النص المفهرس

صفحات 181-200

المبحث الثالث
منهجه فيها

لا ريب أن أبا محمد عبد الحق، قد أزاح كل غموض، وأبعد كل
احتمال، حينما سطر منهجه في مقدمة كتابيه: الأحكام الوسطى والصغرى
بكل وضوح ودقة؛ وبذلك أراح من جاء بعده من استنباط منهجه، والتماس
أوجهه، كما أنه بذلك تلافى تأويلات قد لا تنسجم مع ما قصد .
ولإدراك الرجل بذهنه الثاقب، ورؤيته البعيدة لخطورة المنهج، وأبعاده
الثقافية ، سطره أولاً، ثم بنى عليه ما أراد بعده ثانياً.
نص مقدمة الأحكام الوسطى:
((الحمد لله رب العالمين والصلاة والتسليم على محمد خاتم النبيين، وإمام
المرسلين، وعلى جميع عباده الصالحين.
أمابعد: وفقنا الله وإياك، فإني جمعت في هذا الكتاب مفترقاً من حديث
رسول الله تَّه ، في لوازم الشرع وأحكامه، وحلاله وحرامه، وفي ضروب
من الترغيب والترهيب، وذكر الثواب والعقاب، إلى غير ذلك من الآداب
والرقائق، والحكم والمواعظ، وفنوناً من الأدعية والأذكار، وجُمَلاً من
الفتن والأشراط، وأحاديث في معان أخر، مع زُبَد من التفسير؛ مما يكسب
حافظه العلم الكثير، والعامل به الحظ الخطير، والملك الكبير.
ونقلتُها من كتب الأئمة المشهورين، الجلة السابقين سُرُج الدين، وهداة
المسلمين: أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأبو عبد الله:
محمد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين: مسلم بن الحجاج القشيري
النيسابوري، وأبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عبد الرحمن:
١٨٣

وأضفت إلى ذلك أحاديث من كتب أخر، أذكرها عند ذكر الحديث منها، أو
أذكر أصحابها، أو المشهور برواية ذلك الحديث الذي أخرج؛ مثل أن أقول:
ومن مسند أبي بكر بن أبي شيبة، أو: وذكر ابن أبي شيبة، أو: وروى وكيع
ابن الجراح، أو فلان.
وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لغيره عن صاحب، ثم أقول: وعنه، أو:
وعن فلان، وأذكر ذلك الصاحب أو صاحباً آخر، فإنما كل ذلك لمسلم، أو
من الكتاب الذي أذكر أولاً حتى أسمي غيره، وربما تخللها كلام في رجل أو
في شيء ما.
وإذا قلت: وفي رواية أخرى، أو: في طريق أخرى، ولا أذكر الصاحب،
فإنه من ذلك الكتاب، وعن ذلك الصاحب، عن النبي تَّه.
وإذا ذكرتُ الحديث لمسلم أو لسواه، ثم أقول: زاد البخاري كذا
وكذا، أو: زاد فلان كذا وكذا، أو قال فلان: كذا وكذا، لم أذكر الصاحب
ولا النبي
.
وإن كانت الزيادة عن صاحب آخر، ذكرت الصاحب وذكرت النبي
صَلى الله
وربما ذكرت الزيادة وقلت: خرجها من حديث فلان ولم أذكر النبي تَّهِ ،
٠
ولكنه عن النبي تَّه .
وإن كان حديثاً كاملاً ذكرت الصاحب وذكرت النبي تَّه .
وإن كانت الزيادة، أو إذا كان الحديث الكامل بإسناد معتل، ذكرت
علته، ونبهت عليها بحسب ما اتفق من التطويل أو الاختصار، وإن لم تكن
فيه علة، كان سكوتي عنه دليلاً على صحته، هذا فيما أعلم.
ولم أتعرض لإخراج الحديث المعتل كله، وإنما أخرجت منه يسيراً مما عُمل
١٨٤

