النص المفهرس

صفحات 461-480

المَدرك الثالث لانقطاع الأحاديث في هذا الباب: وهو العلم بتاريخ الراوي
والمروي عنه :
(٤٦١) ذكر من طريق أبي داود، عن عكرمة، أن أم حبيبة استُحيضت،
((فأمرها النبي ◌َّة أن تنتظر أيام أقرائها)) الحديث(١).
هكذا أورده وسكت عنه، وهو حديث مرسل، أخبر فيه عكرمة بما لم
يدرك ولم يسمع، ولم يقل: إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضاً يصح له ذلك.
وحين أورد أبو داود هذا الحديث، أورده من رواية أبي بشر: جعفر بن أبي
وَحْشِيّة عنه (٢) أن أم حبيبة استحيضت ((فأمرها رسول الله عَُّ)) الحديث.
وكان قد أشار إليه قبل ذلك في جملة إشارات(٣) قال فيها: وروى أبو بشر،
عن عكرمة، عن النبي ◌َّ، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها. الحديث.
وهذا أبين في الانقطاع.
(٤٦٢) وذكر حديث أبي حميد الساعدي، في وصفه صلاة رسول الله = بلغ
(١) الأحكام الوسطى (١ /١٨٧).
(٢) أي عن عكرمة.
(٣) انظر أبا داود (١/ ٧٣).
(٤٦١) صحيح: أخرجه أبو داود كما ذكر المؤلف (١/ ٨٢).
وأخرجه البخاري (٥٠٨/١)، ومسلم (٢٦٣/١)، وأبو داود (٧٤/١)، والنسائي
(١١٨/١)، وابن ماجه (٢٠٥/١)، والدارمي (١٩٩/١)، وأحمد (٨٣/٦ _٢٣٧)، كلهم من
طرق عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أم حبيبة، فذكره.
(٤٦٢) صحيح: أخرجه الترمذي (١٠٥/٢)، وأبو داود (٢٥٢/١)، وابن ماجه (٢٨٠/١)،
والنسائي (١٨٧/١)، والدارمي (٣١٣/١)، والطحاوي في المعاني (٢٥٨/١).
كلهم من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، قال: سمعت أبا حميد، فذكره.
وأخرجه البخاري (٢/ ٣٥٥)، وأبو داود (٢٥٣/١)، والطحاوي في المعاني (١/ ٢٥٨)، من
طرق عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد ولم =
٤٦١

في عشرة من أصحاب النبي تَّه، فيهم أبو قتادة، وفيه المخالفة بين الجلوسين
في الصلاة، ففي الأولى(١): ((جلس على رجله اليسرى، وفي الأخرى [في
الآخر] (٢) جلس على الأرض)) من رواية محمد بن عمرو بن عطاء، قال:
سمعت أبا حميد فذكره(٣) .
[١٠٧ب]ت
وهو عنده / صحيح متصل، وهو من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن
محمد بن عمرو، وجملة أمره(٤) أنه من أهل الصدق.
ووثقه یحیی بن سعید (٥) وابن حنبل(٦) وابن معین(٧) وأخرج له مسلم،
وضعفه یحیی بن سعيد في رواية عنه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل
القدر(٨) وزعموا أنه ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن.
فلأجل هذا من حاله، يجب التثبت فيما روى من قوله في هذا الحديث:
فيهم أبو قتادة، فإن أبا قتادة، توفي زمنَ علي رضي الله عنه(٩)، وهو صلى
عليه، وهو ممن قُتل معه، وسن محمد بن عمرو مقصرة عن إدراك ذلك.
وقد قيل في وفاة أبي قتادة غيرُ هذا، من أنه توفي سنة أربع وخمسين،
وليس ذلك بصحيح، بل الصحيح ما ذكرناه(١٠)، وقُتل علي رضي الله عنه
(١) في، ت، ففي الأول وفي الآخر.
(٢) الزيادة ساقطة من، ت.
(٣) الأحكام الوسطى (١٣٥/٢).
(٤) أي عبد الحميد بن جعفر.
(٥) يعني القطان كما في التهذيب (١٠١/٦).
(٦) العلل ومعرفة الرجال (١٥٣/٣).
(٧) التاريخ (١٦٥/٣).
(٨) التهذيب (١٠٢/٦).
(٩) هذا الجزم فيه نظر، بل موته محل خلاف، ورجح الحافظ في الإصابة (٤/ ١٥٨) أن موته متأخر عن ذلك.
(١٠) بل ما ذكره محتمل فحسب، وليس بصحيح كما زعم.
يذكروا أبا قتادة، قال الحافظ في الفتح (٣٥٧/٢): وزعم ابن القطان - تبعاً للطحاوي - أنه غير
متصل ...
٤٦٢

