النص المفهرس

صفحات 101-120

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٦ - حديث أبي السمح
عن ابن شهاب : مضت السّنة أن يُرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان(١) ،
والمراد ما لم يحصل لهم الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال ؛ وقيل : غير ذلك .
وللعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب :
الأول : للهادوية ، والحنفية ، والمالكية ، أنه يجب غسلهما كسائر النجاسات؛
قياساً لبولها على سائر النجاسات ، وتأولوا الأحاديث ، وهو تقديم للقياس على النص .
الثاني : وجه للشافعية ، وهو أصح الأوجه عندهم؛ أنه يكفي النضح في
بول الغلام ، لا الجارية ، فكغيرها من النجاسات؛ عملاً بالأحاديث الواردة
بالتفرقة بينهما ، وهو قول علي رضي الله عنه ، وعطاء ، والحسن ، وأحمد ،
وإسحاق ، وغيرهم .
والثالث : يكفي النضح فيهما ، وهو كلام الأوزاعي ، وأمّا هل بول الصبيّ
طاهر، أو نجس؟ فالأكثر على أنه نجس ، وإنما خفف الشارع في تطهيره .
واعلم أن النضح - كما قاله النووي في ((شرح مسلم)) - هو أن الشيء الذي
أصابه البول يُغْمَر، ويُكَاثَر بالماء مُكاثرة لا تبلغ جريان الماء ، وتردده ، وتقاطره ،
بخلاف المكاثرة في غيره ؛ فإنه يشترط أن تكون بحيث يجري عليها بعض الماء ،
ويتقاطر من المحل ، وإن لم يشترط عصره ، وهذا هو الصحيح المختار، وهو قول إمام
الحرمين ، والمحققين(٢).
(١) هذا ليس له حكم الرفع ؛ لأن الزهري ليس صحابيّاً .
(٢) قال في ((الشرح)) (٢/٢٨/١): ((ورواه الوليد بن مسلم عن مالك ... وقال أصحابه:
هي رواية شاذة» .
١٠١

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٧ - حديث أسماء
٢٧ - وعن أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنَّ النبيََّ﴿ِ قالَ - في
دَمِ الخَيْضِ، يُصيبُ الثّوبَ -: (تَحْتُهُ، ثم تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، ثم تَنْضَحُهُ، ثم
تُصَلِيّ فيهِ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيه .
(وعن أسماء) : بفتح الهمزة وسين مهملة فميم فهمزة ممدودة (بنت أبي
بكر رضي الله عنهما) : وهي أم عبد الله بن الزبير ، أسلمت بمكة قديماً ، وبايعت
النبي ◌َّي ، وهي أكبر من عائشة بعشر سنين ، وماتت بمكة بعد أن قتل ابنها
بأقل من شهر ، ولها من العمر مائة سنة ، وذلك سنة ثلاث وسبعين ، ولم
تسقط لها سن ، ولا تغير لها عقل ، وكانت قد عميت .
(أن النبي ﴿ قال - في دم الحيض، يصيب الثوب -: ((تحتُّه): بالفتح
للمثناة الفوقية وضم الحاء المهملة وتشديد المثناة الفوقية ؛ أي : تحكه ، والمراد
بذلك إزالة عينه (ثمَّ تقرُصُهُ بالماء) : أي: الثوب ، وهو بفتح المثناة الفوقية
وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين ؛ أي : تدلك ذلك الدم بأطراف
أصابعها؛ ليتحلل بذلك ويخرج ما شربه الثوب منه (ثم تَنْضَحُهُ(١)): بفتح
(١) أي : سائر الثوب؛ كما في رواية لأبي داود، والدارمي ، والبيهقي بسند حسن؛ انظر
((صحيح أبي داود)) (٣٨٦).
ولها شاهد من حديث عائشة قالت :
((كانت إحدانا تحيض ، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها ؛ فتغسله وتنضح على سائره،
ثم تصلي فيه)) .
رواه البخاري وغيره .
١٠٢

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٧ - حديث أسماء
الضاد المعجمة ؛ أي: تغسله بالماء (ثمَّ تصلي فيه)). متفق عليه) . ورواه ابن
ماجه(١) بلفظ: ((اقرصيه بالماء واغسليه))، ولابن أبي شيبة بلفظ: ((اقرصيه
بالماء ، واغسليه ، وصلي فيه)) ، وروى أحمد ، وأبو داود ، والنسائي، وابن ماجه ،
وابن خزيمة ، وابن حبان (٢) من حديث أم قيس بنت محصن : أنها سألت رسول
الله ◌َّهُ عن دم الحيض ، يصيب الثوب؟ فقال: ((حكيه بصَلْع، واغسليه بماء
وسدر))، قال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة ، ولا أعلم له علة (٣)، وقوله:
بصلع - بصاد مهملة مفتوحة فلام ساكنة وعين مهملة -: الحَجَر (٤).
والحديث دليل على نجاسة دم الحيض ، وعلى وجوب غسله ، والمبالغة في
إزالته بما ذكر من الحت، والقرص ، والنضح لإذهاب أثره ، وظاهره أنه لا يجب
غير ذلك ، وإن بقي من العين بقية ؛ فلا يجب الحاد لإذهابها ؛ لعدم ذكره في
الحديث - أي : حديث أسماء -، وهو محل البيان؛ ولأنه قد ورد في غيره : ((ولا
يضرك أثره))(٥) .
(١) (ج٢١٧/١) بسند صحيح .
(٢) (٢٣٥) .
---
(٣) وهو كما قال .
وحسّنه الحافظ في ((الفتح)) (٢٦٦/١) ؛ فقصَّر!
(٤) ووقع في ((ابن ماجه)) (٢١٧/١) وغيره: ((بِضلَع)): بكسر معجمه وفتح لامه ؛ قال ابن
الأعرابي :
(الضلع ــ ههنا -: العود الذي فيه الاعوجاج)).
(٥) يأتي - قريباً - ميل الشارح إلى وجوب الحاد ؛ لحديث أم قيس!
١٠٣

