النص المفهرس

صفحات 561-580

لاشك أن هذا الذي نذكر من مضمون هذا الباب، أقل مما يتقاضى، وأقلُّ
مما في كتاب أبي محمد منه، ولكنا خفنا إغفال هذا النوع من النظر معه، فنبهنا
بهذا النزر علی جنسه.
وقد وقع له عكسه في مواضع كثيرة، وذلك أن يسالم رجالاً لا تنبغي
مسالمتهم، أو یذکرهم بأقل مما يستحقون أن يذكروا به.
(٢٧٨٥) كقوله - إثر حديث دخول مكة بغير إحرام -: محمد بن خالد
ابن عبد الله الواسطي، ضعيف(١).
وهذا اللفظ قد یقال لمن هو صدوق، ومن لا یکون به بأس، يستضعف
بالقياس إلى من هو فوقه في باب الثقة والأمانة.
ومحمد بن خالد، هو عندهم كذاب.
(٢٧٨٦) وكذلك لما أورد في الجهاد: ((انطلقوا باسم الله وبالله، وفي
سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًّا، ولا [طفلا،ً ولا صغيرًا،
ولا امرأة] ... )) الحديث.
قال: خالد بن الفرز](٢) / ليس بقوي(٣).
[٢٢١ أ]
(١) الأحكام الوسطى (٢/ ٣٣٩).
(٢) بفتح الفاء وكسرها، بعدها مهملة ساكنة آخره زاي معجمة، وما بين المعکوفین ممحو في ت: منه ثلث سطر،
وأتممناه من الوسطى، ومن السياق.
(٣) الأحكام الوسطى: (٣/ ٤٣).
(٢٧٨٥) أخرجه ابن عدي في ترجمة محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي (٦ / ٢٢٧٦)، ونقل عن ابن
معين أنه كذبه، وقال: إن لقيتموه فاصفعوه.
(٢٧٨٦) صحيح، إلا بعض فقراته: أخرجه أبو داود في الجهاد (٣/ ٣٨) من حديث أنس، وفي سنده
خالد بن الفرز مجهول الحال، لكن جل فقراته لها شاهد من حديث بريدة عند مسلم برقم
١٧٣١ وحديث الأسود ابن سريع عند النسائي، وغيره.
٥٦١

وهذا لفظ يطلق على من هو متقرر العدالة، إذا كان غيره أقوى منه.
وخالد هذا ليس يعرف له من العلم إلا حديثان، هذا أحدهما.
(٢٧٨٧) والآخر: ((تحريم خلط البسر والتمر)).
ذكر ذلك البزار، ولا يعرف روى عنه إلا الحسن بن صالح، وإنما حذا فيه
حذْو ابن معين حين قال فيه: ليس بذاك(١) .
وذكر في كتاب الطهارة مُعَمَّر(٢) بن محمد بن عبد الله بن أبي رافع،
فقال: معمر وأبوه ضعيفان(٣) .
کذا قال: وهما عند المحدثین متروکان.
وعمله هذا في هؤلاء، وفيمن لا يحصى من أمثالهم مناقض لما تقدم ذكره
من عمله في تضعيف هشام بن سعد (٤) ، وإكثاره عليه، وفي تضعيف معلى
ابن منصور(٥) ، وأبي غطفان بن طريف(٦) ، وأشباههم ممن تقدم ذكرنا لهم.
وما لم نذكره من ذلك لعله الأكثر، وذلك يوجب عليك أن لا تقلد في هذا،
فإنك بأقل من بحثه تبلغ فيهم المقصود.
ولننبه على ما عثرنا عليه من هذا النوع، ممن لم يتقدم ذكره.
(٢٧٨٨) فمن ذلك أنه ذكر في الجنائز حديث ابن عباس: ((لعن الله
(١) الجرح (٣/ ٣٤٦).
(٢) بضم أوله، وفتح ثالثه مع التشديد.
(٣) الأحكام الوسطى (١/ ١٧٣)، قال ذلك في حديث أبي رافع: ((كان إذا توضأ حرك خاتمه)).
(٤)
انظر الحديث ٢٠٩٣، ٢١٢٣.
(٥)
انظر الحديث: ٢٥١٨.
(٦) انظر الحديث: ٢٤٩٤، ٢٤٩٦.
(٢٧٨٧) أخرجه البزار كما ذكر المؤلف، ولم أقف عليه الآن.
(٢٧٨٨) تقدم في الحديث ٢٧٥٣ .
٥٦٢

زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)).
ثم قال: هذا يرويه أبو صالح، صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جداً(١).
كذا قال، وإنما كان ينبغي أن يقال هذا في محمد بن سعيد المصلوب، أو
الواقدي، أو غياث بن إبراهيم، ونحوهم من المتروكين المجمع عليهم.
فأما أبو صالح: باذام مولى أم هانئ(٢) . فليس في هذا الحد، ولا في هذا
النمط، ولا أقول: إنه ثقة، لكني أقول(٣) : إنه ليس كما يوهمه هذا الكلام،
بل قال علي المديني(٤): سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ((لم أر أحداً من
أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه
شيئًا، ولم يتركه شعبة(٥) [ولا زائدة، ولا عبد الله بن عثمان. وعن] ابن أبي
خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو [صالح مولى أم هانئ ليس به
بأس، فإذا روى] (٦) عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا روى عنه / غير الكلبي
فليس به بأس؛ لأن الكلبي حدث به مرة من رأيه(٧) ومرة عن أبي صالح عن
ابن عباس(٨) ، وقد ذكرنا قبل أن ابن معين أخبر عن نفسه بأنه متى قال في
رجل: لا بأس به، فهو عنده ثقة.
[٢٢١ ب]
(١) الأحكام الوسطى (٢/ ١٥١).
(٢) في ت: مولى هائني، وهو خطأ.
(٣) في ت: [لكني أقول: إنه ثقة ] لكني أقول: إنه ليس كذلك، والجملة الأولى بين المعكوفين، من خطأ النساخ
بلا شك.
(٤) في ت: المدني، وهو خطأ.
(٥)
التھذیب (١/ ٣٦٥).
(٦) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه نصف نحو نصفي سطرين، وأتممناه من الجرح.
(٧) في ت: من رواية، والتصحيح من الجرح.
(٨) الجرح (٢/ ٤٣٢) نقلاً عن ابن أبي خيثمة.
٥٦٣

وضَعَف الكلبي لا ينبغي أن يُعْدي أبا صالح، وليس ينبغي أن يُمسَّ أبو صالح
بكذبة الكلبي عليه، حيث حكي عنه أنه قال له - أعني أن أبا صالح قال
للكلبي -: كل ما حدثتك عن ابن عباس كذب، وفي رواية: فلا تحدث به (١) .
فهذا من كذب الكلبي، وهو عندهم كذاب، وإن كان ابن مهدي ترك
الرواية عن أبي صالح، فإن غيره قال فيه ما ذكرناه، فاعلم ذلك.
(٢٧٨٩) وذكر حديث أبي هريرة في النهي عن وضع النعلين عن
اليمين أو اليسار، والأمر بوضعهما بين الرجلين.
(١) التهذيب (١/ ٣٦٥).
(٢٧٨٩) صحيح: أخرجه أبو داود في الصلاة (١ / ١٧٦)، وابن خزيمة (٢ / ١٠٦)، وابن حبان
(٣٠٧/٣)، والحاكم (١/ ٢٥٩)، والبيهقي (٢/ ٤٣٢)، والبغوي (٢/ ٩٥).
كلهم من طريق عثمان بن عمر، حدثنا صالح بن رستم أبو عامر، عن عبد الرحمن بن قيس،
عن يوسف بن ماهك، عن أبي هريرة مرفوعًا.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
وليس كذلك؛ لأن أبا عامر الخزار كثير الخطأ، وإن كان من رجال مسلم، وعبد الرحمن بن
قيس العتكي مجهول الحال.
لكن روي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه. فقد أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٠٥)، وابن
حبان، والحاكم.
من طريق ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله القرشي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي
هريرة مرفوعًا، بلفظ: ((إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه، أو ليخلعهما بين رجليه، ولا يؤذ بهما غيره)).
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
قلت: بل هو على شرطهما من ابن وهب فما فوقه، ولكنه معل باختلاط سعيد المقبري هذا،
وقد خولف فيه عياض بن عبد الله.
فقد أخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٥٧)، والبيهقي،
والبغوي.
كلهم من طرق عن الأوزاعي، حدثني محمد بن الوليد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن
أبي هريرة مرفوعًا.
=
٥٦٤

ثم قال: في إسناده صالح بن رستم أبو عامر، وأصح منه ما روى أبو داود،
فذكر حديثًا آخر(١) .
هذا ما ذكر، فكأن أبا عامر(٢) صالح بن رستم، ابنُ لهيعة، أو جابر
الجعفي، والرجل مشهور، يوثقه قوم: منهم أبو داود الطيالسي (٣).
وقال فيه أحمد بن حنبل: صالح الحديث(٤) وأخرج له مسلم.
وقول ابن معین فیه: «لا شيء»(٥) معناه فیه، أنه لیس کغيره، فإنه قد عهد
یقول ذلك فیمن یقل حديثه. فاعلم ذلك.
(٢٧٩٠) وذكر من طريق أبي داود، حديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه،
عن جده: ((فإِنا آخذوها وشطر ماله)).
ثم قال: بهز بن حكيم، وثقه علي بن المديني، ويحيى بن معين(٦)
وغيرهما يضعفه(٧) .
(١) الأحكام الوسطى (١/ ٣١٦).
:
(٢) في ت: فكان أبو عامر.
(٣) انظر الجرح (٤/ ٤٠٣).
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) الجرح (٢/ ٤٣٠).
(٧) الأحكام الوسطى (٢/ ١٨٢).
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشیخین، وقد تابع محمد بن الولید علیه ابن أبي ذئب عن
=
سعید به أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤١٨) بسند صحيح.
وابن أبي ذئب من أثبت الناس في سعيد المقبري وقد أثبت الواسطة بينه وبين أبي هريرة،
فكانت روايته أقوى من التي قبله .
(٢٧٩٠) حسن: أخرجه أبو داود في الزكاة (٢/ ١١١)، وكذلك النسائي (١٥/٥، ٢٥)، والدارمي
(١/ ٣٩٦)، وأحمد (٢/٥، ٤)، كلهم من طرق عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده
مرفوعًا، وإسناده حسن؛ لکلام لا يضر في بهز بن حکیم.
٥٦٥

