النص المفهرس
صفحات 161-180
المبحث الأول التدرج التاريخي لكتب الأحكام أ - أسباب ظهور كتب الأحكام: مما تجدر الإشارة إليه أن إفراد كتب تشتمل على أحاديث خاصة، لم يظهر إلا في القرن الخامس فما فوق تقريباً، ويرجع ظهورها إلى أسباب متعددة: ● منها الخلل العام الذي بدأ يدب في جسم الثقافة الإسلامية، من میل نحو التقليد، والاكتفاء بما وجد، والانشغال أحياناً بذلك الموجود، وأحيانا بالانبهار به، باعتبار أنه ليس في الإمكان الإتيان بأکثر مما كان. • ومنها تدوين دواوين السنة، واستقرار التأليف فيها، وإيداعها -بعد إحصائها، والتدقيق في أسانيدها - في تلك الدواوين، بحيث أصبحت محفوظة، ومعروفة طرقها، وأسانيدها، وعللها، ومناهجها، فلا حاجة بعد هذا إلى تطويل بلا طائل. • ومنها إيقاف أسانید الأحاديث والبحث عن رواتها عند حد معین، حتى لا يتشعب ذلك ويكثر، فتضيع السنة بضياعه، والزمان كلما امتد، طالت سلسلة الإسناد، وهذا الطول يستلزم مضاعفة الجهود في البحث عن هؤلاء الرواة، وأوطانهم وبلدانهم، مما يجعل العمل في هذا المجال لن ينتهي. • ومنها أن غالب من جاء بعد القرن الثالث والرابع من الناقلين بأسانيدهم، ترجع أسانيدهم في الغالب وتنتهي في الجملة إلى المصنفين السابقين الذين أودعوا تلك الأحاديث بأسانيدهم في مصنفاتهم، وذلك تكرار قد تقل فائدته أحياناً؛ لأنه نقْلٌ لما هو موجود، وتسطير لما هو مسطر، إذ قلما يوجد في أسانيد المتأخرين فائدة زائدة؛ ولذا قال الذهبي: ((فالحد الفاصل ١٦١ بين المتقدم والمتأخر، هو سنة ثلاثمائة))(١) . • ومنها تلبية حاجة المجتمع الإسلامي آنذاك، فقد تطورت العلوم وتشعبت، فأصبح يصعب على غير المتخصصين استيعاب أصول العلوم والمعارف كالمتقدمين، وخاصة أن المسلم يحتاج لهداية الشرع في أعماله اليومية، ففکر بعض العلماء في وضع مصنفات تختص بما يحتاجه المسلم، ولا يستغني عنه في عباداته ومعاملاته اليومية، فهداهم التفكير إلى وضع كتب الأحكام. • ومنها أن البحث - بعد خمسة قرون تقريباً - في السنة النبوية، أسفر عن تمحيص كتب لها جلالتها في النفوس، ووقعها في الواقع، وطمأنينة الناس إليها، وهذه الكتب هي الكتب الستة، وموطأ مالك، فما يوجد فيها، فهو يعتبر شيئاً موثقاً عند الناس، ولذلك كان غالب مختصرات أحاديث الأحكام تستقَی منها . • ومنها وضع هذه الأحاديث، بعد تعريتها من أسانيدها - التي تتعلق بالصناعة لا بالفقه - بين أيدي الفقهاء، ليتعمقوا في استنباط الحلول منها، وتطبيقها على أوسع نطاق، إجابةً لحاجيات المجتمع الإسلامي، الذي اتسعت رقعته من الأندلس غرباً إلى الصين شرقاً. وفي هذا السياق، ومع هذه الحمى الجانحة إلى المختصرات، ظهر أبو محمد عبد الحق، فألف كتبه الثلاثة في الأحكام، تلبية لهذه الرغبة، وإشباعاً لهذه النزعة . فحاول فيها أن يجمع بين ميزتين، كل واحدة منهما لها مغزاها ومدلولها في الواقع الذي عاشه، والواقع الذي قرأ تاريخه وسلبياته فيما سبقه. (١) الميزان: (٤/١). ١٦٢ فأولى هاتين الميزتين: تجنبه رواية كل غث وسمين، دون النظر