النص المفهرس

صفحات 61-80

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١٣ - حديث أبي واقد الليثي
قد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسعة العقرب والزنبور إذا دلك موضعها
بالذباب ؛ نفع منه نفعاً بيناً ويُسكنها ، وما ذلك إلا للمادة التي فيه من الشفاء .
١٣ - وعن أبي واقد الليْئيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول اللهعَ ﴾: ((مَا
قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَة وهيَ حَيّةٌ؛ فهُوَ مَيِّتٌ)). أَخْرَجَهُ أَبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ،
واللفظُ لَهُ .
(وعن أبي واقد): بقاف مكسورة ودال مهملة ، اسمه : الحارث بن عوف
- من أقوال -، قيل : إنه شهد بدراً، وقيل: إنه من مُسْلِمة الفتح ، والأول أصح،
مات سنة ثمان ، أو خمس وستين بمكة (الليثي رضي الله عنه) : بمثناة تحتية
فمثلثة ، نسبة إلى ليث؛ لأنه من بني عامر بن ليث (قال: قال رسول الله عزله :
((ما قُطعَ من البهيمة): في ((القاموس)): البهيمة : كل ذات أربع قوائم ، ولو في
الماء، وكل حي لا يميز، والبهيمة أولاد الضأن والمعز، ولعل المراد هنا الأخير ، أو
الأول؛ لما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، (وهي حيّةٌ؛ فَهُوَ): أي: المقطوع (ميت)) .
أخرجه أبو داود والترمذي ، وحسنه ، واللفظ له): أي : قال : إنه حسن ، وقد
عُرّف معنى الحسن في تعريف الصحيح فيما سلف ، واللفظ للترمذي .
والحديث قد رُويَ من أربع طُرق عن أربعةٍ من الصحابة : عن أبي سعيد،
وأبي واقد ، وابن عمر ، وتميم الداري ، وحديث أبي واقد هذا رواه أيضاً أحمد
والحاكم بلفظ: قدم رسول الله ﴿ المدينة ، وبها ناس يَعْمِدُون إلى أليات الغنم
وأسنمة الإبل(١) فقال: ((ما قطع من البهيمة وهي حيّةٌ؛ فهو ميت)).
(١) [فيجبّونها].
٦١

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١٣ - حديث أبي واقد الليثي
والحديث دليل على أن ما قطع من البهيمة وهي حية ؛ فهو ميت .
وسبب الحديث دالٌّ على أنه أريد بالبهيمة ذات الأربع ، وهو المعنى الأول ؛
لذكره الإبل فيه ، لا المعنى الأخير الذي ذكره («القاموس» ؛ لكنّہ مخصوص بما
أبين من السّمك ، ولو كانت ذات أربع ، أو يراد به المعنى الأوسط ، وهو كل حي
لا يميز، فيخص منه الجراد ، والسّمك ، وما أبين مما لا دم له ، وقد أفاد قوله :
((فهو ميت))، أنه لا بد أن يحل المقطوع الحياة؛ لأن الميت هو ما من شأنه أن
یکون حياً .
٦٢

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٤ - حديث حذيفة
٢ - باب الآنية
الآنية : جمع إناء ، وهو معروف ؛ وإنما بوب لها ؛ لأنّ الشارع قد نهى عن
بعضها ؛ فقد تعلّقت بها أحكام .
١٤ - عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ رضي الله عنهُمَا، قال: قال رَسُولُ الله ◌َله :
((لا تَشْرَبُوا في آنيةِ الذَّهَبِ والفضَّةِ، ولا تأكُلُوا في صِحَافِهِمَا؛ فإنها لَهُمْ في
الدُّنْيَا ، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ)). متفق عليه .
(عن حذيفة): أي: أروي ، أو أذكر - كما سلف -، وحذيفة بضم الحاء المهملة
فذال معجمة فمثناة تحتية ساكنة ففاء ، هو أبو عبد الله حذيفة (ابن اليمان رضي
الله عنهما) : بفتح المثناة التحتية وتخفيف الميم آخره نون ، وحذيفة وأبوه صحابيّان
جليلان شَهِدا أحداً، وحذيفة صاحب سِرّ رسول الله { له، روى عنه جماعة من
الصحابة ، والتابعين ، ومات بالمدائن سنة خمس ، أو ست وثلاثين بعد قتل عثمان
بأربعين ليلة (قال: قال رسول الله ◌َ ◌ّةٍ: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ، ولا
تأكلوا في صحافهما): جمع صَحْفَة ، قال الكشاف والكسائي : الصحفة : هي ما
تشبع الخمسة (فإنها): أيْ: آنية الذهب والفضة وصحافهما (لهم) : أي :
للمشركين ، وإن لم يُذكروا فهم معلومون (في الدنيا) : إخبار عما هم عليه ، لا
إخبار بحلّها لهم (ولكم في الآخرة)) . متفق عليه) : بين الشيخين .
الحديث دليل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ، وصحافهما ،
سواء كان الإِناء خالصاً ذهباً ، أو مخلوطاً بالفضة ؛ إذْ هو بما يشمله أنه إناء ذهب
وفضة .
٦٣