هذا ما ذكره به، وهو تقصير به، موهم أن الأكثرين على تضعيفه، وإنما
اختلف الناس فيما يروي بَهز، عن أبيه، عن جده هكذا، وهو الذي جعله
الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه.
أما أن يقال: إن بهزًا وثقه ابن معين، وابن المديني، وضعفه غيرهما
فخطأ، نعم لو قال: إن ابن أبي حاتم لم يذكر توثيقه إلا عن ابن معين، وابن
المدیني صدق، ولو زاد: وضعفه غيرهما عند ابن أبي [حاتم لكان صوابًا،
وابن أبي حاتم لم يذكر](١) فيه التضعيف، وإنما حكى عن أبيه فقط / (٢) أنه
شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وعن أبي زرعة أنه قال فيه: ((صالح، ولكنه
لیس بمشهور(٣) .
[٢٢٢ أ، وب]
وقول أبي حاتم: لا يحتج به؛ لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة، وبهز ثقة
عند من علمه، وقد وثقه غير من ذُكر، كالنسائي، وابن الجارود، وصحح
الترمذي روایته عن أبيه، عن جده.
وقال أبو أحمد بن عدي، قد روى عنه ثقات الناس، وذكر أن الزهري
روى عنه حدیثین ذكرهما، وقال: ولم أر أحداً من الثقات تخلف عنه في
الرواية، ولم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس
بحديثه (٤)
وقال أبو جعفر البستي(٥) : إسناد بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده
(١) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه نصف سطر، وأتممناه بناء على ما في الجرح والتعديل، والسياق.
(٢) هنا تكرر في المخطوط ما في اللوحة [٢٢٢ أ] مع ما في [٢٢٢ ب]، فما في تلك هو نفس ما في هذه، ولذلك
استغنینا بإحداهما عن الأخرى فتنبه.
(٣) الجرح (٢/ ٤٣٠).
(٤) الكامل (٢ / ٥٠١).
(٥) التهذيب (١ / ٤٣٨)، وانظر ما تقدم على أبي جعفر البستي هذا في الرقم: ١٨٩٥.
٥٦٦

صحيح.
وقال محمد بن الحسين(١) : سألت ابن معين، هل روى شعبة عن بهز؟
قال: نعم، روی عنه حدیثًا، وهو قوله تمّه :
(٢٧٩١) ((أترعَوُون من ذكر الفاجر)).
(١) البغدادي، أبو جعفر الأشناني. انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٢٣٤)، وله كتاب (التمييز)).
(٢٧٩١) موضوع: أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٠٢)، وابن عدي (٢/ ٥٩٥)، والطبراني في
الكبير (١٩/ ٤١٨)، وابن حبان في المجروحين (١ / ٢٢٠)، والخطيب في التاريخ
(٣٨٢/١)، (٣/ ١٨٨)، (٧/ ٢٦٧، ٢٦٣، ٢٦٨)، وفي الكفاية ٥٩، والسهمي في
تاريخ جرجان: ص ٧٥. كلهم من طريق الجارود بن يزيد، عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن
جده مرفوعًا.
قال العقيلي: ليس له من حديث بهز أصل، ولا من حديث غيره، ولا يتابع عليه من طريق
یثبت.
وقال ابن حبان: (( ... والخبر في أصله باطل، وهذه الطرق كلها بواطيل لا أصل لها)).
وقال ابن عدي: وقد سرقه منه غيره من الضعفاء، وجميعًا يضعفان.
وقال الخطيب: والمحفوظ أن الجارود تفرد برواية هذا الحديث.
وقال ابن المديني: منكر.
وقال الدار قطني في العلل: هو من وضع الجارود، ثم سرقه منه جمع.
وقال الحاكم: إنه غير صحيح ولا معتمد. نقله عنه البيهقي في الشعب.
وقال السخاوي في المقاصد (٤/ ٣٥٤): ولا يصح أيضًا، فالجارود ممن رمي بالكذب.
وقال الدارقطني: هو من وضعه ثم سرقه منه جماعة ... فذكرهم.
وقال الفلاس: إنه منكر. وأورده ابن طاهر في الموضوعات حاكمًا بوضعه.
وحسنه الهروي - في ذم الكلام - بشواهده، ولم يصنع شيئًا؛ لأن شواهده ما بين تالف
وهالك، وقد جزم البيهقي والعقيلي وغيرهما بأنه لم يصح فيه شيء.
والجارود هذا قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن
معين: ليس بشيء، وكان أبو أسامة يرميه، وأبو حاتم يرميه بالكذب.
تنبيه: ضبطت كلمة ((أترعوون)) على أنها من الارعواء، وهو الانكفاف، وهو الكثير الشائع، =
٥٦٧

