النص المفهرس
صفحات 241-260
المبحث الثالث قيمته من حيث القواعد الاصطلاحية أ. تمهيد: إن قواعد مصطلح الحديث التي بثها ابن القطان في كتابه لجديرة بكل احترام وتقدير؛ لأنها تنم عن عقلية شمولية، وذكاء وقاد، عالم بتنزيل الكليات على جزئياتها، كما تتسم في جوانب عديدة بالتجديد والابتكار، ومما يدهش الناظر في هذه القواعد أنه يجد فيها ما لم يسبق إليه ابن القطان، ولا عرف عن غيره، بالإضافة إلى ما أدخله على قواعد كثيرة من تعميم، أو تخصيص، أو توجيه، أو إثارة احتمال. وما نثره هنا وهناك سواء في مناقشة النصوص، أو في مقدمات الأبواب، أو في معالجة أقوال المجرحين والمعدلين - يستحق أن يفرد بمؤلف تحلل فيه تلك النصوص، وتعالج من زوايا عديدة، وهو ما سنفعله - إن شاء الله - في مؤلف مستقل؛ إذ غرض هذه الدراسة، التركيز على القضايا الكبرى التي أثارها ابن القطان، وعالجها، وخاصة ما انتقد علیه. ومع ذلك لابد من الإشارة لبعض ما انفرد به من قضايا مصطلح الحديث، لتكون موضع عناية الباحثين والدارسين، فمن الظلم ألا تسطر هذه النظريات في كتب مصطلح الحديث - مع جدتها وطرافتها - في الوقت الذي يورد فيها ما لا یثبت معها على قدم وساق. فمن القضايا التي انفرد بها . ١ - القول بالاضطراب في المتون لا في الأسانيد. ٢٤١ ٢-عدم قبول توثيق غیر المعاصر في کل راو لم ينتشر له من الحديث ما تعرف به حاله. ٣ - عدم القول بالحديث الحسن بغيره؛ إذ الحديث عنده ينقسم إلى صحيح وحسن لذاته، وضعيف. ٤ - جواز التدليس عنده، إذا كان المطوي ذكره ثقة. ٥ - التفريق بين مجهول الحال، والمستور. وهناك قضايا كثيرة رجح فيها رأياً على رأي، أو مذهباً على مذهب، وعلل ذلك. ب- الفروع الاصطلاحية: الفرع الأول: النقل بالمعنى: ((وذلك إنما نقله بالمعنى، والنقل بالمعنى شرط جوازه الوفاء بالمقصود))(١). ((وإن جاز له النقل بالمعنى، فيشترط مرادفة اللفظ الذي يأتي به للذي يترك ولابد)). الفرع الثاني: وظيفة المحدث: ((ووظيفة المحدث : النظر في الأسانيد من حيث الرواة، والاتصال والانقطاع، فأما معارضة هذا المتن ذلك الآخر، وأشباه هذا، فليس من نظره))(٢). ((ولم يعرض له إلا من جهة معارضة غيره، وهذا ليس من نظر المحدث، وإذا نظر به الفقيه، تبين له منه خلاف ما قال))(٣). (١) انظر: الحديث (١٧٠)، (١٧٥). (٢) انظر: الحديث (٢٤٩٤). (٣) انظر: الحديث (٢٥٨٤). ٢٤٢ الفرع الثالث: عدم جواز التصرف في ألفاظ المتون: ((فإن المحدث عليه نقل اللفظ كما هو لمن ينظر فيه))(١). ((وليس هذا من فعل المحدث بصواب، فإنما عليه الأداء، وعلى المتفقه التمييز والبناء))(٢). ((لم يكن ينبغي له من حيث هو محدث، أن يسوي الألفاظ على مذهبه، وإنما عليه نقلها كما هي، لينظر فيها من تنتهي إليه))(٣). ((وهؤلاء إنما يؤتون من قلة الفهم، فهم يسوون بين الألفاظ المتغايرة الدلالات، فينبغي أن تسقط الثقة بمن هذه حاله)) (٤) . ((ولكن لا ينبغي لمن نقل من كتاب أن يعزو إليه لفظ غيره))(٥). الفرع الرابع: الحديث الحسن: ((فإن الحسن معناه الذي له حال بين حالَيْ الصحيح والضعيف))(٦). «وهو حديث في إسناده ثلاثة؛ كل واحد منهم مختلف فيه، بحيث يقال على الاصطلاح: الحديث من روايته حسن، أي له حال بين حاليْ الصحيح والسقيم))(٧) . ((ونعني بالحسن : ماله من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسناً هكذا؛ إما بأن يكون أحد رواته مختلفاً (١) انظر: