النص المفهرس

صفحات 1-20

سُبْلُ السَّلَامِ
شْح
بُلُغُ المُتْرَامِرِ
لِلِحَافِظ ابنْ حِجَر العَسَّقَلاني
المتَوَف ◌َسَنَة (٨٥٢هـ) رَحِمَهُ الله
تَصَْنيفٌ
الإِمَامِ العَظَّمَن محمّد بْن إِسِمَاعِيْلِ الصَّنْعَانِى
المتَوَفِى سَبَة (١١٨٢هـ) رَحِمَه الله
تَعْليقٌ
العَلَّمَةِ المحدّثُّ الشَّيِ حَّ نَامِ الدّين الألبَانِى
المنَوَفِى سَنَّة (١٤٢٠هـ) رَحَمَهُ الله
الجُزء الأوّل
مكتبة المعارف للنشر والتوزيع
لِمَاجَهَا سَعد بن عَبْد الرحمن الراشد
الرياض

جميع الحقوق محفوظة للناشر ، فلا يجوز نشر أي جزء
من هذا الكتاب ، أو نخزينه أو تسجيله بأية وسيلة ، أو
تصويره أو ترجمته دون موافقة خطية مُسبقة من الناشر .
الطبعة الأولى
١٤٢٧هـ - ٢٠٠٦م
ح) مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ، ١٤٢٧ هجرية
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي
سبل السلام شرح بلوغ المرام. /أحمد بن علي ابن حجر
العسقلاني؛ محمد ناصر الدين الألباني .- الرياض ، ١٤٢٧ هجرية
٤مج.
ردمك: ٩ - ٧٣ -٧٦٩ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٧-٧٤-٧٦٩ -٩٩٦٠ (ج١)
١-الحديث- أحكام ٢-الحديث- شرح ٣-الفقه الاسلامي-
مذاهب أ. الألباني ، محمد ناصر الدين (محقق) ب. العنوان
١٤٢٧/٢٩٥٩
دیوي ٢٣٧،٣
رقم الايداع: ١٤٢٧/٢٩٥٩
ردمك: ٩ - ٧٣ - ٧٦٩ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٧-٧٤-٧٦٩ -٩٩٦٠ (ج١)
مَكتَبةُ المعَارف للنشر وَالتوزيع
هاتف : ٤١١٤٥٣٥ ٠ ٤١١٣٣٥٠
فاكس ٤١١٢٩٣٢ - ص.ب: ٣٢٨١
الرياض الرمز البريدي ١١٤٧١

سُبُلُ السَّلَامِ
شَرْح
بُلُغ المتْرَامِ
لِلِحَافِظ ابنٌ حَمَر العَسْقَلاني
المُتَوفِى ◌َّة (٨٥٢هـ) رَحِمَّهُ الله

ـمالله الرحمن الرَّحِيمِ
بسـ
مقدمة الناشر
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله .
أما بعد :
فدونك - أخي طالب الفقه والحديث! ـ ذخيرةٌ من ذخائر الكتب ،
ونفيسةً من نفائس العلم ، تضرب لها أعناق المطيّ؛ لجلالة ما فيها - ظواهرها
وخوافيها -، ينظر فيها المحدِّث الحافظ ؛ فيستفيد في حديثه ، ويتأمل فيها
الفقيه ؛ فتنفعه في تفقهه ، ويدرسها الأصولي ؛ فتتفتح مداركه الأصولية ، فهو
- بحقِّ - «سُبُلُ السلام)) .
وتتجلّى أهميَّة هذا السّفر العظيم بأنه احتوى على جهود أربعة جهابذة ،
من الأئمة العلماء الأساتذة :
أولهم : الإمام الحافظ الحبر ابن حجر المتوفى سنة (٨٥٢ هـ) ؛ من لا
يَعْزُب فضله عن نازل سافل ، فما بالك بالعالي الفاضل ! وهو صاحب
(المتن): ((بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام))؛ الذي أبدع في إخراج متنه - هذا -
غاية الإبداع؛ إذ قصد إلى بطون ((الصحاح))، و(السنن))، و((المسانيد))،
٥