به أو بأكثره عند بعض الناس واعتمد عليه، وفزع عند المحاجة إليه، والحديثُ
السقيم أكثر من أن أتعرض له أو أشتغل به.
وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحدة، فذكرته منها، وربما
بينته .
ومنها ما رود من طريقين أو أكثر ، فذكرت منها ما أمكن ، وأضربت عن
سائرها.
ومنها ما لم أحص طرقه، ولو أردت ذكر ذلك لم أقدر عليه، ولا وجدت
سبيلاً إليه، لضيق الباع، وقلة الاتساع، مع ما أكرهه أيضاً من التكرار،
وأرغب فيه من التقريب والاختصار.
وكثيراً ما أخذتُ من كتاب أبي أحمد بن عدي الجرجاني حديثاً وتعليلاً .
وكذلك من كتابَيْ أبي الحسن: علي بن عمر الدار قطني: كتاب السنن
و کتاب العلل له.
وأخذت كلاماً كثيراً في التجريح والتعديل من كتاب أبي محمد:
عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي، ومن كتاب غيره.
وربما أخذت حديثاً من كتاب، وتعليلاً من كتاب آخر، أو كلاماً في
رجل، وقد بينت ذلك في بعض المواضع.
وأكثر ما أذكر من العلل ما يوجب حكماً، ويثبت ضعفاً، ويخرج الحديث
من العمل به إلى الرغبة عنه، والترك له، أو إلى الاعتبار بروايته؛ مثل القطع،
والإرسال، والتوقيف، وضعف الراوي، والاختلاف الكثير في الإسناد.
وليس كل إسناد يفسده الاختلاف، وليس الإرسال أيضاً علة عند قوم،
إذا كان الذي يرسله إماماً، ولا التوقف علة عند آخرين إذا كان الذي يسنده
ثقة. وضعف الراوي علة عند الجميع.
١٨٥

وضعف الراوي يكون بالتعمد للكذب، ويكون بالوهم وقلة الحفظ،
وكثرة الخطأ وإن كان صادقاً، ويكون بالتدليس وإن كان ثقة، فيحتاج حديثه
إلي النظر.
ويكون أيضاً بجرحة أخرى مما يسقط العدالة أو يوهنها، أو برأي يراه
الراوي، ومذهب يذهب إليه، مما يخالف السنة ويفارق الجماعة.
وفد یکون داعية إلى مذهبه ذلك، وقد يكون يعتقده ويقول به ويدعو
إليه، وبينهما عند بعضهم فرق، وللكلام في هذا موضع آخر.
وإنما أذكر في هذا الكتاب كلامَ الأئمة في الراوي مختصراً، وإذا ذكرته
في موضع وذكرت الكلام فيه، ووقع ذكره في موضع آخر، ربما ذكرت من
تكلم فيه، وربما ذكرت ضعفه خاصة، وربما ذكرت الجرحة في بعض
المواضع، وربما قلت: لا يصح هذا من قبل إسناده، اتكالاً على شهرة الحديث
في الضعف.
وإنما أعلل من الحديث ما كان فيه أمر، أو نهي، أو يتعلق به حكم، وأما
ما سوى ذلك فربما كان في بعضها سمح، وليس فيها شيء عن متفق على
تر که فیما أدري، وليس فيها أيضا من هذا النوع إلا قليل.
ولعل قائلاً یقول: قد کان فیما جمع أبو قاسم الزیدوني -رحمه الله-ما
یریحك عن تعبك، ویغنیك عن نصبك، فما فائدتك فیما قصدت، وما
العائدة التي تعود عليك في هذا الذي جمعت؟.
فأقول - والله المستعان -: إن لكل أحد رأياً يراه ، وطريقاً يلتمسه ويتوخاه،
وإن أبا القاسم - رحمه الله - أخذ الأحاديث غثها وسمينها، وصحيحها
١٨٦