وقد كان شعبة متوقفًا عنه، فلما روى هذا الحديث كتبه، وأبرأه مما اتهمه
به .
قلت: فكم له عن أبيه عن جده؟ قال: أحاديث، قلت لأبي عبد الله بن
حنبل: ما تقول في بهز؟ قال: سألت غندراً عنه فقال: قد كان شعبة مسه ثم
تبين(١) معناه، فكتب عنه(٢) .
قال أبو محمد بن قتيبة: كان من خيار الناس(٣).
وليس بضار له ما حكاه أحمد بن بشير قال: أتيت البصرة في طلب
الحديث، فأتيت بهزاً، فوجدته مع قوم يلعبون بالشطرنج(٤)؛ فإن استباحتها
مسألة فقهية مجتهدة.
(٢٧٩٢) وقد ذكر أبو محمد - رحمه الله - حديث: ((إِني أسألك بوجه الله))
من عند النسائي(٥) .
وسكت عنه مصححًا له، ولم يبين أنه من رواية بهز، وهذا يزيد عمله
هاهنا قبحًا، فاعلم ذلك.
(١) في التهذيب: لم يبين.
(٢) التهذيب (١/ ٤٣٨).
(٣) المصدر نفسه.
(٤) الكامل (٢/ ٤٩٩).
(٥) الأحكام الوسطى (٢/ ٢٠٠).
وضبطت أيضًا بفتح التاء، والزاي المعجمة من وزعه يزَعه، إذا منعه، ومعناها هنا: أتمتنعون
=
عن ذكر ....
(٢٧٩٢) حسن: أخرجه النسائي في الزكاة (٤/٥، ٥)، وابن ماجه في الحدود (٢/ ٨٤٨).
من طریق بهز بن حکیم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا، وإسناده حسن.
٥٦٨

(٢٧٩٣) وذكر من طريق أبي داود حديث عمارة بن غزية(١) عن
عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال رسول الله تَئية: ((من سأل
وله قيمةُ أُوقية فقد أخف)) الحديث.
ثم قال: عمارة بن غزية، وثقه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وقال فيه
أبو حاتم، ويحيى بن معين: صدوق صالح [وقد ضعفه بعض المتأخرين.
انتهى ما](٢) / ذكر(٣) .
[١٢٢٣]
وهو تعسف على عمارة بن غزية؛ فإنه ثقة عندهم، مخرج حديثه في
الصحيح، وممن وثقه أيضًا الكوفي(٤)، وقال النسائي: ليس به بأس(٥) .
ولا أعلم أحداً ضعفه إلا ابن حزم، قال فيه في كتاب الإيصال: ضعيف.
ذكره في الزكاة في غير هذا الحديث(٦) .
وأراه مَعْنيَّ أبي محمد ببعض المتأخرين، وإن هذا لعجب أن يَترك فيه
أقوال معاصريه أو من هو أقرب إلى عصره، ويَحكي فيه عمن لم يشاهده ولا
قارب ذلك ما لا تقوم له علیه حجة .
وأظن أن ابن حزم بقي في خاطره - عند كتبه فيه أنه ضعيف - أن العقيلي
ذكره في كتاب الضعفاء، والعقيلي لم يزد فيه على ما أصف، وذلك أنه ترجم
(١) بفتح المعجمة وكسر الزاي، ثم ياء مشددة.
(٢) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه نصف سطر، وأتممناه من الأحكام الوسطى.
(٣) الأحكام الوسطى (٢/ ١٨٧).
(٤) معرفة الثقات (٢ / ١٦٣).
(٥) التهذيب (٧/ ٣٧٠).
(٦) المصدر نفسه، نقلاً عن ابن حزم.
(٢٧٩٣) تقدم في الحديث ٦٢٦ .
٥٦٩

