داود من حديث رفاعة ، ولأنه
قد ثبت من روايات صفة وضوئه ټ﴿ من حديث عبد الله بن زيد وعثمان وابن
عمرو بن العاص ، عدم ذكرهما مع استيفاء صفة وضوئه(١)، وثبت ذكرهما
أيضاً ، وذلك من أدلة الندب .
(١) قلت : هذا وهم من المؤلف رحمه الله؛ فقد ثبتا في حديث عثمان؛ كما تقدم (ص١١٢)،
وفي حديث عبدالله بن زيد في ((الصحيحين))، وقد تقدم بعضه (ص١٢٢ - ١٢٣).
وحديث ابن عمرو الذي يشير إليه هو الذي قبل هذا ، ولم يسقه الحافظ بتمامه ؛ وهو في
«صحيح أبي داود)) (١٢٤) بسند حسن ؛ كما تقدم .
وعدم ذكرهما فيه لا يدل على الترك؛ كما هو ظاهر! وقد ذكر الشارح في «العدة)) (١٠٥/١)
أنه ثبت عنه 8: أنه ما ترك الاستنشاق . وتقدم نحوه (ص ١٢٠).
وما ينبغي أن يعلم أنه صح الاستنثار عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: ((استنثروا مرتين بالغَتَين
أو ثلاثاً)) . رواه أبو داود (١٢٩ - من ((صحيحه)))، وصححه ابن القطان .
١٢٨
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٥ - حديث أبي هريرة
وقوله: ((يبيت الشيطان))، قال القاضي عياض : يحتمل أن يكون على
حقيقته ؛ فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها بالاشتمام ،
وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه ، وسوى الأذنين ، وفي الحديث :
((إن الشّيْطَانَ لا يفْتَحُ غلقاً»، وجاء في التثاؤب الأمر بكظمه من أجل دخول
الشيطان حينئذ في الفم ، ويحتمل الاستعارة ؛ فإن الذي ينعقد من الغبار من
رطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان ، قلت : والأول أظهر .
٣٥ - وعَنْهُ: ((إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ ؛ فلا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإنَاءِ ،
حتّى يَغْسِلَهَا ثلاثاً؛ فإنه لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). متفق عليه ، وهذا لَفْظُ
مسلم .
(وعنه) : أي : عن أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين أيضاً ((إذا استيقظ
أحد كم من نَوْمه ، فلا يغمس يده): خرج ما إذا أدخل يده بالمغرفة ليستخرج
الماء؛ فإنه جائز؛ إذْ لا غمس فيه لليد ، وقد ورد بلفظ: ((لا يُدْخِلْ))، لكن يراد به
إدخالها للغمس ، لا للأخذ (في الإناء): يُخْرِجُ البِرَكَ والحِيَاض (حتى يغْسلها
ثلاثاً؛ فإنه لا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ))(١) . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم) .
الحديث يدل على إيجاب غسل اليد ، لمن قام من نومه ليلاً، أو نهاراً ، وقال
بذلك من نوم الليل أحمد(٢)؛ لقوله: ((باتت))؛ فإنه قرينة إرادة نوم الليل ، كما
(١) زاد أبو داود والدارقطني: «أو أين باتت تطوف يده)). وسنده صحيح، وحسنه الدارقطني.
وروی له شاهداً عن ابن عمر ، وحسنه .
(٢) في ((المسائل)) (٤). قلت: وهو رواية عن الحسن البصري.
=
١٢٩
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٥ - حديث أبي هريرة
سلف؛ إلا أنه قد ورد بلفظ: ((إذا قام أحدكم من الليل))، عند أبي داود،
والترمذي من وجه آخر صحيح ، إلا أنه يرد عليه أن التعليل يقتضي إلحاق نوم
النهار بنوم الليل .