الحديث (٨٨٧). (٢) انظر: الحديث (١٥٧). (٣) انظر: الحديث (١٧٥). (٤) انظر: الحديث (٢٣٦). (٥) انظر: الحديث (١٢١). (٦) انظر: الحديث (١١١٨). (٧) انظر: الحديث (١١٧٣). ٢٤٣ فيه، وثقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضعف به جرحاً مفسراً، فإنه إن كان مفسراً، قدم على توثيق من وثقه، فصار به الحديث ضعيفاً، وإما بأن يكون أحد رواته، إما مستوراً، وإما مجهول الحال ... ))(١). من مذهب المؤلف - رحمه الله - أنه لا يقول إلا بالصحيح، والحسن لذاته، مع اضطرابه في هذا الأخير . ولم يقل بالحسن لغيره إطلاقاً، ولا تعرض له في كتابه، وهذا المذهب هو الذي نقله عنه من بعده ونسبه إليه في مباحث الحسن، كالسخاوي في فتح المغيث(٢) . ويترتب على هذا أن المؤلف لا يرى بأن الطرق يجبر بعضها بعضاً. وعلیه؛ فلا شواهد عنده ولا متابعات، بل كل حديث عنده مستقل بنفسه باعتبار سنده، ولو کان متنه واحداً. فإذا ورد متن واحد بسند صحيح، وضعيف، وحسن، فالمؤلف يترك السند الضعيف، ويأخذ الصحيح والحسن، فيسميه صحيحاً باعتبار السند الصحيح، وحسناً باعتبار السند الحسن . ويترتب على هذا من حيث التعديل، أن من قيل فيه: ((يعتبر بحديثه)) و(يكتب حديثه)) و ((ينظر حديثه)) وغيرها من المصطلحات - التي تدل على أن الرجل لا يطرح بالكلية، ولا يقبل بالكلية - يتوقف ما رواه على اعتباره، فإذا وجدت أصول تشهد له قبل، وعلم حينئذ أنه مما أتقنه، ولم يختل فيه حفظه . وهذا المذهب هو الذي حمل المؤلف على عقد باب خاص للأحاديث التي (١) انظر الحديث: (١٤٣٢) مقدمة باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححاً لها وليست بصحيحة . (٢) انظر: فتح المغيث (٧١/١). ٢٤٤ هي ضعيفة، ولها طرق صحيحة، أو حسنة، أسْماه: باب ذكر أحاديث أوردها على أنها صحيحة، أو حسنة، وهي ضعيفة من تلك الطرق، صحيحة أو حسنة من غيرها. ومع ما ذكر من كثرة الأحاديث التي ضعفها ولها طرق صحيحة، أو حسنة، لم يشر في أحد منها إلى أن لها طرقاً تقويها، أو تجبرها، وإنما يضعف الحديث من مسلكه الضعيف، ثم يصححه أو يحسنه من طريقه الصحيح أو الحسن. وعليه فمبحث الشواهد والمتابعات - الذي يفيد أن الحديث الضعيف، كلما كثرت طرقه، وكان ضعفُها يسيراً، يزيده قوة حتى يصل إلى رتبة الصحيح أو المتواتر - لا محل له عند المؤلف، وإنما يرى أن الصحيح يتقوى بكثرة طرقه الصحيحة . وهذه نصوصه التي يؤخذ منها ما ذكرنا من مذهبه في هذه المسألة: قال في معرض كلامه على حديث: ((من أتى امرأته وهي حائض ... )): ((ولكنهم يزعمون أن متن الحديث في الجملة لا بالنسبة إلى رواية راو بعينه مضطرب ، وذلك عندي خطأ من الاعتلال، والصواب هو أن تنظر رواية كل بحسبها، ويعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قبل، ولو كانت له طرق أخرى ضعيفة ... ))(١) . وهذا صريح أو كالصريح في عدم قوله بجبر بعض الطرق بعضها الآخر. ويؤكد هذا ويرسخه قولُه أيضاً: ((وانتشار الطرق أدل على صحة الحديث منها على ضعفه، إذا كان في بعضه طريق سالم من الضعف))(٢). (١) انظر الحديث: (١٩٥١). (٢) انظر الحديث: (٢٥٧٠). ٢٤٥ وهذا واضح في أن الطرق إذا كانت كلها ضعيفة لا يجبر بعضها بعضاً، ولا تؤكد الحديث، ولا تقويه؛ وهو خلاف عمل المحدثين؛ فالحديث عندهم إذا ورد من طرق متعددة ضعيفة، وكان ضعفها يسيراً، فإن بعضها يجبر البعض الآخر، وعلى هذا بنوا باب الاعتبار بالشواهد