فيه، ووضعه على المحك المنهجي، الذي يبين مردوده من مقبوله. هذا المردود من الأحاديث - الذي شَانَ أغلب المؤلفات في أحاديث الأحكام - أنشأ طبقة من الفقهاء، جهلوا وما دروا بجهلهم، وأساءوا إلى الفقه من حيث اعتقادهم أنهم يحسنون إليه، فكانت ضحالة فقههم، وعدم التزامهم بمنهج من تقدمهم، مدعاة لسخرية الناس منهم، بل ومن الشريعة أحياناً؛ مما جعل المجتمع ينفلت شيئاً فشيئاً من أحكام الشرع، حتى انسلخ منها نهائياً. وكانت بداية سبب الانفلات من هؤلاء الفقهاء؛ إذ لم يسايروا عصورهم، ولم یعللوا أحکامهم وفتاواهم، حتی تکون محل قبول عند العامة والخاصة، إضافة إلى نقلهم ما يحيله العقل من الأحاديث، ويضيفونها للشرع وهو منها براء، فزهدت فيهم وفي علمهم العامة. وثاني هاتين الميزتين: هو محاولة رد المؤلفات في أحاديث الأحكام إلى جادتها الأولى: من ربطها بذكر مصادرها، وذكر أحكام تلك الأحاديث من صحة، وحسن، وضعف، وذكر عللها، ومناقشتها؛ ذلك أن الحديث لا يستساغ قبوله إلا من هذه المنطلقات، فإذا عري عنها، أصبح كلاماً عادياً، لا قدسية له. وقد حاول أبو محمد أن يربط بین هاتین المیزتین، بكل إحكام ودقة؛ فهو إذ ينص على المصادر الأصلية للأحاديث، لا يغفل علة الحديث، أو الإشارة إلیھا ولو بإيجاز؛ مما جعل کتابه کتاب فقه و کتاب صناعة؛ فھو على عكس بعض كتب من تقدمه التي فقدت رونق الصناعة، وطلاوة الفقه؛ وهذا هو ١٦٣ السر في خلود كتاب أبي محمد، والاعتناء به، والتفقه فيه، وسبر أغواره، بينما الكتب التي سبقته والتي لم تنح هذا المنحى، طواها الزمان فنسيت، وأصبحت لا يعرف عن غالبها إلا أسماؤها أو أسماء مؤلفيها . ب- مناهج التصنيف في كتب الأحكام: يبدو أن الغرض الداعي لوضع كتب الأحكام غرض واضح، ولكن الذي ينبغي السؤال عنه، هو: ألَبَّتْ هذه الكتب ذلك الغرض كلياً أو جزئياً، أم لا؟ والجواب: أنها حققت نتائج لا بأس بها، كما جلبت على قرائها مساوئ في مقابلة تلك المحاسن؛ لأسباب عديدة؛ منها ما يتعلق بمناهجها، ومنها ما يتعلق بتصنيفها وترتيبها، ومنها ما يتعلق بحجمها. فهي من حيث مناهجها تختلف؛ فبعضها قد اقتصر على الأحاديث الصحيحة المنتقاة من الصحيحين، ومنهم من وسع الدائرة فانتقى أحاديث الأحكام من الكتب الستة، وهناك من وسع أكثر فجمع ما جمعه من الستة، والمسانيد، والمعاجم. فمن النوع الأول عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي المتوفى سنة ستمائة ، وجمع فيه خمسمائة حديث من الصحيحين، ورتبها على أبواب الفقه، وهذه مقدمته يقول فيها: ((أما بعد، فإن بعض الإخوان سألني اختصار جملة من أحاديث الأحكام، مما اتفق عليه الإمامان: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به ... ))(١) . وقد شرحه ابن دقيق العيد في كتاب سماه: «إحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام)) وهو شرح جليل القدر، بث فيه مؤلفه من النكت الأصولية (١) عمدة الأحكام مع شرحه الإحكام (٥/١). ١٦٤ والفوائد الفقهية، ما يبهر عقول الفقهاء، ويحير أنظار البلغاء. ومن