باسمه، ولم يقل فيه شيئًا كما عادته أن يقول، غير أنه حكى عن ابن عيينة أنه
قال: جالسته كم من مرة فلم أحفظ عنه شيئً(١) .
وهذا لا يضره أصلاً، فاعلم ذلك.
هذا الذي ذكرت(٢) به من هذا النوع، لم أقصد به استيعاب ما وقع له منه،
وإنما ذکرته ممثلاً منبها على نوعه، وقد تفرق منه فيما مر کثیر، ولعله فيما
تركت أكثر، وكذلك ما يتصل(٣) بهذا من شرح مواضع لم يشرحها، قد تقدم
أيضًا من نوعها الكثير، ولعله فيما تركت أكثر.
(٢٧٩٤) فمن ذلك أنه ذكر من طريق الترمذي، عن أبي سعيد المقبري،
(١) الضعفاء الكبير (٣/ ٣١٥).
(٢) في، ت، ذكرته.
(٣) في، ت، ما يصل.
(٢٧٩٤) حسن: أخرجه الترمذي في الصلاة (٢/ ٢٢٣)، وأبو داود (١ / ١٧٤).
من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، حدثني عمران بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبيه، عن أبي رافع مرفوعًا.
قال الترمذي: حديث حسن. يعني أنه حسن بغيره، وإلا فعمران بن موسى الأموي مجهول الحال.
وقد روي من وجه آخر عن أبي رافع، أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة (١/ ٣٣١)،
وأحمد (٦/ ٨).
من طريق مخول بن راشد، سمعت أبا سعد يقول: رأيت أبا رافع مولى رسول الله ﴾. فذكره.
إلا أن عبد الرزاق لم يسم أبا سعد، بل قال: ((عن رجل))، وأبو سعد هذا هو المدني، قيل:
هو شرحبیل بن سعد، فإن كان هو ؛ فقد اختلط بآخره، وإن كان غيره؛ فهو مجهول.
هذا وقد اختلف فيه على مخول بن راشد؛ فرواه سفيان عنه، عن سعيد المقبري، عن
أبي رافع، عن أم سلمة.
أخرجه الطبراني، وإسحاق بن راهويه -كما في نصب الراية (٢/ ٩٤)، وقال الدار قطني في
العلل: وهم المؤمل في ذكر أم سلمة، وغيره لا يذكرها. قلت: وقد ذكرها أيضًا عن سفيان
أبو حذيفة، وهذا السند يقوي الذي قبله؛ لأنه ليس بشديد الضعف، فيرتقي به إلى درجة =
٥٧٠

عن أبي رافع، أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي، وقد عقص(١) ضفيرته في
قفاه. الحدیث.
ثم أتبعه أن قال: قال أبو جعفر الطحاوي: كانت وفاة المقبري سنة خمس
وعشرين ومائة، وكانت وفاة علي قبل ذلك بخمس وثمانين سنة، ووفاة
أبي رافع قبل ذلك، وعلي كان وصيَّ أبي رافع، فبعيد أن يكون أبو سعيد
المقبري شاهد من أبي رافع قصة الحسن، ذكر هذا في كتاب بيان المشكل(٢).
ثم قال أبو محمد عبد الحق: هذا الذي [استبعده الطحاوي ليس
ببعيد،](٣) فإن المقبري سمع من عمر بن الخطاب على ما ذكر / البخاري في
تاريخه(٤) .
[٢٢٣ ب]
وقال أبو عمر بن عبد البر: توفي أبو رافع في خلافة عثمان، وقيل: في
(١) والعقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور، وأصل العقص اللي، وإدخال أطراف الشعر في
أصوله. قاله في النهاية (٤/ ٢٧٥).
(٢) انظر مشكل الآثار.
(٣) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه نصف سطر، واستدركناه من الأحكام الوسطى.
(٤) التاريخ الكبير (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥).
الحسن لغيره. هذا وللحديث شاهدان: عن علي وابن عباس.
=
فأما حديث علي فأخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف، فيه الحارث الأعور، كذبه الشعبي،
ودونه الحسن بن عمارة، وهو ضعيف، ودونه أبو إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم (١/ ٣٥٥)، وأبو داود (١/ ١٧٤)، والنسائي
(٢١٥/٢).
كلهم من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن كريب، عن ابن عباس،
أنه رأى عبد الحارث يصلي، ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله ... فذكره. وفيه
مرفوعًا: ((إنما مثل هذا الذي يصلي وهو مكتوف)).
٥٧١