وسقيمها، فأخرجها بجملتها، ولم يتكلم في شيء من عللها، إلا في الشيء
اليسير ، والنادر القليل.
وقد ترك أحاديث في الأحكام لم يخرجها؛ إذلم تكن في الكتب التي
أخرج حديثَها، وإن كان فيها أحاديث معتلة، فقد أخرج أمثالها في الوهن.
وتلك الأحاديث التي ترك، قد أخرجتُ منها ما يسر الله عز وجل به، وما
كان منها فيه علة فقد ذكرتها، كما فعلت في سائر ما في الكتب من الحديث
المعتل مما أخرجته منها، إلا أن تكون العلة لا توهن الحديث، لضعفها وقلة
القائلين بها .
وأيضًا فإن أبا القاسم، عمد إلى الحديث، فأخرجه من كتب كثيرة،
وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظاً واحداً، ولم يبين لفظ من هو،
ولا من انفرد به.
وقلما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة إلا باختلاف في لفظ أو
معنى، أو زيادة، أو نقصان، ولم يبين هو شيئًا من ذلك إلا في النَّزْر القليل،
أو في الحديث من المائة، أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك.
وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقاً،
ولكن الأولى أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به.
وأما ما كان في الحديث من اختلاف معنى، أو زيادة، أو نقصان، فإنه
يحتاج إلى تبیین ذلك وتمييزه، وتهذيبه وتلخيصه، حتى يُعرَف صاحب الحكم
الزائد، والمعنى المختلف.
وإنما ترجم - رحمه الله - على الحديث الواحد بما ترجم عليه من الكتب،
لتعرف شهرة الحدیث، فأخرجتُه من كتاب واحد وبلفظ واحد.
١٨٧

وكذلك ذكرت الزيادة من كتاب واحد وبلفظ واحد، ليعرف صاحب
اللفظ، ويتميز صاحب النص، وتقع نسبة الحديث إليه صحيحة.
وإن الحديث إذا جاء من طريق واحد صحيح، ولم يجئ ما يعارضه، فإنه
يوجب العمل، وتلزم به الحجة كما يوجب العمل وتلزم به الحجة إذا جاء من
طرق كثيرة، وإن كانت النفس إلى الكثرة أميل، وبها أطيب؛ إذا كانت الكثرة
إنما اجتمعت ممن یوثق بحديثه ويعتمد على روايته.
وإن ذكْر الحديث في مواضع كثيرة، ومجيئه في دواوين عديدة، وشهرته
عند الناس، لا يخرجه عن منزلته، ولا يرفعه في الحقيقة عن درجته.
وإنه إذا رجع إلى طريق واحد، حكم له بحكم واحد، فإن كان صحيحاً
حكم له بحكم الصحيح، وإن كان سقيماً حكم له بحكم السقيم، لأن الفرع
لا يطيب إلا بطيب الأصل، وكما أن التواتر إذا رجع إلى آحاد، حكم له
بحکم الآحاد.
إلا أن يكون الإجماع على عمل يوافق حديثاً معتلاً، فإن الإجماع حكم
آخر، وهو الأصل الثالث الذي يرجع إليه، وليس ينظر حينئذ إلى علة
الحدیث، ولا لضعف الراوي، ولا لتركه.
ولم يشتهر بالصحة من الكتب التي أخرج أبو القاسم - رحمه الله-
حديثها، إلا كتابا الإمامين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي
الحسين مسلم بن الحجاج، رحمة الله عليهما. وسائرها لم يعرف بالصحة،
ولا اشتهر بها، وإن كان فيها من الصحيح ما لم يجئ في الكتابين، كما أن فيها
من السقيم ما يحتاج إلى الكلام فيه، والتنبيه عليه، والتمييز له، وإلا كان
١٨٨