النوع الثاني: ((دلائل الأحكام من أحاديث الرسول عليه السلام)) لابن شداد الحلبي المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. وهو كتاب فريد في بابه، يذكر الحديث ثم يذكر حكمه، ومصدره، وغريبه، واختلاف الفقهاء بإيجاز، ورتبه على أبواب الفقه. قال في مقدمته - مبيناً منهجه فيه . : ((وبعد، فإني لما رأيت الأحاديث عن النبي ◌َّه هي أدلة غالب الأحكام وأصولها، التي تجري بمعرفتها على نظام، وأن الفقهاء شحنوا بها كتبهم وتصانيفهم، ولم ينبهوا على الصحيح منها، والحسن، والغريب، ولم يشيروا إلى أي كتاب تضمنها، ولم يشرحوا غريبها، ولا نبه أكثرهم على وجه الدليل منها ، رأيت أن أجمع كتاباً يجمع بين التنبيه على الحديث في أي كتاب ذكر، ومن اتفق على نقله من أئمة الحديث المشهورين ، وأنبه على أنه صحيح، أو حسن أو غريب، وأنبه على اختلاف العلماء من الصحابة فمن بعدهم من المجتهدين في أخذ الأحكام منه، مع الاختصار عن التطويل المانع من التحصيل))(١). ومن النوع الثالث: ((منتقى الأخبار، من أحاديث سيد الأخيار)) للإمام أبي البركات عبد السلام بن تيمية، الذي شرحه الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار))، و((مصابيح السنة)) للإمام البغوي، و((جامع الأصول من أحاديث الرسول)» لابن الأثير، و ((التجريد للصحاح والسنن)» لرزين بن معاوية العبدري، و ((الجامع لنكت الأحكام المستخرجة من الكتب المشهورة في الإسلام)) لأبي القاسم الزيدوني، و((بلوغ المرام من أدلة الأحكام)) للحافظ ابن حجر العسقلاني. (١) دلائل الأحكام لابن شداد (٦٦/١ -٦٧). ١٦٥ هذه الكتب يشملها وصف عدم اقتصارها على الكتب الستة، إلا أنها من حيث القيمة العلمية تختلف من كتاب لآخر، ففيها من يتحرى ، وينص على علل الأحاديث وأحكامها من صحة أو حسن أو ضعف، كما فعل الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام؛ إذ قلما يسكت عن علة حديث ما. وفيها من يقتصر على عزو الأحاديث لمصادرها دون التنصيص على أحكامها کما فعل ابن تيمية في المنتقى ؛ إذ قلما ینص علي حکم حدیث ما، ولذلك لما رأى الشوكاني هذا النقص، تلافاه بشرحه نيل الأوطار؛ فنص على علل الأحاديث وأحكامها. ومنها ما جمع كل ما هب ودب بدون تمييز، كما فعل أبو القاسم الزيدوني، فروى في كتابه ماهو موضوع ولا يشعر، وكما وقع لرزين العبدري أيضاً في جملة أحاديث، بعضها منكر، وبعضها موضوع، وكما وقع للبغوي في مصابيح السنة، ففيها أحاديث منكرة لم ينص عليها، وإن كان غالب ما فيه يشمله قسم الصحيح والحسن . وبالجملة، فما من كتاب من هذه يخلو من عيوب منهجية، أو نقلية، أو حکمیة، لكنها تتفاوت، ولذلك یکمل بعضها بعضاً، فما خلا منه هذا، يمكن أن تجده في ذاك. فمثلاً: بلوغ المرام من أجلها، لمنزلة مؤلفه من معرفة العلل والتمكن منها، ولكن عيبه أنه مختصر جداً لم يستوعب أحاديث الأحكام، فلو استوعبها بالنفس العلمي الذي سار به، لكان له شأن لا يضاهيه فيه كتاب، ومن عيوبه أيضاً الاختصار الشديد للمتون الحديثية، بحيث يقتصر على ذكر موضع