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٨ - حديث أبي هريرة
٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالتْ خَوْلَةُ: يا رسُول الله! فإن
لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قالَ: ((يَكْفِيكِ الْمَاءُ ، ولا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ». أخرجه الترمذي،
وسنده ضعيف .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة): بالخاء المعجمة مفتوحة
وسكون الواو؛ وهي بنت يسار(١)، كما أفاده ابن عبد البر في ((الاستيعاب))
حيث قال: قالت : خولة بنت يسار (يا رسول الله! فإن لم يذهب الدم؟ قال :
(يكفيك الماءُ ، ولا يضُرُّكِ أَثَرُهُ)). أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف(٢)):
وكذلك أخرجه البيهقي ؛ لأن(٣) فيه ابن لهيعة .
وقال إبراهيم الحربي : لم نسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث ، ورواه
الطبراني في ((الكبير)) من حديث خولة بنت حكيم ، بإسناد أضعف من الأول ،
وأخرجه الدارمي(٤) من حديث عائشة موقوفاً عليها: إذا غسلت المرأة الدم فلم
(١) وقد صرّح بذلك ابن الحمامي في ((منتخب من مسموعاته)) (ق١/٣٣)، وأبو الحسن
القصَّار في ((حديثه)» (ق٢/٢) ، وكذا أبو داود ، والبيهقي .
(٢) وكذا في ((الفتح)) (٢٦٦/١)! وقال :
((وله شاهد مرسل ، ذكره البيهقي)). وأقول: بل هو صحيح؛ لأنه من رواية ابن وهب عن
ابن لهيعة ؛ وحديثه عنه صحيح ، وكذلك حديث ابن المبارك والمقري عنه ؛ كما قال عبدالغني
ابن سعيد والساجي وغيرهما . انظر ((التهذيب)).
رواه عن ابن وهب البيهقي وغيره. وأبو داود عن غيره. انظر «صحيح أبي داود)).
وعزوه للترمذي وهم !
(٣) و- شرح .
(٤) قلت : وسنده صحيح ؛ بخلاف سند أبي داود؛ انظر ((صحيحه)) (٣٨٣).
١٠٤

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٨ - حديث أبي هريرة
يذهب ؛ فلتغيره بصفرة ، أو زعفران . رواه أبو داود عنها موقوفاً أيضاً، وتغييره
بالصفرة والزعفران ليس لقلع عينه ؛ بل لتغطية لونه تنزهاً عنه .
والحديث دليل لما أشرنا من أنه لا يجب استعمال الحاد ؛ لقطع أثر النجاسة
وإزالة عينها . وبه أخذ جماعة من أهل البيت ، ومن الحنفية ، والشافعية .
واستدل من أوجب الحاد - وهم الهادوية - بأن المقصود من الطهارة أن يكون
المصلي على أكمل هيئة وأحسن زينة ، ولحديث: ((اقرصيه ، وأميطيه عنك
بإذخرة)) .
قال في ((الشرح)): وقد عرفت أن ما ذكره يفيد المطلوب ، وأن القول الأول
أظهر ؛ هذا كلامه .
وقد يقال : قد ورد الأمر بالغسل لدم الحيض بالماء والسدر؛ والسِّدر من
الحواد ، والحديث الوارد به في غاية الصحة - كما عرفت -؛ فيقيَّد به ما أطلق في
غيره ، ويخص استعمال الحاد بدم الحيض ، ولا يقاس عليه غيره من النجاسات ؛
وذلك لعدم تحقق شروط القياس ، ويحمل حديث: ((ولا يضرك أثره))، وحديث
عائشة ، وقولها : فلم يذهب ؛ أي : بعد الحاد .
فهذه الأحاديث في هذا الباب اشتملت من النجاسات على : الخمر ، ولحوم
الحمر الأهلية ، والمني ، وبول الجارية ، والغلام ، ودم الحيض ، ولو أدخل المصنف
بول الأعرابي في المسجد ، ودباغ الأديم ، ونحوه في هذا الباب ، لكان أوجه .
١٠٥