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٤ - حديث حذيفة
قال النووي : إنه انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيهما .
واختلف في العلة :
فقيل : للخيلاء .
وقيل : بل لكونه ذهباً وفضة .
واختلفوا في الإناء المطلي بهما ؛ هل يلحق بهما في التحريم ، أم لا؟
فقيل : إن كان يمكن فصلهما ، حرم إجماعاً؛ لأنه مستعمل للذهب والفضة ،
وإن كان لا يمكن فصلهما، لا يحرم، وأمّا الإناء الْمُضَبب بهما؛ فإنه يجوز
الأكل والشرب فيه إجماعاً (١) .
وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر ، لا خلاف فيه ، فأما غيرهما من سائر
الاستعمالات ؛ ففيه الخلاف :
قيل: لا يحرم؛ لأن النص لم يرد إلا في الأكل والشرب ، وقيل : يحرم
سائر الاستعمالات إجماعاً .
ونازع في الأخير بعض المتأخّرين وقال : النص ورد في الأكل والشرب لا
غير ، وإلحاق سائر الاستعمالات بها قياساً لا تتم فيه شرائط القياس(٢).
(١) فيه نظر! فقد ذهب الحنابلة إلى تحريم ذلك؛ كما صرّح به في ((المقنع)) (١٨/١ - ١٩).
(٢) قلت : ولا سيَّما أن هناك أحاديث صحيحة تنقض هذا القياس؛ مثل حديث:
من فضة .
کانت قبيعة سيفه
وخاتم الفضة ؛ مع أنه يتخذ للزينة .
٦٤

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٥ - حديث أم سلمة
والحقّ ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما(١)؛ إذْ هو
الثابت بالنص ، ودعوى الإجماع غير صحيحة ، وهذا من شؤم تبديل اللفظ
النبوي بغيره ؛ فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط ، فَعَدَلوا عن عبارته إلى
الاستعمال ، وهجروا العبارة النبوية ، وجاؤوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم ، ولها
نظائر في عباراتهم ، ولهذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا ؛ لإفادة تحريم الوضوء
في آنية الذهب والفضة ؛ لأنه استعمال لهما على مذهبه في تحريم ذلك ، وإلا
فباب هذا الحديث باب الأطعمة والأشربة .
ثم هل يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار كالياقوت والجواهر؟ فيه
خلاف ، والأظهر عدم إلحاقه ، وجوازه على أصل الإباحة ؛ لعدم الدليل الناقل
عنها .
١٥ - وعنْ أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: قَالَ رسولُ اللهِّهِ: ((الّذِي يَشْرَبُ في إناءٍ
الْفِضَّةِ، إنّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنْم)) . مُتّفَقٌ عَلَيْه .
(وعن أم سلمة): هي أم المؤمنين زوج النبي ﴿ه ، اسمها هند بنت أبي
أمية ، كانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد ، هاجرت إلى أرض الحبشة مع
زوجها، وتوفي عنها في المدينة بعد عودتهما من الحبشة، وتزوجها النبي صلفيه
في المدينة سنة أربع من الهجرة ، وتوفيت سنة تسع وخمسين ، وقيل : اثنتين
وستين ، ودفنت بالبقيع ، وعمرها أربع وثمانون سنة ( قالت : قال رسول الله
(١) قلت: كلا؛ فإنّ حديث: ((هذان حرام على ذكور أمتي، حِلٌّ الإناثها)) يحرّم الذهب
على الرجال في غير الأكل والشرب أيضاً؛ وهذا اختيار ابن تيمية (٤٥).
٦٥

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٦ - حديث ابن عباس
: ((الذي يشرب في إناء الفضَّة): هكذا عند الشيخين ، وانفرد مسلم في
رواية أخرى بقوله: ((في إناء الفضة والذهب)) (إنما يجرجر) : بضم المثناة
التحتية وجيم فراء وجيم مكسورة ، والجرجرة : صوت وقوع الماء في الجوف،
وصوت البعير عند الجرة ، وجعل الشرب والجرع جرجرة (في بطنه نار جهنم)).
متفق عليه) : بين الشيخين .
قال الزمخشري : يروى برفع ((النار))؛ أي: على أنها فاعل مجازاً، وإلا فنار
جهنم على الحقيقة لا تجرجر في بطنه ، إنما جعل جرع الإنسان للماء في هذه
الأواني المنهي عنها ، واستحقاق العقاب على استعمالها ، كجرجرة نار جهنم
في جوفه مجازاً ، هكذا على رواية الرفع، وذكر الفعل - يعني: يجرجر(١) -، وإن
كان فاعله النار وهي مؤنثة ؛ للفصل بينها وبين فعلها ، ولأنّ تأنيثها غير حقيقي ،
والأكثر على نصب نار جهنم، وفاعل الجرجرة هو الشارب ، والنار مفعوله ،
والمعنى : كأنما يجرع نار جهنم من باب: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾
[النساء: ١٠]، قال النووي: والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الشارحون
وأهل العرف واللغة ، وجزم به الأزهري .
وجهنم : عجميّة لا تنصرف؛ للتأنيث والعَلَمِيَّة؛ إذْ هي عَلَمٌ لطبقة من طبقات
النار أعاذنا الله منها ، سُميت بذلك؛ لبعد قَعْرِها ، وقيل : لِغِلَظِ أمرها في العذاب .
والحديث يدل على ما دل عليه حديث حذيفة الأول .
١٦ - وعنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِي الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسول الله عَّةٍ: «إذا دُبِغَ
(١) أي : بالياء.
٦٦