الحكم الذي يتوخاه. ١٦٦ ومنها أيضاً رواية المتون أحياناً بالمعنى، فتجد الفرق بين ما سطره هو وما هو موجود في المصدر المنقول منه، وهذا يكلف من أراد حفظه أن يرجع إلى المصادر الأصلية، لمقارنة ألفاظه بألفاظها واستدراك المحذوف منها؛ وهذه عملیة متعبة لا يقدر عليها كل أحد، لذلك جأ الناس إلى حفظ كتب أخرى حافظت على نقل النصوص كما هي من أصلها، كالعمدة والمنتقى والمصابيح، وجامع الأصول. والمختصرات في أحاديث الأحكام التي لم تلتزم بمناهج النقد الحديثي - ولو باختصار- ساعدت على تفشي الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتب الفقهاء، الذي تولد بدوره عن رغبة الفقهاء في كثرة التفريع والتوليد، دون إعطاء قيمة لما یفرع عنه، من اختباره أولا ، لأن ذلك الوقت كان الناس يتباهون بما حفظ الإنسان من كثرة المسائل، لا بما حفظ من كثرة الدلائل الصحيحة. وهذا ما لفت أنظار جلة من العلماء، ومنهم أبو محمد عبد الحق الإشبيلي، فحاولوا إرجاع كتب الأحكام إلى أصلها الأول، الذي هو التنصيص على علل الأحاديث، وبيان صحيحها من سقيمها، وكانت هذه المحاولة بارزة في الأحكام الكبرى لعبد الحق بشكل كبير، وفي الأحكام الوسطى بشكل أكبر. مما جعل الناس يفتنون بهذا الكتاب، قراءة، وحفظاً، واستظهاراً، واحتجاجاً، باعتبار مخالفته للنسق المعهود في جل مؤلفات هذا الطراز، من عدم التحري والدقة، وباعتبار ترصيفه وتصنيفه وجودة اختياره. وهؤلاء أيضاً لم يكونوا بمنجاة من أسر تقليد أبي محمد في أخطائه، فجاء ١٦٧ ابن القطان ينعى عليهم ذلك في مقدمة الوهم والإيهام، ووضع كتابه هذا في بيان أخطاء أبي محمد في أحكامه الوسطى ، سواء منها ما يتعلق بأخطائه النقلية، أو ما يتعلق بأخطائه الحكمية. والسمة البارزة الجامعة بين كتب الأحكام مع تعدد مناهجها ، هو طلب الاختصار ما أمكن أولاً، وحذف أسانيد الأحاديث ثانياً، والاقتصار على أحاديث الأحكام ثالثاً؛ مما جعل الإقبال عليها أكثر، والاشتغال بها أوسع وأبين . فكان لابد من رد الناس إلى جادة الطريق، وربطهم بالأصول، وإقناعهم بأن ما يحصلون عليه من الفائدة في التعامل مع الأصول مباشرة، أكثر من فائدة هذه المختصرات بكثير، مهما كان حسن تأليفها، وجودة اختيارها، وترصيف أبوابها . وهذه المحاولة هي التي سطرها ابن القطان بنفس طويل في كتابه بيان الوهم والإيهام. ١٦٨ المبحث الثاني أبو محمد عبد الحق الإشبيلي وكتابه الأحكام الوسطى وتحت هذا المبحث مطالب المبحث الثاني أبو محمد عبد الحق الإشبيلي وكتابه الأحكام الوسطى المطلب الأول: التعريف بأبي محمد: عبد الحق الإشبيلي توطئة: ليس غرضي رسم صورة جلية لأبي محمد، ولا الاستفاضة فيما قيل عنه هنا وهناك، ولا تتبع آثاره، وإحصاء خطواته. وإنما المبتغى أن نعرف به موجزاً، بقدر ينير لنا الطريق في العلاقة التي تجمع بينه وبين موضوع دراستنا، وهو كتاب ابن القطان: الوهم والإيهام. وسنركز قدر الإمكان على هذه الرابطة، مختزلين كل ما سواها؛ إذ هذا البحث ليس موضوعاً لأبي محمد، فهو إن أفرد بالتأليف لم يكن