و(«الجوامع))، و((المعاجيم)) - وما إليها -، فسطا على أعز ما فيها ، وسلَّ أنسب ما
حوته ؛ مما يوائم المقام المقصود ؛ فكان - بحقِّ - مُبْلِغاً المرام ، جامعاً المسائل
والأحكام !
ثم إنه جعله آيةً في بابته ؛ وذلك بجمعه أحسن وسائل التحرير ، وسلوكه
أدق طرائق التحقيق ؛ فتراه يعزو الأحاديث إلى مخرجيها ، مضيفاً إلى ذلك
حكمه وحكم العلماء قبله - على الأغلب - فيها ؛ تصحيحاً وتحسيناً وتضعيفاً ،
موجزاً ذلك كله أحسن إيجاز وأتمه ؛ ذاكراً الشواهد ، والمتابعات ، والزيادات ما
وجد إلى ذلك سبيلاً ، سالكاً فى هذا كلِّه مسالك النقد الرصين ، المتفقة مع
القواعد والضوابط التي تعارف عليها أهل الاصطلاح ، غير مُغْفِل ذكر العلل
الواقعة في هذه المرويات .
ثم إنه - من تمام فقهه ، وكمال أسلوبه ــ رتبه على طريقة كتب
((السنن)) و((الجوامع)) الحديثية المعروفة؛ إرادة منه أن يقف الناشد على ما
ينشده من ساعته ؛ من غير ما إضاعة للأوقات ، أو توهين للعزمات .
وأكثر ما نهلَ وأخذ، فعن أُمّات الكتب لا مَوَاتها ، مشهوراتها لا
مقبوراتها . وديدنه في كل الكتاب أن يعمد إلى الباب فيصدره بما في
((الصحيحين))، أو بما في أحدهما ، ثم يجيء بما في السنن أو غيرها ؛ لتكون
الفاتحة فاتحة خير .
وثاني هؤلاء الأئمة صاحب الشرح ((البدر التمام)): القاضي الحسين بن
محمد المغربي ، المتوفى سنة (١١١٩هـ).
وثالثهم الصنعاني : محمد بن إسماعيل الأمير، المتوفى سنة (١١٨٢هـ)،
٦

الذي اختصر ((البدر التمام))؛ ذلك الاختصار المسمى («سبل السلام)» ، الذي
قدر الله له من الشيوع والذيوع ما لم يقدره لأصله ، ﴿وربك يخلق ما يشاء
ويختار﴾ !! فترى طلاب العلم يتداعون عليه كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ،
وصار إلى محل من قلوب الباحثين وعقول الدارسين ؛ ليس لأي شرح من
شروح ((البلوغ)» أن يدانيه فيه ؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء! حتى إنه
انقطعت بالكثيرين إلى ((البلوغ)» السبل ، فليس لهم طريق إليه سوى
((السبل)).
وعلى أي فإن كل خير رأيناه في ((السبل)) يشير إلى خير أتى به ((البدر))،
فما من فضل يحرزه ((المختصر)) إلا ويكون لـ ((لشرح)) مثله ؛ زد على ذلك فضل
السبق .
فلله الحمد والمنة على أن أوقفنا عليه ، وأرشدنا - بفضله - إليه !
ولقد وجدناه كتاباً يفيض بالعلم ، ويرشح بالتحقيق ؛ فمِن ترجمة لراوي
كل حديث : ترجمة على شاكلة الإلماحة المفهمة المفيدة ؛ بلا إطالة ولا إلغاز، إلى
شرح وجيز لغرائب الألفاظ ؛ على هيئة تفك أقفال الغريب ، بعيداً عن إسهاب
المعاجم؛ بل يأتي من ذلك بما يفي بالغرض ، منتقلاً إلى شرح المعاني وإظهار
الأحكام ، مورداً الزيادات والألفاظ والشواهد ، جامعاً بين فني الرواية والدراية .
ومما يرفع من قيمة الكتاب العلمية : عنايته بإبانة العلل الدقيقة الطارئة
على الأحاديث . أما ما فات الحافظ - صاحب ((البلوغ)) - من الروايات ؛ فإنه
يسوقها إلى نظائرها وأشباهها ؛ ليكتمل نصاب المسألة من الأدلة والبراهين ؛ بل
حصلت فيه استدراكات استدركها الشارح على الماتن والمختصر على الشارح .
٧