خلافة علي، وهو أصح(١) . انتهى كلامه(٢).
والغرض شرح(٣) ما يحتاج إلى شرحه منه، فإنه لما استقرب مستبعد
الطحاوي، جعل الحجة في ذلك ما حكاه البخاري، من أن المقبري سمع من
عمر.
وکل هذا یحتاج إلی زیادة تفسیر ، فأقولـ وبالله التوفيق -وذلك أنه إن كان
ما سلم صحيحًا من أن أبا سعيد(٤) توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأن بين
وفاته ووفاة علي خمسًا وثمانين سنة؛ لأن عليا رضي الله عنه مات سنة
أربعين، فينبغي أن نضيف إلى ذلك أيامه، وهي أربع سنين وتسعة أشهر،
وأيام عثمان ثنتا عشرة سنة، فهذه سبعة عشرة سنة غير ربع، يجيء الجميع
مائة سنة وسنتين، فلنقدر أنه سمع من عمر في آخر حياته، لا أقل من أن
يكون بسن من يضبط، كثمان سنين أو نحوها، هذه مائة سنة وعشر، فتحتاج
سن أبي سعيد أن تكون [هذا القدر،](٥) وذلك شيء لا يعرف له، ولا ذكر
به، ولا يصح سماع المقبري من أبي رافع حتى تكون سنه قد بلغت هذا المبلغ .
والأولى أن يقال في ذلك: إن وفاة المقبري لم تكن سنة خمس وعشرين
ومائة، وذلك شيء لا أعرف أحدًا قاله إلا الطحاوي، وإنما المعروف في
وفاته، إما سنة مائة - حكاه الطبري في كتابه ذيل المذيل(٦) . وقاله أبو عيسى
الترمذي.
(١) الاستيعاب بهامش الإصابة (٤/ ٦٨).
(٢) الأحكام الوسطى (٢/ ١١).
(٣) في ت: بشرح، والراجح ما أثبتناه
(٤) في ت: من أن أبا رافع، وهو تحريف.
(٥) ما بين المعكوفين ساقط من ت، وأتممناه من نصب الراية (٢/ ٩٤) لأنه نقله عن ابن القطان.
(٦) وهو ملحق بالتاريخ (١١/ ٦٨٨).
٥٧٢

وإما في خلافة الوليد بن عبد الملك، كما قال الواقدي وغيره، وكانت
وفاة الوليد سنة ست وتسعين.
وإما في خلافة عبد الملك قبل ذلك كله، وهذا قول أبي حاتم الرازي(١).
فلننزل على أبعد(٢) هذه الأقوال، وهو قول من قال: سنة مائة، حتى
يكون بين وفاته ووقت حياة أبي رافع، ستون سنة، أو أكثر بقليل، وهذا لا بعد
فيه، وهو كاف فيما نريد هاهنا من غير احتياج إلى [تقدير سماعه من عمر.
وما حكاه](٣) / (٤) البخاري مشكوك فيه، ولم يحكه بإسناد(٤) ، والذي يقول
غيره: إنما هو روی عن عمر، وهذا لا ينكر؛ فإنه قد یرسل عنه.
[٢٢٤ أ]
ويُشدَّ(٥) ما قلناه من أن أبا سعيد المقبري لا يبعد سماعه للحديث المذكور
من أبي رافع، أن أبا داود قال: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، عن
ابن جريج، قال: حدثني عمران بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
يحدث عن أبيه، أنه رأى أبا رافع مولى رسول الله عم ليه مر بالحسن بن علي وهو
يصلي قائمًا. الحديث.
ففي هذا أيضًا أنه رآه وشاهد فعله، ولو صح هذا كفى، ولكن عمران بن
موسى لا أعرف حاله، ولا أعرف روى عنه إلا ابن جريج.
وقد ذكر الدارقطني اختلافهم في هذا الحديث، وقال: إن رواية عمران
ابن موسى هذا، أصحها إسنادًا، وجعل رواية [مؤمل](٦) بن إسماعيل - عن
الثوري، عن مُخوَّل(٧) بن راشد، عن أبي سعيد، عن أبي رافع، عن أم سلمة
(١) انظر الجرح (٧/ ١٦٦).
(٢) في ت: بعد، والتصحيح من نصب الراية.
(٣) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه نصف سطر، واستدركناه من نصب الراية.
(٤)
التاريخ الكبير (٧/ ٢٣٤).
(٥) أي يقوي.
(٦) كلمة ((مؤمل)) ساقطة من ت ولابد منها.
(٧) بضم الميم، وفتح الواو المشددة.
٥٧٣

أن النبي ◌ُ﴾ ((نهى أن يصلي الرجل وهو معقوص))، وهما؛ لذكره فیه أم
سلمة، وغيره لا يذكرها (١)، وقد صح ما أردنا تصحيحه من استقراب مستبعد
٠٠
الطحاوي فاعلمه .
(٢٧٩٥) وذكر من طريق أبي داود في الجمعة، حديث: ((إِن الله حرم
على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)).
ثم رده بأن قال: هذه الزيادة رواها من حديث حسين الجعفي، عن
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس،
قال: ويقال: إن عبد الرحمن هذا هو ابن يزيد بن تميم، قاله البخاري(٢)
وأبو حاتم(٣) ، وهو منكر الحديث ضعيفه. انتهى كلامه(٤) .
وهو صحیح، إلا أنه قد يفهم منه خلاف مراده، فلنبین ما یوهمه ظاهره،
ثم نشرح بعد ذلك مراده، فالذي يوهمه ظاهره، هو أن هذا الرجل الذي رواه
عنه حسين بن علي الجعفي، الذي [هو عبد الرحمن بن يزيد بن](6) جابر،
(١) انظر العلل (٧/ ١٧، ١٨).
(٢)
التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٥).
(٣) الجرح (٥/ ٣٠٠).
(٤) الأحكام الوسطى (٢ / ٩٤).
(٥) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه نصف سطر، وأتممناه اعتمادًا على السياق.
(٢٧٩٥) صحيح: أخرجه أبو داود في الصلاة (١/ ٢٧٥)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه في إقامة
الصلاة (١/ ٣٥٤)، وفي الجنائز (١ / ٥٢٤)، وأحمد (٤/ ٨)، والحاكم (٤ / ٥٦٠)،
والدارمي، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٧)، وابن أبي شيبة (١٢ / ٥١٦)، وإسماعيل
القاضي ٣٥، والبيهقي (٣/ ٢٤٩).
كلهم من طريق حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث
الصنعاني، عن أوس بن أوس مرفوعًا. وله شاهدان: عن أبي أمامة وأبي الدرداء.
هذا، ولأخينا الفاضل الدكتور أسعد سالم رسالة قيمة في هذا الحديث خاصة، يسر الله طبعها.
٥٧٤