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
معنى الوضوء
٤ - باب الوضوء
في ((القاموس)): الوضوء يأتي بالضم: الفعل، وبالفتح: ماؤه(١) ، ومصدر
أيضاً ، أو لغتان ، ويُعنى بهما المصدر، وقد يعنى بهما الماء، يقال: توضأت
للصلاة ، وتوضيت - لُغَيَّة، أو لُثْغَةٌ(٢) - أهـ.
واعلم أن الوُضوء من أعظم شروط الصلاة ، وقد ثبت عند الشيخين من
حديث أبي هريرة - مرفوعاً -: ((إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث ،
حتّى يتوضأ))، وثبت حديث: ((الوضوء شطر الإيمان))، وأنزل الله فريضته من
السماء في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]،
وهي مدنيّة ، واختلف العلماء : هل كان فرض الوضوء بالمدينة ، أو بمكة؟
فالمحققون على أنه فرض بالمدينة ؛ لعدم النص الناهض على خلافه(٣) .
وورد في الوضوء فضائل كثيرة ؛ منها حديث أبي هريرة عند مالك وغيره(٤)
مرفوعاً : ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن ، فغسل وجهه ؛ خرجت من وجهه
(١) قال في ((الفتح)): ((وهو المشهور فيهما؛ وحُكي في كل منهما الأمران . وهو مشتق من
الوضاءة)) .
(٢) بالضم : تحوُّل اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين، أو اللام أو الياء، أو
من حرف إلى حرف ، أو أن لا يتم رفع لسانه . ((قاموس)) .
(٣) وهذا لا ينفي أن يكون شرع في مكة على سبيل الندب لا الوجوب؛ فقد جاء ذكر
الوضوء في مكة في بعض الأحاديث ! انظر ((الزرقاني على المواهب)» (٢٩٣/٧).
(٤) كمسلم والترمذي ؛ أخرجاه من طريق مالك .
١٠٦

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
فضائل الوضوء
كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء ، أو مع آخر قطر الماء ؛ فإذا غسل يديه ؛
خرجت من يديه كل خطيئة بَطَشَتْهَا يداه مع الماء ، أو مع آخر قطر الماء ، فإذا
غسل رجليه ؛ خرجت كل خطيئة مَشَتْهَا رجلاه مع الماء ، أو مع آخر قطر
الماء ، حتّى يخرج نَقِياً من الذنوب)).
وأشمل منه ما أخرجه مالك أيضاً من حديث عبد الله الصُّنابحي - بضم
الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة آخره مهملة -؛ نسبة إلى صنابح بطن من
مراد، وهو صحابي(١)، قال: إن رسول الله ◌َّ هُ قال: ((إذا توضأ العبد المؤمن
فتمضمض ؛ خرجت الخطايا من فيه ، وإذا استنثر ؛ خرجت الخطايا من أنفه ،
فإذا غسل وجهه ؛ خرجت الخطايا من وجهه ، حتّى تخرج من تحت أشفار
عينيه ، فإذا غسل يديه ؛ خرجت الخطايا من يديه ، حتّى تخرج من تحت أظفار
يديه ، فإذا مسح برأسه ؛ خرجت الخطايا من رأسه ، حتّى تخرج من أذنيه ،
فإذا غسل رجليه ؛ خرجت الخطايا من رجليه ، حتّى تخرج من أظفار رجليه ،
ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له)) ، وفي معناهما عدة أحاديث .
ثم هل الوضوء من خصائص هذه الأمة؟ فيه خلاف ، المحققون على أنه
ليس من خصائصها ؛ إنما الذي من خصائصها الغرة والتحجيل .
(١) كذا قال! وهو في ذلك تابع للحاكم ثم المنذري وغيرهما ! لكن قال الذهبي في ردِّه على
ابن القطان :
ــ. وهو مختلف في اسمه ، مشهور بالنسبة)).
((كاد أن يكون صحابياً ؛ لقدومه بعد وفاة النبي
قلت : لكن يعكِّر عليه أنه صرّح بسماعه لهذا الحديث من النبي ◌َّ
في رواية ابن شاهين
في ((الترغيب)) (٢/٢٦٤ - محمودية) ؛ فلعلها غير محفوظة !
١٠٧

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٢٩ - حديث أبي هريرة
٢٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله عَ ه: أنّهُ قال: ((لَولا أنْ
أَشُقَّ على أُمّتي؛ لأمرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مَعَ كلِّ وُضُوءٍ)). أخرجه مالك وأحمد
والنسائي ، وصححه ابنُ خُزيمةَ ، وذكرهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقاً .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله تَ ه: أنّهُ قال: ((لَولا أنْ
أشُقَّ على أُمّتي؛ لأمرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مَعَ كلِّ وُضُوءٍ». أخرجه مالك وأحمد
والنسائي ، وصححه ابنُ خُزيمةَ ، وذكرهُ البُخَارِيُّ تَغْلِيقاً(١)):
المعَلَّق: هو ما يسقط من أول إسناده رَاو فأكثر، قال(٢) في ((الشرح)): الحديث
ء
متفق عليه عند الشيخين ، من حديث أبي هريرة ، وهذا لفظه ، قال ابن مَنْده :
إسناده مجمع على صحته ، قال النووي : غلط بعض الكبار؛ فزعم أن البخاري(١)
لم يخرجه !
قلت : وظاهر صنيع المصنف هنا يقضي بأنه لم يخرجه واحد من الشيخين ،
وهو من أحاديث ((عمدة الأحكام)) ، التي لا يذكر فيها إلا ما أخرجه الشيخان ،
إلا أنه بلفظ: ((عند كل صلاة)).
(١) ولم يروه موصولاً بلفظ: ((مع كل وضوء))؛ لا هو ولا مسلم! وإنما أخرجاه بلفظ:
((عند كل صلاة))؛ كما يأتي عن ((العمدة))؛ إلا أن البخاري قال: ((مع كل صلاة)).
وأما اللفظ المعلق ؛ فقد وصله من ذكرهم المؤلف - وغيرهم - من ثلاث طرق عن أبي هريرة .
وكلها صحيحة .
وأشار البخاري إلى تصحيحه ؛ بجزمه في تعليقه إياه بقوله في (الصيام) :
«وقال أبو هريرة» .
(٢) يعني : المغربي .
١٠٨