وذهب غيره - وهو الشافعي ومالك وغيرهما - إلى أن الأمر في رواية :
(فليغسل)) للندب ، والنهي الذي في هذه الرواية للكراهة ، والقرينة عليه ذكر
العدد ؛ فإن ذكره في غير النجاسة العينية دليل الندب(١)، ولأنه علل بأمر يقتضي
الشك ، والشك لا يقتضي الوجوب(٢) في هذا الحكم ؛ استصحاباً لأصل الطهارة ،
ولا تزول الكراهة إلا بالثلاث الغسلات ، وهذا في المستيقظ من النوم .
وأما من يريد الوضوء من غير نوم ، فيستحب له ؛ لما مَرَّ في صفة الوضوء ،
ولا يكره الترك ؛ لعدم ورود النهي فيه .
= قال ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ» (٢/١٢٠/١):
((ولا أعلم أحداً قال بقول الحسن وأحمد في هذه المسألة . وقال إسحاق بن راهويه : لا ينبغي
لأحد استيقظ نهاراً أو ليلاً إلا أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء ، قال : والقياس في نوم
النهار أنه مثل نوم الليل)). قال ابن عبدالبر: ((إنما خرج ذكر المبيت على الأغلب، ونوم النهار في
معنی نوم اللیل في القیاس؛ لأنه نوم کله)) .
(١) مجرد دعوى !
(٢) لا أدري وجه هذا! فقد ثبت من حديث بريدة مرفوعاً: ((إذا حاصرت قوماً؛ فأنزلهم
على حكمك ، ولا تنزلهم على حكم الله ؛ فإنك لا تدري تصيبُ حكم الله فيهم أم لا؟!)). قال
الشارح في ((العدة)) (١١١/١):
((فعلل بأمر يقتضي الشك؛ والأصل المستصحب على خلافه ؛ مع أنه يجب إنزالهم على
حكم من حاصرهم)) .
١٣٠
١٠ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٦ - حديث لقيط بن صَبِرة
والجمهور(١) على أن النهي والأمر؛ لاحتمال النجاسة في اليد ، وأنه لو درى
أين باتت يده - كمن لَفَّ عليها فاستيقظ وهي على حالها -، فلا يُكره له أن
يَغْمِسَ يده، وإن كان غَسْلُها مستحباً؛ كما في المستيقظ .
وغيرهم يقولون : الأمر بالغسل تعبّد ؛ فلا فرق بين الشاك، والمتيقن ، وقولهم
أظهر ؛ كما سلف .
٣٦ - وعن لَقِيطِ بن صَبِرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّةٍ: ((أَسْبغ
الوضوءَ، وخَلِّلْ بَيْنَ الأصَابِعِ، وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ ، إلا أن تَكُونَ صَائِماً)) .
أخرجهُ الأربعةُ ، وصَحّحه ابنُ خُزَيْمَةَ .
ولأبي داود في رواية: ((إذا تَوَضَّأْتَ؛ فَمَضْمِضْ)).
(وعن لقيط) : بفتح اللام وكسر القاف ، ابن عامر (ابن صَبرة رضي الله
عنه): بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة ، كُنيته أبو رزين ؛ كما قاله ابن عبد
البر، صحابي مشهور، عداده في أهل الطائف (قال: قال رسول الله مَا
((أسْبغ الوضوء): الإسباغ: الإتمام ، واستكمال الأعضاء (وخَلَلْ بين الأصابع) :
ظاهر في إرادة أصابع اليدين والرجلين ، وقد صرح بهما في حديث ابن عباس :
((إذا توضأت ؛ فخلل أصابع يديك ورجليك))؛ يأتي من أخرجه قريباً (وبالغ في
الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً)). أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة(٢)،
(١) ومنهم الأوزاعي؛ كما رواه أبو داود في ((المسائل)) (٥) بسند رجاله ثقات.
(٢) وكذا ابن حبان (١٥٩) .
١٣١
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٦ - حديث لقيط بن صَبِرة
ولأبي داود في رواية(١): ((إذا توضأت ، فمضمض))): وأخرجه أحمد ،
والشافعي ، وابن الجارود ، وابن حبان ، والحاكم، والبيهقي ، وصححه الترمذي ،
والبغوي ، وابن القطان .