والمتابعات، وعليه يدل استقراؤهم الذي لا تحصى أمثلته. وقال في حديث أبي حميد في وصفه صلاته تم ليه: ((وللحديث بالفرق بين الجلوسين إسناد صحيح متصل لم يذكر فيه أبو قتادة ... ))(١) . فهذا واضح في هذا المعنى؛ إذ الحديث الذي ساقه، ثم عقب عليه بما ذكر، حديثٌ واحد في موضوعه، ولم يقل: وهناك حديث صحيح في هذا المعنى يجبر هذا الحديث، وما ذلك إلا لأنه یری کل حديث مستقلاً بنفسه، ولو كان المتن واحداً في عدة أحاديث. ولما تعقب أبا محمد في تحسين حديث: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم)). قال: ((ولهذا المعنى إسناد صحيح سنذكره إن شاء الله تعالى ... ))(٢). ولم يقل: وهذا له شاهد صحيح، وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرناه من مذهبه في هذه المسألة. صحیح أن المحدثین یعتبرون کل إسناد مستقلاً بذاته، فإذا روي متن واحد بعشرة أسانيد، فيعتبرون ذلك عشرة أحاديث، وعلى هذا يتنزل قول البخاري وأضرابه: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير (١) انظر الحديث: (٤٦٢). (٢) انظر الحديث: (١٠٧٣). ٢٤٦ صحيح))(١) . ولكنهم في المتون يعتبرون المتن واحداً، ولو اختلفت وتعددت أسانيده، ولذا يقولون: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعنون مثل ذلك المتن، أو قريباً منه لفظاً أو معنى، أو مشاركاً له في بعض فقراته، أو بعض معانيه، ولا يشترط عندهم المساواة في اللفظ حرفاً بحرف، بل إذا كان المتنان يجمعهما قاسم مشترك، فإنهم يعتبرونهما متناً واحداً، وإن كان بعضهم يزيد على البعض بأحكام أو ألفاظ لا توجد في الآخر. وعلى هذا العمل منذ القدم إلى يومنا هذا. خلاصة: هذا المذهب الذي تبناه المؤلف في هذه المسألة مذهب غريب، وقد أجهدت نفسي أن أجد من سبقه إليه فلم أجد ما يشبهه إلا عند ابن حزم مع الفرق بينه وبين المؤلف. ولعل المؤلف تأثر بابن حزم في ذلك، وكيفما كان فهذا المذهب لا يساعد عليه النقل، ولا النظر، ولا الواقع. فأما من حيث النقل فلم نجد العمل عليه، وإنما كان العمل على خلافه إجماعاً أو كالإجماع، وهذا كاف في التوقف فيه. 1 وأما من حيث النظر، فإن الحدیث كلما تعددت مخارجه، وتباينت طرقه، وكان ضعفه ناشئاً من سوء الحفظ، تقوى واشتد؛ لأن مخافة وهم راويه، ينجبر بمتابعة مثله، أو من هو أقل منه ضعفاً، وفي عالم المحسوسات أن المريض مرضاً خفيفاً قد لا يستطيع الحركة بنفسه ولكنه يطيقها باتكائه على غيره؛ لأن ضعفه بذلك ينجبر، إذا لم يصل إلى حد الضعف القاعد عن الجابر. (١) مقدمة ابن الصلاح ص (٢٠). ٢٤٧ وأما من حيث الواقع، فالناس يتفاوتون في الحفظ والإتقان، بين حافظ متقن، ومتوسط، وضعيف خفيف الضعف، وشديد الضعف. فليس هناك صنفان فحسب، بل هناك أصناف ثلاثة: صنف في الذروة العليا من التيقظ والحزم. وصنف في الحضيض من الغفلة، وسوء الفهم، والفطنة. وصنف بينهما ليس من هذا ولا من ذاك؛ بل فيه بعض ملامح هذا وذاك، فإذا جاء ما يلحقه بالصنف الأول أو الثاني التحق به، وإن فقد ذلك، توقف في خبره وتحديثه. وإذا اعتمدنا رأي المؤلف، فسنلغي - بناء عليه - أحاديث كثيرة صححها الأئمة، أو حسنوها بهذه الطريقة، وهي تشغل حيزاً أكبر من حيز الصحيح والحسن لذاتهما، وجرى عليها العمل من لدن الصحابة إلى يومنا هذا. ثم إن المؤلف لما طبق تعريفه هذا على جملة وفيرة من النصوص، لم يوفق في التطبيق؛ لأن جملة من هذه النصوص التي قال هو فيها حسن، وجد في الراوي المختلف فيه - الذي من أجله حسنه - جرح مفسر ، وذلك ينقض هذه القاعدة، فهل اطلع المؤلف على الجرح المجمل ولم يطلع على المفسر أم ماذا؟ كما أنه وفق بجانب هذا في تطبيقه هذا التعريف على جملة غير قليلة من النصوص، التزم فيها ما أصله وفصله. وليس هذا محل سردها لكثرتها، وإنما تطلب في ثنايا الكتاب؛ فهي مفصلة في أماكنها المبثوثة هنا وهناك. ٢٤٨ الفرع الخامس: الحديث الضعيف: ((والضعيف الذي أنبه عليه في هذا الباب ... هو ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولاً البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال ... وإما باضطراب في متنه، وأما الاضطراب في الإسناد فلا نعده عليه، ولا نؤاخذه به، إلا أن يكون الذي اضطربت روايته، واختلف ما جاء عنه، من لم تثبت لدينا عدالته، إما من المساتير، وإما من مجهولي الأحوال، فإنه إذا كان كذلك كان اضطرابه زيادة في ضعف الحديث))(١) . الفرع السادس: الحديث المنقطع: ١ - ((اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات: - الأولى: قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع؛ لأن فلاناً لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه. - الثانية: أن توجد رواية المحدث عن المحدث لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالانقطاع ... - الثالثة: أن يُعلم من تاریخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه. - الرابعة: أن يكون الانقطاع مصرحاً به من المحدث، مثل أن يقول: حدثت عن فلان، أو بلغني، إما مطلقاً، وإما في حديث حديث))(٢) . ٢ - ((فمتى ثبت أوله(٣) وسقط مما بعده، أو ثبت أوله وثانيه، وسقط مما (١) انظر: الحديث (١٤٤٨). (٢) انظر: الحديث (٣٦٧) مقدمة باب: ذكر أحاديث أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة. (٣) يعني أول السند الذي هو الصحابي. ٢٤٩ بعدهما، فأكثر ما يقولون في هذا: منقطع))(١). تعليق : هذا التعريف الثاني للمنقطع يشمل المعضل؛ لأن سقوط ما بعد الصحابي والتابعي يمكن أن يكون الساقط واحداً أو أكثر، فإن كان واحداً، فهو المنقطع، وإن كان أكثر من واحد فهو المعضل. ومن المحدثین من یسمي كل ذلك انقطاعاً، وهو اصطلاح لا مشاحة فیه، ولكن تلقيب كل سقط بلقب خاص به، هو الشائع عند المتأخرين، وهو أضبط للقواعد من اختلاط بعضها ببعض، أو إيهامها ما ليس بصواب. الفرع السابع: الحديث المرسل: ١ -«المحدث إذا قال مرسل: فأكثر ما يقوله عن حديث سقط أول إسناده؛ مثاله: أن يسقط من هذا ذكر ابن عباس، فيبقى عن عطاء الخراساني، عن النبي ◌َ، فلو سقط منه أوله وثانيه فأكثر، سموه مرسلاً أيضاً، ومنهم من يخص به اسم : معضل، فمتى ثبت أوله، وسقط مما بعده، أو ثبت أوله وثانيه، وسقط مما بعدهما، فأكثر ما يقولون في هذا: منقطع، وربما قالوا: مرسل))(٢) . ٢ - ((وجامع ذلك وضابطه أن من يرسل الأحاديث، ويطوي ذكر من اتصلت به، لا يخلو المطوي ذكره من أربع أحوال: أحدها: أن يكون ثقة عنده وعند غيره. والثانية: عكس هذه، أن يكون ضعيفاً عنده وعند غيره. والثالثة: أن يكون ثقة عنده، ضعيفاً عند غيره. (١) انظر: الحديث (٣٩٩). (٢) انظر: الحديث (٣٩٩). ٢٥٠ والرابعة: عكس هذه، أن يكون ضعيفاً عنده، ثقة عند غيره. ففي الأولى يجوز الإرسال بطي ذكره الثقة بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنه يعمل به أم لا؟ . والثانية: لا يجوز له ذلك بلا خلاف؛ لأنه لما كان ضعيفاً عنده وعند الناس، لم يجز له طي ذكره، فإنه إذا فعل ذلك، ربما صادف من يعمل بالمراسل فيأخذ به، والذي أرسله قد علم أنه ليس من الشرع. والثالثة: وهي أن يقول: حدثني الثقة عندي، أو من أرضى - موضع نظر، فإنه إن قيل: يجوز له؛ لأنه عنده ثقة كالأول ـ احتمل أن يقال: لا يجوز له ذلك كالثانية، للمانع المذكور فيها؛ لأنا قد فرضناه ضعيفاً عند الناس. والرابعة كالثانية؛ لأنه ضعيف عنده، وقد ينفرج فيها احتمال. وكل هذه مسائل فرعية، والحظ الأصولي منها إنما هو: هل يعمل بالمرسل أم لا؟ ويخلص من هذا أن الإرسال إنما يجوز إذا طوى الذي يرسل ذكر من هو عنده ثقة، وهو عند غيره كذلك، فأما الأخر الممتنعة فيشتد الأمر فيها إذا خلطت بالصحيح، حتى يتوهم فيها أنها كذلك)) (١) . ٣ - ((فإن المرسل هو الذي طوي عنا من إسناده من لو ذكره أمكن أن نعرفه ضعيفاً أو مجهولاً))(٢). ٤ - ((اعلم أن المرسل ينقسم بانقسام المسند إلى صحيح وسقيم، وإن منه ما يرويه الثقات إلى الذي أرسله، ومنه ما يكون في إسناده إلى الذي أرسله ضعيف، أو ضعفاء، أو مجهول، أو مجاهيل. (١) انظر: الحديث (٢٢٤٦). (٢) انظر: الحديث (٢٤٢١). ٢٥١ فالذي لا عيب له سوى الإرسال، هو الذي اختلف العلماء في الاحتجاج به، فرأی ذلك قوم، وأباه آخرون، فإن جمع إلی کونه مرسلاً ضعف راو، أو رواة ممن في إسناده، فإنه حينئذ يكون أسوأ حالاً من المسند الضعيف، لأنه يزيد عليه بالانقطاع. فليس يجب - والحالة هذه - أن يسالم رواة الحديث المرسل، اكتفاء بذكر إرساله، بل يبين من أمرهم ما يبين من أمورهم إذا رووا المسند، ويوضع فيهم من الجرح والتعديل ما يوضع في رواة المسند))(١). ٥ - ((وهذا - يعني الإرسال - ليس بعلة في الأخبار؛ فإنه لا بُعْد في أن يكون عند الزهري في ذلك أنه مسند فيحدث به كذلك. وينقسم الآخذون عنه إلى حافظ واع، يأتي به على ما حدثهم به، وإلى شاك في ذكر الصحابي؛ أو لا يتحقق من هو فيسقطه، ويصنع ذلك آخر في الصحابي، والتابعي، فيعضل إرساله. وقد يمكن أن يكون ذلك من الزهري نفسه؛ أن يحدث به تارة مسنداً، وتارة مرسلاً، وتارة معضلاً، إما لشك بعد تيقن، فأسقط ما شك فيه، أو لتحقق بعد تشكك، كما يجري في المناظرات والمحاورات، من ترك أسانيد الأخبار، فسمعه منه الرواة كذلك))(٢) . ٦ - ((اعلم أن الحديث المرسل أو المنقطع مختلف في الاحتجاج به، فإذا حُكم على حديث بالضعف، كان ذلك منفراً عنه، ولو أعلَمَ أن الذي أعله به إنما هو الانقطاع أو الإرسال، انقسم سامعوه إلى قابل وراد))(٣) . (١) انظر الحديث: (٦٤٣) مقدمة باب: ذكر أحاديث ذكرها على أنه مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال. (٢) انظر الحديث: (٢٥٥٢). (٣) انظر الحديث: (٢٦٤١) مقدمة باب: ذكر أحاديث ضعفها ولم يبين بماذا؟ ٢٥٢ تعليق: يظهر من هذه النصوص مجتمعةً، أن المؤلف يستعمل المرسل استعمالين: أحدهما: المعنى المعروف الشائع، وهو ما سقط منه الصحابي . وثانيهما: ما سقط منه التابعي أو من دونه؛ سواء كان منقطعاً أو معضلاً، وهذا واضح من كلامه في النص الثاني والثالث؛ لأنه لو كان يقصد فيهما ما سقط منه الصحابي، لما صح كلامه؛ لأن الصحابة لا ينطبق عليهم هذا الكلام. وإطلاق المرسل على المعضل، والمنقطع، والمعلق، معروف في كلام المتقدمين. قال العلائي: فيتحصل من مجموع ذلك في حد المرسل أقوال: أحدها: وهو أكثر اتساعاً، أن المرسل قول الواحد من أهل هذه الأعصار وما قبله: قال رسول الله تَ ﴾ ... وثانيها: اختصاص المرسل بما أرسله كبار التابعين ... وثالثها: أن المرسل ما قال فيه التابعي: عن رسول الله تَّه ، سواء كان من كبار التابعين، أو من صغارهم. ورابعها: أن المرسل ما سقط من سنده رجل واحد، سواء كان المرسل له تابعياً أو من بعده، وهو ظاهر كلام الإمام الشافعي ... (١) . الفرع الثامن: مراسل الصحابة: مرسل الصحابي هو أن يسمع الصحابي حديثاً من صحابي آخر، وعند (١) انظر: جامع التحصيل (٣٠ -٣١). ٢٥٣ التحديث به يحذف الصحابي الذي سمعه منه، ويسنده إلى رسول الله ◌َ ◌ّ﴾ مباشرة بصيغة العنعنة التي توهم أنه سمعه منه، وأما إذا قال: سمعت أو حدثنا رسول الله عملي ، فلا شك عند الجميع في اتصاله. ومرسل الصحابي هذا، كان فيه خلاف قديم لبعض الأئمة، ولكنه أجمع من يعتد بإجماعه على عدم الالتفات لمن يعلل مرسل الصحابي بالإرسال، وعلى هذا جرى عمل الأئمة الكبار، أصحاب التصانيف الذين لا يحصون كثرة، ففي مسانيدهم، ومصنفاتهم من أحاديث صغار الصحابة - كالحسن، والحسين، وابن عباس، وابن الزبير - شيء كثير، كله يعتبر عندهم موصولاً لا مرسلاً. قال العلائي: ((ثم منْ هؤلاء من بالغ في الرد، حتى لم يقبل مراسيل الصحابة، كابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وغيرهم ، الذين لم يسمعوا من النبي تَّه إلا اليسير، وأكثر رواياتهم، أو عامتها عن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وهذا قول أبي إسحاق الاسفرائيني، وطائفة يسيرة، والجمهور على خلاف ذلك؛ لأن العلة في رد المرسل، إنما هي الجهل بعدالة الراوي؛ لجواز ألا يكون عدلاً، وهذا منتف في حق الصحابة - رضي الله عنهم - لأنهم كلهم عدول، ولا يضر الجهالة بعين الراوي منهم بغير كونه صحابياً)(١). وقال النووي: «هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسله فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح، وقيل: إنه كمرسل غيره، إلا أن يبين الرواية عن صحابي))(٢). (١) جامع التحصيل ص: (٣٦). (٢) تدريب الراوي: (٢٠٧/١). ٢٥٤ وقال السيوطي - شرحاً لهذا القول -: ((وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين، ليس أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات، أو حكايات أو موقوفات))(١). ومن هذه الطائفة القليلة التي لم يؤخذ بقولها - لا قولاً ولا عملاً. في رد مرسل الصحابي، الحافظ ابن القطان ، الذي يرى أيضاً أن مرسل الصحابي منقطع، فيرد لذلك، ما لم يصرح بمن حدثه، أو يتبين من طريق آخر، وقد علل بهذه القاعدة كثيراً من الأحاديث في الصحيحين وغيرها . منها حديث المسيب بن حزن: ((لما حضرت أبا طالب الوفاة ... )). قال ابن القطان: ((وهو عندي مرسل، لا من جهة الاحتمال الذي في قول الصحابي ، قال رسول الله تَّه من أن لا يكون سمع ذلك، لكن من جهة أن المسيب بن حزن ... إنما هو وأبوه من مسلمة الفتح. وإن شك في هذا لم يشك في أنه لم يشاهد هذه القصة الواقعة في أول الأمر، ولا فيه أن النبي ◌َّ أخبرهم بذلك))(٢). ومنها حديث أنس في الإسراء. قال ابن القطان: ((ولم يقل فيها: إن رسول الله عَّه قال لهم ذلك، وأنه سمعه منه، ... ومن المقرر أن سن أنس تصغر عن وقت الإسراء، فلابد أن يكون حديثه مرسلاً))(٣) . ومنها حديث جابر ((أن جبريل أتى النبي ◌َّى ليعلمه مواقيت