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٢٩ - حديث أبي هريرة
وفي معناه عدة أحاديث عن عدة من الصحابة ، منها : عن علي عليهِ
السَّلام عند أحمد ، وعن زيد بن خالد عند الترمذي(١) ، وعن أم حبيبة عند
أحمد ، وعن عبد الله بن عمر ، وسهل بن سعد ، وجابر ، وأنس عند أبي نعيم ،
وأبي أيوب عند أحمد والترمذي ، ومن حديث ابن عباس ، وعائشة عند مسلم
وأبي داود ، وورد الأمر به من حديث: ((تَسَوَّكُوا؛ فإن السِّواكِ مَطْهَرَة للفَم)).
أخرجه ابن ماجه ، وفيه ضعف ، ولكن له شواهد عديدة دالّة على أن للأمر به
أصلاً، وورد في أحاديث: أن السواك من سنن المرسلين(٢)، وأنه من خصال
الفطرة (٣) ، وأنه من الطهارات، وأن فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة
التي لا يستاك لها سبعون ضعفاً، أخرجها أحمد ، وابن خزيمة ، والحاكم،
والدارقطني، وغيرهم. قال في ((البدر المنير»: قد ذكر في السواك زيادة على مائة
حديث ، فواعجباً لسنة تأتي فيها الأحاديث الكثيرة ، ثم يهملها كثير من
الناس ؛ بل كثير من الفقهاء ؛ فهذه خيبة عظيمة !
هذا؛ ولفظ السِّواك - بكسر السين - في اللغة يطلق على الفعل، وعلى
الآلة، ويُذكَّر ، ويُؤَنَّث ، وجمعه سُؤُكٌ ؛ ككتاب وكُتُب . ويراد به في الاصطلاح :
(١) وصححه ! وفيه ابن إسحاق؛ وقد عنعنه .
لکن رواه أحمد (١١٦/٤) من طریق أخری بسند صحيح؛ وفيه :
فكان زيد بن خالد يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب ، كلما قام إلى الصلاة
استاك . زاد الترمذي: ثم ردّه إلى موضعه .
(٢) ت. ض .
(٣) م.
١٠٩

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٢٩ - حديث أبي هريرة
استعمال عود ، أو نحوه في الأسنان ؛ لتذهب الصفرة وغيرها . قلت : وعند
ذهاب الأسنان - أيضاً - يشرع؛ لحديث عائشة: قلت : يا رسول الله! الرجل
يذهب فوه، أيستاك؟ قال: ((نعم))، قلت: كيف يصنع؟ قال: ((يدخل أصبعه
في فيه)). أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه ضعف(١).
وأما حُكْمُه فهو سنّة عند جماهير العلماء ، وقيل بوجوبه ؛ وحديث الباب
دليل على عدم وجوبه ؛ لقوله في الحديث: (لأمرتهم))؛ أي: أمْر إيجاب ؛ فإنه
ترك الأمر به ؛ لأجل المشقة ، لا أمر النَّدب ؛ فإنه قد ثبت بلا مرية .
والحديث دل على تعيين وقته، وهو عند كل وضوء، وفي ((الشرح)): أنه
يستحب في جميع الأوقات ، ويشتد استحبابه في خمسة أوقات :
أحدها : عند الصلاة ؛ سواء كان متطهراً بماء ، أو تراب ، أو غير متطهر ؛ كمن
لم يجد ماء ، ولا تراباً .
الثاني : عند الوضوء .
الثالث : عند قراءة القرآن .
الرابع : عند الاستيقاظ من النوم .
الخامس : عند تَغيُّر الفَمِ .
قال ابن دقيق العيد: السر فيه - أيْ في السواك ، عند الصلاة - أنَّا مأمورون .
في كل حال من أحوال التقرب إلى الله - أن نكون في حالة كمال ونظافة ؛ إظهاراً
(١) فإن فيه: عيسى بن عبدالله الأنصاري؛ وهو ضعيف؛ كما في ((المجمع)) (١٠٠/٢).
١١٠