ولا يحسبن الذين سيقرؤون هذا الكتاب أنهم على كتاب مثل بقية كتب
الفقه المقارن ، السائرة في الطلاب هذه الأيام ؛ حيث يجمع المؤلف الآراء والأقوال ،
ثم يحشرها بحذاء المسألة ، ويترك القارئ تائهاً ؛ لا يعلم أيها أصوب ! لأن كتابنا
هذا يمهد لهم السبيل الأمثل لمعرفة أَوْلاها بالإدناء ، وأحراها بالإقصاء ؛ بتوجيهه
الأقوال -جميعها- بعد معالجتها ومناقشتها ؛ معالجة ومناقشة وافية ضافية
-بالحجة والبرهان - .
فإن وقعت فيه أغلاط منتقدة ، فذلك ما لا يخلو منه كتاب ؛ بل نحسب أن
كل انتقاد حقيقي يقع على محلة منه ، تقابله ألف مدحة على ألف محلة أخرى فيه
-إن شاء الله- ؛ فوالله ، إنا لنظنه حاز من الخير قدراً يؤهله لأن يسمو على غيره من
الكتب المؤلفة في هذا الجانب .
فقف -يا طالب العلم- على لطائف معارف هذا الكتاب النفيس بنفسك ؛
وإلا فإنه اجتمعت فيه مزايا حسنة لا يسعنا استقصاؤها ؛ إذ ليس ذلك من شأن
المقدمات .
وأما رابع هؤلاء الثلة ، من العلماء الجملة : فشيخنا الإمام المحدث الفقيه
العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المتوفى سنة (١٤٢٠هـ) ، أعلى الله
درجته في علیین!
ويتلخص عمل شيخنا الإمام -رحمه الله- في جملة تذييلات وحواش
-نقداً وتعليقاً ، تكميلاً وتعليلاً-، جرى بها قلم الشيخ -رحمه الله- منذ عقود ،
وكان قد قيدها على نسختين له من ((السبل))؛ وبخاصةٍ-منهما- النسخة القديمة
التي كان يعلق عليها أثناء تدريسه لهذا الكتاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة
٨

المنورة ؛ فقد حظيت بأغلب التعليقات الموضوعة على الكتاب .
ولقد رأينا ما حرره شيخنا الإمام -تغمده الله برحمته- مسجلاً على هاتين
النسختين الجليلتين ؛ فحرصنا الحرص كله على نقله من محلّه إلى نسختنا المطبوعة ؛
دون أن تضيع شاردة ولا ورادة مما أثبتته يَدُ الشيخ ، بل أوردناها عن آخرها .
وأما ما تراه من تناقص هذه التعليقات وتضاؤلها في أبحاث ((السبل)) الأخيرة،
فمردُّه إلى واقع فعل الشيخ ؛ لأنه لم يقدر له أن يتم هذه التعليقات ؛ إذ إنها - كما
- أسلفنا- تعليقات أثبتها بحسب ما يقتضيه تدريسه للكتاب في الجامعة ؛ فلم يكن
ليستبق الزمن فيضع تعليقات على ما لم يصل -بعد- إلى تدريسه ؛ إلا ما كان من
بحث اقتضاه أمر آخر اضطر من خلاله إلى مراجعة ((السبل)) ليضع فيها ما انتهى إليه
تحقيقه -رحمه الله- تأييداً أو معارضة:
فنرى تعليقاته على المجلد الأول كثيرة متكاثرة ، حديثية وفقهية ولغوية ، ثم
درجت على منوالها تعليقاته على المجلد الثاني ، أما المجلد الثالث ؛ فتناقصت فيه إلى
النصف ، وأما المجلد الرابع ؛ فلم نرله فيه - بنسختيه- سوى بضع تعليقات
مبتسرات !!
وشرح ذلك وبيانه يعرف مما سبق !!
ثم إن الناظر في هذه التعليقات العلمية الرائقة - بتأمل - يجد أن بعضها قد
تراجع عنه الشيخ الإمام -رحمه الله-تعالى- في أواخر تواليفه وتحقيقاته -سواء
الحديثية والفقهية- تبعاً للاستمرار في البحث العلمي المتقدم الذي كان عليه
شيخنا -رحمه الله- مصداقاً لقوله المشهور -المسموع والمسطور -: ((العلم لا يقبل
الجمود» .