قارئه والعامل به، يسير في ظلماء، ويخبط في عشواء.
مع أن أحاديث في الكتابين قد تكلم فيها، ولم يسلم لصاحبها إخراجها
في جملة الصحيح، وإن كان ذلك الاعتراض لا يخرج الكتابين عن تسميتهما
بالصحيحين. ومع أن بعض الكلام في تلك الأحاديث، تعسف وتشطط، لا
یصغی إلیه، ولا يعرج عليه.
وقد أخرجتُ في هذا الكتاب أحاديث قليلة من كتاب، وتركتها في كتاب
أشهر من الكتاب الذي أخرجتها منه، ثم نبهت على كونها في ذلك الكتاب
المشهور. وإنما فعلت ذلك لزيادة في الحديث، أو لبيانه، أو لكماله وحسن
مساقه، أو لقوة سند في ذلك الحديث على غيره. ومنها ما فعلته نسياناً ونبهت
على الكل.
وقد یکون حديث بإسناد صحيح، وله إسناد آخر أنزل منه في الصحة،
لكن يكون لفظ الإسناد النازل أحسن مساقاً أو أبين، فآخذه لما فيه من البيان
وحسن المساق، إذ المعنى واحد، إذ هو صحيح من أجل الإسناد الآخر.
أو يكون حديث تعضده آية ظاهرة البيان من كتاب الله تعالى، فإنه - وإن
كان معتلاً - أكتبه؛ لأن معه ما يقويه ويذهب علته، وهذا النوع المعتذر عنه في
هذا المجموع قليل.
وجعلت هذا الكتاب مختصر الإسناد ليسهل حفظه ویقرب تناوله،
وتتيسر فائدته إلا أحاديث يسيرة ذكرت سندها أو بعضه؛ ليتبين الراوي المتكلم
فیه؛ لأنه ربما کان الراوي لا يعرف إلا حتی یذکر عمن روی، ومن روی عنه.
وربما ذكرت من الإسناد رجلاً مشهوراً يدور الحديث عليه، ویعرف به،
كما تقدم.
١٨٩

وعلى كتاب مسلم في الصحيح عولت، ومنه أكثر ما نقلت.
وإلى الله عز وجل أرغب، ومنه تبارك وتعالى أسأل وأطلب، أن يجعل
ذلك خالصاً لوجهه، مقرباً إليه، مزلفاً لديه، وأن يعين على العمل به،
والأخذ بما فيه، وأن ييسر لنا طريق النجاة، وسبيل الهداة وأن يرزقنا طيب
الحياة، وكرم الوفاة، برحمته، لا رب غيره، وهو المستعان، وعليه التكلان،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)»(١).
ملخص المقدمة:
١ - جمع أحاديث هذا الكتاب من الكتب الستة: الصحيحين، وأبي
داود، والترمذي، والنسائي، والموطأ، وأضاف أحاديث في ذلك المعنى من
کتب أخری، کمصنف ابن أبي شيبة وغيره.
٢ - يذكر صحابي كل حديث ثم يعطف على ذلك الحديث أحاديث أخر
بدون عزوها ولا ذكر مصدرها، إيذاناً منه بأنه في المصدر السابق لنفس
الصحابي المذكور.
٣ - إذا زاد زيادة من كتاب آخر، ولم يذكر صحابيها فهي لنفس الصحابي
السابق.
٤ - فإن كان الزيادة لصحابي آخر صرح به.
٥ - إذا ذكر الحديث وفيه علة، فإنه يذكرها، فإن سكت عنه كان ذلك
دليلاً علي صحته عنده.
٦ - لم يتعرض لإخراج جميع الأحاديث المعلة، وإنما تعرض لليسير منها
الذي عمل به الناس، واعتمد عندهم؛ لأن الأحاديث الضعيفة أكثر من أن
(١) الأحكام الوسطى: ١، ٢، ٣، ٤، ٥ - مخطوط المغرب.
١٩٠

وإما لتعذر ذلك عليه، وإما خشية التكرار، الذي يتنافى مع الاختصار.
٨- الكتب التي اعتمدها كثيراً في تعليل الأحاديث هي: الكامل لابن
عدي، وعلل الدار قطني وسننه.
٩ - اعتمد في التجريح والتعديل - في الغالب - كتاب الجرح والتعديل لابن
أبي حاتم، والكامل لابن عدي، وينقل عن غيرهما بقلة.
١٠ - وقد يذكر الحديث من مصدر وتعليله من مصدر آخر.
١١ - يركز على تعليل أحاديث الأحكام التي تخرج عن حد الاحتجاج
بها، ويتسامح في أحاديث الترغيب والترهيب.
١٢ - الحديث إذا صح ولم يعارضه معارض، فإنه يوجب العمل وتلزم به
الحجة .
١٣ - إذا تكرر عنده حديث، وكان قد أعله فيما سبق، فإنه قد يسكت
عنه، اتكالاً على ما قدم فيه أو في راويه، وقد يتكلم عنه باختصار مرة أخرى.
١٤ - کون الحديث في مصادر متعددة و شهرته عند الناس، لا يخرجه عن
منزلته، ولا يرفعه عن درجته.
١۵ - قد يترك المصدر المشهور، ويخرج الحديث من مصدر غير مشهور،
الزيادة في الحديث، أو لقوة سنده، أو حسن سياقه، ثم ينبه على كونه في
المصدر المشهور.
١٩١