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٢٩ - حديث أبي هريرة
الشرف العبادة . وقد قيل: إن ذلك الأمر يتعلق بالْمَلَك، وهو أنه يضع فَاهُ على فم
القارئ ويتأذى بالرائحة الكريهة ؛ فَسُنَّ السواك لأجل ذلك ، وهو وجه حسن(١) .
ثم ظاهر الحديث أنه لا يخص صلاة في استحباب السِّواك لها في إفطار ،
ولا صيام، والشافعي يقول: لا يُسَنُّ بعد الزوال في الصوم؛ لئلا يذهب به
خَلوف الفم المحبوب إلى الله تعالى(٢) .
وأجيب : بأن السواك لا يذهب به الخلوف؛ فإنه صادر عن خلو المعدة ، ولا
يذهب بالسواك .
ثم هل يسن ذلك للمصلي ، وإن كان متوضئاً؛ كما يدل له حديث : ((عند
كل صلاة؟)) قيل: نعم؛ يُسنُّ ذلك(٣) ، وقيل: لا يُسنُّ إلا عند الوضوء؛ لحديث
((مع كل وضوء))، وأنه يقيد إطلاق ((عند كل صلاة))، بأن المراد عند وضوء كل
صلاة، ولو قيل: إنه يلاحظ المعنى الذي لأجله شُرع السِّواك؛ فإن كان قد
مضى وقت طويل يتغير فيه الفم بأحد المغيرات التي ذكرت ، وهي : أكل ما له
رائحة كريهة ، وطول السكوت ، وكثرة الكلام ، وترك الأكل والشرب ؛ شرع
السواك ، وإن لم يتوضأ ، وإلا فلا ؛ لكان وجهاً .
(١) قلت : ويشهد له حديث علي بمعنى ما ذكره عن الملك. رواه البزار بإسناد جيد لا بأس
به ؛ كما في ((الترغيب)) (١٠٢/١).
(٢) قلت : لكن نقل الترمذي عن الشافعي أنه لم يَرَ به بأساً أولَ النهار وآخره ، وقال: إنه
قول أكثر العلماء .
(٣) قلت: وما يشهد له حديث زيد بن خالد الجُهني قال: ما كان رسول الله عَ ﴿ يخرج من بيته
لشيء من الصلاة حتى يستاك. رواه الطبراني بإسناد لا بأس به؛ كما في ((الترغيب)) (١٠١/١).
١١١

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ ۔ حدیث حمران
وقوله في رسم السواك اصطلاحاً : أو نحوه ؛ أي : نحو العود ، ویریدون به
كل ما يزيل التغير كالخرقة الخشنة ، والأصبع الخشنة ، والأشنان ، والأحسن أن
يكون السواك عود أراك متوسطاً ، لا شديد اليبس فيجرح اللثة ، ولا شديد
الرطوبة فلا يزيل ما يراد إزالته .
٣٠ - وعَن حُمْرَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ ، فَغَسَلَ كَفَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُم
تَمَضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ ، واسْتَنْثَرَ ، ثم غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ يَدَهُ
الْيُمْنَى إلى المِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم الْيُسْرَى مِثْلَ ذلكَ، ثم مسَحَ برأسه ، ثم
غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلك ، ثم
قالَ : رَأَیْتُ رسول الله
تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذا . متفق عليه .
(وعن حمران) : بضم الحاء المهملة وسكون الميم وبالراء ، هو ابن أبان بفتح
الهمزة وتخفيف الموحدة ، وهو مولى عثمان بن عفان ، أرسله له خالد بن الوليد
من بعض من سباه في مغازيه ، فأعتقه عثمان (أن عثمان): هو ابن عفان ،
تأتي ترجمته قريباً (دعا بوَضُوء): أيْ: بماء يتوضأ به (فَغَسَلَ كفّيه ثلاثَ
مرَّات) : هذا من سنن الوضوء باتفاق العلماء ، وليس هو غسلهما عند
الاستيقاظ الذي سيأتي حديثه ؛ بل هذا سنة الوضوء ، فلو استيقظ ، وأراد
الوضوء ، فظاهر الحديثين أنه يغسلهما للاستيقاظ ثلاث مرات ، ثم للوضوء
كذلك ، ويحتمل تداخلهما(١) .
(١) قلت: بل هذا هو الظاهر؛ لما سيأتي في رواية في حديث الاستيقاظ (ص١٢٨) بلفظ:
((إذا استيقظ أحدكم من منامه ، فتوضأ ... )).
١١٢

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ - حديث حمران
(ثُمَّ تَمَضْمَضَ) : المضمضة : أن يجعل الماء في الفم ، ثم يمجه ، وكمالها أن
يجعل الماء في فيه، ثم يديره، ثم يمجه، كذا في ((الشرح))؛ وفي ((القاموس)):
المضمضة : تحريك الماء في الفم ؛ فجعل من مسماه التحريك ، ولم يجعل منه
المج، ولم يذكر في حديث عثمان؛ هل فعل ذلك مرة، أو ثلاثاً(١)؟ لكن في
حديث علي عليهِ السَّلام : أنه مضمض ، واستنشق ، ونثر بيده اليسرى ؛ فعل
هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طهور نبي الله ◌َ﴿ (واستنشق) : الاستنشاق : إيصال
الماء إلى داخل الأنف ، وجذبه بالنفس إلى أقصاه (واستنثر) : الاستنثار عند
جمهور أهل اللغة، والمحدثين، والفقهاء: إخراج الماء من الأنف بعد
الاستنشاق(٢) (ثمَّ غَسَلَ وجههُ ثلاثَ مرَّات ، ثم غَسَلَ يَدَهُ الیمنی) : فيه بیان
(١) قلت: بلى؛ قد ذكر ذلك أبو داود من طريقين عن عثمان. ورواه البيهقي (٦٣/١) من
طرق .
وله طريق ثالث في ((شرح المعاني)) (٢١/١) بلفظ :
توضأ ثلاثاً ثلاثاً .
(٢) أقول: وأما صفة المضمضة والاستنشاق؛ ففي ((الصحيحين)) وغيرهما عن عبدالله بن
زيد: أن رسول الله عَ ليه مضمض واستنشق من كف واحدة؛ ففعل ذلك ثلاثاً . وفي رواية :
فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات. قال الزرقاني في ((شرح المواهب)): ((بأن
تمضمض واستنشق من غرفة ، ثم ثانية وثالثة كذلك، وهذا المرجح عند الشافعية والمالكية»
انتھی . وقال النووي في «شرح مسلم» :
«وفي الأفضل خمسة أوجه :
الأول : يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات ؛ يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها .
=
الثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة؛ يتمضمض منها ثلاثاً ، ثم يستنشق منها ثلاثاً .
١١٣

