النص المفهرس

صفحات 261-280

وقد بينا ذلك فيما تقدم.
ومسكين بن بكير، أبو عبد الرحمن الحذاء، لا بأس به، قاله ابن معين(١).
وهذا اللفظ هو منه مؤنَس، بيَّن ذلك بنفسه، وأخبر أنه إذ قال في رجل :
لا بأس به، فهو عنده ثقة (٣).
وكذا أيضًا قال فيه أبو حاتم(٤) .
والحسن بن أحمد بن أبي شعيب: أبو مسلم، صدوق لا بأس به(٥) .
وسائر من في الإسناد لا يسأل عنه.
وعن يحيى بن أبي كثير في هذا المعنى غيرُ هذا مما قد ذكره الدار قطني عنه
في علله إلا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد(٦)، ولا حاجة بنا أيضًا إلى شيء
منه، فلذلك لم نعرض له.
(٢٤٦١) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن إبراهيم بن يزيد النخعي،
عن عائشة قالت: «كانت يد رسول الله ◌َيُّه اليمنى لطهوره)) الحديث.
ثم قال: قال العباس الدوري: لم يسمع إبراهيم بن يزيد من عائشة،
(١) الجرح (٨/ ٣٢٩).
(٢) بفتح النون، أي مألوف ومعروف عنه.
(٣) انظر علوم الحديث ١٢٤، نقلاً عن ابن أبي خيثمة.
(٤) الجرح (٣٢٩/٨).
(٥) المصدر نفسه (٣/ ٢).
(٦) انظر: العلل.
(٢٤٦١) صحيح: أخرجه أبو داود في الطهارة (١/ ٩)، وأحمد (٦/ ٢٦٥).
كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود عن
عائشة .
وله شاهد عن حفصة عند أحمد (٦/ ٢٨٨)، وأبي داود (١/ ٨) بإسناد حسن.
٢٦١

ومراسله صحيحة إلا حديث تاجر البحرين(١).
هذا نص ما أتبعه، فيحتمل أن يكون ردًا من حيث الإرسال، ويحتمل أن
يكون قبولاً من حيث مراسل النخعي على ما حکی.
فإن کان ردًا، فإن هناك إسنادًا آخر ذكره أبو داود نفسه، قال: حدثنا
محمد بن حاتم بن بزيع (٢)، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي
معشر، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة عن النبي ◌َّه بمعناه.
فهذا بزيادة الأسود بينهما، وبذلك يتصل.
وعبدُ الوهاب بن عطاء الخفاف، قال ابن معين: ليس به بأس(٣).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: يكتب حديثه، محله الصدق.
قلت: هو أحب إليك أو أبو زيد النحوي(٤) في ابن أبي عروبة؟ فقال:
عبد الوهاب، وليس عندهم يقوى في الحديث(٥) .
هذا من أبي حاتم (٦) ليس تضعيفًا، وإنما يعني: ليس بقوي قوة غيره ممن
هو فوقه، وقد أخرج له مسلم رحمه الله.
(٢٤٦٢) وذكر حديث: ((الأذنان من الرأس))(٧).
[وقد ذكرنا ما اعتراه فيه في باب ذكر الأحاديث التي أعلها بما ليس بعلة،
(١) الأحكام الوسطى (١/ ١٣٢).
(٢) بفتح الموحدة، بعدها معجمة، آخره مهملة.
(٣) الجرح (٦/ ٧٢).
في ت: أبو زيد، وهو خطأ، والتصحيح من الجرح.
(٤)
الجرح (٦ / ٧٢).
(٥)
(٦) في ت: من ابن أبي حاتم.
(٧) الأحكام الوسطى (١ / ١٧١).
(٢٤٦٢) تقدم في الحديث ١٠٦٩ وانظر أيضاً ٢٧٦.
٢٦٢

وترك ذکر](١) عللها.
وبقي أن نذكر / / منه في هذا الباب قولَه في حديث ابن عباس كذلك: [١٤١ ب] [١٥٥ ب]
إنه ضعيف(٢).
وليس عندي بضعيف، بل إما صحيح وإما حسن.
وبيان ذلك هو أن الحديث، هو ما ذكر الدار قطني قال : حدثنا محمد بن
عبد الله بن زكرياء النيسابوري بمصر، حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق
البزار، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا غُندر: محمد بن جعفر، عن ابن
جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي ◌َّه قال: ((الأذنان من الرأس)).
حدثني به أبي، حدثنا محمد بن سليمان(٣) الباغندي، حدثنا أبو كامل
الجحدري بهذا مثله(٤) .
هذا الإسناد صحيح بثقة راويه واتصاله، وإنما أعله الدار قطني
بالاضطراب في إسناده فتبعه أبو محمد علی ذلك، وهو ليس بعیب فيه.
والذي قال فيه الدار قطني، هو أن أبا كامل تفرد به عن غندر، ووهم فيه عليه .
هذا ما قال، ولم يؤيده بشيء ولا عضَّده بحجة(٥) ، غير أنه ذكر أن ابن جريح
الذي دار الحديث عليه، يروَى عنه عن سليمان بن موسى عن النبي ◌َّه مرسلاً.
(١) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه قدر سطر، واستدركناه بالاعتماد على ما تقدم للمؤلف على هذا الحديث،
وعلى السياق ،
(٢) انظر الحديث: ١٠٦٩، ٢٧٦، وفي، ت، بذلك أنه ضعيف، والصواب ما أثبتناه.
(٣)
في الدار قطني : محمد بن محمد بن سليمان.
(٤) انظر: سنن الدار قطني (١/ ٩٩).
(٥) بل ذكر حجته، وهي أن وكيعًا وعبد الرزاق، وسفيان، وصلة بن سليمان، وعبد الوهاب، كلهم خالفوا فيه
غندرا؛ فرووه عن ابن جريح، عن سليمان مرسلاً، وهذا المرسل هو الذي صوبه الدار قطني لمذهب له معروف
في الترجيح بالأكثر.
٢٦٣

وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان: مسند ومرسل؟!
والله أعلم.
(٢٤٦٣) وذكر من طريق أبي داود، عن المستورد قال: رأيت رسول الله
ټ﴾ «إذا توضأ يدلك أصابع رجلیه بخنصره)).
خرجه الترمذي، وقال: ((يخلل)) وفي بعض الروايات ((دلك))، وفي
إسناد هذا الحديث عبد الله بن لهيعة (١) .
هذا نص ما ذكره به، وهو كما قال من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف،
ولكنه قد رواه غيره فصح.
ولنذكر أولاً إسناد حديث أبي داود، ثم نتبعه الطريق الذي صح منه.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن
عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد، قال: ((رأيت
رسول الله ټ﴾ إذا توضأ [یدلك أصابع رجلیه بخنصره)).
والطريق الذي صح منه، هو ما ذكره(٢) / / ابن أبي حاتم، أخبرنا أحمد
ابن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي يقول: سمعت
[١٤٢ أ] [١٥٦ أ]
(١) الأحكام الوسطى (١ / ١٧٤).
(٢) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه قدر سطر، وأتممناه من أبي داود والسياق.
..
(٢٤٦٣) صحيح: أخرجه أبو داود في الطهارة (١ / ٣٧)، والترمذي (١ / ٥٧)، وابن ماجه (١/
١٥٣).
كلهم من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد.
وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
قلت: ليس بغريب؛ لأنه لم يتفرد به ابن لهيعة، فقد تابعه عليه الليث بن سعد، وعمرو بن
الحارث، كما في مقدمة الجرح لابن حاتم.
وله شاهدان: عن ابن عباس، ولقيط بن صبرة مرفوعًا بلفظ: ((إِذا توضأت فخلل الأصابع))
وزاد ابن عباس: ((بین أصابع يديك ورجليك)) .
وكلاهما عند الترمذي وحسنهما.
٢٦٤

مالكًا يسأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال: ليس ذلك على
الناس، قال: فتركته حتى خف الناس(١) ، فقلت له: عندنا في ذلك سنة،
فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن
يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد
القرشي، قال: [((رأيت](٢) رسول الله تَّ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه)).
فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعتُه بعد
ذلك سئل فأمر بتخليل الأصابع (٣) .
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قد وثقه أهل زمانه، قال أبو محمد بن
[أبي] حاتم(٤): سألت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عنه، فقال: ثقة، ما
رأينا إلا خيرًا، قلت: سمع من عمه؟ قال: إي والله (٥).
وقال أبو حاتم: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو عبيد الله(٦)
ابن أخي ابن وهب ثقة(٧) .
وقد أخرج له مسلم - رحمه الله-، وإنما أنكر عليه بعضُ من تأخر أحاديثَ
رواها بآخرة عن عمه، وهذا لا يضره - إذ هو ثقة - أن ينفرد بأحاديث ما لم يكن
ذلك الغالب عليه.
(١) في ت: خرب وهو تحريف، والتصحيح من الجرح.
(٢) ما بين المعكوفین ساقط من ت، وثابت عند ابن أبي حاتم، ولابد منه.
(٣) انظر مقدمة الجرح والتعديل (١/ ٣١-٣٢).
(٤)
في ت: أبو محمد بن حاتم، وهو تحريف.
(٥) الجرح (٦٠/٢).
(٦) في ت: أبو عبد الله، وهو خطأ.
(٧) الجرح (٢/ ٦٠)، وفي ت: بعد انتهاء كلام عبد الملك المذكور زيادة: ((ما رأينا إلا خيرًا، قلت: سمع من
عمه، قال: إي والله). وهذا غلط من الناسخ؛ فقد زل بصره إلى فوق، فنقل ما سأل عنه ابن أبي حاتم ابن عبد
الحكم، وأدخله فيما سأل عنه أبو حاتم عبد الملك بن شعيب، وكلام عبد الملك انتهى عند قوله: ((ثقة)»، وهذه
الزیادة لا معنى لها في كلام أبي حاتم، فتنبه.
٢٦٥