الصلاة ... )) (١) تدريب الراوي (١/ ٢٠٧). (٢) انظر: الحديث (٤٦٦). (٣) انظر: الحديث (٤٦٩). ٢٥٥ الحديث . قال ابن القطان: ((وهو أيضاً يجب أن يكون مرسلاً كذلك؛ إذ لم يذكر جابر من حدثه بذلك، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء، لما علم من أنه أنصاري إنما صحب بالمدينة))(١) . وهذه نماذج لإثبات مذهبه في مرسل الصحابي، وأنه منقطع عنده، ولا نريد الإطالة بسرد كل ما ذكر من ذلك، فهو مبثوث في ثنايا الكتاب، وهو بين يديك. وهذا المذهب غريب من ناحيتين: الناحية النظرية، والناحية الواقعية: فأما من حيث النظر، فإن الشرط المتفق عليه أن يدور الحديث على ثقة، والصحابة في أعلى درجات الثقة، فإذا حذف الصحابي صحابياً آخر، ورفع الحديث مباشرة، فقد حذف ثقة، ولا يضره ذلك، وإنما يضره حذف الضعيف الذي يوهم أن الحديث عن ثقة متصل، وهو في الحقيقة على خلاف ذلك. وأما من حيث الواقع، فهؤلاء الصحابة وإن كانوا صغاراً ولم يحضروا تلك الأحوال، فمن المحتمل أن النبي ◌َّهُ حدثهم بذلك في معرض آخر، وليس هناك ما يمنع أن يحدث بقصة معينة مراراً، للتعريف بتفاصيلها، وإبلاغها من لم يحضرها، فإذا كان هذا ممكناً فلا يمكن دفعه، والمؤلف نفسه ممن يتبنى هذه القاعدة ويقول: ((إذا كان اللفظ محتملاً، لم يكن للناقل رفض الاحتمال وتأديته نصاً))(٢). (١) انظر: الحديث (٤٦٥). (٢) انظر: الحديث (٢٧٩). ٢٥٦. ٤٠۔ وهو نفسه يقبل الحديث الذي ورد موقوفاً، ومقطوعاً، ومرفوعاً، ومرسلاً، إذا كان يدور على ثقة، بحجة أن ذلك كله ممكن وقوعه؛ ففي حديث: ((صلوا كأحدث صلاة صلوها في المكتوبة - يعني في الكسوف - قال: ((ولا بُعْد في أن يكون عنده فيه جميع ذلك))(١) . يعني من الرفع، والاختلاف في اسم صحابيه، هل هو النعمان بن بشير، أو قبيصة، فكذلك نقول: لا بُعْدَ أن يسمعه صحابي من صحابي آخر، ثم يسمعه من النبي تَّه بعد ذلك، أو سمعه من النبي ◌َّه ، ثم من الصحابي، فصار یحدث به على الوجهین. خلاصة: قبول مراسل الصحابة، هو الذي لا يلتفت إلى سواه، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك. ونقل ابن جرير الطبري إجماع التابعين على ذلك. وقال العراقي: ((إن المحدثين وإن ذكروا مراسيل للصحابة، فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها))(٢) . وقال الحافظ: ((في إطلاق النفي عن المحدثين نظر، فإن أبا الحسن بن القطان - صاحب الوهم والإيهام - منهم، وقد رد أحاديث من مراسيل الصحابة ... )) (٣). (١) انظر: الحديث (٢٥٦٥). (٢) التقييد والإيضاح ص (٨٠). (٣) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٥٧١). ٢٥٧ الفرع التاسع: تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال: ١ - ((وهذا الأصل -أعني أن يروى الحديث تارة موقوفاً وتارة مسنداً مرفوعاً، قد تناقض فيه، وسنريك ذلك بعد - إن شاء الله تعالى .... وهو مع ذلك أصل باطل، فإنه لا بُعْد في أن يكون راوي الحديث يتقلد مقتضاه فيفتي به، فيجيء الحديث مرفوعاً وموقوفاً، أو أن يتقلد مقتضاه، فیحدث به عن نفسه لما في معرض الفتوى، أو أن يكون ابن عمر مثلاً قد روى الحديث مرفوعاً، ورواه عن أبيه موقوفاً ... والخوض في هذا طويل، وليس هذا موضعه))(١) . ٢ - ((وهو أيضاً تعليل بما ليس بعلة، ولا يضره أن يقفه واقف على أبي موسی لو صح سنده))(٢) . ٣ - ((وأما وقف من وقفه فلا يضره ذلك ... ))(٣). ٤ - قال أبو محمد