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ ۔ حدیث حمران
لما أجمل في الآية من قوله: ﴿وَأَيْدِ يَكُمْ﴾ [المائدة: ٢] الآية ، وأنه يقدم اليمنى
= الثالث: يجمع أيضاً بغرفة ، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق ، ثم يتمضمض منها ثم
يستنشق ، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق .
الرابع : يفصل بينهما بغرفتين؛ فيتمضمض من إحداهما ثلاثاً ، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثاً .
والخامس : يفصل بست غرفات؛ يتمضمض بثلاث غرفات ، ثم يستنشق بثلاث غرفات
- قلت: وهذا الأخير مذهب أئمتنا الحنفية - قال :
((والصحيح الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في ((البخاري))، و((مسلم))
وغيرهما . وأما حديث الفصل ، فضعيف؛ فيتعين المصیر إلى الجمع بثلاث غرفات؛ کما ذكرنا ؛
لحديث عبدالله بن زيد المذكور)). وقال في موضع آخر:
((في هذا الحديث دلالة ظاهرة للمذهب الصحيح المختار: أن السنة في المضمضة والاستنشاق
أن يكون بثلاث غرفات؛ يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها)) انتهى . وقال ابن القيم في
(زاد المعاد)):
((وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة ، وتارة بغرفتين ، وتارة بثلاث غرفات، وكان يصل
بين المضمضة والاستنشاق؛ فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه ، ولا يمكن في الغرفة إلا
كان الوصل
هذا. وأما الغرفتان والثلاث؛ فيمكن فيهما الفصل والوصل ؛ إلا أن هديه
بينهما ، كما في ((الصحيحين)). ثم ذكر حديث عبدالله المتقدم ، ثم قال : فهذا أصح ما روي في
المضمضة والاستنشاق، ولم يجئ الفصل بينهما في حديث صحيح ألبتة . لكن في حديث
طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: ((رأيت رسول الله عَ ليه يفصل بين المضمضة والاستنشاق.
ولكن لا ندري إلا من طلحة عن أبيه عن جده؛ ولا يعرف لجده صحبة)). انتهى كلامه . وقال
ابن العربي في ((شرح النووي)):
(أخبرني شيخنا أبو عبدالله محمد بن يوسف بن أحمد القيسي قال: رأيت النبي ﴿ في
المنام ، فقلت له : أجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة؟ قال : نعم)) انتهى .
وإنما ذكرت هذا استئناساً .
=
١١٤

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ - حديث حمران
(إلى المرفق) : بكسر مِيمِه وفتح فائه وبفتحهما .
وكلمة: ﴿إلى﴾ [المائدة: ٦]، في الأصل للانتهاء ، وقد تستعمل بمعنى :
مع ، وبينت الأحاديث أنه المراد ؛ كما في حديث جابر: كان يدير الماء على
مرفقيه - أي: النبي ◌َّ -. أخرجه الدارقطني بسند ضعيف، وأخرج(١) بسند
حسن - في صفة وضوء عثمان -: أنه غسل يديه إلى المرفقين ، حتّى مسح
أطراف العضدين ، وهو عند البزار والطبراني(٢) من حديث وائل بن حجر في
صفة الوضوء : وغسل ذراعيه ، حتّى جاوز المرافق . وفي الطحاوي والطبراني من
حديث ثعلبة بن عِبَاد(٣) عن أبيه : ثم غسل ذراعيه ، حتّى سال الماء على
= وأما حجة علمائنا الحنفية ؛ فهو حديث طلحة المذكور عن جده قال: دخلت على النبى
وهو يتوضأ ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق .
رواه أبو داود ؛ ولكن في إسناده ليث بن أبي سليم ، وقد اختلف فيه ؛ فقال أحمد - كما في
((خلاصة التذهيب)) -:
((مضطرب الحديث)) .
وجد طلحة اختلف في صحبته .
فحينئذ لا يقاوم حديث عبدالله المتفق عليه في صحته . والله سبحانه أعلم .
(١) قلت: هو كما قال؛ لولا أن فيه عنده (ص٣١) عنعنة ابن إسحاق !
(٢) ((مجمع)) (٢٣٢/١).
(٣) بكسر المهملة وتخفيف الموحدة .
وحديثه في ((شرح المعاني)) (٢٢/١) بسند ضعيف؛ فيه الحِمَّاني عن قيس بن الربيع؛ وهما
ضعيفان .
وثعلبة ؛ قال في ((التقريب)) :
«مقبول)) .
١١٥