وإنما الذي يجب أن يتفقد من أمر هذا الحديث، قولُ أبي محمد بن أبي
حاتم: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن، فإني أظنه يعني في الإجازة، فإنه لما
ذكره في بابه قال: «إن أبا زرعة أدركه، ولم يكتب عنه، وإن أباه قال:
أدركته، وكتبتُ عنه(١) .
وظاهر هذا أنه هو لم يسمع منه، فإنه لم يقل : كتبت عنه مع أبي، وسمعت
منه، کما هي عادته أن يقول فیمن يشترك فيه مع أبيه .
والحديثُ المذكور، وقع له في آخر المقدمة في ذكره مالك بن أنس فاعلمه .
(٢٤٦٤) وذكر حديث أبي ذر: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإِن لم
يجد الماء عشر سنين))(٢)
.
وقنع فيه بتحسين الترمذي له، فهو عنده غير صحيح [لأنه لا يعرف حال
لعمرو بن بُجْدَان](٣)، وقد بينا / / ما ينبغي من أمره في باب الأحاديث التي
أعلها، ولم يبين لماذا؟(٤).
[١٤٢ ب] [١٥٦ ب]
ونذكر الآن أن لهذا المعنى إسنادًا صحيحًا من رواية أبي هريرة. قال
البزار: حدثنا مقدَّم(٥) بن محمد بن يحيى بن عطاء(٦) بن مقدم المقدمي، قال:
حدثني عمي: القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، قال: حدثنا هشام بن
حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَلٍّ :
(١) الجرح (٢/ ٦٠).
(٢) الأحكام الوسطى (١/ ٢٢٠).
(٣) ما بين المعكوفين ممحو في ت منه قدر سطر وأتممناه من السياق ومما سبق على هذا الحديث.
(٤)
انظر الحديث: ١٠٧٣ .
(٥)
بوزن محمد .
(٦) في ت: حدثنا محمد بن مقدم، محمد بن علي بن مقدم المقدمي، وفي كشف الأستار حدثنا مقدم بن محمد
ابن علي بن مقدم المقدمي، وذلك من تحريف النساخ، ومن العجب أن محقق كشف الأستار لم ينبه على
ذلك.
(٢٤٦٤) تقدم في الحديث ١٠٧٣ .
٢٦٦

((الصعيد وضوء المسلم وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليتق الله
ولیمسه بشرته؛ فإن ذلك خیر)) .
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروَى عن أبي هريرة إلا من هذا
الوجه، ولم نسمعه إلا من مقدَّم، عن عمه، وكان مقدم ثقة، معروف
النسب. انتهى كلام البزار(١).
فأقول بعده: إن القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، أبا محمد الهلالي
الواسطي، يروي عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، روى
عنه ابن أخيه مقدّم بن محمد الواسطي، وأحمد بن حنبل، وأخرج له البخاري
في التفسير، والتوحيد، وغيرهما من جامعه معتمدًا ما يَروي، فاعلم ذلك.
(٢٤٦٥) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله عمله:
((إِذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) .
قال: هذا حديث حسن صحيح.
ثم قال: كذا قال أبو عيسى في هذا الحديث: [حسن](٢)، ورواه من
حديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه
عن عائشة .
وقال في العلل(٣): قال البخاري: هذا الحديث خطأ؛ إنما يرويه
(١) انظر: كشف الأستار (١/ ١٥٧).
(٢) الزيادة ساقطة من ت وثابتة في الأحكام الوسطى.
(٣) انظر ص: ٥٧.
(٢٤٦٥) صحيح: أخرجه الترمذي في الطهارة (١/ ١٨١)، وفي العلل ص: ٥٧، وابن ماجه كذلك
(١/ ١٩٩)، والنسائي في الكبرى، (١/ ١٠٨)، وأحمد (٦/ ١٦١).
كلهم من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به.
٢٦٧

الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم [مرسلاً. روى الأوزاعي عن عبد
الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة من قولها](١) وقال: قال أبو الزناد:
سألت(٢) القاسم بن محمد: سمعتَ في هذا الباب شيئًا؟ قال: لا ... [وذكره
الترمذي من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن
عائشة، وقال: حديث] حسن صحيح [ولم يقل في علي شيئًا، وأكثر الناس
يضعفه، انتهى كلامه(٣).
[١٤٣ أ] [١٥٧ أ]
وكَوْنه](٤) / / يروى مرسلاً ليس بعلة فيه، ولا أيضًا قول القاسم: إنه لم
يسمع في هذا شيئًا؛ فإنه قد يعني به شيئًا يناقض هذا الذي رويت. لابد من
حمله على ذلك لصحة الحديث المذكور عنه، من رواية ابنه عبد الرحمن
وهو الثقة المأمون، والأوزاعي إمام، والوليد بن مسلم وإن كان مدلسًا
ومسويًا، فإنه قد قال فيه: حدثنا .
ذكر ذلك الدار قطني، وذكر له أيضًا طريقًا آخر عن الأوزاعي، هو منه
أيضًا صحيح.
قال الدار قطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، أخبرني العباس بن الوليد بن
مزيد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن
القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت
عن الرجل يجامع المرأة فلا ينزل الماء؟ قالت: ((فعلته أنا ورسول الله عَ ليه
فاغتسلنا جمیعًا».
قال الدار قطني : رفعه الوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، ورواه بشر بن
(١) ما بين المعكوفين، فيه تقديم وتأخير، وتكرار في، ت، لذلك اعتمدنا فيه سياق العمل الكبير للترمذي، لأن
المؤلف نقله منها .
(٢) في ت: سمعت وهو خطأ، والتصحيح من الأحكام الوسطى.
(٣) الأحكام الوسطى (١/ ١٩٠).
(٤) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه نحو سطرين، وأتممناه من الترمذي ومن السياق.
٢٦٨