والحديث دليل على وجوب إسباغ الوضوء ، وهو إتمامه واستكمال
الأعضاء، وفي «القاموس)): أَسْبَغَ الوُضُوءَ : أَبْلَغَهُ مَوَاضِعَهُ ، وَوَفَّى كُلَّ عضو
حَقَّه ، وفي غيره مثله ؛ فليس التثليث للأعضاء من مسماه ، ولكن التثليث
مندوب(٢)، ولا يزيد على الثلاث؛ فإن شك هل غسل العضو مرتين ، أو ثلاثاً؛
جعلها مرتين .
وقال الجويني : يجعل ذلك ثلاثاً ، ولا يزيد عليها ؛ مخافة من ارتكاب
البدعة (٣) .
وأما ما روي عن ابن عمر : أنه كان يغسل رجليه سبعاً؛ ففعل صحابي لا
حجة فيه ، ومحمول على أنه كان يغسل الأربع من نجاسة لا تزول إلا بذلك .
ودليل على إيجاب تخليل الأصابع ؛ وقد ثبت من حديث ابن عباس أيضاً
(١) قلت : وإسنادها - كالتي قبلها - صحيح.
(٢) قلت : إلا الاستنثار فيجب مرتین؛ لحديث ابن عباس الذي ذكرناه (ص١٢٨ - في
الحاشية) ، وذلك في كل وضوء ، وثلاثاً عند الاستيقاظ؛ لحديث أبي هريرة المتقدم .
(٣) قلت: وهو ظاهر كلام أحمد ؛ فقال أبو داود في ((مسائله)) (٧):
«سمعت أحمد قال - فیمن شك في وضوئه ، فلم یدر ؛ أثنتین توضأ أم ثلاثاً؟ قال - : تجزئ
اثنتان)» .
١٣٢
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٧ - حديث عثمان
كما أشرنا إليه ، وهو الذي أخرجه الترمذي، وأحمد ، وابن ماجه ، والحاكم،
وحسنه البخاري ، وكيفيته أن يخلل بيده اليسرى بالخنصر منها ، ويبدأ بأسفل
الأصابع ، وأمّا كون التخليل باليد اليسرى ؛ فليس في النص ، وإنما قال الغزالي :
إنه يكون بها ؛ قياساً على الاستنجاء ، وقد روى أبو داود ، والترمذي من حديث
المستورد بن شداد: رأيت رسول الله ﴿ إذا توضأ يدلك بخنصره ما بين أصابع
رجليه(١) ، وفي لفظ لابن ماجه : يخلل ، بدل : يدلك .
والحديث دليل على المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وإنما لم يكن في
حقه المبالغة ؛ لئلا ينزل إلى حلقه ما يفطره ، ودلّ ذلك على أن المبالغة ليست
بواجبة ؛ إذْ لو كانت واجبة لوجب عليه التحري ، ولم يجز له تركها ، وقوله في
رواية أبي داود: ((إذا توضأت فمضمض))، يُستدل به على وجوب المضمضة ،
ومن قال : لا تَجب ؛ جعل الأمر للندب ؛ لقرينة ما سلف من حديث رفاعة بن
رافع ، في أمره ﴿ للأعرابي بصفة الوضوء الذي لا تجزئ الصلاة إلا به ، ولم
يذكر فيه المضمضة والاستنشاق .
كانَ يُخَلِّلُ لَحْيَتَهُ
٣٧ - وعن عُثْمَان رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي ◌ِ
في الوُضُوء . أخرجه الترمذي، وصححَهُ ابنُ خُزيمة .
(وعن عثمان رضي الله تعالى عنه): هو أبو عبد الله عثمان بن عفان الأموي
(١) قال ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ) (١/١١٠/١):
«وهذا عندنا محمول علی الکمال . وقد روي عن ابن وهب قال : لما حدثت مالكاً بحديث
المستورد هذا؛ رأيته بعد ذلك يتفقد ذلك في وضوئه)) .