[٢٢٤ ب]
يقال: إنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم / وأنه على كل حال منكر الحديث
ضعيفه، سواء قيل فيه: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أو عبد الرحمن بن
یزید بن تميم، فيجيء هذا کأنه شهره بأنه ابن یزید بن تمیم، بعد أن وصفه بابن
جابر، كأنه يُنْسَب نسبتين: إحداهما أشهر من الأخرى، وقع في الإسناد
بأخْفاهما، فبيَّنْه بأشهرهما، كما نجد في الأسانيد، محمدًا الطبري(١)،
فنقول: هو محمد بن سعيد المصلوب، وقد تقدم له هو هذا بعينه و كما نجد
إبراهيم بن أبي عطاء، فنقول: هو إبراهيم بن أبي يحيى.
ولهذا المعنى وضع أبو محمد: عبد الغني كتابه المسمى بإيضاح
المشكل، وليس الأمر في هذا الرجل كذلك، وإنما هناك رجلان: أحدهما:
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهذا ثقة، والآخر: عبد الرحمن بن يزيد بن
تميم، وهذا منكر الحديث ضعيفه، فحسين الجعفي وأبو أسامة (٢) يرويان منهما
عن عبد الرحمن بن تميم الضعيف، إلا أنهما يغلطان في نسبه، فيقولان فيه:
ابن جابر بدلاً من ابن تميم، فهما بهذا يخْلَعان على الضعيف صفة الثقة، فإذا
وجد المحدثون رواية أبي أسامة، أو حسین الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد
ابن جابر، يقولان، هذا خطأ إنما أرادا ابن تميم، والبخاريُّ وأبو حاتم ممن يفعل
هذا .
فإذن أبو محمد إنما أخبرنا عن هذا العمل، أي إن هذا الذي قال فيه حسين
الجعفي: إنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، إنما هو ابن تميم، فغلط في ذلك.
قال أبو حاتم الرازي: سألت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين
(١) في ت: القري، وهو تحريف.
(٢) في ت: أبو أسامة، وهو تحريف.
٥٧٥

الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فقال: قدم الكوفة عبد الرحمن بن
یزید بن تمیم، ویزید بن یزید بن جابر، ثم قدم عبد الرحمن بن یزید بن جابر
بعد ذلك بدهر، فالذي يحدث عنه أبو أسامة، وهو ابن تميم، وليس ابنَ جابر.
قال أبو حاتم: [روى عنه أبو أسامة، وحسين الجعفي] وقالا: هو ابن يزيد
ابن جابر، وغَلطا في نسبه، ويزيد بن تميم أصح، وهو ضعيف الحديث](١).
(٢٧٩٦) وذكر / من طريق أبي داود، عن زياد بن جبير، عن سعد
[٢٢٢٥]
(١) ما بين المعكوفات الأربع، ممحو في ت منه قدر نصفي سطرين، وأتممناه من الجرح؛ لأن المؤلف نقل من هناك.
(٢٧٩٦) ضعيف: أخرجه أبو داود في الزكاة (٢/ ١٣١)، والحاكم (٤/ ١٣٤)، وابن سعد في
الطبقات (٨/ ١٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٨٥)، والبزار (٤/ ٧٤)، وعبد بن حميد.
المنتخب - ٧٩، والبيهقي (٤/ ١٩٣)، والبغوي (٦ / ٢٠٦).
کلهم من طرق، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن سعد بن أبي وقاص.
وقال الحاكم: حديث عبد السلام بن حرب صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه،
وأقره الذهبي.
وصرح الثوري عند الحاكم بأن سعدًا هذا، هو ابن أبي وقاص، ورجح الدارقطني، وابن
حجر في الإصابة (٢ / ٤٢) أنه غيره.
وقال أبو حاتم كما في العلل (٢/ ٣٠٤): هذا حديث مضطرب. وقال البزار: وهذا الحديث
لا نعلم رواه عن النبي ټګے إلا سعد بهذا الإسناد.
قلت: وليس بمضطرب كما زعم أبو حاتم؛ لأن وصله ممن وصله، وإرساله ممن أرسله، لا
يعد اضطرابًا؛ لأن الثوري، وسليمان بن حرب اللذين وصلاه عن يونس، أضبط وأحفظ من
الذي أرسله.
وعلته الحقيقية، إنما تكمن في قول أبي حاتم وأبي زرعة: رواية زياد بن جبير عن سعد بن أبي
وقاص مرسلة.
ولم يصرح في رواية أي واحد ممن ذكرنا بسماعه منه، وليس بمدلس حتى يحتاج لذلك، لكن
الشيخين قالا ما قالا، بناء على روايات أخرى تبين منها عدم السماع.
وعليه، فعلة الحديث هو انقطاع ما بين زياد وسعد إن قلنا إنه ابن أبي وقاص، وأما إن قلنا:
إنه غيره، فما رأيت أحدًا نص على أنه ما سمع منه.
٥٧٦