بكر، وأبو المغيرة، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن كثير المصيصي، ومحمد
ابن مصعب وغيرهم موقوفًا. انتهى كلامه (١) .
الوليد بن مزيد ثقة، أحد أكابر أصحاب الأوزاعي، وكان الأوزاعي
يقول: ((علیکم به؛ فإن کتبه صحیحة))، أو كلامًا هذا معناه.
وقال أيضًا: ما عُرض عليّ كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد(٢).
وقال فيه دحيم: ((صالح الحديث))(٣) .
وابنُه العباس بن الوليد ثقة صدوق، وقد ذكر جميعهُم سماع بعضهم من
بعض، فصح الحديث.
فإن كان حديث الترمذي معترَضًا من طريق الوليد بن مسلم، فقد صح
[من طريق](٤) الوليد بن مزيد، وقد صح حديث عائشة بهذا المعنى من رواية
جابر عنها(٥) ، ذكره مسلم، فاعلم ذلك.
(٢٤٦٦) وذكر [حديث ابن عمر، عن النبي ◌َّهُ أنه] قال: ((الغسل
صاع، والوضوء [مد)).
وقال: هذا غير محفوظ. انتهى كلامه(٦).
وهذا الحديث مناكر(٧) ؛ لنكارة حدیث / / راویه حكيم بن نافع .
[١٤٣ ب] [١٥٧ ب]
(١) انظر: السنن (١ / ١١٢).
(٢) انظر: الجرح (٩/ ١١٢).
(٣) المصدر نفسه.
(٤) الزيادة ساقطة من ت، ولابد منها.
(٥) بل رواية جابر عن أم كلثوم عنها، وعنعنه أبو الزبير وهو مدلس. انظر مسلم (١/ ٢٧٢).
(٦) الأحكام الوسطى (١ / ١٩٥).
(٧) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه نحو سطرين، وأتممناه من الترمذي ومن السياق.
(٢٤٦٦) صحيح: أخرجه ابن عدي (٢ / ٦٣٩) في ترجمة حكيم بن نافع الرقي، عن موسى بن
عقبة، عن نافع، عن ابن عمر.
وقال: غير محفوظ بهذا الإسناد.
قلت: له شواهد: عن علي، وأنس، وجابر، وابن عباس، وبها يصح.
٢٦٩

وأعرف لهذا المعنى إسنادًا جيدًا من رواية جابر بن عبد الله.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا عبد الله بن سلیمان، قال: حدثنا هارون
ابن إسحاق، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، وآخر ذكره عن سالم بن
أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله عَّهُ: ((يجزئ من
الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع))، فقال رجل: ما يكفيني، قال: قد كفى من
هو خير منك(١) ، وأكثر شعراً.
هذا إسناد صحيح على مذهب أبي محمد في قبول روايات أبي بكر: عبد الله
ابن أبي داود: سليمان بن الأشعث حسبما قد مر له ذكره(٢) .
والحديث في كتاب مسلم من فعله عليه السلام لا من قوله، من رواية
جابر وأنس، فاعلم ذلك.
(٢٤٦٧) وذكر من طريق أبي داود حديث عائشة: ((إِنما النساء شقائق
الرجال)).
ورده بأنه من رواية عبد الله بن عمر العمري، ثم قال بإثره: هذا اللفظ :
((إِنما النساء شقائق الرجال)) قد روي - فيما أعلم - من حديث أنس بن مالك
بإسناد صحيح(٣) .
ولم يعزه، فله بحسب هذا مدخلٌ في باب الأحاديث التي لم يعزها،
ولكن لما لم يذكره بنصه استحقه هذا الباب، فإن الذي ساق عن عائشة
ضعيف، وترك سوق هذا الصحیح، وإن كان قد أشار إليه.
(١) في ت: خيراً، وهو تحريف.
(٢) انظر الحديث: ٢٢٧٦ -٢٢٧٧ -٢٢٧٨.
(٣) الأحكام الوسطى (١/ ١٩٢).
(٢٤٦٧) تقدم في الحديث ٢٨٨ و ١٦٨٦ .
٢٧٠

وهو حدیث، ذكره البزار، قال: حدثنا عمر بن الخطاب، قال: حدثنا
محمد بن كثير، قال: حدثنا الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة، عن أنس بن مالك قال: جاءت أم سليم إلى رسول الله عليه فقالت: يا
رسول الله، المرأةُ ترى ما يرى الرجل في المنام؟ فقالت أم سلمة: فضحت
النساء يا أم سليم، فقال: ((إِذا رأت ذلك فلتغتسل)) فقالت أم سلمة: وهل
للنساء من ماء؟ قال: ((نعم، إِنما هن شقائق الرجال)).
قال: وهذا الحديث [لا يرويه عن أنس إلا إسحاق بن] عبد الله بن أبي طلحة.
(٢٤٦٨) وذكر من طريق الترمذي حديث ابن](١) / / عباس في الرجل
يقع على امرأته، وهي حائض، قال: ((يتصدق بنصف دینار)) .
[ ١٤٤ أ] [١٥٦ أ]
وعنه عن النبي ◌َّه قال: ((إِذا كان دمًا أحمر فدينار، وإِذا كان دمًا أصفر
فنصف دینار» .
ثم حَكى عن البخاري في تضعيفه أنه روي موقوفًا، قال: ولم يذكر
ضعف الإسناد، قال: ولا يروَى بإسناد يحتج به، فقد روي فيه: ((يتصدق
بخمسي دينار)) انتهى ما ذكر(٢) .
(١) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه قدر سطرين، واستدركناه بعضه من الوسطى، وبعضه من السياق.
(٢) الأحكام الوسطى (١/ ٢١٠).
(٢٤٦٨) صحيح: أخرجه أبو داود في الطهارة (١/ ٦٩)، وكذلك النسائي في الصغرى (١/ ١٥٣.
١٨٨)، وفي الكبرى (٥/ ٣٤٦)، وابن ماجه (١/ ٢١٠)، وابن الجارود ٤٦، والحاكم (١/
١٧١ -١٧٢)، والبيهقي (٣١٤/١_٣١٥).
كلهم من طرق، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وقد احتجا جميعًا بمقسم بن نجدة، فأما عبد الحميد بن
عبد الرحمن ... فثقة مأمون اهـ.
وقال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: ((دينار أو نصف دينار))، وربما لم يرفعه شعبة.
٢٧١