سنة أربعین.
وقد ذكر هذا الذي قلناه، أبو جعفر الطحاوي قال: والذي زاد(١) محمد
ابن عمرو، غير معروف ولا متصل، لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة.
ووفاةُ أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل، لأنه قُتل مع علي، وصَلَّى عليه،
فأين سن محمد بن عمرو من هذا؟(٢)
ويزيد هذا المعنى تأكيداً أن عطاف بن خالد، روى هذا الحديث فقال:
نبأني محمد بن عمرو بن عطاء، قال: نبأني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب
النبي ◌َّ جلوساً، فذكر نحو حديث أبي عاصم.
[١٤٧ ق]
وعطافُ بن خالد أبو صفوان / القرشي، مدني، ليس بدون عبد الحميد
ابن جعفر (٣) وإن كان البخاري قد حكى أن مالكاً لم يَحْمَدْه(٤) فإن ذلك لا
يضره، إذ لم يكن ذلك من مالك بأمر مفسَّر يجب لأجله تركُ روايته(٥) .
وقد اعترض مالكاً في ذلك الطبري بما ذكرناه: من عدم تفسير الجرحة،
وبأمر آخر لا نراه صواباً، وهو أن قال: ((وحتى ولو كان مالك(٦) قد فسر، لم
یجب أن نترك بتجریحە روایة عطاف، حتی یکون معه مجرح آخر)).
وإنما لا نرى هذا صواباً لوجهين: أحدهما أن هذا المذهب ليس بصحيح،
بل إذا جَرَّح واحد بما هو جرحة قُبلَ، فإنه نقْلٌ منه لحال سيئة تسقط بها
العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدد الرواة.
(١) في ت، زاده.
(٢) شرح معاني الآثار (١/ ٢٦١).
(٣) بل هو دونه بمراحل، فعبد الحميد ربما وهم، وعطاف صدوق يهم، وبين المصطلحين فرق كبير.
(٤) التاريخ الكبير (٩٢/٧) ولم يذكر مقالة مالك، ولعله في التاريخ الأوسط.
(٥) بل فسر مالك جرحته بمخافة الزلل في روايته: انظر التهذيب (١٩٨/٧).
(٦) في ق، مالكاً، وهو خطأ.
٤٦٣

[١٠٨ب]ت
والوجه الثاني / هو أن غير مالك قد وُجد عنه أيضاً مثلُ ما ذهب إليه
مالك فيه، وهو ابن مهدي، فإنه ذهب إلى عطاف فلم يرضه(١) والذي يُرَدُّ به
هذا، هو ما رُدَّ به ما ذهب إليه مالك فيه: من كونه(٢) لم يفسر ما زهده فيه،
فلو قبلنا منه هذا، كنا قد قلدناه في رأي لا في رواية.
وغيرُ مالك وابن مهدي یوثق عطافاً، روی أبو طالب عن أحمد بن حنبل
أنه قال: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث(٣) .
وقال ابن معين: ليس به بأس، صالح الحديث (٤) .
وقد رُوي عن ابن معين أنه قال: من قلت: ليس به بأس، فهو عندي
ثقة(٥) .
وقال أبو زرعة أيضاً: ليس به بأس(٦) وهو عند أبي حاتم بحال(٧) محمد
ابن إسحاق، وسئل عنه فقال: ليس بذاك(٨) .
وصَدَق، فإنه ليس بأعلى ما يكون، وما مثله أعرضُ عن حديثه(٩) ولعله
أحسن حالاً من عبد الحميد بن جعفر(١٠) .
وهو قد بين أن بين محمد بن عمرو وبين أولئك الصحابة رجلاً.
(١) العلل ومعرفة الرجال (٣٩/٢).
(٢) أي ابن مهدي.
(٣) الجرح (٣٢/٧).
(٤) تهذيب (١٩٨/٧).
(٥) مقدمة ابن الصلاح: ١٢٤ .
(٦) التهذيب (١٩٨/٧).
(٧) أي مثل وشبه
(٨) الجرح (٣٢/٧).
(٩) أي إذا لم يخالف غيره، ولم يرو ما يستنكر، فأما إذا كان كذلك فينظر في حديثه كما هنا.
(١٠) قلت: كلا، فابن جعفر أحسن حالاً من عطاف بكثير، وهذا الذي ذكره المؤلف، هو رأي الطحاوي، وقلده
فيه .
٤٦٤

ولو كان هذا عندي محتاجاً إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه، كتبته
في المدرك الذي فرغت منه.
ولكنه غير محتاج إليه، للمتقرَّر من تاريخ وفاة أبي قتادة، وتقاصر سن
محمد بن عمرو عن إدراك حياته رجلاً، فإنما جاءت رواية عطاف عاضدة (١)
لما قد صح وفرغ منه.
(٤٦٣) وقد رواه عیسی بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو،
فقال فيه: عن عياش، أو عباس بن سهل الساعدي، أنه كان في مجلس فيه
أبوه، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد، ولم يذكر فيه من الفرق بين
الجلوسین ما ذکر عبد الحميد بن جعفر، ذکر ذلك أبو داود.
(٤٦٤) وللحديث بالفرق بين الجلوسين إسناد صحيح متصل لم يُذْكَر
فيه أبو قتادة، ذكره البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، سمع
یزید بن أبي حبيب ويزيد بن محمد سمع محمد بن عمرو بن حلحلة سمع
محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالساً في نفر من أصحاب النبي
فذكر صلاة النبي تم# فقال أبو حميد: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله تقتئية ،
رأيته إذا كبر جعل يديه / حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبيته، ثم هصر(٢)
[١٠٨ب]ت
(١) قلت: بل هي شاذة، لأن العاضد، لابد أن يكون مثل المعضود أو فوقه، أو دونه بيسير قليل جداً.
(٢) أي ثناه في استواء من غير تقويس، ذكره الخطابي كما في الفتح (٣٥٩/٢).
(٤٦٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٥٣/١ - ٢٥٤)، والترمذي (٨٧/٢)، وابن ماجه (٢٨٠/١)،
والدارمي (٢٩٩/١)، والطحاوي في المعاني (١/ ٢٦٠).
كلهم من طرق عن عياش - أو عباس -بن سهل الساعدي.
ورواية عطاف التي أشار إليها المؤلف - أخرجها الطحاوي في المعاني (٢٥٩/١).
(٤٦٤) أخرجه البخاري - بالفتح - في الأذان (٣٥٥/٢).
٤٦٥