عبد الحق في حديث ((لا يحصن الشرك بالله شيئاً)): ((وهم عفيف في رفعه، والصحيح موقوف)). قال ابن القطان: ((وهو في الحقيقة غير علة، فإن عفيف بن سالم الموصلي ثقة .. ، وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه))(٤) . ٥ - ذكر أبو محمد عبد الحق حديث جابر: ((من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن» وقال: تفرد یحیی بن سلام برفعه. وقال ابن القطان: ((وليس ذلك بعلة لو كان يحيى بن سلام معتمداً))(٥) . (١) انظر الحديث: (١٠١٩). (٢) انظر الحديث: (١٠٢٣). (٣) انظر الحديث: (١٠٢٤). (٤) انظر الحديث: (١٠٢٥). (٥) انظر الحديث : (١٠٢٧). ٢٥٨ : ٦ - ذكر أبو محمد حديث عائشة في قضاء صيام التطوع، وأعله بما أعله به الدار قطني من الاختلاف في وصله وإرساله، ورجح الإرسال. قال ابن القطان: ((ولا عيب على الحديث أن يروى تارة مسنداً، وتارة مرسلاً ... ))(١) . ٧ - ذكر أبو محمد حديث ابن عمر في عرك العارضين في الوضوء وقال: الصحيح أنه فعل ابن عمر غير مرفوع إلى النبي تمٍّ . قال ابن القطان: ((وقد یظن أن تعلیله إیاه هو ما ذکر من وقفه ورفعه، ولیس ذلك بصحيح، فإنه إنما كان يصح أن يكون هذا علة لو كان رافعه ضعيفاً، وواقفه ثقة، ففي مثل هذه الحال يصدق قوله: الصحيح موقوف من فعل ابن عمر، أما إذا كان رافعه ثقة، وواقفه ثقة، فهذا لا يضره ولا هو علة فيه ... فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأً))(٢). ٨- ((فإذن ليس فيه أكثر من أن ابن وهب وقفه، وزيد بن الحباب رفعه۔ وهو أحد الثقات - ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات فوقفته، ما ينبغي أن يحكم عليه في رفعه إياه بالخطأ، فكيف ولم يخالفه أحد!))(٣). ٩ - ((وهذا عند الترمذي علة؛ أن يروى مرفوعاً وموقوفاً، وليس ذلك بصحيح من قوله وقول من ذهب مذهبه»(٤) . ١٠ - وذكر أبو محمد حديث أبي هريرة: ((من أدخل فرساً بين فرسين)) وأعله بالوقف، قال ابن القطان: ((وهذا ليس في الحقيقة بعلة، لو كان سفيان (١) انظر الحديث: (١٠٣٤). (٢) انظر الحديث: (١١٠٨). (٣) انظر الحديث: (١١١٤). (٤) انظر الحديث: (١١٩٤). ٢٥٩ وسعید رافعاه، ثقتین؛ فإنه لا بعد في أن يكون الخبر عند الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّهِ، عن رجال من أهل العلم ذهبوا إليه، ورأوه لأنفسهم رأياً، وإنما علة الخبر ضعف سفيان بن حسين في الزهري ... وضعف سعيد بن بشير بالجملة ... فلو كانا حافظين لم يضرهما مخالفة من وقفه))(١) . ١١ - ذكر أبو محمد من عند الترمذي حديث: ((خير الصحابة أربعة)) و حسنه الترمذي ولم یصححه لوروده مرسلاً من وجه آخر . قال ابن القطان: ((فعلته -إذن - عنده الاختلاف فيه بالإسناد والإرسال، وذلك غير قادح في نظر غيره، فالحديث صحيح ... ))(٢). ١٢ - ((وعندي أن عبد العزيز بن المختار قد رفعه، وهو ثقة، ولا يضره وقف من وقفه))(٣) . ١٣ - ((وليس يضر الحديث تفنن رواته في روايته بالوصل والإرسال، والرفع والوقف)» (٤) . ١٤ - ((فهذا ترجيح منه لرواية يونس المتصلة، على روايته المرسلة، وهو لا يضره))(٥) . ١٥ - «بل لا بُعْد في أن يروى كذلك مرسلاً ومسنداً قوله في المدبر، أو فعله فیه، حتی یکون حدیثاً واحداً پسند ویرسل، ولیس من قصر به فلم يسنده (١) انظر الحديث: (١٢٤٦). (٢) انظر الحديث: (١٢٥٠). (٣) انظر الحديث: (٢٤٣٦). (٤) انظر الحديث: (٢٤٩٣). (٥) انظر الحديث: (٢٤٩٣). ٢٦٠