١٧ - حذف أسانيد الأحاديث، إلا النزر اليسير الذي يذكر سنده أو بعضاً
منه، لتبيين الراوي المتكلم فيه، وقد يذكر من الإسناد الرجل الذي يدور عليه
الحدیث ویعرف به.
١٨ - عول على صحيح مسلم، في أكثر ما نقل من الصحيح، لسهولة
المأخذ، وحسن الترتيب.
١٩٢

المبحث الرابع
معالم المنهج النقدي عند
أبي محمد عبد الحق،
وابن القطان الفاسي في كتابيهما

المبحث الرابع
معالم المنهج النقدي عند
أبي محمد عبد الحق، وابن القطان الفاسي في كتابيهما
أ- المعالم المنهجية المشتركة بينهما:
إن هناك قواسم مشتركة بين الحافظين: أبي محمد عبد الحق وأبي الحسن
ابن القطان في المنهج النقدي، كما أن هناك مميزات لدى كل واحد منهما
لیست عند الآخر .
فمما يتفقان فيه من معالم المنهج النقدي باختصار، ما يلي:
١ - المرسل ليس بحجة عندهما، وإن كان بعض الفقهاء يحتج به .
٢ - اعتماد السند الصحيح والحسن في الحديث المحتج به.
٣ - التنصيص على علل الأحاديث متى ذكرت.
٤ - التشدد في أحاديث الأحكام، والتساهل في أحاديث الترغيب
والترهيب.
٥ - وجوب العمل بالحديث الصحيح الذي لم يعارضه معارض.
٦ - الحديث لا يشفع له شهرته ولا كثرة طرقه ما لم يسلم من القوادح.
٧ - مدار الرواية على الضبط والعدالة، ولذلك يقدح عندهما الإرسال
والاختلاف الكثير، والانقطاع، وضعف الراوي إما بالكذب أو بالاتهام به،
أو بالوهم، أو بكثرة الخطأ .
٨- العناية بتتبع زيادات الحديث، وبيان من زادها، والأحكام التي تترتب
عليها .
١٩٥

٩ - عدم قدح اختلاف ألفاظ الحديث الواحد، إذا كان المعنى واحداً.
١٠ - إذا اختلف المعنى فلابد من بيان كل لفظ وعزوه إلى راويه، وتمييزه
عن غيره.
١١ - الحديث الصحيح يوجب العمل وتلزم به الحجة ما لم يأت ما
يعارضه، وهذا من المؤلفين اتباع للجمهور القائلين: إن الآحاد توجب العمل
ولا توجب العلم، وقد صرح ابن القطان بذلك وشرحه في كتابه هذا، فيلتقي-
هو وأبو محمد - في القول بنفي إيجابه للعلم، والمسألة شائكة وخلافية.
١٢ - كون الحديث في دواوين عديدة، مع اتحاد مخرجه لا يزيده قوة ولا
يخرجه عن منزلته .
١٣ - إذا ضعف الحديث من جميع طرقه، وأجمع العلماء على معناه،
فإنه حينئذ ينظر إلى الإجماع، وتترك علة الحديث، ويكون الحديث صحيحاً
بالإجماع، لاستحالة انعقاده على معنى غير صحيح.
١٤ - الواجب ذكره منْ علل الأحاديث، هي العلل القادحة، التي تخرج
الحديث عن حد العمل به، إلى الرغبة عنه، والترك له.
١٥ - السند هو العمود الفقري، لكل خبر نريد أن نتأكد من صحته، أو
ضعفه .
والأخبار التي تورد بلا أسانيد لا ينبغي التعامل معها والاشتغال بها إلا
بعد النظر في أسانيدها، وأما إذا فقدت أسانيدها فلا معنى لإضاعة الوقت
فيها .
ب- المعالم المنهجية المختصة بكليهما:
١ - أبو محمد يرى أن أحاديث الصحيحين مسلمة الثبوت والصحة، إلا ما
انتقد منها، وعليه، فلا مجال لمناقشتها، فكون الحديث في أحدهما، أو فيهما
١٩٦