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٦ - حديث ابن عباس
الإِهَابُ ، فقد طَهُرَ)) . أخرجهُ مسلم .
وعند الأربعة : ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبْغَ)) .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله خَ الٍ: ((إذا دبغَ
الإهابُ) : بزنة كتاب: هو: الجلد، أو ما لم يدبغ؛ كما في ((القاموس))، ومثله
في ((النهاية)) (فقد طهر))): بفتح الطاء والهاء، ويجوز ضمها؛ كما يفيده
(القاموس)) (أخرجه مسلم(١)): بهذا اللفظ (وعند الأربعة) : وهم أهل السنن
((أيُّما إهابٍ دُبِغ))): تمامه : ((فقد طهر)) .
والحديث أخرجه الخمسة ، إنما اختلف لفظه ، وقد رُويَ بألفاظ ، وذُكِر له
سبب، وهو أنه ما مر بشاة ميتة - لميمونة - فقال: ((ألا استمتعتُم بإهابها؛ فإن
دباغ الأديم طَهورٌ)) .
وروى البخاري من حديث سودة قالت : ماتت لَنَا شاةٌ فدبغنا مَسْكَها ، ثم
ما زلنا نْتبذُ فيه، حتّى صار شَّاً .
والحديث دليل على أنّ الدباغ مُطَهِّر لجلد ميتة كلّ حيوان؛ كما يفيده عموم
كلمة: ((أيما)) ، وأنه يطهر باطنه وظاهره .
وفي المسألة سبعة أقوال :
الأول : أنّ الدِّباغ يطهر جلد الميتة باطنه وظاهره ، ولا يخص منه شيء؛ عملاً
بظاهر حديث ابن عباس ، وما في معناه، وهذا مروي عن علي عليه السلام،
وابن مسعود .
(١) (١٩١/١) .
٦٧

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٦ - حديث ابن عباس
والثاني من الأقوال: أنه لا يُطهر الدِّباغ شيئاً، وهو مذهب جماهير
الهادوية ، ويروى عن جماعة من الصحابة مستدلين بحديث الشافعي الذي
أخرجه أحمد، والبخاري في ((تاريخه))، والأربعة، والدارقطني، والبيهقي،
وابن حبان عن عبد الله بن عُكيم ، قال: أتانا كتاب رسول اللّه ◌َلٍ قبل مَوْته :
((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب))، وفي رواية الشافعي وأحمد
وأبي داود : قبل موته بشهر، وفي رواية : بشهر، أو شهرين ، قال الترمذي :
حسن ، وكان أحمد يذهب إليه ويقول : هذا آخر الأمرين ، ثم تركه . قالوا - أي :
الهادوية -: وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عباس؛ لدلالته على تحريم الانتفاع
من الميتة بإهابها وعصبها .
وأجيب عنه بأجوبة .
الأول : أنه حديث مضطرب في سنده؛ فإنه رُوِيَ تارة عن كتاب النبي
إ، وتارة عن مشايخ من جُهينة، عمن قرأ كتاب النبي ◌َ له، ومضطرب
أيضاً في متنه ، فَرُوي من غير تقييد في رواية الأكثر، وروي بالتقييد بشهر ، أو
شهرين ، أو أربعين يوماً، أو ثلاثة أيام ، ثم إنه معلٌ أيضاً بالإرسال ؛ فإنه لم
يسمعه عبد الله بن عُكيم منه ◌َ﴿ ، ومعلٌ بالانقطاع؛ لأنه لم يسمعه عبد
الرحمن بن أبي ليلى من ابن عُكيم(١) ، ولذلك ترك أحمد بن حنبل القول به
(١) هذه التعليلات كلها مردودة: أما الاضطراب فى السند؛ فلأنه لا يصح بالنسبة لكل
الروايات؛ بل في رواية عبدالرحمن بن أبي ليلى فقط عن ابن عكيم. وأما رواية القاسم بن
مخيمرة عن ابن عكيم ؛ فلا اضطراب فيها، وقد صرّح فيها ابن عكيم بقوله : ثني أشياخ جهينة
قالوا : أتانا كتاب النبي
=
٦٨