,
ظهره، فإذا رفع رأسه، استوی حتی یعود کل فَقار(١) مكانه، فإذا سجد وضع
يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف (٢) رجليه القبلة، فإذا جلس
في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في
الركعة الآخرة (٣) قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته.
فهذا لا ذكر فيه لأبي قتادة ولكن / ليس فيه ذكر لسماعه من أبي حميد
وإن كان ذلك ظاهره (٤) .
[١٤٨ ق]
وقد ذكر أبو محمد هذا الحديث في كتابه في موضع آخر فاعلم ذلك(٥) .
(٤٦٥) وذكر أيضاً من طريق النسائي، عن جابر بن عبد الله ((أن جبريل
(١) جمع فَقارة: وهي عظام الظهر، الفتح (٣٥٩/٢). والفقار - بفتح الفاء.
(٢) في البخاري: بأطراف أصابع.
(٣) في، ق، الأخرى.
(٤) وهذا الظاهر لا معدل عنه، ويقويه تصريحه بالسماع منه في روايات أخرى.
(٥) الأحكام الوسطى (٢/ ٢٠٧).
(٤٦٥) صحيح: أخرجه النسائي في المواقيت (٢٥١/١ - ٢٥٥)، وأحمد (٣٥١/٣)، والحاكم
(١٩٦/١)، والدارقطني (٢٥٧/١)، والبيهقي (٣٦٩/١).
كلهم من طرق، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر مرفوعاً.
وأخرجه الترمذي (٢٨١/١)، والنسائي (٢٦٣/١)، والحاكم (١٩٦/١)، والدار قطني
(٢٥٦/١)، وأحمد (٣٣١/٣)، وابن حبان (١٦/٣)، والبيهقي (٣٦٨/١).
كلهم من طرق، عن ابن المبارك، عن حسين بن علي بن الحسين، أخبرني وهب بن كيسان،
حدثنا جابر، فذكره، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
وقال محمد: أصح شيء في المواقيت، حديث جابر عن النبي تمّ﴾ .
وقال الحاكم: حديث صحيح مشهور من حديث ابن المبارك، والشيخان لم يخرجاه لقلة
حديث الحسين بن علي الأصغر.
وقال الذهبي: حسين مقل.
قلت: وليس بغريب كما زعم الترمذي، لأن وهب بن كيسان، تابعه عطاء بن أبي رباح.
وفي لفظ لأحمد، والنسائي - في حديث عطاء - عن جابر أن رجلاً سأل النبي &. فهذا =
٤٦٦

أتى النبي ◌َّ ليعلِّمَه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل، ورسول الله لَ﴾ خلفه،
والناسُ خلف رسول الله تَُّ فصلى)) الحديث بطوله إلى آخره(١) .
وهو أيضاً يجب أن يكون مرسلاً كذلك، إذ لم يذكر(٢) جابرٌ من حدثه
بذلك، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء، لمَا علم من أنه أنصاري، إنما
صحب بالمدينة(٣).
وابنُ عباس، وأبو هريرة، اللذان رويا أيضاً قصة إمامة جبريل، فليس يلزم
في حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر، لأنهما قالا: إن رسول الله عَمّه قال
ذلك و قصه علیھم .
(٤٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن عوف بن مالك، وخالد بن
الوليد، أن رسول الله لنَّ: ((قضى بالسَّب (٤) ولم يخمس السلَب)»(٥) .
(١) الأحكام الوسطى (٢/ ٤ -٥).
(٢) في، ت، إذ لم يكن، وهو خطأ.
(٣) أي إنما حصلت له الصحبة بها دون مكة، والقصة وقعت في مكة قبل صحبته.
(٤) بفتح السين المهملة واللام.
(٥) الأحكام الوسطى (٢٠٨/٥).
ظاهره أن جابر سمع القصة، وحضر لما سئل النبي ◌َّ﴾ عن ذلك، وهذا يرد على المؤلف زعمه
أن جابراً لم يسمع ذلك.
ولو فرضنا صحة قوله، فهو مرسل صحابي، وهو حجة، ولا يرده إلا من لا يؤبه لقوله، إذ
ليس فيه إلا احتمالات ثلاث لا رابع لها، فإما أن الصحابي سمعه من النبي لم﴾، أو من
صحابي سمعه منه أو شهد القصة، أو أعاد النبي ## ذكر القصة، وهو في كل الأحوال حجة،
ولا أظن أبا الحسن إلا متأثراً بأبي إسحاق الإسفراييني، وهو المشهور برد مراسل الصحابة.
(٤٦٦) أخرجه أبو داود في الجهاد (٧١/٣). ومسلم (١٣٧٣/٣)، وأحمد (٢٧/٦)، من طريق
عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، ولم يذكر مسلم وأحمد خالد بن الوليد
مقروناً بعوف بن مالك، وإنما ذكراه أثناء القصة .
٤٦٧

كذا أورده، وهو كما ذكر، وأصل القصة في كتاب مسلم(١) ، وهي عند
أبي داود مطولة مشروحة، يتبين من إيرادها أنه عن خالد منقطعُ الإسناد،
وعن عوف متصله .
[١١٠٩]ت
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن
مسلم قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير(٢) بن نفير (٣)
عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن حارثة في
غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل الیمن، ليس معه غیر سیفه، فنحر رجل
من المسلمين جَزوراً (٤) / فسأله المدديُّ طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه
كهيئة الدَّرَقَة(٥)، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له
أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يُغري(٦)
بالمسلمين، وقعد له المدديُّ خلف صخرة، فمر به الرومي فعَرْقَب(٧) فرسه،
فخَرّ، وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمین، بعث إليه
خالد بن الوليد فأخذ منه السلَب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالدُ، أما
علمت أن رسول الله تَُّ: ((قضى بالسلَب للقاتل)) قال: بلى، ولكني استكثرتُه،
قلت: لَتْرُدَّنْه أولاً عَرِّفَنَّكما(٨) عند رسول الله تَّ فأبى أن يرد عليه.
قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله تَّه فقصصت عليه قصة المددي وما
(١) صحيح مسلم (٣/ ١٣٧٣).
(٢) بضم الجيم مصغراً.
(٣) بضم النون مصغراً.
(٤) في، ق، جزراً.
(٥) في أبي داود: الدرق، والدَرقة - بفتح الدال والراء - اسم جمعها درق، ضرب من الترسة، تتخذ من
الجلود ... لسان العرب (١٠ / ٩٥).
(٦) أي يحث على قتالهم ويشجع عليه.
(٧) أي قطع قوائمها .
(٨) أي أجازيك بها، حتى تعرف سوء صنيعك.
٤٦٨