ونحن إذ نبرز هذه التحقيقات ، فإنما يدفعنا إلى ذلك ما نلمسه من حرص
طلاب العلم في سائر أقطار الإسلام على كل معارف الشيخ ومدوناته ؛ حرصاً
أكيداً ، لاسيّما وقد رأينا الشيخ - رحمه الله - يعزو في تخريجاته وكتبه
الأخرى إلى هذه ((التعليقات))، فليكن القارئ من ذلك على ذكر !
وغاية ما قمنا به يتلخص في : إثبات كلام الشيخ على مطبوعنا ، على
الصورة التي أثبتها في نسختيه ؛ إلا بعض التحقيقات التي كانت منه على
موضع واحد لكنها تكررت في النسختين ، فاختلفت ألفاظها ، وزاد بعضها
على بعض بفوائد واضحة - ووقوع مثل هذا قليل جداً -؛ فقد كنا نجمع بعضها
إلى بعضها ، مع المحافظة على كل ما أتى به من الفوائد ؛ وذلك بطريقة فنية
أدَّاها لفيف من طلاب العلم ، ممن توفرت فيهم دراية بطرائق الشيخ في التدوين .
ومما عملناه أنا أشرنا إلى آخر الأمرين من فتاوى الشيخ في بعض المواطن
التي أثبت فيها علماً نعلم - جازمين - رجوعه عنه ، ووَثّقنا ذلك بذكر الموضع
الذي بانت فيه عودة الشيخ عن قوله القديم ، مذيلين ذلك بكلمة : (الناشر) .
وإذْ رأيناه يحيل على بعض كتبه التي لم تكن طبعت آنئذ ، شافعاً
إحالاته بأرقام لم تلبث أن تبدلت لأسباب طباعية ، فقد غيرنا هذه الأرقام
فصيرناها أرقام المطبوعات التي تنشر اليوم بين الناس .
ومع ذلك كله كنا نقابل مطبوعتنا بنسختي الشيخ ؛ فقد كانت فيهما
نسخة مصححة تصحيحاً محكماً بعض الإحكام ، أُثبت عليها أنها طبعت
بمطبعة محمد علي صبيح بالقاهرة ، ونشرت مع شركة هندية ، وصححها وعلق
عليها نخبة من العلماء ؛ وأما النسخة الثانية فهي صادرة عن المكتبة التجارية
١٠

الكبرى بمصر ؛ وهي دون النسخة الأولى صحة ؛ ولهذا فقد جعلنا النسخة
الأولى إماماً لنا عند تصحيح التجارب والمقابلة .
وعندما كان يستعصي علينا لفظ ؛ فلا ندري له وجهاً في النسختين ، ولا
في مطبوعتنا ، أو بان ولكن لم يستقم معناه - ومثل هذا نادر -، كنا نبذل
قصارى جهدنا في تسويته ؛ ليكون قريباً من مراد مؤلفه كل المقاربة .
أضف إلى ذلك أننا جمعنا ألفاظ أحاديث «البلوغ)» إلى بعضها ، مرقمة
ترقيماً عاماً ، ميزة بحرف أسود ؛ ثم أعدنا نشرها في شعاب الشرح ، بحرف
أسود أيضاً؛ لتتميز عن الشرح .
وبعد كل ما فعلناه رجونا أن يكون عملنا آل إلى حالة محمودة الظاهر
والباطن . فإن كان ما رجونا ، فذلك فضل من الله ؛ وإن كان غير ذلك ، فإنا
نرجو الناصحين من أهل العلم والدين أن يرشدونا إليه ؛ لنتجاوزه في الطبعات
القابلة ؛ وذلك من نصيحة المسلمين - التي قدمنا ذكرها -.
و(سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب
إليك)) .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الناشر
٤ محرم الحرام ١٤٢٣ هـ
١١