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٦ - حديث ابن عباس
آخراً ، وكان يذهب إليه أولاً ، كما قال عنه الترمذي .
وثانياً : بأنه لا يَقْوَى على النسخ؛ لأن حديث الدّباغ أصح ؛ فإنه مما اتفق عليه
الشيخان . وأخرج مسلم وروى من طرق متعددة في معناه عدة أحاديث عن
جماعة من الصحابة ، فعن ابن عباس حديثان ، وعن أم سلمة ثلاثة ، وعن أنس
حديثان ، وعن سلمة بن المحبق ، وعائشة ، والمغيرة ، وأبي أمامة ، وابن مسعود ،
ولأن الناسخ لا بد من تحقيق تأخُره ، ولا دليل على تأخر حديث ابن عُكيم،
ورواية التاريخ فيه بشهر، أو شهرين مُعلّة؛ فلا تقوم بها حجة على النسخ، على
أنها ولو كانت رواية التاريخ صحيحة ، ما دلت على أنه آخر الأمرين جزماً .
ولا يقال : فإذا لم يتم النسخ ، تعارض الحديثان ؛ حديث عبد الله بن عُكيم ،
وحديث ابن عباس ومن معه ، ومع التعارض يرجع إلى الترجيح ، أو الوقف ؛ لأنّا
نقول : لا تعارض إلا مع الاستواء ، وهو مفقود ؛ کما عرفت من صحة حديث ابن
عباس ، وكثرة من معه من الرواة ، وعدم ذلك في حديث ابن عُكيم .
وثالثاً : بأن الإهاب - كما عرفت عن ((القاموس)) و(النهاية)) - اسم لما لم يدبغ
في أحد القولين .
وقال النضر بن شميل : الإهاب لِمَا لَمْ يدبغ؛ وبعد الدبغ يقال له : شَنِّ
= ... وأما الاضطراب فى المتن ؛ فلأن (شهراً أو شهرين) أرجح .
وأما أن عبدالرحمن لم يسمعه من ابن عكيم ؛ فلا دليل عليه .
ولو سُلِّم؛ فرواية القاسم سالمة من مثل هذه العلة. وراجع تفصيل هذا الكلام في ((الإرواء)»
(رقم : ٣٨).
٦٩

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٧ - حديث سلمة بن المحبق
وقربة ، وبه جزم الجوهري ، قيل : فلما احتمل الأمرين ، وورد الحديثان في صورة
المتعارضين ، جمعنا بينهما بأنه نهى عن الانتفاع بالإهاب ما لم يُدبغ؛ فإذا
دُبغ ، لم يُسمّ إهاباً؛ فلا يدخل تحت النهي ، وهو حسن .
الثالث من الأقوال: يَطْهُر جلد ميتة المأكول لا غيره، لكن يرده عموم «أيما
إهاب)) .
الرابع : يَطْهُر الجميع إلا الخنزير؛ فإنه لا جلد له ، وهو مذهب أبي حنيفة.
الخامس : يَطْهُر إلا الخنزير، لكن لا لكونه لا جلد له؛ بل لكونه رجساً؛
لقوله تعالى: ﴿فإنه رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والضمير للخنزير؛ فقد حُكم
برجسيَّته كله ، والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة ، وهو قول الشافعي .
السادس: يطهر الجميع ، لكن ظاهره دون باطنه ، فيستعمل في اليابسات
دون المائعات ، ويُصلى عليه ، ولا يصلى فيه، وهو مروي عن مالك؛ جمعاً منه
بین الأحاديث لَمّا تعارضت ..
السابع : يُنتفع بجلود الميتة ، وإن لم تدبغ ظاهراً وباطناً؛ لما أخرجه البخاري
من رواية ابن عباس: أنه ◌َّهُ مَرَّ بشاة ميتة، فقال: ((هلا انتفعتم بإهابها))!
قالوا: إنها ميتة ، قال: ((إنما حُرِّم أَكْلُها))، وهو رأي الزهري ، وأجيب عنه بأنه
مطلق قيدته أحاديث الدباغ التي سلفت .
١٧ - وعن سَلَمَةَ بنِ الْمُحَبِّقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قال رسول الله تَ ◌ّةِ: «دباعُ
جُلُودِ الْمَيْتَةِ لُهُورُهَا)) . صححهُ ابنُ حِبّان .
(وعن سلمةَ بن المحبِّق رضي الله عنه) : هو بضم الميم وفتح الحاء المهملة
٧٠