١٣٣
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٧ - حدیث عثمان
القرشي ، أحد الخلفاء ، وأحد العشرة ، أسلم في أول الإسلام ، وهاجر إلى
الحبشة الهجرتين، وتزوج بنتي النبي :{ 18: رقية أولاً ، ثم لما توفيت زوّجه النبي
* بأم كلثوم، استخلف في أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقتل يوم
الجمعة ؛ لثماني عشرة خلت من ذي الحجة الحرام ، سنة خمس وثلاثين ، ودفن
لیلة السبت بالبقیع ، وعمره اثنتان وثمانون سنة ، وقيل غير ذلك .
(أن النبي ﴿﴿ كان يخلل لحيته في الوضوء. أخرجه الترمذي، وصححه
ابن خزيمة) .
والحديث أخرجه الحاكم ، والدارقطني ، وابن حبان(١) من رواية عامر بن
شقيق(٢) عن أبي وائل ، قال البخاري : حديثه حسن .
وقال الحاكم : لا نعلم فيه ضعفاً بوجه من الوجوه ۔ هذا كلامه -، وقد
ضعفه ابن معين ، وقد روى الحاكم للحديث شواهد عن أنس ، وعائشة ،
وعلي ، وعمار؛ قال المصنف: وفيه أيضاً عن أم سلمة ، وأبي أيوب ، وأبي
أمامة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وأبي الدرداء ، وقد تُكلِّمَ على
جميعها بالتضعيف ؛ إلا حديث عائشة(٣) . وقال عبد الله بن أحمد عن
(١) (١٥٤ - موارد) ..
(٢) لين الحديث: ((تقريب)).
(٣) قلت: هذا الكلام من الشارح لا يبين موقف الحافظ من حديث عائشة ؛ هل سكت
عليه أم قواه؟! والواقع الثاني ؛ فقد قال فيه في ((التلخيص)) (ص٣١):
((وإسناده حسن)) .
١٣٤
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٨ - حديث عبد الله بن زيد
أبيه : ليس في تخليل اللحية شيء (١).
وحديث عثمان هذا دالٌّ على مشروعية تخليل اللحية ، وأمّا وجوبه ؛
فاختلف فيه ، فعند الهادوية : يجب كقبل نباتها ؛ لأحاديث وردت بالأمر
بالتخليل ؛ إلا أنها أحاديث ما سلمت عن الإعلال ، والتضعيف ؛ فلم تنتهض
على الإيجاب(٢) .
٣٨ - وعن عَبْد الله بن زيد رضي الله عنه قَال: إن النبيَّ ◌َ﴿ أُتِيَ بِغُلُفَيْ
مُدٍّ ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذراعَيْه. أخرجه أحمد، وصححه ابن خُزَيمَة .
(وعن عبدالله بن زيد رضي الله عنه قال: إن النبي ﴿ أتي بِثُلُثَيْ مُدَّ) :
بضم الميم وتشديد الدال المهملة ، وفي ((القاموس)): مكيال ، وهو رطلان ، أو:
رطل وثلث ، أو: ملء كَفَّي الإنسان المعتدل إذا ملأهما، وَمَدَّ يده بهما ، ومنه
سُمي مُداً، وقد جَرّبتُ ذلك فوجدته صحيحاً . اهـ (فجعل يَدْلُكُ ذراعيه .
أخرجه أحمد ، وصححه ابن خزيمة(٣)) .
= فلو نقله الشارح عنه ؛ لكان أحسن ، ولو هو صححه ؛ لكان أصوب؛ فإن رجاله كلهم ثقات
رجال مسلم ؛ غير عمر بن أبي وهب الخزاعي ؛ وقد وثقه ابن معين وغيره .
(١) ومثله قول أبي داود في ((مسائله)) (٧):
((ليس يثبت فيه حديث)) .