فعل خالد، فقال رسول الله لَ﴾: (( يا خالدُ ما حملك على ما صنعت))؟ قال:
يا رسول الله ◌َّى استكثرتُه، فقال رسول الله عَ﴾: ((يا خالد: رُدَّ عليه ما أخذت
منه)» .
فقال عوف: فقلت: دونكما(١) يا خالد، ألم أف لك؟ فقال رسول الله شاطئيه :
((وما ذاك))؟ قال: فأخبرته [قال](٢) فغضب رسول الله لَّه فقال: ((يا خالد، لا
تَوُدَّ عليه، هل أنتم تاركو (٣) لي أمرائي، لكم صِفْوةُ (٤) أمرهم، وعليهم كَدَرْه)).
ثم أورد أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن عياش،
عن صفوان بن عمرو(٥) عن عبد الرحمن(٦) بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن
عوف بن مالك الأشجع، وخالد بن الوليد، أن رسول الله قم﴾﴾ ((قضى بالسلب
للقاتل، ولم یخمس السلب».
فهذا - كما ترى - إنما اختصره إسماعيل بن عياش عن صفوان، أو اختصره
غيرُه من القصة / المذكورة، فجاء من رواية جبير عن خالد، وهو إنما أخذه عن
عوف: عن خالد، فاعلم ذلك.
[١٤٩ ق]
وإنما لم نكتبه في المدرك الذي قبل هذا لأنا لم نعتمد في انقطاع ما بينهما
إلا العلم بأنهما (٧) لم يلتقيا، واعتُضد المعلوم من ذلك بما يتبين من نفس القصة
فاعلمه .
(١) في أبي داود: دونك- بالإفراد-أي خذما وعدتك به.
(٢) الزيادة ساقطة من، ت.
(٣) في أبي داود: تارك.
(٤) بكسر الصاد، خلاصة الشيء وما صفا منه كما في النهاية (٤٠/٣).
(٥) في، ق، عن عمر، وهو خطأ.
(٦) وعن عبد الرحمن، وهو خطأ .
(٧) أي جبير بن نفير وخالد بن الوليد.
٤٦٩

(٤٦٧) وذكر من طريق مسلم، عن المسيب(١) بن حزن، قال: لما
حضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله مي فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله
ابن أبي أمية بن المغيرة، الحديث(٢) .
ذكره في أحاديث التفسير، لقوله فيه: فأنزل الله عزوجل ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾(٣) وأنزل في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي
مَنْ أَحْبَيْتَ﴾ (٤) .
وقَنع بتخريج مسلم له، ولم يعرض له، وهو عندي مرسل، لا من جهة
الاحتمال الذي في قول الصحابي: قال رسول الله تَّه، منْ أن لا يكون سمع
ذلك، لكن من جهة أن المسيب بن حزن بن أبي وهب إنما هو وأبوه من مُسْلمة
(٥)
الفتح(٥) .
وإن شُكَّ في هذا، لم يُشَك في أنه لم يشاهد هذه القصة الواقعة في أول
الأمر، ولا فيه أن النبي تمّي أخبرهم بذلك، ولا يجوز أن يقول من ذلك ما لم
(١) بفتح الياء وكسرها، وحزن بسكون الزاي المعجمة كما في التقريب (٢٥٠/٢).
(٢) الأحكام الوسطى (٧٩/٣).
(٣) التوبة: ١١٣ .
(٤) القصص: ٥٦.
(٥) انظر الإصابة (٤٢٠/٣)، وأسد الغابة (٤٠١/٤).
(٤٦٧) أخرجه مسلم (٥٤/١)، والبخاري في الجنائز (٢٦٣/٣)، ومناقب الأنصار (٢٣٣/٧)، والتفسير
(٨/ ١٩٢ -٣٦٥)، والأيمان والنذور (٥٧٥/١١)، والنسائي (٩٠/٤)، وأحمد (٤٣٣/٥).
كلهم من طرق عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، فذكره.
والمؤلف تبع مصعباً الزبيري في قوله: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه من مسلمة الفتح كما
في الإصابة (٤٢٠/٣)، ورد الحافظ ذلك - ورجح أنهما أسلما قبل الفتح - بما ورد في
الصحيحين من هذا الحدیث.
٤٧٠