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٨ - حديث ميمونة
وتشديد الموحدة المكسورة والقاف ، وسلمة صحابي يُعَدُّ في البصريين ، روى عنه
ابنه سنان، ولسنان أيضاً صحبة (قال: قال رسول اللّه ◌َ اه: ((دباغ جُلود الميتة
طهورها)) . صححه ابن حبان)(١) : أيْ: أخرجه وصححه ، وقد أخرج غير ابن
حبان هذا الحديث ، لكن بألفاظ ، عند أحمد ، وأبي داود ، والنسائي ، والبيهقي
عن سلمة بلفظ : ((دباغ الأديم ذَكاتُه))، وفي لفظ: ((دباغها ذكاتها))، وفي آخر:
((دباغها طهورها))، وفي لفظ: ((ذكاتها دباغها))، وفي لفظ آخر: ((ذكاة الأديم
دباغه)) ، وفي الباب أحاديث بمعناه ، وهو يدلّ على ما دلّ عليه حديث ابن
عباس ، وفي تشبيهه الدِّباغ بالذكاة ، إعلام بأنّ الدِّباغ في التطهير بمنزلة تذكية
الشاة في الإِحلال ؛ لأن الذبح يطهرها ويُحِلُّ أكلها .
١٨ - وعن ميْمُونَةَ قالتْ: مَرَّ رسول الله ◌َ ◌ُلِ بشاة يجرُّونَها، فقال: ((لَوْ
ء
أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا!))، فقالوا: إنّها مَيْتَةٌ، فقالَ: ((يُطَهِّرُهَا الماءُ والْقَرَظُ)). أخْرَجَهُ
أبو داود والنّسائيُّ .
(وعن ميمونة) : هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلاليّة ، كان اسمها
برة، فسماها رسول الله ◌َاللهُ ميمونة، تزوجها ◌َ في شهر ذي القعدة سنة سبع
في عمرة القضية ، وكانت وفاتها سنة إحدى وستين ، وقيل : إحدى وخمسين ،
وقيل : ست وستين ، وقيل : غير ذلك ، وهي خالة ابن عباس ، ولم يتزوج
(١) رقم (١٢٣) بهذا اللفظ ؛ لكن من حديث عائشة ؛ وفيه شريك.
وأما لفظ حديث ابن المحبِّق، فهو عنده (١٢٤) بلفظ: ((ذكاة الأديم دباغُهُ))؛ وفيه جون بن
قتادة ؛ ولا يعرف ؛ كما قال أحمد ، ولم يوثقه غير ابن حبان .
وعنه رواه الدارقطني (١٧) .
٧١

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٩ - حديث أبي ثعلبة الخشني
بشاة يجرُّونها، فقال: ((لو أخذْتُم إِهَابَهَا !)،
بعدها (قالت : مر رسول الله
فقالوا : إنها ميتةٌ، فقال: ((يُطهرها الماءُ والقَرَظُ)). أخرجه أبو داود والنسائي)(١):
وفي لفظ عند الدارقطني عن ابن عباس: ((أليس في الماء والقرظ ما يطهرها))،
وأمّا رواية: ((أليس في الشث والقرظ ما يطهرها»، فقال النووي : إنه بهذا
اللفظ باطل ، لا أصل له .
وقال في ((شرح مسلم)): يجوز الدباغ بكل شيء يُنَشَّف فضلات الجلد
ويُطَيِّبه ، ويمنع من ورود الفساد عليه ، كالشث ، والقرظ ، وقشور الرّمان ، وغير
ذلك من الأدوية الطاهرة ، ولا يحصل بالشّمس إلا عند الحنفية ، ولا بالتّراب،
والرّماد ، والملح على الأصح .
١٩ - وعن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يا رَسولَ الله، إنّا
بِأَرْضِ قَوْمِ أَهْلِ كِتَابٍ ، أَفَتَأْكُلُ في أَنيَتِهِمْ؟ قَالَ: ((لا تَأْكُلُوا فِيْهَا ، إلا أنْ لا
تَجِدُوا غَيْرَّها ، فَاغْسِلُوهَا ، وَكُلُوا فيها)) . متفق عَلَيْهِ .
(وعن أبي ثعلبة) : بفتح المثلثة بعدها عين مهملة ساكنة فلام مفتوحة
فموحدة (الخشني رضي الله عنه): بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة
(١) في («سننه)) (١٩١/٢)، وكذا الدارقطني (١٧)، وأحمد (٣٣٤/٦) من طريق عبدالله
ابن مالك بن حذافة؛ قال الذهبي: «فيه جهالة عن أمَّهِ العالية بنت سبيع ؛ تفرد عنها ولدها
عبدالله هذا» .
لكن يقوِّيه رواية ابن عباس التي ذكرها في الشرح، وهي عند الدارقطني (ص١٥ - ١٦)؛
وسندها صحيح .
٨/٢

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٩ - حديث أبي ثعلبة الخشني
فنون ، نسبة إلى خشين بن النمر من قضاعة ، حُذفت ياؤه عند النسبة ، واسمه :
جُرهم - بضم الجيم بعدها راء ساكنة فهاء مضمومة - ابن ناشب - بالنون وبعد
الألف شين معجمة آخره موحدة -، اشتهر بلقبه، بايع النبي تَ * بَيْعَة الرّضوان،
وضرب له بسهم يوم خيبر ، وأرسله إلى قومه فأسلموا ، نزل بالشّام ، ومات بها
سنة خمس وسبعين ، وقيل : غير ذلك (قال: قلت : يا رسول الله! إنا بأرض قوم
أهل كتاب ، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: ((لا تأكلوا فيها(١)، إلا أن لا تجدوا
غيرها ؛ فاغسلوها ، وكلوا فيها)). متفق عليه) : بين الشيخين .
استدل به على نجاسة آنية أهل الكتاب ، وهل هو لنجاسة رطوبتهم ، أو لجواز
أكلهم الخنزير، وشربهم الخمر ، أو للكراهة؟
ذهب إلى الأول القائلون بنجاسة رطوبة الكفار، وهم الهادوية ، والقاسمية ،
واستدلوا أيضاً بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، والكتابي
يسمى مشركاً؛ إذْ قد قالوا : المسيح ابن الله ، وعزير ابن الله .
وذهب غيرهم من أهل البيت؛ كالمؤيد بالله وغيره ، وكذلك الشافعي إلى
طهارة رطوبتهم ، وهو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلِّ
لِكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولأنه ◌َ ه توضأ من مزادة مشركة(٢)،
ولحديث جابر عند أحمد، وأبي داود: كنا نغزو مع رسول الله تم ليه ، فنصيب
(١) لأنهم يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر؛ كما يدل على ذلك قوله في رواية
أبي داود : إنا نجاور ...
(٢) أخذ الشارح هذا من الحديث الآتي ! وسأذكر ما فيه .
٧٣