قلت: حديث شعبة هذا صحيح، وأعل بعلتين، وليستا مما يوقف عندهما ولا مما يؤثر في
=
الحدیث: إحداهما: الاختلاف على شعبة في رفعه ووقفه، وذلك لا يضره لأنه لو فرض
وقفه فهو في حكم المرفوع، وثانيتهما: الإرسال، فقد أرسله مقسم ولم يذكر ابن عباس
أخرجه أبو داود، وعبد الرزاق (١/ ٣٢٨).
وهذا لا يقدح في رواية الثقات الأثبات المسندة، لأن راويه عن مقسم مرسلاً. هو خصيف بن
عبد الرحمن الجزري، وهو صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخرة كما قال الحافظ، لكنه تابعه
على إرساله علي بن بذيمة.
ومما يدل على سوء حفظه أنه تارة يرويه مرسلاً كما سبق، وتارة مرفوعًا كما أخرجه عنه أبو
داود وأحمد (١/ ٢٧٢)، والدار قطني (٣/ ٢٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٩)،
والترمذي (١/ ٢٤٥)، والدارمي (١ / ٢٥٤).
كلهم من طريق شريك، عن خصيف عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا، وشريك أيضًا في
حفظه مقال. وقد تابع خصيفًا على رفعه علي بن بذيمة، وهو ثقة، فدل ذلك على أن
المحفوظ من رواية خصيف هو الرفع لا الإرسال.
وقال مرة: عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٦٩).
وهذه الرواية غلط فيها خصيف، وهي شاذة أو منكرة، ثم أن خصیفًا اضطرب في متنه فقال:
(«فليتصدق بنصف دينار)» وهذا لفظ شاذ لانفراده به وقد رواه هو وعلي بن بذيمة، وعبد الكريم
الجزري، بلفظ شعبة: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار)) أخرجه عنهم الدار قطني - وإسناده ضعيف،
فيه عبد الله بن محرر الجزري، القاضي، متروك، ومتنه كما ترى صحيح من غير هذا الطريق.
هذا وللحديث ألفاظ أخرى متعددة نذكرها كما يلي:
١ - منها أن رجلاً أصاب امرأته وهي حائض فأمره رسول الله مثله أن يعتق نسمة.
أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٣٤٩).
وإسناده فيه الوليد بن مسلم، وقد عنعنه، وهو مدلس یسوي، وشيخه في أحد الإسنادین هو
عبد الرحمن بن يزيد السلمي وهو ضعيف.
٢ - ومنها: ((يتصدق بخمس دينار)) ذكره أبو داود في السنن، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن
مرفوعًا ونقله عنه البيهقي.
قال أبو داود: وهذا معضل، وذكر البيهقي أنه في رواية: عن عبد الحميد عن عمر .
قال: وهو منقطع بين عبد الحميد وعمر. اهـ.
قلت: أخرجه الدارمي (٢/ ٢٥٥) عن محمد بن يوسف، حدثنا الأوزاعي، عن يزيد بن أبي =
٢٧٢