يقل، لأنه يحتمل أن يكون إنما تلقى ذلك من مُشَاهد، كعبد الله بن أبي أمية بن
المغيرة، فقد أسلم بعد ذلك وحَسُنَ إسلامه، أو من غيره ممن لم يشاهد.
وما حكاه المسيب من ذلك، إنما هو بمثابة ما لو قال:
(٤٦٨) ((نام رسول الله ﴾ عند البیت، فجاءه جبريل فأسری به)).
(٤٦٩) أو ((تحنث في غار حراء، فجاءه الملك)) وشبْهَ ذلك، مما يعلم أنه
لم يشاهده.
(٤٧٠) وكذلك ما روي عن أبي هريرة في هذه القصة من قوله: قال
رسول الله ﴾ لعمه عند الموت: ((قل: لا إله إلا الله)) مثل هذا سواء، لأن أبا
هريرة لم يشاهد ذلك، ولم يقل: قال لنا رسول الله تَّه: قلت لعمي عند
الموت.
ولا فرق بين ما يخبر به [من هذا، مَنْ يعلم أنه لم يلق النبي ◌َّه حينئذ،
وبين ما يخبر به](١) مما كان قبل ميلاده.
وليس بنافع في هذا أن يقال: إن المسيب بن حزن ممن بايع تحت الشجرة،
فإن ذلك متأخر عن وقت هذه القصة، فلابد أن يكون غيرُهُ هو الذي أخبره
بها، أو يكونَ سمع هو ذلك من النبي ◌َُّ ، يخبرُ به عن نفسه وعن عمه،
(١) ما بين المعكوفين ثابت في ت دون، ق، ولعله مما كتب في الحاشية، ولم يظهر في الصورة.
(٤٦٨) أخرجه البخاري في الصلاة (٥٤٧/١)، وفي الحج (٥٧٦/٣)، والأنبياء (٤٣١/٦)، ومسلم
في الإيمان (١٤٨/١)، وأحمد (١٢٢/٥)، والبيهقي (٣٧٩/٢).
كلهم من طرق عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: قال أبو ذر، فذكره، وأخرجه
البخاري في بدء الخلق (٣٤٨/٦)، ومناقب الأنصار (٢٤١/٧) بالصيغة التي ذكرها المؤلف.
(٤٦٩) أخرجه البخاري في بدء الخلق (٣٠/١)، ومسلم في الإيمان (١٣٩/١).
(٤٧٠) أخرجه مسلم في الإيمان (٥٤/١ -٥٥).
٤٧١

ولكن ليس بالاحتمال يجزم بالاتصال، فاعلم ذلك.
(٤٧١) وذكر أيضاً من عند مسلم حديث أنس بن مالك في الإسراء /
بالنبي قَ طَ﴾ (١) .
[١١٠ ١]ت
وهي رواية ثابت البناني عن أنس، ولم يقل فيها: إن رسول الله تَّه قال
لهم ذلك، وأنه (٢) سمعه منه، بل قد عُلم من رواية ابن شهاب عن أنس، أن
أبا ذر هو الذي حدثهم بذلك عن النبي ◌َّة، ومن رواية قتادة (٣)، عن أنس،
أن مالك بن صعصعة حدثه بذلك.
ومن المتقرَّر أن سن أنس تَصغُر عن وقت الإسراء، فلابد أن يكون حديثه
مرسلاً، وأما الذي فيه من الاضطراب(٤) فلسنا في هذا الكتاب لبيانه، وإنما
حَسْبُنا ما يخص الأسانيد.
(٤٧٢) وذكر أيضاً من هذا النوع من عند مسلم، عن أنس بن مالك قال:
إن أهل مكة سألوا النبي تَّ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين(٥).
(١) الأحكام الوسطى (١٦٨/٨).
(٢) في، ق، وإنما.
(٣) في، ق، أبي قتادة، وهو خطأ.
(٤) ليس فيه اضطراب، وإنما الروايات يكمل بعضها بعضاً.
(٥) الأحكام الوسطى (١٩٤/٨).
(٤٧١) تقدم في الحديث: ٤٦٨.
(٤٧٢) أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم (٢١٤٩/٤)، والبخاري في المناقب (٧٣٠/٦)،
وفي مناقب الأنصار (٢٢١/٧)، وفي التفسير (٤٢٤/٨)، وأحمد (٢٧٥/٣)، والبيهقي في
الدلائل (٢٦٢/٢)، كلهم من طرق عن قتادة، عن أنس به.
وله طرق متعددة عن أنس، عن النبي ◌َ﴾، فهو إما أنه سمعه من هذين الصحابيين، أو منهما
ومنه # باعتبار تحديثه به مرة أخرى، على سبيل التعريف بالقصة ابتداء، أو بالسؤال، فسمعه
منه أنس، فصار یحدث به على الوجهین و کیفما كان، فهو حجة .
٤٧٢

فهذا لم يقل: إنه سمعه، ولا هو شاهَده، فلعله أخذه عن ابن مسعود، أو
غيره(١) وقد رواه أيضاً ابن عمر، وابن عباس.
(٤٧٣) وذكر من طريق عبد الرزاق، قال: حدثنا الأسلمي، قال:
نبأني عبد الله بن أبي بكر، عن عمر (٢) بن عبد العزيز، أن رسول الله قمطيلة
((قضى بالشفعة في الدين)) الحديث.
ثم قال: زاد(٣) في طريق آخر: ((إذا أدى مثَل الذي أدى صاحبه)).
قال: وهذه الزيادة رواها عن عمر(٤) أيضاً مرسلاً. انتهى كلامه(٥) .
وقد کان قدَّم أن الأسلمي متروك، وهو إبراهيم بن أبي يحيى.
والمقصود بيانه الآن، هو أن هذه الزيادة التي قال: إنها أيضاً(٦) عن عمر
مرسلة، لم يبين أنها منقطعة قبل أن تصل إلى عمر .
إنما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل من قريش، أن عمر (٧) بن عبد
العزيز ((قضى في مكاتب، اشترى ما عليه بعَرَض، فجعل المكاتَب أولى بنفسه)).
ثم قال(٨): إن رسول الله ◌َّه قال: ((من ابتاع دَيناً على رجل، فصاحب
الدَّين أولى به، إِذا أدى مثلَ الذي أدى صاحبه)).
(١) في، ت، أو عن غيره.
(٢) في، ق، عمرو، وهو خطأ.
(٣) أي عبد الرزاق.
(٤) في، ق، عمرو، وهو خطأ.
(٥) الأحكام الوسطى (٦/ ٢٧٠).
(٦) في، ت، أيضاً إنها .
(٧) في، ق، عمرو، وهو خطأ.
(٨) يعني عمر بن عبد العزيز.
(٤٧٣) منكر: أخرجه عبد الرزاق (٨٨/٨).
٤٧٣