(٢) قلت: هذا غير مسلَّم على إطلاقه ؛ فإن بعض طرقه صحيح ، وقد صححه الحاكم،
وابن القطان ، والذهبي؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (١٣٣)، وهو بلفظ - بعد أن ذكر
التخليل -: ((هكذا أمرني ربي عز وجل)).
(٣) قلت : وكذا الحاكم - ووافقه الذهبي -، وابن حبان (١٥٥).
١٣٥
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٨ - حديث عبد الله بن زيد
وقد أخرج أبو داود من حديث أم عمارة الأنصارية ، بإسناد حسن(١): أنه
** توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد ..
ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد ؛ فثلثا الْمُد هو أقل ما روي أنه
توضأ به ﴿﴿ ، وأمّا حديث أنه توضأ بثلث مد ؛ فلا أصل له ، وقد صحح أبو
زرعة من حديث عائشة وجابر أنه ﴿ كان يغتسل بالصاع ، ويتوضأ بالمد ،
وأخرج مسلم نحوه من حديث سفينة ، وأبو داود (٢) من حديث أنس : توضأ من
إناء يسع رطلين ، والترمذي بلفظ: ((يجزئ في الوضوء رطلان)).
وهي كلّها قاضية بالتخفيف في ماء الوضوء، وقد علم نهيه ﴿﴿ عن
الإسراف في الماء ، وإخباره أنه سيأتي قوم يعتدون في الوضوء ، فمن جاوز ما
قال الشارع : إنه يجزئ ؛ فقد أسرف ، فيحرَّم . وقول مَنْ قال : إن هذا تقريب ، لا
، والاقتداء به
تحدید ، ما هو ببعيد ؛ لكن الأحسن بالمتشرّع محاكاة أخلاقه
في كمية ذلك .
وفيه دليل على مشروعية الدلك لأعضاء الوضوء ، وفيه خلاف؛ فَمَنْ قال
بوجوبه ، استدل بهذا؛ ومن قال : لا يجب ، قال : لأن المأمور به في الآية
الغسل ، وليس الدلك من مسماه ؛ ولعله يأتي ذکر ذلك !
(١) قلت: بل صحيح؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٨٤).
(٢) فيه شريك؛ وهو سيِّئ الحفظ ؛ وكذا رواية الترمذي.
والصحيح رواية أبي عوانة: ((يكفي من الوضوء المد))، انظر ((صحيح أبي داود)) (٨٥).
١٣٦
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٩ - حديث عبد الله بن زيد
٣٩ - وعنه: أنه رأى النَّبيِّ ﴿ يأخُذُ لأذْنَيْهِ ماءً غَيْرَ الماء الذي أخذَهُ
لرأسِهِ. أخرجه البيهقيُّ، وهو عند مسلم من هذا الوَجْهِ بلفظٍ: وَمَسَحَ بَرَأْسِهِ
بماءٍ غيرِ فَضْلٍ يَدَيْهٍ ، وهو المَحْفُوظُ .
يأخُذُ لأذنيه ماء
(وعنه) : أيْ: عن عبدالله بن زيد (أنه رأى النبي
غير الماء الذي أخذه لرأسه . أخرجه البيهقي ، وهو) : أيْ: هذا الحديث (عند
مسلم من هذا الوجه ، بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه ، وهو المحفوظ(١)).
وذلك أنه ذكر المصنف في ((التلخيص)) عن ابن دقيق العيد :
أنّ الذي رآه في الرواية هو بهذا اللفظ الذي قال المصنف : إنه المحفوظ .
وقال المصنف أيضاً: إنه الذي في ((صحيح ابن حبان)) ، وفي رواية الترمذي .
ولم يذكر في ((التلخيص)) أنه أخرجه مسلم، ولا رأيناه في مسلم(٢) .
وإذا كان كذلك، فَأَخْذُ ماء جديد للرأس هو أمر لا بد منه ، وهو الذي
دلّت عليه الأحاديث(٣)، وحديث البيهقي - هذا - هو دليل أحمد، والشافعي
(١) وقال البيهقي: ((وهو أصح)).