فلا حاجة للبحث عنه.
وابن القطان يرى أن الأحاديث كلها تخضع لمنهج النقد؛ سواء كانت في
الصحیحین أو خارجهما، ولا يستثنی شيء منها، فما فيه علة یعلل، ولو كان
في الصحيحين، ولذلك علل أحاديث متعددة فيهما أو في أحدهما .
٢ - أبو محمد يرى كالجمهور أن إرسال الصحابي لا يعتبر علة.
وخالفه ابن القطان، فجعل المرسل واحداً؛ سواء كان مرسل صحابي أو
تابعي، ولذلك علل أحاديث في الصحيحين وغيرهما من مراسيل الصحابة،
ولم يذكر لها علة سوى ذلك.
٣ - أبو محمد يرى أن الحديث يتعاضد بكثرة طرقه إذا كان ضعفه يسيراً،
أو بآية قرآنية تتضمن معناه بخلاف ابن القطان فإنه یری أن كل حديث مستقل
بذاته، لا يعضد منها شيء شيئاً آخر، فما ضعف من طريق وصح من طريق
آخر، فإن الضعيف يرمى، ويؤخذ بالصحيح.
ويترتب على هذا أن أبا محمد- كالجمهور - يرى التقسيم الرباعي
للحديث: الصحيح لذاته ولغيره، والحسن لذاته ولغيره، بخلاف ابن
القطان، فإنه يقسمه إلی صحیح لذاته وحسن لذاته، وليس عنده شيء اسمه:
حسن لغيره أو صحيح لغيره؛ فما هو حسن عنده لذاته يبقى حسناً وإن تعددت
طرقه، وما هو ضعیف یبقی ضعيفاً وإن تعددت مخارجه.
٤ - أبو محمد يرى التسليم بأقوال من تقدم في التجريح والتعديل.
بخلاف ابن القطان، فإنه يرى أن تلك الأقوال تجب مناقشتها؛ لأن
أصحابها ليسوا معصومين.
٥ - أبو محمد يجوز نسبة الحديث لمصدر غير مشهور لفائدة، وإن كان في
موضع أشهر .
١٩٧

وخالفه ابن القطان بأن الحديث لا ينبغي عزوه لمصدر خامل إذا كان في
مصدر مشهور، إلا بعد عزوه للمصدر المشهور، ثم بعده يذكر المصدر الخامل
إذا كان فيه فائدة زائدة .
٦ - أبو محمد يقبل رواية المساتير الذين روى عنهم أكثر من واحد،
وسكت عن أحاديث كثير منهم لذلك. بخلاف ابن القطان، فإنه يرى أن
المساتير مجهولو الأحوال، فأحاديثهم ليست صحيحة، وإنما هي من قبيل
الحسن على مضض .
٧ - الشذوذ يقدح في الحديث عند أبي محمد، بخلاف ابن القطان، فإن
شذوذ الراوي عن غيره لا یقدح عنده إذا كان ثقة.
٨ - الاضطراب يقدح عند أبي محمد في الإسناد والمتن معًا، بخلاف ابن
القطان فإن الاضطراب عنده إنما يضر في المتون لا في الأسانيد.
جـ- المقارنة بين شخصية أبي محمد وابن القطان من حيث المنهج:
المقارنة بين الرجلين لابد منها؛ لأن لها أثرًا في المنهج النقدي الذي سلكه
كل واحد منهما، متأثرًا بعوامل متعددة:
منها: نوع التربية التي ربي عليها.
ومنها: نوع الشيوخ الذين تحمل عنهم وسمع منهم.
ومنها: عامل الزمن الذي يوجد فيه والظروف التي تحيط به.
ومنها: عامل البيئة التي يوجد فيها، وما تتطلبه من اهتمامات، وما يشغل
بال الموجودين فيها من قضايا .
ومنها: نوع المعلومات والكتب التي تأثر بها الشخص، حتى أحبها
وانشغل بها.
فأما نوع التربية: فإن من نشأ في وسط علمي محض، فإنه تربى فيه ملكة
١٩٨