(٤٧٤) وذكر من طريق أبي داود عن الحسن، أن عمر قال: أيكم يعلم ما
ورَّث رسول الله ◌َّهُ الجد؟ فقال معقل بن يسار(١): ((إنه ورثه رسول الله لَ ◌ّه
السدس)) الحديث(٢) .
[ ١١٠ ١] ت
وهذا لا خفاء بانقطاعه فيما بين الحسن وعمر، وإنما نبينه لمن لا / يعلم،
وذلك أن الحسن إنما وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، فسنَّه لا تقتضي السماعَ
منه، ولا مشاهدةً ما جرى في أيامه.
وأما سماعه من معقل بن يسار - على تقدير أن يكون هو الذي حدثه
بالقصة۔فمختلف فيه.
قال أبو حاتم: لم يصح له السماع منه (٣) . قال أبو محمد بن أبي حاتم:
وقد ذكروا ذلك ولیس بمستفيض .
وفي كتاب البخاري حديث الحسن، عن معقل بن يسار(٤) في الطلاق،
والتفسير، والأحكام، وفيه من رواية عبَّاد بن بشر، ويونس بن عبيد، عن
الحسن، قال: نبأني معقل بن يسار، فاعلم ذلك(٥) .
(٤٧٥) وذكر حديث الزبير في الشفاعة بعد الوصول إلى الإمام، من
(١) في أبي داود زيادة: أنا.
(٢) الأحكام الوسطى (٦/ ٢٨٢).
(٣) الجرح والتعديل (٤١/٣).
(٤) انظر الفتح (٨٩/٩-٣٩٢)، (٤٠/٨)، (١٣٥/١٣).
(٥) في، ت، فالله أعلم.
(٤٧٤) صحيح بغيره: أخرجه أبو داود (١٢٢/٣)، وابن ماجه (٩٠٩/٢)، والحاكم (٣٣٩/٤)، والبيهقي
(٢٤٤/٦)، من طرق عن يونس بن عبيد، عن الحسن، أن عمر قال، فذكره، وهو منقطع.
هذا، وللحديث شاهد عن عمران بن حصين أخرجه أبو داود في الفرائض.
والترمذي (٤١٩/٤)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٧٢)، والبيهقي.
من طرق، عن همام بن يحيى العودي، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وهو
معلول، ويصلح في الشواهد.
(٤٧٥) سيأتي تخريجه في الحديث: ٨٤٧.
٤٧٤

رواية مالك، عن ربيعة، أن الزبير .
وقال: هذا هو الصحيح (١) .
وانقطاعه لا ريب فيه، فإن ربيعة لم يلحق الزبير، وسنبين كيف يصح في
باب الأحاديث التي ضعفها بقوم وترك أمثالهم(٢) .
(٤٧٦) وذكر من طريق أبي داود عن أبي بكرة: ((صلَّى رسول الله عَّه
في خوف الظهر، فصَفَّ بعضُهم خلفه)) الحديث(٣) .
ومن طريق الدارقطني عنه (٤) أن النبي ◌َّ﴾ ((صلى بالقوم صلاة المغرب
ثلاثَ ركعات ثم انصرف، وجاء الآخَرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت
له ست ركعات، وللقوم ثلاثَ ثلاث))(٥) .
وعندي أن هذين الحديثين غير متصلين، فإن أبا بكرة لم يصل معه صلاة
الخوف، وإن كان قد قال في الحديث الأول : إنه صلاها معه.
كذلك هو عند أبي داود، من رواية الحسن عنه(٦)، وقد صح سماعه منه.
(١) الأحكام الوسطى (٧/ ٣٢).
(٢) انظر الحديث: ٨٤٧ .
(٣) الأحكام الوسطى (٤٨/١).
(٤) أي عن أبي بكرة.
(٥) هكذا في، ق، و، ت، بدون ألف، فيحمل على أن كان تامة، أي فتمت له ست ركعات وتم للقوم ثلاث
ثلاث، ويصح أن يكون ناقصاً ويكون ثلاثاً منوناً بلا ألف، على لغة من يقف على المنصوب بالسكون.
(٦) ليس في أبي داود الذي بين أيدينا، ما يدل على أنه صلاها معه، ولا صرح أبو بكرة بذلك، فلعل ما جزم به
المؤلف في بعض روايات أبي داود.
(٤٧٦) صحيح: أخرجه أبو داود (١٧/٢)، والنسائي (١٧٨/٣)، وفي الكبرى (١/ ٥٩٧)، وأحمد
(٣٩/٥)، والطحاوي (٣١٥/١)، وابن حبان (٢٣٧/٤)، والدار قطني (٢/ ٦١)، والبيهقي
(٢٥٩/٣).
كلهم من طرق، عن الأشعث بن عبد الملك الحمراني، عن الحسن، عن أبي بكرة مرفوعاً.
وأشعث ثقة، ومن فوقه لا يسأل عنه.
٤٧٥