قلت: وهذا يتفق مع قول الحافظ: ((وهو المحفوظ))؛ يعني: وهو باللفظ الأول شاذ لا يصح .
فلينظر فيما نقله الشارح - فيما تقدم (ص١٢٦) - عن ابن دقيق العيد عن البيهقي أنه قال :
(إسناده صحيح)) !! هل نصَّ على ذلك البيهقي، أم أخذه من مفهوم قوله المذكور: ((وهو أصح))؟!
والشعراني في ((الميزان)) (٧٥/١) قال أيضاً: ((إسناده صحيح)) !
(٢) قلت : قد رأيناه ، كما بيناه (ص١٢٦).
(٣) قلت: لكن في حديث أبي داود: أن النبي تل مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده . وهو
من حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ؛ وهو حسن ؛ وقد صحح الشارح حديثها في البدء بمؤخرة الرأس ؛
کما سبق (ص١٢٤).
١٣٧
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٠ - حديث أبي هريرة
أنه يؤخذ للأذنين ماء جديد ، وهو دليل ظاهر(١) .
وتلك الأحاديث التي سلفت؛ غاية ما فيها أنه لم يذكر أحد أنه ﴿ ﴿ أخذ
ماءً جديداً، وعدم الذكر ليس دليلاً على عدم الفعل ، إلا أن قول الرواة من
الصحابة : ومسح رأسه وأذنيه مرة واحدة ؛ ظَاهِرٌ أنه بماء واحد . وحديث :
((الأذنان من الرأس)»، وإن كان في أسانيده مقال ؛ إلا أن كثرة طرقه يشدّ بعضها
بعضاً (٢) ، ويشهد لها أحاديث مسحهما مع الرأس مرة واحدة ، وهي أحاديث
كثيرة عن علي ، وابن عباس ، والربيع ، وعثمان ؛ كلهم متفقون على أنه مسحهما
مع الرأس مرة واحدة ؛ أي : بماء واحد ؛ كما هو ظاهر لفظ: مَرَّة؛ إذْ لو كان يؤخذ
للأذنين ماء جديد ، ما صدق أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة ، وإن احتمل أنّ
المراد أنه لم يكرر مسحهما ، وأنه أخذ لهما ماءً جديداً، فهو احتمال بعيد.
وتأويل حديث : إنه أخذ لهما ماء خلاف الذي مسح به رأسه ؛ أقرب ما يقال
فيه : إنه لم يبقَ في يده بلة تكفي لمسح الأذنين ، فأخذ لهما ماءً جديداً(٣).
٤٠ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه قال: سَمِعْتُ رسول الله عَ اهُ يقولُ:
((إِنَّ أُمّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَاً مُحَجّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوَضُوءِ، فَمن اسْتَطَاعَ
مِنْكُمْ أَنْ يُطيل غُرَّتَهُ ؛ فَلْيَفْعَلْ)). متفقٌ عليه، واللفظ لمسْلم.
(١) قلت : وهو شاذ، كما عرفت .
(٢) في هذا الإطلاق نظر؛ فإن الحديث له عن ابن عباس وحده ثلاث طرق ؛ إحداها
صحيح؛ كما بينته في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (رقم ٣٦، ص٤٤).
.. (٣) قلت: تأويله للحديث بما ذكر يُشْعِر بأنه صحيح! وقد علمت آنفاً وما تقدم (ص١٢٧)
أنه شاذ غیر محفوظ .