كثيراً في حقه، وإنما آثرنا الاختزال لملاحظ خمسة: الأول: ليس أبو محمد موضوع دراستنا حتى نسهب في الكلام عليه، وحتى لو أسهبنا فذلك لا يعطينا ملامحه الكاملة؛ إذ إفراده بالتأليف أجدى في تكوين صورة كاملة عنه، ومن ثم فلا فائدة في التطويل بما لا يمس صلب موضوعنا. الثاني: علاقة أبي محمد بدراستنا، إنما تتجلى في كتابه: ((الأحكام الوسطى))، فهو الذي أسس عليه موضوع هذه الدراسة. الثالث: سیکون التر کیز علی کتابه هذا دون ما سواه. الرابع: ليس من المنهج في شيء أن أعرف بأبي محمد كابن القطان سواء، وإلا كان الموضوع موضوعين لا موضوعاً واحداً، ولذلك أسهبت في التعريف به في مقدمة الأحكام الوسطى بتحقيقنا، الذي سيرى النور قريباً - إن شاء الله- ١٧١ بعد بيان الوهم والإيهام مباشرة. الخامس: أبو محمد يعتبر وسيلة لما نبغيه، وليس غاية، والوسائل يقتصر فيها على القدر المخْوج، وإلا انقلبت الوسيلة غاية، وهو من قلب الحقائق. ونحن إنما نسعى لوضع الوسائل مواضعها، والغايات مواطنها . وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، آثرنا أن نعرف بأبي محمد، موطئین به لما نروم الوصول إليه، والتنزه في رياضه، والجولان في رحابه. ولننتقل إلى التعريف بأبي محمد بإيجاز. الاسم والنسب والكنية واللقب: هو: أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد ابن إبراهيم، الأزدي، الإشبيلي، المعروف بابن الخراط(١) . ولادته: ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وفاته: توفي ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة، ربيع الأول سنة إحدى و ثمانین و خمسمائة. شيوخه: سمع من أبي الحسين بن شريح، وأبي الحكم بن برجان، وطاهر بن عطية، وطارق بن يعيش، وأجازه ابن عساكر وجماعة. تلامذته: سمع منه الضبي صاحب بغية الملتمس، وعلي بن محمد المعافري، (١) عنوان الدراية ص (٤١ -٤٢)، وتذكرة الحفاظ (١٣٥٠/٤)، وسير أعلام النبلاء (١٩٨/٢١). ١٧٢ وأبو الحجاج بن الشيخ وغيرهم. ثناء العلماء عليه: قال الغبريني: ((المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد)(١). وقال ابن الأبار: ((كان فقيهاً حافظاً، عالماً بالحديث وعلله، عارفاً بالرجال، موصوفاً بالخير والصلاح، والزهد والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا))(٢) . وقال الذهبي: ((الحافظ العلامة الحجة)) (٣). وكذلك قال السيوطي في طبقات الحفاظ (٤). وقال ابن العماد: ((الحافظ، أحد الأعلام))(٥) . وظائفه: قال الغبريني: ((ولي الخطبة وصلاة الجماعة بجامع بجاية الأعظم،. وجلس للوثيقة والشهادة، وولي قضاء بجاية مدة قليلة، ولم يشتهر ذلك من أمره، ولا اطلع على ذلك إلا من رسوم وجدتها مسجلاً عليه فيها، وكان ذلك في مدة ابن غانية، المعروف بالميروقي اللمتوني ... )). زهده وورعه: كان يقسم ليله أثلاثاً، يجعل ثلثه للقراءة، وثلثه للعبادة، وثلثه للنوم. مؤلفاته: ١ - الأحكام الكبرى ، والصغرى، والوسطى. (١) عنوان الدراية: ص (٤١ -٤٢). (٢) تذكرة الحفاظ (١٣٥١/٤). (٣) المصدر نفسه. (٤) انظر: ص (٤٨٢). (٥) شذرات الذهب (٤/ ١٧١). ١٧٣ وهذه سنرجئ الكلام عليها إلى ما بعد. ٢ - المرشد. قال ابن فرحون: «یتضمن حديث مسلم كله، وما زاد البخاري على مسلم، وأضاف على ذلك أحاديث حساناً وصحاحاً من كتاب أبي داود، والنسائي والترمذي، وغير ذلك، وما وقع في الموطأ مما ليس في مسلم والبخاري، وهو أكبر من صحيح مسلم))(١). ٣ - الجامع الكبير. قال ابن فرحون: ((ومقصوده فيه، الكتب الستة، وأضاف إلیه کثیراً من مسند البزار وغيره، منه صحیح ومعتل، وتكلم علی علله، ونُهبَ منه في دخلة البلاد في الفتنة))(٢) . وقال الغبريني: «وهو ضعاف الأحكام الکبری، سمعت منه أن الكتاب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه لكبيره)»(٣). ٤ - الحاوي في اللغة. قال الغبريني : وهو في ثمانية عشر مجلداً. وقال ابن فرحون وهو نحو خمسة وعشرين سفراً. ٥ - كتاب التوبة . وقع في سفرین. ٦ - الجمع بين الصحیحین. وقد أثنى عليه جماعة من الحفاظ، كالعراقي وغيره، ويوجد منه السفر الأخير بخزانة القرويين تحت رقم: ق-١٨٩ . (١) الديباج المذهب: (٦٠/٢). (٢) المصدر نفسه. (٣) عنوان الدراية: ٤٣ . ١٧٤ ٧ - كتاب الصلاة والتهجد. فى سفر. ٨- معجزات الرسول في سفر. ٩ . كتاب العاقبة، وقد طبع حديثً. قال ابن فرحون: وتضمن ذكر الموت وما بعده. ١٠ -کتاب الرقائق. ١١ - الأنيس في الأمثال، والمواعظ، والحكم، والآداب، من كلام النبي ◌َّهُ والصالحين. ١٢ - مختصر كتاب الرشاطي في الأنساب من القبائل والبلاد. في سفرين. ١٣ - مختصر كتاب الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي. ١٤ - كتاب فضل الحج والزيارة. ١٥ - تلقین الولد. وهو مطبوع بالمغرب، ١٩٥٢ . ١٦ - مختصر صحيح البخاري. وله ديوان شعر في الزهد. وهذه الكتب قد طوتها يد الزمن، ولم يبق بين أيدي الناس الآن إلا الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى، وتلقين الولد، وسفْر من الجمع بين الصحیحین، وكتاب العاقبة، ولعل ما يستقبل من الزمان سيكشف اللثام عن بعضها المفقود الآن. ١٧٥ قيمة هذه المؤلفات: اشتهرت هذه المؤلفات عند الباحثين في زمن المؤلف وبعده، فبها عرف واشتهر. قال الذهبي: ((وصنف التصانيف، واشتهر اسمه، وسارت بأحكامه الصغرى، والوسطى الركبان، وله أحكام كبرى، قيل: هي بأسانيده))(١) . وقال الغبريني: ((وله -رحمه الله- تآليف جليلة، نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية، وقراءة ، وشرحاً، وتبيناً)(٢) . وتظهر أهمية هذه المؤلفات - وخاصة منها الأحكام - في صياغتها، وأسلوبها، واستيعابها، كما ذكره ابن القطان في ديباجة كتابه، وهو الشحيح بمثل ذلك الثناء عليها، لولا أنه صادف محله. وقد نقل منها واعتمدها جماعة من الحفاظ في المشرق والمغرب، كابن شاس المالكي، والنووي في الخلاصة. وأما من جاء بعده، فآراؤه مبثوثة في كتبهم، ومعتمدة لديهم. وقد كان العلماء يوصون الطلبة بدراستها؛ فهذا الحافظ الذهبي يقول: ((فطالب الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ أولاً، الجمع بين