وإنما قلنا: إن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف، لأنه من المتقرَّر عند
أهل السير والأخباريين (١) . وهو أيضاً صحيح بالأسانيد المتصلة عند المحدثين .
أنه أسلم حين حصار رسول الله ◌َّه الطائف، نزل من سُورها ببكرة(٢) وبها
كُنِّي أبا بكرة، وحصار الطائف كان بعد الانصراف من حنين(٣) وقبل قسم
غنائمها بالجعرانة (٤) .
ولما انتقل عنها إنما انتقل إلى الجعرانة، فقسم بها غنائم حنين، ثم رجع
إلى المدينة، فأقام بها ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم خرج / إلى تبوك،
غازياً للروم، فأقام بتبوك بضعَ عشرةَ ليلة، لم يجاوزها، ولم تكن / فيها
حرب تُصلى لها صلاةُ الخوف، وهي آخر غزوة غزاها بنفسه ثمّله .
[١١١أ]ت
[١٥١ ق]
والتي قاتل فيها من غزاوته، هي: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة،
والمصطلق، وخيبر، وحنين، والطائف.
ومن الناس من يَعُدُّ وادي القرى، حين قُتْلَ غلامه مدْعم(٥) ويوم الغابة(٦) .
فعلى هذا لا أدري لصلاة أبي بكرة معه موطناً، وقد جاءت عنه في هذا
روايات لا توهم أنه شهدها، كرواية أبي داود الطيالسي، عن أبي حُرَّةً(٧) عن
الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ثمّ ((صلى بأصحابه صلاة الخوف،
(١) في، ت، والأخبار.
(٢) بفتح الموحدة وسكون الكاف ويفتح، خشبة مستديرة، في وسطها محز، يستقى عليها، أو المحالة السريعة.
انظر القاموس (٣٧٦/١).
(٣) كانت في شوال في السنة الثامنة للهجرة.
(٤) بكسر الجيم وسكون العين، وقد تكسر وتشدد الراء، وقال الشافعي: التشديد خطأ، وهو موضع بين مكة
والطائف. أنظر القاموس (١/ ٣٩١).
(٥) بكسر الميم وسكون المهملة، وفتح العين المهملة، وهو عبد أسود أهداه لرسول الله عليه أحد بني الضباب. انظر
الإصابة (٣٩٤/٣).
(٦) قال ابن سعد: وهي على بريد من المدينة طريق الشام. انظر الطبقات (٢/ ٨٠).
(٧) بضم المهملة وتشديد الراء، واسمه واصل بن عبد الرحمن.
٤٧٦

صفهم صفین : صف بإزاء العدو)) الحديث ذكره البزار.
وليس في هذا ما ينكر، فإنه لم يقل: إنه صلاها معه، وكذلك رواية
أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، ذكرها البزار(١) أيضاً، فاعلم ذلك.
ومن هذا الباب أحاديثُ، هي في المواضع التي نقلها منها غيرُ موصلة الأسانيد(٢)
من مخرجها إلى من ذكرت عنه، مما يعلم أن بينهما زماناً يقضي بالانقطاع.
وهي كثيرة يقع ذكره لها، موهماً أنه قد وقف لها على أسانيد في المواضع
التي نقلها منها، كسائر ما يَذكر من الأحاديث، فإنه ما من حديث يذكره من
عند مسلم عن أبي هريرة مثلاً، أو من عند البخاري عن أنس مثلاً، إلا وأنت
تعتقد من عادته أنه قد رأى إسنادهما إلى أبي هريرة وإلى أنس عند البخاري
ومسلم، وترك ذكره اختصاراً، واقتصر على من ذکر من رواته.
وهذه الأحاديث التي نذكر الآن، يُتُوهَّم هذا فيها من حيث عُهد يصنع
كثيراً ما ذكرناه، وهي في المواضع التي نقلها منها لا أسانيد(٣) لها، وإنما
اقتطعت أسانيدها من رواة لم يدركهم المخرج لها، وكان من حقه أن يبين أنه
لا يعلم الأسانيد إليها موصلة.
کما فعل في حدیث ذكره من کتاب الإعراب لابن حزم، عن ابن عباس،
عن النبي ◌َّه قال:
[١١ ب]ت
(٤٧٧) ((إذا حج العبد ثم عتق فعليه حجة أخرى)) الحديث / .
(١) وهذا يوهم أنها عنده وحده، وليس كذلك، بل هي عند أبي داود، والنسائي، وأحمد، وابن حبان،
والدار قطني وغيرهم.
(٢) في، ق، إلى الأسانيد، وهو خطأ.
(٣) في، ت، الأسانيد، وهو خطأ.
(٤٧٧) سيأتي تخريجه في الحديث: ٥٨٨.
٤٧٧

فإنه قال بعده: هذا إسناد رجاله أئمة وثقات، ولكني لا أدري الإسناد
الموصل إلی یزید بن زريع(١) .
فبمثل هذا أطالبه (٢) فيما أورد من الأحاديث التي ننبه عليها [الآن](٣) إن
شاء الله تعالى.
(٤٧٨) فمن ذلك أنه ذكر من عند البخاري، عن العزيز بن صهيب،
عن أنس حديث ((القول عند دخول الخلاء)).
ثم أتبعه أن قال: وقال سعيد بن زيد عن عبد العزيز: ((إذا أراد أن
يدخل))(٤).
وهذه لم یوصل إليها البخاري إسناداً، فما بينه وبين سعيد بن زيد غير
متصل.
(٤٧٩) وذكر ((حديث الاستسقاء)) ثم ساق عن البخاري زيادة فيه
(١) الأحكام الوسطى (٧٠٩/٤).
(٢) في ق، و، م، أطلبه.
(٣) الزيادة ساقطة من، ت.
(٤) الأحكام الوسطى (٧٦/١).
(٤٧٨) أخرجه البخاري في الوضوء (١/ ٢٩٢).
ووصل رواية سعيد بن زيد المذكورة مسلم (٢٨٣/١)، وأبو داود (٢/١)، والترمذي
(١٠/١)، وابن ماجه (١٠٩/١)، وأحمد (٩٩/٣)، وابن أبي شيبة (١/١)، والدارمي
(١٧١/١)، وأبو عوانة (٢١٦/١)، والعقيلي (٣٩١/٣)، والبغوي (١/ ٣٧٦).
(٤٧٩) أخرجه البخاري في الاستسقاء (٥٩٨/٢)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (٤٠٣/١).
قال الحافظ في الفتح: ووهم من زعم أنه معلق، كالمزي، حيث علَّم على المسعودي في
التهذيب علامة التعليق، فإنه عند ابن ماجه، من وجه آخر، عن سفيان، عن المسعودي، وكذا
قول ابن القطان: لا ندري عمن أخذه البخاري، قال: ولهذا لا يعد أحد المسعودي في
رجاله.
=
٤٧٨