مالك عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، عن عمر.
=
٣ - ومنها: ((من أتى امرأته في الدم فعليه دينار، وفي الصفرة نصف دينار)) أخرجه الدار قطني
(٢٨٧/٣). من طريق سفيان الثوري عن عبد الكريم، وعلي بن بذيمة، وخصيف، عن مقسم
عن ابن عباس مرفوعًا .
وإسناده ضعيف، عبد الله بن يزيد بن الصلت - راويه عن سفيان-، هو الشيباني، قال أبو
زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وشيخ الدارقطني: أحمد بن محمد
ابن عثمان القطان ینظر من هو .
وأخرجه الدارمي والدار قطني والطبراني والبغوي (٢/ ١٢٧) من طريق أبي جعفر الرازي،
عن عبد الكريم، عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا بنحوه.
وأبو جعفر الرازي - واسمه عيسى بن أبي عيسى - متكلم في حفظه.
وعبد الكريم إن كان هو الجزري، فهو ثقة، وإن كان ابن أبي المخارق، فهو ضعيف.
وقد خالف أبا جعفر فيه ابن جريج؛ فرواه عن أبي أمية: عبد الكريم البصري، عن مقسم،
عن ابن عباس مرفوعًا ((إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فليتصدق بدينار، وإِذا وطئها وقد رأت الطهر
ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار)) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٠٢)، وعبد الرزاق
(٣٢٩/١)، والبيهقي (١ / ٣١٦). من طريق ابن جريج عن عبد الكريم به.
وقد تابع ابن جريج عليه محمد بن راشد عند الطبراني وعبد الرزاق وكنى نافع بن يزيد راويه
عن ابن جريح الذي عند البيهقي عبد الكريم أبا المخارق ولم يكنه عبد الرزاق وكذلك كناه
أبو جعفر الرازي عند الطبراني والبغوي ونافع بن يزيد الذي كناه عند البيهقي صح السند
إليه. فتعين أن يكون عبد الكريم الضعيف، ولا يؤثر في ذلك ما يوجد عند الدار قطني من أنه
عبد الكريم بن مالك الجزري، الثقة؛ لأن الذي سماه ضعيف، وهذا يرد قول الشيخ شاكر في
تعليقه على هذا الحديث في الترمذي: ((عبد الكريم في هذه الأسانيد - عندنا - هو الثقة، عبد
الكريم بن مالك الجزري، وأخاف أن يكون التصريح بأنه أبو أمية خطأ من أبي الأسود: النضر
ابن عبد الجبار ... فإن أبا الأسود، ثقة وليس بالحافظ)) اهـ.
قلت: وقد كناه أيضًا سعيد بن أبي عروبة، وغيره، فاجتماعهم يرد أنه الجزري، ولاسيما أن
الذي صرح عند الدارقطني بأنه الجزري ضعيف، والإسناد إلى أبي الأسود صحيح، فتعين
المصیر إليه.
تنبيه: نسب الشيخ أبو إسحاق الحويني في تعليقه على المنتقى حديث شعبة إلى جملة من
المصادر، قال: ((من طرق عن مقسم عن ابن عباس به)) وقال: إسناده صحيح. اهـ.
٢٧٣
=

فاعلم الآن أن هذا الحديث كان يستحق أن يكتب من أجل كلامه هذا في
الباب الذي ذكرت فيه أحاديث علَّلها ولم يبين عللها، ولما كان(١) له عندي
طريق حسن بل صحيح، ذكرته في هذا الباب، فينبغي أن يجمع القول عليه
بتبيين ما اعتل به عليه المحدثون، ثم نورد الطريق الصحيح فنقول:
هذا الحدیث الذي ذكره من عند الترمذي، هو من رواية خصیف، عن
مقسم، عن ابن عباس.
والثاني من رواية عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس.
أما روايةُ خصيف فضعيفة بضعف خصيف؛ فإنه كان يخلط في
محفوظه .
قال یحیی القطان: كنا تلك الأيام نتجنب حديثه، وما كتبت عنه بالكوفة
شيئًا، إنما كتبت عنه بآخره، وكان يضعفه (٢) .
(١) في، ت، وإنما كان، وهو خطأ.
(٢) الجرح (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
وهذا تخليط؛ لأنه لم يميز اللفظ الصحيح من غيره، وقد عزاه للترمذي، وهو ليس عنده
=
بلفظ شعبة الصحيح، وإنما هو عنده من رواية خصيف، وهو ضعيف، عن مقسم عنه بلفظ
((يتصدق بنصف دينار)) وكذلك عزاه للبغوي في شرح السنة، وهو عنده بلفظ مخالف، وإسناده
ضعيف، فيه ابن أبي المخارق، فالواجب التفريق بين الألفاظ، وتصحيح ما صح منها،
وتضعيف ما ضعف منها، حتى لا يظن بأنها كلها صحيحة كما يوهم هذا الصنيع، فتنبه .
هذا، وقد تابع شعبة على رفعه مطر الوراق، وسفيان بن حسين، ورقبة بن مصقلة، وليث بن
أبي سليم، وعمرو بن قيس الملائي.
وتابع الحكم بن عتيبة على رفعه أيضًا قتادة، وروايته عند النسائي، والبيهقي، وأحمد (١/
٢٣٧ -٣١٢).
وأما عبد الحميد، فقد تابعه عليه جماعة كثيرون بألفاظ متعددة، ولا يصح منها إلا لفظ شعبة.
٢٧٤

وكان ابن حنبل أيضًا يضعفه (١) :
وقال أبو حاتم: إنه كان رجلاً صالحًا، ولكنه يخلط، وتكلم في سوء
حفظه(٢) .
ووثقه أبو زرعة (٣) .
ويزداد إلى ضعف خُصَيف، اضطرابُ متن هذا الحديث الذي هو من
روایته.
وبيانُ اضطرابه، هو أن ابن جريح وأبا خيثمة وغيرهما(٤) ، روياه عن
خصیف، قالا فیه: ((بنصف دینار)) كما تقدم.
ورواه شريك وغيره عنه فقال فيه: ((بدينار)) وكذا قال عنه الثوري، إلا أنه
أرسله فلم يذكر [ابن عباس، ولشريك فيه رواية أخرى، فقد رواه عن]
خصيف عن عكرمة عن [ابن عباس، عن النبي ◌َّهُ، فذكر فيه أنه يتصدق
بنصف](٥) دينار أيضًا .
[١٤٤ ب] [١٥٨ ب]
هكذا //. جعله في هذه الرواية عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي تَّه
قال فيه: بنصف دينار أيضًا، هكذا جعله في هذه الرواية عن عكرمة لا عن
مقسم].
والحديث إنما هو عن مقسم، وحمل فيه النسائي على شريك، وخطأ قوله
عن عكرمة(٦) .
(١) الجرح (٣/ ٤٠٣)، وقال ابن معين: خصيف صالح.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤)
کشریك.
(٥) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه نحو سطرين، واستدركته معتمداً على السياق.
(٦) لم أجده في السنن الصغرى ولا الكبرى فلينظر.
٢٧٥