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
١٩ - حديث أبي ثعلبة الخشني
من آنية المشركين وأسقيتهم ، ولا يعيب ذلك علينا(١).
وأجيب بأن هذا كان بعد الاستيلاء ولا كلام فيه ..
قلنا : في غيره من الأدلة غنية عنه ، فمنها ما أخرجه أحمد(٢) من حديث
أنس: أنه * دعاه يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأكل منها - بفتح
السين وفتح النون المعجمة فخاء معجمة مفتوحة ؛ أي : متغيرة ..
قال في ((البحر)): لو حرمت رطوبتهم ؛ لاستفاض بين الصحابة نقل توقّيهم
لها ؛ لقلة المسلمين حينئذ، مع كثرة استعمالاتهم التي لا يخلو منها ملبوس
ومطعوم ، والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة . قال : وحديث أبي ثعلبة
إما محمول على كراهة الأكل في آنيتهم للاستقذار، لا لكونها نجسة ؛ إِذْ لو
كانت نجسة ؛ لم يجعله مشروطاً بعدم وجدان غيرها ؛ إذ الإناء المتنجس بعد
إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء ، أو لسد ذريعة المحرم ، أو لأنها نجسة ؛
لما يطبخ فيها، لا لرطوبتهم ؛ كما تفيده رواية أبي داود وأحمد (٣) بلفظ: إنا نجاور
أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر؟ فقال
(١) وإسناده صحيح؛ كما بينته في ((الإرواء)) (٣٧).
(٢) بسند رجاله ثقات ؛ لكن الحديث شاذ. والمحفوظ أن الداعي خياط ؛ كما رواه البخاري
وغيره ؛ وهو رواية لأحمد. انظر تحقيق ذلك في ((الإرواء)) (٣٥).
(٣) وإسنادهما صحيح؛ كما في ((الإرواء)) (٣٧).
وفيه إشارة إلى أن نجاسة الخنزير كغيره من الحيوانات النجسة ، وأنه ليس كالكلب يغسل ما
ولغ فيه سبعاً؛ لأنه أمر في هذا الحديث بغسل آنية الخنزير ، ولم يقيَّد بعدد .
ولذلك اختار النووي أنه يُغْسل من ولوغه مرةً. وأقره الحافظ في ((التلخيص)) (١٥).
٧٤

١٠ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
٢٠ - حديث عمران بن حصين
رسول الله عَ ل: ((إن وجدتم غيرها ... الحديث))، وحديثه الأول مُطْلَق، وهذا
مُقَيّد بآنية يطبخ فيها ما ذكر ويشرب ، فيحمل المطلق على المقيّد .
وأما الآية ؛ فالنجس لغة : المستقذر، فهو أعم من المعنى الشرعي ، وقيل :
معناه : ذو نجس ؛ لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهرون ،
ولا يغتسلون ، ولا يتجنبون النجاسات ؛ فهي ملابسة لهم، وبهذا يتم الجمع بين
هذا ، وبين آية المائدة ، والأحاديث الموافقة لحكمها ، وآية المائدة أصرح في المراد .
٢٠ - وعن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنِ رضي الله عنهُ: أنَّ النبي ◌َُّ ، وأصحابه
توضّؤوا من مزادةٍ امرأةٍ مشركةٍ . متفق عليه ، في حديث طويلٍ .
(وعن عمران بن حصين رضي الله عنه): بالمهملتين ، تصغير حصْن ،
وعمران هو أبو نجيد - بالجيم - تصغير نجد . الخزاعي الكعبي ، أسلم عام خيبر،
وسكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين ، أو ثلاث وخمسين ، وكان من
فضلاء الصحابة ، وفقهائهم (أن النبي ◌َّةٍ، وأصحابه توضؤوا من مَزادة) :
بفتح الميم بعدها زاي ، ثم ألف وبعد الألف مهملة وهي الرَّاوِيَة ، ولا تكون إلا
من جلدين، تقام بثالث بينهما؛ لتتسع؛ كما في ((القاموس)) (امرأة مشركة .
متفق عليه) : بين الشيخين (في حديث طويل) : أخرجه البخاري بألفاظ فيها :
أنه ◌َرُ بعث عَلياً وآخر معه في بعض أسفاره عَ ل﴿ ، وقد فقدوا الماء ، فقال:
((اذهبا فابتغيا الماء))، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين ، أو سطيحتين من ماء
على بعير لها ، فقالا لها : أين الماء؟ قالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ،
قالا: انطلقي إلى رسول الله تَ ﴿ - إلى أن قال : - ودعا النبي ◌َ ﴿ بإناء ، ففرغ
٧٥