بِسم الهِالرَّحْمنِ الرّحِيمِ
(الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة ، قديماً وحديثاً .
والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد وآله وصحبه ؛ الذين ساروا
في نصرة دينه سيراً حثيثاً، وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم - والعلماء
ورثة الأنبياء -؛ أكرم بهم وارثاً وموروثاً ! أما بعد :
فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية ؛
حررته تحريراً بالغاً؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً ، ويستعين به
الطالب المبتدي ، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي .
وقد بيَّنت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة ؛ لإرادة نصح
الأمة : فالمراد بالسبعة : أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه؛ وبالستة : مَنْ عدا أحمد ، وبالخمسة : من عدا
البخاري ومسلماً - وقد أقول : الأربعة وأحمد -، وبالأربعة : من عدا الثلاثة
الأول ، وبالثلاثة : من عداهم وعدا الأخير ، وبالمتفق عليه : البخاري ومسلم
- وقد لا أذكر معهما غيرهما -، وما عدا ذلك فهو مبين .
وسميته ((بلوغ المرام من جمع أدلّة الأحكام)). والله أسأل أن لا يجعل ما
علمنا علينا وبالاً ، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه - سبحانه وتعالى -! ).
الحمد لله الذي من علينا ببلوغ المرام من خدمة السنة النبوية ، وتفضل
علينا بتيسير الوصول إلى مطالبها العلية ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تنزل
قائلها الغرف الأخروية ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي باتباعه یرجی
الفوز بالمواهب اللدنية ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الذين حبهم ذخائر
١٣

العقبى وهم خير البرية ، وبعد :
فهذا شرح لطيف على ((بلوغ المرام))، تأليف الشيخ العلامة القاضي شيخ
الإسلام: أحمد بن علي بن حجر أحلّه الله دار السلام، اختصرته(١) عن شرح
القاضي (٢) العلامة : شرف الدين الحسين بن محمد المغربي أعلى الله درجاته
في عليين ، مقتصراً على حَلِّ ألفاظه وبيان معانيه ، قاصداً بذلك وجه الله ، ثم
التقريب للطالبين والناظرين فيه ، مُعرضاً عن ذكر الخلافات والأقاويل ؛ إلا أن
يدعو إليه ما يرتبط به الدليل، متجنباً للإيجاز المخلِّ والإطناب الممل ، وقد
ضممت إليه زيادات جَمَّةً على ما في الأصل من الفوائد ، والله أسأل أن
يجعله في المعاد من خير العوائد ؛ فهو حسبي ونعم الوكيل ، وعليه في البداية
والنهاية التعويل .
(الحمد لله): افتتح كلامه بالثناء على الله تعالى ؛ امتثالاً لما ورد في
البداية من الآثار، ورجاء لبركة تأليفه ؛ لأن كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد
الله منزوع البركة ؛ كما وردت بذلك الأخبار ، واقتداء بكتاب الله المبين ،
وسلوك مسالك العلماء المؤلفين .
قال المناوي في ((التعريفات)) في حقيقة الحمد : إن الحمد اللغوي :
الوصف بفضيلة على فضيلة على جهة التعظيم باللسان ، والحمد العرفي :
فعل يُشْعِر بتعظيم المنعم لكونه مُنْعِماً ، والحمد القولي : حمد اللسان وثناؤه
على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه ورسله ، والحمد الفعلي :
(١) مخطوطة ((السبل)) في (المحمودية)، حديث (٢٠٩).
(٢) قاضي صنعاء، وهو من علماء الزيدية، له ترجمة في ((البدر الطالع)) (ج ١ ص ٢٣٠)
للإمام الشوكاني ، ومخطوطة المغربي في (المحمودية)، حديث (١٥٥).
١٤

الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاء وجه الله تعالى . وذكر الشارح التعريف المعروف
للحمد بأنه لغة : الوصف بالجميل على الجميل الاختياري ، واصطلاحاً :
الفعل الدال على تعظيم المنعم من حيث إنه منعم ، واصلة تلك النعمة أو غير
واصلة ، والله : هو الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد .
(على نِعَمِه) : جمع نعمة . قال الرازي : النعمة : المنفعة المفعولة على
جهة الإحسان إلى الغير . وقال الراغب : النعمة : ما قصدت به الإحسان في
النفع ، والإنعام : إيصال الإحسان الظاهر إلى الغير (الظاهرة والباطنة) : مأخوذ
من قوله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: ٢٠]، وقد
أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن عطاء قال : سألت ابن عباس عن قوله
تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾؟ قال : هذا من كنوز علمي؛
سألت رسول الله ﴿ فقال: ((أما الظاهرة فما سَوَّى من خلقك ، وأما
الباطنة فما ستر من عورتك ، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم))؛ وأخرج
عن هذه الآية فقال :
أيضاً عنه والديلمي وابن النجار: سألت رسول الله
((أما الظاهرة فالإسلام وما سَوَّى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه ، وأما
الباطنة فما ستر من عملك))، وفي رواية عنه موقوفة: ((النعمة الظاهرة
الإسلام، والباطنة كل ما ستر عليك من الذنوب والعيوب والحدود)).
أخرجها ابن مردويه عنه. وفي رواية عنه موقوفة أيضاً: ((النعمة الظاهرة
والباطنة هي: لا إله إلا الله)). أخرجها عنه ابن جرير وغيره . وتفسيرهما ما
قاله مجاهد : نعمة ظاهرة هي : لا إله إلا الله على اللسان ، وباطنة - قال : - في
القلب . أخرجها سعيد بن منصور وابن جرير. وفسرهما الشارح بما هو
معروف ، ورأينا التفسير المرفوع وتفسير السلف أولى بالاعتماد .
١٥

(قديماً وحديثاً) : منصوبان على أنهما حالان من نعمه ، ولم يؤنث لأن
الجمع لما أضيف صار للجنس ؛ فكأنه قال : على جنس نعمه . ويحتمل
النصب على الظرفية ، وأنهما صفة لزمان محذوف - أي : زماناً قديماً وزماناً
حديثاً -. والقديم ما تقدم زمنه على الزمن الحاضر ، والحديث ما حضر منه ،
ونِعَم الربُّ تعالى قديمة على عبده من حين نفخ الروح فيه ثم في كل آن من
آنات زمانه ؛ فهي مسبغة عليه في قديم زمنه وحديثه وحال تكلمه . ويحتمل
أن يراد بقديم النعم : التي أنعم بها على الآباء ؛ فإنها نعم على الأبناء ؛ كما
أمر الله بني إسرائيل بذكر نعمه التي أنعم بها على آبائهم فقال: ﴿يا بني
إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ [البقرة: ٤٠] الآيات ، في
مواضع من القرآن - أشار إليه الشارح رحمه الله إلا أنه قال : ﴿يا بني إسرائيل
: اذكروا نعمة الله عليكم) الآية ، والتلاوة : ﴿نعمتي﴾ فکأنه سبق قلم -،
ويراد بالحديث : ما أنعم الله به تعالى على عبده من حين نفخ الروح فيه ؛
فهي حادثة نظراً إلى النعمة على الآباء .
(والصلاة) : عطف اسمية على اسمية ، وهل هما خبريتان أو إنشائيتان؟
فيه خلاف بين المحققين ، والحق أنهما خبريتان لفظاً يراد بهما الإنشاء . ولما
كانت الكمالات الدينية والدنيوية وما فيه صلاح المعاش والمعاد فائضة من
، ناسب إرداف
الجناب الأقدس على العباد بواسطة هذا الرسول الكريم
الحمد لله بالصلاة عليه والتسليم ؛ لذلك ، وامتثالاً لآية كريمة : ﴿يا أيها الذين
آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ولحديث: ((كل كلام
لا يذكر الله فيه ولا يصلى عليَّ فيه، فهو أقطع أكتع ممحوق البركة)). ذكره
في (الشرح)) ولم يخرجه . وفي ((الجامع الكبير)) أنه أخرجه الديلمي والحافظ
عبد القادر بن عبد الله الرهاوي في ((الأربعين)) عن أبي هريرة . قال الرهاوي :
١٦