فالاضطراب في هذا الحديث عندي، يمكن أن يكون من خصيف لا من
أصحابه، لما عهد من سوء حفظه. انتهى القول في حديث خصيف.
فأما حديث عبد الكريم وهو الثاني الذي فيه: «إِذا كان أحمر فدینار، وإذا
کان أصفر فنصف دینار)» .
فإنه يرويه عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، منهم من يرفعه فیذکر
النبي ګ ، كذلك فعل الثوري عنه.
ومنهم من يقفه فلا یذکر النبي ﴾ ، كذلك يقول(١) ابن جريج عنه، ليس
لهم ما یعتلون به على رواية عبد الكريم غير هذا.
وعندي أنه غير قادح، ولكنهم يزعمون أن متن الحديث بالجملة لا بالنسبة
إلى رواية(٢) راو بعينه مضطرب.
وذلك عندي خطأ من الاعتلال، والصواب هو أن تنظر روایة کل راو
بحسبها، ويعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قُبل، ولو كانت له
طرق أخر ضعيفة.
وهم إذا قالوا: هذا روي فيه ((بدینار))، وروي ((بنصف دینار))، وروي
باعتبار صفات الدم، وروي دون اعتبارها، وروي باعتبار أول الحيض
وآخره، وروي دون ذلك، وروي بخمسي دینار، وروي بعتق نسمة، قامت
من هذا في الذهن صورة سواء، وهو عند التبين والتحقيق لا يضره، ونحن
نذکر الآن کیف هو صحیح بعد أن نقدم أن نقول :
يحتمل قوله: ((دينار أو نصف دينار)» ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون تخييراً ويبطل هذا بأن يقال: التخيير لا يكون إلا بعد
(١) في ت: يقال، وهو خطأ.
(٢) في ت: إلى رواية راوية راو، ولا معنى الكلمة الثانية.
٢٧٦

طلب، وهذا واقع بعد الخبر] إذ حكم التخليير الاستغناء بأحد الشيئين عن الآخر
لأنه إذا](١) / / خير بين الشيء وبعضه، كان بعضُ أحدهما متروكاً بغير بدل.
[١٤٥ أ] [١٥٧ أ]
والأمر الثاني: أن یکون شكًا من الراوي.
والثالث: أن يكون باعتبار حالين، وهذا هو الذي يتعين منها، ونبينه الآن
فنقول :
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني
الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن
النبي ◌َّ﴾ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: ((يتصدق بدينار أو بنصف
دینار)) .
قال أبو داود: كذا الرواية الصحيحة: ((بدينار أو بنصف دينار))، وربما لم
يرفعه شعبة، [وهذا ليس فيه](٢) توهين له لاحتمال أن يكون عنده فيه المرفوع
والوقوف، ویکون ابن عباس رضي الله عنه قد رواه، ورآه فحمله، وأفتی به.
وهذا مذهب الترمذي في رواية خصيف، فإنه لم يعبها بأكثر من أنها
رویت موقوفة، و طریق خصیف ضعیف کما بيناه.
فأما طريق أبي داود هذا فصحيح، فإن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن
زيد بن الخطاب، اعتمده أهل الصحيح، منهم البخاري، ومسلم، ووثقه
النسائي(٣)، والكوفي(٤) .
ويحق له، فقد كان محمود السيرة في إمارته على الكوفة لعمر بن
(١) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه سطرين، واستدركناه بالمعنى من السياق.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في ت وزدته اجتهادًا لأن الكلام لا يستقيم بدونه، ولا بد أن ما يؤدي معناه قد سقط .
(٣) انظر: التهذيب (٦/ ١٠٨)، وكذلك ابن خراش، وابن أبي داود، وابن حبان.
(٤) معرفة الثقات (٢/ ٧٠).
٢٧٧