١٣٨
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٠ - حديث أبي هريرة
يقول: «إن
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَلـ
أمتي يأتون يوم القيامة غُرّاً) : بضم الغين المعجمة وتشديد الراء ؛ جمع أغَرَّ؛
أي : ذوي غرة ، وأصلها لُمعةٌ بيضاء تكون في جبهة الفرس، وفي ((النهاية)):
يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة ، ونصبه على أنه حال من فاعل
((يأتون))، وعلى رواية: ((يدعون)) يحتمل المفعولية (مُحَجَّلين) : بالمهملة والجيم ؛
من التحجيل. في ((النهاية)) ؛ أي : بيض مواضع الوضوء من الأيدي والأقدام ؛
استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان ، من البياض الذي
يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه (من أثر الوضوء)(١) : بفتح الواو؛ لأنه
الماء ، ويجوز الضم عند البعض ؛ كما تقدم (فمن استطاع منكم أن يطيل
غرته) : أي: وتحجيله ، وإنما اقتصر على أحدهما لدلالته على الآخر ، وآثر الغرة
- وهي مؤنثة - على التحجيل - وهو مذكر -؛ لِشَرَف موضعها ، وفي رواية لمسلم :
((فليُطِل غُرته وتحجيلهُ)) (فليفعل)). متفق عليه ، واللفظ لمسلم) .
وظاهر السياق أن قوله : فمن استطاع؛ إلى آخره ، من الحديث ، وهو يدل
على عدم الوجوب ؛ إذْ هو في قوة : من شاء منكم ، فلو كان واجباً ما قيده بها ؛
إذ الاستطاعة لذلك متحققة قطعاً(٢)، وقال نعيم (٣) - أحد رواته -: لا أدري
(١) زاد الطحاوي (٢٤/١): ((ولا يأتي أحد من الأم كذلك)). ورجاله ثقات؛ لكن فيهم ابن
لهيعة .
(٢) قلت : فيه نظر ظاهر! فقد قال تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾؛ فهل الاستقامة
غير واجبة؟!
ومثله حديث : ((من أراد الحج ؛ فليعجّل)).
(٣) هو نُعَيْم بن عبدالله المُجْمِر راوي الحديث عن أبي هريرة. وهي في ((مسند أحمد)) =
١٣٩
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٠ - حديث أبي هريرة
* ، أو من قول أبي هريرة؟ وفي
قوله : فمن استطاع إلى آخره ؛ من قول النبي
((الفتح)): لم أر هذه الجملة في رواية أحد من روى هذا الحديث من الصحابة
- وهم عشرة -، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه(١) .
والحديث دليل على مشروعية إطالة الغرة ، والتحجيل .
واختلف العلماء في القدر المستحب من ذلك .
فقيل : في اليدين إلى المنكب ، وفي الرجلين إلى الركبة ، وقد ثبت هذا عن
أبي هريرة رواية ورأياً (٢)، وثبت من فعل ابن عمر. أخرجه ابن أبي شيبة ، وأبو
عبيد بإسناد حسن(٣) .
= (٣٣٤/٢ و٥٢٣)؛ خلافاً لما يوهمه صنيع الشارح!
(١) قلت: فاته رواية ليث عن كعب عن أبي هريرة ؛ فإن فيها هذه الجملة فى ((مسند أحمد))
(٣٦٢/٢) ؛ وإن كان ليث - وهو ابن أبي سليم - ضعيفاً!
وقد جزم بكون هذه الجملة مدرجة ابن تيمية وابن القيم؛ فانظر ((حادي الأرواح))
(٣١٦/١) .
(٢) كذا قال تبعاً لـ((الفتح)) (١٩١/١)! وفيه نظر؛ فإن الثابت عن أبي هريرة من روايته ، إنما
هو أنه تَ* غسل يديه حتى أشرع في العضد، ورجليه حتى أشرع في الساق . رواه مسلم .
ثم روى عن أبي هريرة موقوفاً عليه نحوه؛ لكنه قال : فغسل يديه حتى كاد يبلغ المنكبين !
على أن هذا فيه سعيد بن أبي هلال ؛ قال أحمد: ((اختلط)).
(٣) في تحسينه عن ابن عمر نظر؛ فإن فيه - عند ابن أبي شيبة - العمري المكبّر؛ وهو
ضعيف .
ثم إن فيه أنه كان يفعل ذلك في الصيف وعلى قِلَّة !
١٤٠