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
٢١ - حديث أنس
فيه من أفواه المزادتين ، أو السطيحتين ، وَنُودِيَ في الناس : اسقوا ، واستقوا،
فسقى من سقى ، واستقى من شاء ... ، الحديث ، وفيه زيادة ومعجزات نبوية.
والمراد أنه ◌َ ه توضأ من مزادة المشركة(١)، وهو دليل لما سلف في شرح
حديث أبي ثعلبة من طهارة آنية المشركين ، ويدل أيضاً على طُهور جلد الميتة
بالدباغ ؛ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين ، وذبائحهم ميتة ، ويدل على
طهارة رطوبة المشرك ؛ فإن المرأة المشركة قد باشرت الماء ، وهو دون القلتين ؛ فإنهم
صرّحوا بأنه لا يحمل الجمل قدر القُلّتين ، ومن يقول: إن رطوبتهم نجسة،
ويقول : لا ينجّس الماء إلا ما غيره ، فالحديث يدل على ذلك.
٢١ - وَعَنْ أَنْسٍ بن مَالِك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ قَدَحَ النبيِّ﴿ِ انْكَسَرَ،
فاتّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سلْسلَةً مِنْ نِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ .
(وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن قدح (٢) النبي ﴿ انكسر، فاتخذ
مكان الشعب) : بفتح الشين المعجمة وسكون المهملة ، لفظ مشترك بين معان ،
المراد منها هنا : الصدع والشق (سلسلة من فضة): في ((القاموس)): السلسلة
- بفتح أوله وسكون اللام وفتح السين الثانية منها -: إيصال الشيء بالشيء ، أو
(١) هذا شيء عجيب من الشارح! فإنه ساق من الحديث ما فيه ذكر المزادتين ؛ وليس فيه
ما ادّعاه - تبعاً للمؤلف - أنه عَ : توضأ مع أصحابه من مزادة امرأة مشركة .
وقد سبقهم إلى هذا الادِّعاء المجد ابن تيمية في ((المنتقى))؛ ومرّ عليه الشوكاني ؛ فلم يعلّق
عليه بشيء، وتبعهم على ذلك بعض الحنابلة ! فانظر كتابنا: ((إرواء الغليل)) (٣٦).
(٢) في رواية للبخاري : (وكان من نُضَارٍ). وهو أجود الخشب للآنية .
٧٦

١ - كتاب الطهارة
٢ - باب الآنية
٢١ - حديث أنس
سلسلة - بكسر أوله - دائر من حديد ونحوه ، والظاهر أن المراد الأول ، فيقرأ بفتح
أوله (أخرجه البخاري) .
وهو دليل على جواز تضبيب الإناء بالفضة ، ولا خلاف في جوازه ؛ كما
سلف(١) ، إلا أنه هنا قد اختلف في واضع السلسلة ، فحكى البيهقي عن
بعضهم أن الذي جعل السلسلة هو أنس بن مالك ، وجزم به ابن الصلاح ، وقال
أيضاً: فيه نظر؛ لأن في البخاري(٢) من حديث عاصم الأحول : رأيت قدح
عند أنس بن مالك؛ فكان(٣) قد انصدع ، فَسَلْسَلَهُ بفضة . وقال ابن
النبي
سيرين : إنه كان فيه حلقة من حديد ، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من
ذهب، أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيِّرنّ شيئاً صنعه رسول الله عَ ليه ؟
فتركه . هذا لفظ البخاري ، وهو يحتمل أن يكون الضمير في قوله: فَسَلْسَلَهُ
بِفِضَّة عائداً إلى رسول الله ﴿ه، ويحتمل أن يكون عائداً إلى أنس؛ كما قال
البيهقي ، إلا أن آخر الحديث يدل للأول ، وأن القدح لم يتغير عما كان عليه
· 雞
على عهد رسول الله :
قلت : والسلسلة غير الحلقة التي أراد أنس تغييرها ، فالظاهر أن قوله :
فَسَلسَله هو النبي ◌َ ﴿﴿ ، وهو حجة لما ذكره .
(١) (ص٦٤)؛ وفيه نظر بيناه هناك !
(٢) (٨٢/١٠).
(٣) وكان .
٧٧

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٢ ۔ حديث أنس
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
أي : بيان النجاسة ومطهراتها
عَن
٢٢ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ رَسُولُ الله ◌َ
الخَمْر: تُتّخَذُ خَلاَّ؟ فقال: ((لا)). أخْرَجَهُ مسلمٌ والتِّرْمذي، وقَالَ: حَسَنٌ
صحیحٌ .
( عن الخمر) :
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول الله خَ الـ
أيْ: بعد تحريمها (تتخذ خلاً؟ فقال: ((لا)). أخرجه مسلم والترمذي ، وقال :
حسن صحيح): فسر الاتخاذ بالعلاج لها ، وقد صارت خمراً ، ومثله حديث
أبي طلحة؛ فإنها لما حرمت الخمر، سأل أبو طلحة النبي ◌َ الله عن خمر عنده
لأيتام : هل يخللها؟ فأمره بإراقتها . أخرجه أبو داود والترمذي .
والعمل بالحديث هو رأي الهادوية والشافعي(١) ؛ لدلالة الحديث على ذلك،
فلو خللها ؛ لم تحل ، ولم تطهر ، وظاهره بأي علاج كان ، ولو بنقلها من الظل إلى
الشمس ، أو عكسه .
وقيل : تطهر وتحل ، وأمّا إذا تخللت بنفسها من دون علاج؛ فإنها طاهرة
حلال ، إلا أنه قال في ((البحر)): إن أكثر أصحابنا يقولون: إنها لا تطهر ، وإن
تخللت بنفسها من غير علاج .
واعلم أنّ للعلماء في خل الخمر ثلاثة أقوال :
(١) وكذا أحمد؛ كما في ((المغني)).
٧٨