عبد العزيز رضي الله عنه، ضابطًا لما يرويه .
ومن دونه في الإسناد لا يسأل عنهم.
وسيتكرر على سمعك من بعض المحدثين أن هذا الحديث في كفارة من
أتى حائضًا لا يصح، فلتعلم أنه لا عيب له عندهم إلا الاضطراب - زعموا - .
فممن صرح بذلك أبو علي بن السكن، قال: هذا حديث مختلف في
إسناده ولفظه، ولا يصح مرفوعًا، لم يصححه البخاري، وهو صحيح من
کلام ابن عباس. انتھی کلامه.
فنقول له: الرجال الذين رووه مرفوعًا ثقات، وشعبة إمام أهل الحديث
[ ..... ] ظان كما تقدم، [ ..... ] (٢) الناس بشعبة مع / / ثقته.
[١٤٥ ب] [١٥٩ ب]
ورواه سعيد بن عامر، عن شعبة، فقال فيه: عن الحكم، عن عبد الحميد،
عن مقسم، عن ابن عباس من قوله ووقفه عليه.
ثم قال لشعبة: أما حفظي فمرفوع، وقال فلان وفلان: إنه كان لا يرفعه فقال
له بعض القوم: يا أبا بسطام حدثنا بحفظك ودعنا من فلان وفلان فقال: والله ما
أحب أنني حدثت بهذا أو أسكت أو أني عمرت(٣) في الدنيا عمر نوح في قومه (٤).
فهذا غاية التثبت منه، وهبك أن أوثق أهل الأرض خالفه فيه فوقفه على
ابن عباس، كان ماذا؟ أليس إذا روى الصحابي حديثًا عن النبي ◌ُّه يجوز له،
بل يجب عليه أن يقلد مقتضاه، فيفتي به؟! هذا قوة للخبر لا توهين له.
فإن قلت: فكيف بما ذكر ابن السكن قال: حدثنا يحيى وعبد الله بن
(١) ما بين المعكوفات الأربع ممحو في ت منه قدر سطرين.
(٢) في النسائي: ((وسكت عن هذا، وإني عمرت))، وفي الدارمي: ((وأسكت عن هذا)).
(٣) النسائي في الكبرى.
٢٧٨

سليمان، وإبراهيم، قالوا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة
بالإسناد المتقدم مثله موقوفًا، فقال له رجل: إنك كنت ترفعه، فقال: إني
كنت مجنونًا فصححت؟(١)
قلنا: نظن أنه رضي الله عنه لما أكثر عليه في رفعه إياه، توقى رفعه لا لأنه
موقوف، لكن إبعادًا للظنة عن نفسه .
وأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شك في رفعه في ثاني حال فوقفه، فإن
كان هذا فلا نبالي ذلك أيضًا، بل لو نسي الحديث بعد أن حدث به لم يضره،
فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه، فاعلم أن غيره من أهل الثقة
والأمانة أيضًا قد رواه عن الحكم مرفوعًا - كما رواه شعبة فيما تقدم - وهو
عمرو بن قيس الملائي، وهو ثقة، قال فيه عن الحكم، ما قاله شعبة من رفعه
إياه إلا أن لفظه ((فأمره أن يتصدق بنصف دينار)) ولم يذكره ((دينارًا)»، وذلك لا
يضره فإنه إنما حكى قضية معينة قال: [ ..... ] عليه وسلم أن يتصدق
[ ..... ] (٢) / / «فيها بنصف دینار)) .
[ ١٤٦ أ] [ ١٦٠ أ]
وهو مؤكد لما قلناه: من أن دینارًا، أو نصف دينار، إنما هو باعتبار حالین،
لا تخييرَ ولاشكَّ.
ورواه أيضًا مرفوعًا هكذا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن المذكور،
قتادة، وهو من هو .
قال النسائي: أخبرنا خشيش(٣) بن أصرم، قال: حدثنا روح، وعبد الله
ابن بكر، قالا: حدثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الحميد، عن
(١) انظر ابن الجارود في المنتقى ٤٦ .
(x) ما بين المعكوفات الأربع بمحو في ت منه قدر سطرين.
(٣) بضم المعجمة مصغرًا.
٢٧٩

مقسم، عن ابن عباس أن رجلاً غشي امرأته وهي حائض، فأمره النبي ◌َّه أن
يتصدق بدینار أو بنصف دینار(١) .
إلا أن الأظهر في هذا أنه شك من الراوي في هذه القضية بعينها .
فهذا شأن حديث مقسم، ولن نعدم عنه فيه وقفًا وإرسالاً، وألفاظًا أخر
لا یصح منها شيء غیر ما ذكرناه.
وأما ما روي فيه من خمسي دينار، أو عتق نسمة فما منها شيء يعول
عليه، فلا يعتمد في نفسه، ولا يطعن به على حديث مقسم، فاعلم ذلك.
(٢٤٦٩) وذكر من طريق النسائي حديث أم قيس في غسل دم الحيضة:
«حُگِیه بضلع(٢) واغسليه بماء وسدر)).
ثم قال: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر(٣) .
هذا ما ذکر، وهو قد یفهم منه أن حدیث أم قیس المذكور، یروی علی
وجهين: أحدهما فيه ذكر الضلع والسدر، والآخر لا يذكر ذلك فيه وهي
الطرق الصحيحة له.
والوجه الآخر، أن الأحاديث الصحاح من غير رواية أم قيس [ليس] (٤)
فيها ذلك، فلو كان الأول، كان مسًا للحديث بالاضطراب، وترجيحِ أحد
روایتیه علی الأخری.
(١) الأحكام الكبرى في عشرة النساء (٥/ ٣٤٧).
(٢) بكسر المعجمة وفتح اللام وقد تسكن، وهو العود.
(٣) الأحكام الوسطى (١/ ٢١٣)، وفي ت: والسند، وهو تحريف.
(٤) زيادة ساقطة من ت ولابد منها .
(٢٤٦٩) صحيح: أخرجه النسائي في الطهارة (١ / ١٥٥)، وفي الحيض ( / ١٩٦)، وأبو داود (١/
١٠٠)، وابن ماجه (١ / ٢٠٦)، وأحمد (٦/ ٣٥٥).
كلهم من طريق سفيان، عن أبي المقدام، عن عدي بن دينار، عن أم قيس.
٢٨٠