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ حدیث حمران
مرفقيه ، فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً .
قال إسحاق بن راهويه: ﴿إلى﴾ [المائدة: ٦]، في الآية يحتمل أن تكون
بمعنى : الغاية ، وأن تكون بمعنى : مع ، فبينت السنة أنها بمعنى مع ، قال الشافعي :
لا أعلم خلافاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء ، وبهذا عرفت أن الدليل
قد قام على دخول المرافق . قال الزمخشري : لفظ: ﴿إلى﴾ يفيد معنى : الغاية
مطلقاً ، فأما دخولها في الحكم وخروجها ، فأمر يدور مع الدليل ؛ ثم ذكر أمثلة
لذلك ، وقد عرفت أنه قد قام ههنا الدليل على دخولها (ثلاث مرَّات ، ثم
اليُسرى مثْلَ ذلكَ) : أيْ: إلى المرفق ثلاث مرات.
(ثمَّ مَسَحَ برأسه)(١): هو موافق للآية في الإتيان بالباء ، و((مسح)) يتعدى
بها وبنفسه .
قال القرطبي : إن الباء هنا للتعدية ؛ يجوز حذفها وإثباتها ، وقيل : دخلت
الباء ههنا لمعنى تفيده ، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به ، والمسح لغة لا
يقتضي مسوحاً به ، فلو قال : امسحوا رؤوسكم؛ لأجزأ المسح باليد بغير ماء ،
وكأنه قال : فامسحوا برؤوسكم الماء ، وهو من باب القلب ، والأصل فيه :
فامسحوا بالماء رؤوسكم .
ثم اختلف العلماء هل يجب مسح الرأس ، أو بعضه؟ قالوا : والآية لا
تقتضي أحد الأمرين بعينه ؛ إذْ قوله : ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦] يحتمل
(١) زاد في رواية: (ثلاثاً)؛ أخرجها أبو داود بسندين حسنين عنه ؛ حسَّن أحدهما البخاريُّ،
والآخرَ النوويُ .
١١٦

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ - حديث حمران
جميع الرأس ، أو بعضه ، ولا دلالة في الآية على استيعابه ، ولا عدم استيعابه ،
لكن من قال : يجزئ مسح بعضه ، قال : إن السنة وردت مبينة لأحد احتمالي
الآية، وهو ما رواه الشافعي(١) من حديث عطاء: أن رسول الله تَ ﴿ توضأ،
فحسر العمامة عن رأسه ، ومسح مقدم رأسه ، وهو وإن كان مرسلاً؛ فقد اعتضد
بمجيئه مرفوعاً من حديث أنس ، وهو وإن کان في سنده مجهول ؛ فقد عضد بما
أخرجه سعيد بن منصور من حديث عثمان في صفة الوضوء : أنه مسح مقدم
رأسه ، وفيه رَاوِ مُخْتَلَفٌ فيه(٢)، وثبت عن ابن عمر (٣) الاكتفاء بمسح بعض
الرأس ؛ قال ابن المنذر وغيره: ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ومن العلماء
(١) قلت: وهو من روايته عن مسلم - وهو ابن خالد الزَّنجي؛ وفيه ضعف - عن ابن جريج
عنه ؛ وهو مدلس ، وقد عنعنه .
وحديث أنس - الذي أشار إليه الشارح - عند أبي داود ؛ وفيه مجهولان؛ كما بينته في
((ضعيف أبي داود)) (١٩).
(٢) قلت : وهو - مع ضعفه وكذا ما قبله - ليس فيه نفي التكميل على العمامة !
وقد أثبتته الأحاديث الصحيحة ؛ كحديث المغيرة وجابر ، المشار إليهما في الكتاب ؛ وزيادة
الثقة مقبولة ؛ فهي التي يجب العمل بها .
ثم رأيت في ((الفتح)) (٢٣٤/١) هذه الطرق الثلاثة والكلام عليها؛ وفيه أن هذا الراوي
المختلف فيه ؛ هو خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي .
قلت : وقد اتهمه ابن معين ؛ فلا يصح الاستشهاد به .
(٣) رواه الطحاوي (١٨/١) عن سالم عن أبيه:
أنه کان یمسح بمقدم رأسه . وسنده صحيح .
ورواه البيهقي (٦١/١) من طريق آخر عن نافع عن ابن عمر به . وسنده صحيح أيضاً .
١١٧

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ حدیث حمران
من يقول : لا بد من مسح البعض مع التكميل على العمامة ؛ لحديث المغيرة ،
وجابر عند مسلم، ولم يذكر في هذه الرواية تكرار مسح الرأس ؛ كما ذكره في
غيرها ، وإن كان قد طوى ذكر التكرار أيضاً في المضمضة ؛ كما عرفت . وعدم
الذكر لا دليل فيه ، ويأتي الكلام في ذلك(١) .
(ثمَّ غَسَلَ رجْلَهُ اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرَّات): الكلام في ذلك ؛
كما تقدم في يده اليمنى إلى المرفق ، إلا أن المرافق قد اتفق على مسماها ،
بخلاف الكعبين ، فوقع في المراد بهما خلاف ؛ المشهور أنه العظم الناشز عند
ملتقى الساق ، وهو قول الأكثر، وحكي عن أبي حنيفة ، والإمامية أنه العظم
الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك ، وفي المسألة مناظرات ومقالات طويلة .
قال في ((الشرح)» : ومن أوضح الأدلة - أي : على ما قاله الجمهور - حديث
النعمان بن بشير(٢) في صفة الصف في الصلاة : فرأيت الرجل منا يلزق كعبه
بکعب صاحبه .
قلت : ولا يخفى أنه لا ينهض فيه ؛ لأن المخالف يقول : أنا أسميه كعباً ، ولا
أخالفكم فيه ؛ لكني أقول : إنه غير المراد في آية الوضوء ؛ إذ الكعب يطلق على
الناشز، وعلى ما في ظهر القدم ، وغاية ما في حديث النعمان أنه سمى النَّاشز
كعباً، ولا خلاف في تسميته، وقد أيدنا في حواشي ((ضوء النهار)) أرجحية
(١) في شرح الحديث الآتي عن علي.
(٢) ابن حبان (٣٩٦ - موارد)، وأبو داود .
وعزاه الشارح (٢٠/٢) للشيخين أيضاً؛ وهو وهم !
١١٨