ملكة التعليل، والاستفسار عن خواص الأشياء، ولا أعني أن هذا الوسط يجعل
الإنسان نافذ الذهن ثاقبه، وإنما يفتح له الطريق ويجعله مؤهلاً لمزاولة مهنة
النقد أكثر من غيره، إذا توفرت له المتطلبات الأخرى.
وأما نوع الشيوخ الذين تلقى عنهم فهم بدورهم قسمان:
قسم محافظ .
وقسم جريء.
فأما المحافظون فيعتمدون في غالب علمهم وبحثهم على من سبقهم،
فيتحاشون أن يتكلموا فيما لم يتكلم فيه أولئك، فما عللوه يعللونه، وما
سكتوا عنه يسكتون عنه؛ ولذا يقل الابتكار عند هذا الصنف؛ لأنه يتطلب
الجرأة، وهي ليست من سيماهم.
وأما القسم الجريء، فهم الذين قتلوا الماضي بحثاً، وسلطوا عليه سهام
النقد، فمازوا بين نضاره وفشاره، ولبه وقشره، فخرجوا بزبدة من المسلمات،
بنوا عليها أبحاثهم وتعليلاتهم، في إطار القواعد العامة، متحررين من عقدة
عدم الكلام فيما لم يتكلم فيه من سبق؛ فلذلك خاضوا بحاراً ما خاضها من
تقدمهم، وخرجوا من ربقة التقليد إلى ممارسة الاجتهاد النقدي بمعناه الواسع.
وأما عامل الزمن والمكان: فإن الاهتمامات التي تطغى في زمان دون
زمان، أو مكان دون مكان، لها دور هام في التأثير على الشخص، وتكوينه
العلمي؛ فالبيئة التي تزدهر فيها بحوث معينة، لا يمكن للإنسان أن یکون له
دور حاسم في غيرها، والتوجه الجماعي يطغى على الفرد ويؤثر فيه، رغم
معارضته لذلك التوجه أحياناً .
فإذا فُقْهَ هذا، ففي أي القسمين نصنف كلاً من الحافظين: أبي محمد عبد
الحق، وأبي الحسن ابن القطان؟، أفي قسم المحافظين، أم في قسم الجريئين؟ .
١٩٩

ذلك ما سنراه فيما يلي :
أ- شخصية أبي محمد:
هذه الشخصية شخصية محافظة بالدرجة الأولى، ويظهر ذلك من منهجه
النقدي الذي سطره في المقدمة، والذي نص فيه على أنه يعول في التجريح
والتعديل علي أشخاص معينین، فما أعلوه یعله، وما سكتوا عنه یسكت عنه،
ولا يطيق أن يتكلم على النقد خارجاً عن إطارهم، مستهدياً بالقواعد العامة
إلا نادراً.
وهو نفس ما انتقده عليه ابن القطان في مواطن، حتى إنك لا تكاد تجد له
كلاماً في تصحيح، أو تضعيف، أو تجريح، أو تعديل، لم يسبق إليه، وإنما
ينقله نقلاً فيتبناه .
قال ابن القطان: ((فإن شيخه ومعتمده في التصحيح والتضعيف: أبا
محمد ابن حزم؛ يضعف المنهال بن عمرو هذا))(١) .
وقال: ((وهو لا يذكر من التعليل إلا ما يجد لغيره كيفما كان))(٢).
وقال: ((وأبو محمد خرج من أمره، أنه كثير التقليد في أمر الرواة من غير
بحث منه ... ))(٣) .
وعليه؛ فمحافظة أبي محمد، وعدم تجرئه على تعليل ما لم يعلله غيره،
أمر ثابت، وذلك راجع إلى تكوينه وظروفه التي تحيط به، وقلة المصادر
النفيسة لديه، فهو من جهة معذور، ومن جهة أخرى اجتهد في أشياء فأخطأ
فيها .
(١) انظر: الحديث (١١٠٦).
(٢) انظر: الحديث (١١٥٣).
(٣) انظر: الحديث (٢٥٩٠).
٢٠٠