الصحيحين، وأحكام عبد الحق والضياء، ويدمن النظر فيهم، ويكثر من تحصيل تواليف البيهقي، فإنها نافعة، ولا أقل من مختصر كالإلمام ودرسه ... ))(٣) . وهذا من الحافظ الذهبي في غاية الإنصاف، والاعتراف بالفضل لذويه. (١) سير أعلام النبلاء (١٩٨/٢١). (٢) عنوان الدراية (٤٢). (٣) زغل العلم (٢٨ -٢٩). ١٧٦ المطلب الثاني: التعريف بالأحكام الوسطى تمهيد: قبل التطرق منهج أبي محمد في هذا الكتاب بالذات . الذي بنى عليه ابن القطان كتابه موضوع دراستنا هذه - لا بد من التطرق لأصل هذا الكتاب، الذي هو الأحکام الکبری. فالأحكام الكبرى هي أسبق تأليفاً من الأحكام الوسطى والصغرى، وقد سلك فيها أبو محمد منهج المحدثين الأصلاء، حيث ينقل كل حديث من مصنفه بالسند الذي ذكره به صاحب ذلك المصنف، ثم یعقب الحديث بما فيه من علة، ولكنه لا یکثر من ذلك. ڈ، ويوجد هذا الكتاب في ست مجلدات في دار الكتب المصرية، وفي مركز المخطوطات بالكويت ولكنه ناقص، وقد صوروا لي آخر أجزائه من المركز المذكور، وسمعت أنه يحقق في الرياض، تحت إشراف الشيخ أبي غدة، ولكنني لم أتحقق ذلك. وباعتباري محققاً لكتاب ابن القطان، فإن ثلثي هذين الكتابين مخرجة عندي، مما دعاني إلى التفكير في إخراج الباقي، ثم نشر الأحكام الكبرى والوسطى معاً. ثم لما كانت الأحكام الكبرى طويلة بأسانيدها، اختصر منها المؤلف الأحكام الوسطى بحذف الأسانيد، وجملة من الكتب والمتون، توجد في تلك دون هذه، وعوضها في هذه بالإكثار من الكلام علی علل الحديث، واختلاف ناقلیه وتحرير الزيادات فيه. ١٧٧ والأحكام الوسطى تقع في ثمان مجلدات متوسطة وقد صورتها كلها من نسخة العلامة، الشيخ الفاضل، الدكتور إبراهيم بن الصديق - شكر الله سعيه۔ ثم جاءتني من الرياض نسخة تامة مصورة عن نسخة أهلية بالظاهرية بدمشق، من طرف أخينا الفاضل الأستاذ بهاء الدين عقيل المشرف على المطبوعات بدار طيبة للنشر . ومن خصائص الأحكام الوسطى أن المؤلف حشد فيها من الأحاديث كما هائلاً، التزم فيها الصناعة الحديثية: من الكلام علی کل حديث حديث، والتعقيب عليه بما فيه من علة إن كانت، ثم التنصيص على التصحيح والتضعيف. ومن الغريب أن يكون هذا المختصر أكثر تعلیلاً للأحاديث من الأصل، إذ المعتاد هو أن يكون المختصر أقل فائدة من الأصل، وهذا الكتاب عكس فيه هذا المعنى، وهو ما جعله مشتهراً، وجعل الناس منكبين عليه ودفع العلماء إلى التوصية بالتفقه عليه وفيه . ومن جملة من استوعبه وتفقه به، وعرف دواخله وخوارجه، ابن القطان الفاسي، وهذا الاستيعاب من ابن القطان، هو الذي مكّنه من التعقیب علیه، باعتبار استيعابه أولاً من حيث نصوصه، وباعتبار تتبع منهجه المسطور في المقدمة ثانياً. وأما الأحكام الصغرى، فهي مختصرة من الوسطى، وهي في حجم متوسط، في مجلد واحد، وعندي منها نسخة مصورة من نسخة أستاذنا، الدكتور فاروق حمادة، ولم يشتغل فيها بالصناعة الحديثية، كما أنه مختصر ١٧٨ فيها باستيعاب مسلكه في تأليف كتابه هذا، ولنتقل نص المقدمة بحروفها، فهو أجدى من الكلام عليها قبل تسطيرها. ١٧٩