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ ۔ حديث أنس
الأول : أنها إذا تخللت الخمر بغير قصْد ؛ حَلَّ خَلّها ، وإذا خُلِّلَت بالقصد ؛
حَرُمَ خلّها .
الثاني : يحرم كل خل تولّد عن خَمْرِ مطلقاً .
الثالث : أن الخلَّ حلالٌ مع تولده من الخمر ؛ سواء قصد أم لا ، إلا أن فاعلها
آثم إن تركها بعد أن صارت خمراً ، عاص لله مجروح العدالة ؛ لعدم إراقته لها
حال خمريتها؛ فإنه واجب ؛ كما دلّ له حديث أبي طلحة ، لكن قال في
(الشرح)): يحل الخل الكائن عن الخمر؛ فإنه خل لغة وشرعاً.
قيل: وَجُعِلَ التخلل أيضاً من دون تَخَمُّر في صُورٍ؛ منها إذا صُبَّ في إناء
معتَّق(١) بالخل عصير عنب ؛ فإنه يتخلل ، ولا يصير خمراً ، ومنها إذا جردت
حبات العنب من عناقيدها ، وملئ منها الإناء ، وختم رأس الإناء بطين ، أو
نحوه؛ فإنه يتخلل ، ولا يصير خمراً، ومنها إذا عصر أصل العنب ، ثم ألقي
عليه قبل أن يتخلل مثلاه خلاً صادقاً ؛ فإنه يتخلل ، ولا يصير خمراً أصلاً .
٢٣ - وعنه رضي الله عنه قال: لَمّا كان يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُول اللّهَعَ ◌ّهُ أبا
طَلْحَةَ، فَنَادَى: ((إنَّ الله ورَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيّةِ ؛ فإنها
رِجْسٌ)) . متفق عليه .
(وعنه رضي الله عنه) : أي : عن أنس بن مالك (قال : لما كان يوم خيبر ،
أمر رسول الله عَ ليه أبا طلحة، فنادى: ((إن الله ورسوله ينهيانكم): بتثنية
الضمير لله تعالى ولرسوله .
(١) في ((القاموس)): ((والمعَتَّقَةُ: عطر. والخمر القديمة)).
٧٩

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ حديث أنس
﴿ قال للخطيب الذي قال في خطبته : من يطع الله ورسوله ؛
وقد ثبت أنه ◌َّ
فقد رشد ، ومن يعصهما ... ، الحديث: ((بئس خطيب القوم أنت!))، لِجَمْعِهِ
بين ضَمِير الله تعالى وضَمِير رسوله ◌َ ﴿، وقال: ((قل: ومن يعص الله ورسوله))،
فالواقع هنا يعارضه ، وقد وقع أيضاً في كلامه ﴿ التثنية بلفظ: ((أن يكون الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما)) .
وأجيب بأنه ◌َ ﴿ نهى الخطيب؛ لأن مقام الخطابة يقتضي البسط والإيضاح،
فأرشده إلى أنه يأتي بالاسم الظاهر ، لا بالضمير، وأنه ليس العتب عليه من
حيث جمعه بين ضميره تعالى وضمير رسوله ﴿، والثاني: أنه ◌َ له أن
يجمع بين الضميرين ، وليس لغيره ؛ لعلمه بجلال ربه وعظمة الله .
(عن لحوم الحمر الأهلية): كما يأتي (فإنها رجس)). متفق عليه): وحديث
أنس في ((البخاري)): أن رسول الله تَهٍ جاءه جاء؛ فقال: أكلت الحمر ، ثم
جاءه جاء؛ فقال : أكلت الحُمر ، ثم جاءه جاء؛ فقال : أفنيت الحمر ! فأمر منادياً
ينادي: ((إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس))(١)،
فأُكْفَت القُدور ، وإنها لتفور بالحُمر .
والنهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت في حديث علي عليه السلام ، وابن
(١) اختلفوا في سبب النهي عن الحُمُرِ على أربعة أقوال ؛ الصحيح منها أنه إنما حرَّمها لأنها
رجسٌ في نفسها؛ لهذا الحديث. قال ابن القيم في ((التهذيب)) (٣٢٤/٥):
((وهذه أصح العلل؛ فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﴿، بلفظه ... )). قال:
((وما عدا هذه العلل؛ فإنما هي حَدْس وظن ممن قاله)). وقد فصَّل الأقوال الأربعة؛ فيراجعه
من شاء .
٨٠