قال: لما بايع(١) رسول الله تَُّ النساء، قالت امرأة جليلة، كأنها من نساء
مُضَر: يا نبي الله، إنا كَلٌ على أبنائنا، وآبائنا، وأزواجنا، فما يحل لنا من
أموالهم؟ قال: ((الرَّطْب(٢) تأكلنه وتُهْدِينِه)).
ثم أتبعه أن قال: سعد هذا ليس ابن أبي وقاص، والحديث مرسل، قاله
ابن المديني. انتهى كلامه(٣) .
فأقول ـ وبالله التوفيق - : إن الذي حمل ابن المديني على هذا، هو أن
هشيما رواه عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، أن النبي ◌َّهُ بعث سعدًاً
على الصدقة. الحديث.
قال الدار قطني - لما ذكر الاختلاف على يونس بن عبيد -: يقال: إن سعدًا
هذا رجل من الأنصار، وليس سعد بن أبي وقاص، وهو أصح إن شاء الله.
انتهى كلامه(٤) .
فهذا هو الذي رأى أبو محمد لأجله أن الحديث مرسل، وأن سعدًا ليس
هو ابن أبي وقاص، والذي يجب أن يقال به فيه هو خلاف هذا، وهو أن
سعدًا، هو ابن أبي وقاص، وأن الحديث ليس بمرسل - أعني في رواية هشيم
عن يونس بن عبيد- وذلك أن عبد السلام بن حرب - وهو حافظ - والثوري-
وهو إمام-رویاه عن يونس بن عبيد، فقالا فیه: عن زیاد بن جبير، عن سعد.
أما رواية عبد السلام بن حرب، فهي هذه التي ساق أبو محمد من طريق
أبي داود، فإنه عنده من رواية عبد السلام.
(١) في ت: لما بلغ، وهو تحريف.
(٢) في ت: الطيب، وهو خطأ، وفسره أبو داود بقوله: ((الرطب: الخبز والبقل، والرطب)).
(٣) الأحكام الوسطى (٢/ ٢٠٢).
(٤) العلل (٤/ ٣٨٢).
٥٧٧

وأما رواية الثوري، فقال البزار في مسند حديث سعد بن أبي وقاص:
حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي(١) ، قال: حدثنا محمد بن محبَّب(٢) أبو همام،
قال: حدثنا سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن سعد
أن النساء قلن: يا رسول الله، إنا كَلٌّ على أبنائنا وآبائنا، وأزواجنا، فما يحل
لنا من أموالهم؟ قال: ((الرَّطْب تأكلْنه وتهدینه)).
قال: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن النبي تَّه إلا سعد بهذا الإسناد.
فإن قلتَ: فإن محمد بن محبَّب ضعيف(٣) ، فالجواب: فعبد السلام ثقة
[حافظ ولا يضره كون ابن محبب ضعيفًا](٤) ولتعلم أن مذهب البزار في سعد
المذكور أنه / ابن أبي وقاص، ولعل ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد، حديث
آخر، فاعلم ذلك والله الموفق.
[٢٢٥ ب]
وذكر أيضًا من عند ابن أبي حاتم كلامًا في محمد بن حبيب المصري(٥) أنه
روى عنه أبو إدريس الخولاني(٦) ، وفيه من الخطأ ما قد بيناه في باب النقص
من الأسانيد(٧) ولم يعرض له أبو محمد بتعقب فاعلمه.
(١) بضم القاف، وفتح المهملة.
(٢) بوزن محمد .
(٣) بن هو ثقة، وما ضعفه أحد، انظر التهذيب (٩/ ٣٧٩).
ما بين المعكوفين ممحو في ت منه نصف سطر، وأتممناه من السياق.
(٤)
(٥) في ت: المضري، وهو تصحيف، ويقال فيه أيضًا: النصري.
(٦) الأحكام الوسطى (٢ / ٣٤٩).
(٧) انظر الحديث: ٢٠.
٥٧٨

(١٩)
باب ذكر أحاديث، أغفل منها
زياداتٍ مفسِّرةً أو مكمِّلةً أو متمِّمَةً