غريب ؛ تفرد بذكر الصلاة فيه إسماعيل بن أبي زياد الشامي ؛ وهو ضعيف
جداً ، لا يعتد بروايته ولا بزيادته . انتهى .
والصلاة من الله لرسوله : تشريفه ، وزيادة تكرمته ، فالقائل : اللهم صلِّ
على محمد طالب له زيادة التشريف والتكرمة . وقيل : المراد منها : آته
الوسيلة ؛ وهي التي طلب # من العباد أن يسألوها ؛ كما يأتي في الأذان .
(والسلام) : قال الراغب : السلام والسلامة : التعري من الآفات الباطنة
والظاهرة . والسلامة الحقيقية لا تكون إلا في الجنة لأن فيها بقاء بلا فناء ،
وغناء بلا فقر ، وعزاً بلا ذل ، وصحة بلا سقم .
(على نبيه) : يتنازع فيه المصدران قبله . والنبي من النبوة وهي الرفعة ؛
فعيل بمعنى مُفْعِل ؛ أي : المنبئ عن الله بما تسكن إليه العقول الزاكية . والنبوة
سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لإزاحة عللهم في معاشهم
ومعادهم .
(ورسوله): في ((الشرح)): النبي في لسان الشرع: عبارة عن إنسان أنزل
عليه شريعة من عند الله بطريق الوحي ؛ فإذا أمر بتبليغها إلى الغير سمّي
رسولاً. وفي ((أنوار التنزيل)»: الرسول: من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو
الناس إليها ، والنبي أعم منه . والإضافة إلى ضميره تعالى في : رسوله ، وما
قبله عَهْدِيَّة؛ إذ المعهود هو محمد عَّهه، وزاده بياناً بقوله :
(محمد) : فإنه عطف بيان على نبيه ، وهو علم مشتق من : حُمَّد - مجهول
مشدد العين -؛ أي : كثير الخصال التي يحمد عليها ؛ فهو يُحمد أكثر مما يحمد
غيره من البشر؛ فهو أبلغ من : محمود ؛ لأن هذا مأخوذ من المزيد وذاك من
١٧

الثلاثي؛ وأبلغ من : أحمد ؛ لأنه أفعل تفضيل ، مشتق من الحمد ؛ وفيه
قولان : هل هو أكثر حامدية لله تعالى فهو أحمد الحامدين لله ، أو هو بمعنى :
أكثر محمودية فيكون كمحمد في معناه ، وفي المسألة خلاف وجدال ؛ والمختار
ما ذكرناه أولاً وقرره المحققون، وأطال فيه ابن القيم في أوائل ((زاد المعاد)).
** ، امتثالاً لحديث التعليم -
(وآله) : والدعاء للآل بعد الدعاء له
وسيأتي في الصلاة - وللوجه الذي سنذكره قريباً .
(وصحبه): اسم جمع لصاحب ، وفي المراد بهم أقوال ؛ اختار المصنف في
((نخبة الفكر)) أن الصحابي: من لقي النبي ﴿ وكان مؤمناً ومات على
الإسلام. ووجه الثناء عليهم وعلى الآل بالدعاء لهم هو الوجه في الثناء عليه
· بعد الثناء على الرب ؛ لأنهم الواسطة في إبلاغ الشرائع إلى العباد ،
فاستحقوا الإحسان إليهم بالدعاء لهم (الذين ساروا في نصرة دينه) : هو
صفة للفريقين : الآل والأصحاب ، والسير مراد به هنا الجد والاجتهاد . والنصر
والنصرة : العون . والدين : وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى القبول لما جاء
به الرسول ، والمراد أنهم أعانوا صاحب الدين المبلغ وهو الرسول . وفي وصفهم
بهذا إشارة إلى أنهم استحقوا الذكر والدعاء بذلك (سيراً) : مصدر نوعي
الوصفه بقوله (حثيثاً) : فإن المصدر إذا أضيف أو وصف كان للنوع . والحثيث :
السريع كما في ((القاموس)) وفي نسخة : في صحبته ؛ وهي عوض من قوله : في
نصرة دينه (وعلى أتباعهم) : أتباع الآل والأصحاب (الذين ورثوا علمهم) :
وهو علم الكتاب والسنة (والعلماء ورثة الأنبياء) : هو اقتباس من حديث :
((العلماء ورثة الأنبياء)) . أخرجه أبو داود ، وقد ضعف وإليه أشار بعض علماء
الآل بقوله :
١٨