فقال: زاد عن المسعودي قلب اليمين على الشمال(١).
وهذا لا ينبغي أن يُعزَى إلى البخاري، فإنه لم يوصل فيه إلى المسعودي (٢)
إسناداً.
وأيضاً فإن المسعودي ليس ممن يخرج البخاري ولا مسلم عنه، لضعفه
وشدة اختلاطه، ولم يَعُدَّ أحد ممن ألف في رجال الصحيحين فيهم.
والبخاري - رحمه الله - فيما يعلق من الأحاديث في الأبواب غيرُ مبال
بضعف رواتها(٣).
(١) الأحكام الوسطى (٩٤/١).
(٢) واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الكوفي، قال الحافظ: ((صدوق اختلط قبل موته، وضابطه
أن من سمع منه ببغداد، فبعد الاختلاط)) التقريب (٤٨٧/١).
(٣) بل المسألة فيها تفصيل، فما علقه بصيغة الجزم، فقد جزم بصحته إلى من علقه عنه. انظر تفصيل ذلك في هدي
الساري ص: ١٩-٢٠ - ٢١.
وتعقبه ابن المواق بأن الظاهر أنه أخذه عن عبد الله بن محمد شيخه فيه، ولا يلزم من کونهم لم
=
یعدوا السعودي في رجاله أن لا یکون وصل هذا الموضع عنه، لأنه لم يقصد الرواية عنه، وإنما
ذكر الزيادة التي زادها استطراداً، عن أبي بكر، وزعم ابن القطان أنه لا يدري عمن أخذ هذه
الزيادة.
قلت: إذا ترجح أن البخاري وصل سنده إلى المسعودي فهو على شرطه، وعدم ذكره في رجال
البخاري، هو باعتبار أن من ألف فيهم اعتقد أن البخاري علق عنه، لا أنه وصل حديثه، فينبغي
إذا قلنا بالوصل، أن يزاد المسعودي في رجال البخاري، وهذا هو الظاهر من صنيعه، حيث
قال: قال سفيان: فأخبرني المسعودي، عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال، فقوله:
قال سفيان، يعني بسنده السابق إلى سفیان، وهو: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان،
عن عبد الله بن أبي بكر، سمع عباد بن تميم ... فساق المتن، ثم قال بعده: قال سفيان - أي
بالسند المذكور - وهذا له نظائر في الصحيح، وقد أخطأ فيها جمع من الشراح وظنوها معلقة،
فبين حافظ عصره، وإمام هذا الشأن الحافظ ابن حجر أنها موصولة بنفس السند السابق.
على أن المسعودي لم ينفرد بهذا، فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وأبي هريرة
تحويل الرداء.
٤٧٩

فإنها غير معدودة فيما انتَخب، وإنما يُعَدُّ من ذلك ما وصل الأسانيد به،
فاعلم ذلك.
[١٥٢ ق]
(٤٨٠) وذكر من طريق الترمذي / حديث بلال، الذي فيه ((عليكم
بقيام الليل فإنه دَأب الصالحين قبلكم)) الحديث.
وأعله ثم قال: ورواه أيضاً من حديث أبي إدريس عن أبي أمامة، قال:
(٤٨٠) منكر: أخرجه الترمذي (٥٥٣/٥)، والبيهقي (٥٠٢/٢)، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه
من حديث بلال إلا من هذا الوجه من قبل إسناده، وقال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول:
محمد القرشي، هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قیس، وهو محمد بن حسان، وقد
ترك حديثه. وقد روى هذا الحديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس
الخولاني، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﴾ ... وهو أصح من حديث أبي إدريس، عن
بلال.
قلت: حديث أبي أمامة، وصله الحاكم (٣٠٨/١)، وعنه البيهقي (٢/ ٥٠٢). وابن عدي
(١٥٢٤/٤)، والبغوي (٣٤/٤).
كلهم من طريق عبد الله بن صالح، كاتب الليث، عن معاوية بن صالح به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
قلت: ليس على شرطه لأن عبد الله بن صالح كاتب الليث أخرج له البخاري معلقاً، واختلف
هل أخرج له في الأصول؟ فأثبته الحافظ، ونفاه غيره.
قال الحافظ عنه (٤٢٣/١): صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.
وهذا يدل على أن البخاري إذا أخرج له في الأصول، فإنه ينتقي من حديثه، فهو فيما هو
خارج الصحیح لیس على شرطه.
وقال أبو حاتم كما في العلل (١٢٥/١): ((هو حديث منكر، لم يروه غير معاوية بن صالح،
وأظنه من حديث محمد بن سعيد الشامي الأزدي، فإنه يروي هذا هو بإسناد آخر)).
قلت: وعليه فلا يعلِّل حديثُ محمد المصلوب، حديث معاوية بن صالح، لأنه أمثل إسناداً
منه .
وله شاهد عن سلمان الفارسي، عند الطبراني في الكبير (٦/ ٣١٧)، وابن عدي
(٤/ ١٥٩٧)، وفيه عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، وثقه دحيم، وابن حبان، وابن
عدي، وضعفه أبو داود، وأبو حاتم. قاله الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥١).
٤٨٠