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣٠ - حديث حمران
مذهب الجمهور بأدلة هنالك(١) (ثم اليُسْرى مثلَ ذلك) : أيْ: إلى الكعبين ثلاث . ..
: توضأ نحو وضوئي هذا .
مرات (ثم قال): أيْ: عثمان (رأيت رسول الله عَ لـ
متفق عليه) :
وتمام الحديث: فقال - أيْ: رسول اللّه عَ لٍ -: ((من توضأ نحو وضوئي
هذا ، ثم صلى ركعتين ، لا يحدث فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه)) ؛
أي : لا يحدث نفسه فيهما بأمور الدّنيا ، وما لا تعلق له بالصلاة ، ولو عرض له
حديث ، فأعرض عنه بمجرد عروضه ، عفي عنه ، ولا يعد محدثاً لنفسه .
واعلم أن الحديث قد أفاد الترتيب بين الأعضاء المعطوفة بـ(ثم))، وأفاد
التثليث ، ولم يدل على الوجوب ؛ لأنه إنما هو صفة فعل ترتبت عليه فضيلة ،
ولم يترتب عليه عدم إجزاء الصلاة إلا إذا كان بصفته . ولا ورد بلفظ يدل على
إيجاب صفاته .
فأما الترتيب فَخَالَفَتْ فيه الحنفية ، وقالوا: لا يجب(٢).
وأما التثليث فغير واجب بالإجماع ، وفيه خلاف شاذّ ، ودلیل عدم وجوبه
تصريح الأحاديث بأنه له توضأ مرتين مرتين ، ومرة مرة ، وبعض الأعضاء ثلثها ،
وبعضها بخلاف ذلك ، وصرح في وضوء مرة مرة أنه لا يقبل الله الصلاة إلا به .
(١) قلت: ومن هذه الأدلة قوله في هذا الحديث: ((رجله اليمنى إلى الكعبين)). فإن الرجل
الواحدة ليس لها إلا كعب واحد على تفسير المخالف !
(٢) وهو الصواب؛ لحديث المقدام بن معديْ كَرِب قال: أُتي رسول الله عَضُ﴾ بوَضوءِ، فتوضأ؛
فغسل كفيه ثلاثاً ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً ،
ومسح برأسه ثلاثاً ... الحديث: أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، والضياء في «المختارة)).
١١٩

١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٣١ - حديث علي
وأما المضمضة والاستنشاق ؛ فقد اختلف في وجوبهما ، فقيل : يجبان ؛
لثبوت الأمر بهما في حديث أبي داود بإسناد صحيح ، وفيه : ((وَبَالِغْ في
الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))، ولأنه واظب عليهما في جميع وضوئه ،
وقيل : إنهما سنة ؛ بدليل حديث أبي داود والدارقطني ، وفيه : ((إنه لا تتم
صلاة أحدكم ، حتى يسبغ الوضوء ؛ كما أمر الله تعالى ، فيغسل وجهه ،
ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين))، فلم يذكر
المضمضة والاستنشاق ؛ فإنه اقتصر فيه على الواجب الذي لا يقبل الله
الصلاة إلا به ، وحينئذٍ فيؤول حديث الأمر بأنه أمر ندب(١) .
٣١ - وَعَنْ عَلِيّ رضي الله عنه - في صِفَةٍ وُضُوءِ النَّبِيِّ:﴿ِ - قالَ: وَمَسَحَ
برأسه وَاحِدةٌ . أَخْرَجَهُ أبو داود ، وأخرجه النسائي والترمذي بإسناد صحيح؛
بل قالَ الترمذيُّ : إنه أُصَحُّ شيءٍ فِي الْبَابِ .
(وعن عليّ رضي الله عنه) : هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب
ابن عم رسول الله ﴿ ، أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال ، على خلاف
في سنه ؛ كم كان وقت إسلامه؟ وليس في الأقوال أنه بلغ ثماني عشرة سنة ؛
بل مترددة بين ست عشرة إلى سبع سنين ، شهد المشاهد كلها إلا تبوك ، فأقامه
:
(١) قلت: لا مبرر لهذا التأويل؛ فالأمر على ظاهره؛ وهو الوجوب. وعدم وروده في الحديث
المذكور - وهو حديث المسيء صلاته - لا ينفي الوجوب ؛ لأنه ليس نصّاً في حصر المأمور به في
الوضوء؛ فمن الجائز أن يأمر النبي ◌َ ﴿ل بشيء زائد على ما في القرآن، وعلى ما كان علّمه المسيء
صلاته ؛ كما زاد في واجبات الشريعة على الخمس المذكورة، في حديث ضمام بن ثعلبة مثلاً!
على أنه يمكن أن يقال : إن المضمضة والاستنشاق داخلان في الأمر بغسل الوجه ؛ فلا منافاة
حينئذٍ. وانظر تمام هذا البحث في ((نيل الأوطار)) (١٢١/١ - ١٢٣).
١٢٠