في النصِّ والعلماءُ هم وُرَّاثُه
العلمُ ميراثُ النبيِّ كذا أتى
فينا فذاك متاعُهُ وأثاثُه
ما خلَّفَ المختارُ غيرَ حديثِه
(أكرم) : فعل تعجب (بهم) : فاعله ، والباء زائدة أو مفعول به ، وفيه
ضمير فاعله (وارثاً) : نصب على التمييز وهو ناظر إلى الأتباع، ثم قال
(وموروثاً) : ناظر إلى من تقدمهم ، وفيه من البديع: اللَّفُّ والنشر مشوشاً،
ويحتمل عود الصفتين إلى الكل من الآل والأصحاب والأتباع؛ فإن الآل
والأصحاب ورثوا علم رسول الله ◌َ وورثوه للأتباع؛ فهم وارثون مورثون،
وكذلك الأتباع ورثوا علم من تقدمهم أيضاً ، وورثوا أيضاً أتباع الأتباع ، ولعل
هذا أولى لعمومه .
(أما) : هي حرف شرط ، وقوله (بعد): قائم مقام شرطها ، و: بعد ،
ظرف له ثلاث حالات : إضافَتُهُ : فيعرب كقوله تعالى : ﴿قد خلت من
قبلكم سنن﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وقطعه عن الإضافة مع نية المضاف إليه :
فيبنى على الضم نحو: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤]، وقطعه
عن الإضافة مع عدم نية المضاف إليه : فيعرب منوناً كقوله :
أكادُ أَغَصُّ بالماء الفرات
فساغ ليَ الشرابُ وكنتُ قَبْلاً
(فهذا) : الفاء جواب الشرط ، واسم الإشارة لما في الذهن من الألفاظ
والمعاني (مختصر): في ((القاموس)): اختصر الكلام: أوجزه (يشتمل) :
يحتوي (على أصول) : جمع أصل ، وهو أسفل الشيء؛ كما في ((القاموس))،
وفسره في ((الشرح)) بما هو معروف بما يبنى عليه غيره (الأدلة) : جمع دليل ؛
وهو في اللغة : المرشد إلى المطلوب ، وهو في عرف الأصوليين : ما يمكن
١٩

التوصل بالنظر الصحيح فيه إلى مطلوب خبري ، وعند أهل الميزان : ما يلزم من
العلم به العلم بشيء آخر .
وإضافة الأصول إلى الأدلة بيانية ؛ أي : أصول هي الأدلة . وهي أربعة :
الكتاب والسنة والإجماع والقياس (الحديثية) : صفة للأصول مخصصة عن
غير الحديثية؛ وهي نسبة إلى حديث رسول الله عم * (للأحكام) : جمع
حكم . وهو عند أهل الأصول : خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلف من
حيث إنه مكلف ؛ وهي خمسة : الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة
(الشرعية) : وصف للأحكام يخصصها أيضاً عن العقلية . والشرع: ما شرعه
الله لعباده؛ كما في ((القاموس)). وفي غيره: الشرع: نهج الطريق الواضح ،
واستعير للطريقة الإلهية من الدين .
(حررته): بالمهملات ، والضمير للـ ((مختصر))، وفي ((القاموس)): تحرير
الكلام وغيره : تقويمه ، وهو يناسب قول الشارح : تهذيب الكلام وتنقيحه
(تحريراً) : مصدر نوعي لوصفه بقوله (بالغاً) : بالغين المعجمة ؛ وفي
((القاموس)): البالغ: الجيد (ليصير): علة لحررته (من يحفظه من بين
أقرانه): جمع قرن بكسر القاف وسكون الراء ؛ وهو الكفو والمثل (نابغاً):
بالنون وموحدة ومعجمة؛ من: نبغ. قال في ((القاموس)): النابغة : الرجل
العظيم الشأن (ويستعين) : عطف على: ليصير (به الطالب): لأدلة الأحكام
الشرعية الحديثية (المبتدي) : فإنه قد قرب له الأدلة وهذبها (ولا يستغني
عنه الراغب): في العلوم (المنتهي): البالغ نهاية مطلوبه ؛ لأن رغبته تبعثه
على أنلا يستغني عن شيء فيه ؛ سيما ما قد هذب وقرب .
(وقد بينت عقب): من عقبه: إذا خلفه ؛ كما في ((القاموس)) ؛ أي : في
٢٠