النص المفهرس

صفحات 141-160

المبحث الرابع
وفاته وأسبابها
بدأت حياة ابن القطان - رحمه الله - تعرف نوعاً من عدم الاستقرار، منذ
بويع العادل بن المنصور الموحدي، سنة إحدى وعشرين وستمائة، لوحشة
كانت بينه وبين العادل بعدما تولى الخلافة في الوقت المذكور(١).
قال ابن عبد الملك: ((والذي أوجب إيحاش العادل إياه، ما حدثني به ابنه
أبو محمد وغيره من شيوخي، أنه لما توفى أبو يعقوب يوسف بن محمد بن
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن المستنصر بالله ، تشاور أهل الحل والعقد
بمراكش في تعيين من يقلد الأمر بعده، فأشار بعضهم بتقديم أبي محمد عبد الله
العادل بن المنصور، وكان يرمى بالميل إلى البطالة وإيثار الشهوات، والإخلاد
إلى الراحات، وكان أبو الحسن حاضراً لتلك الشورى، فأنشد متمثلاً، ومنبهاً
على التفرقة بينهما :
إذا رتل القرآن في جنح ليله أبيُّ بن كعب لم يغَنِّ مُخَارِقٍ))(٢)
ولما تولى العادل، مي إليه عدم ارتياح أبي الحسن لخلافته، وما أنشده في
حقه، فهَمَّ بالقبض عليه والإيقاع به، لكنه انصرف عن ذلك، مراعياً لخدمة
أبي الحسن لأبيه ولأخيه المستنصر، فتركه، ثم بدأ يجرده من الوظائف التي
كانت في يده واحدة تلو الأخرى، وصرفه عن التعرض للقصر والدخول إلى
محاضر خواص الطلبة فيه، فبقي مبعداً يتوجس خيفة دائماً من العادل حتى
توفى، وبويع أخوه أبو العلاء ، الملقب بالمأمون - وهو بإشبيلية - ثم نقضت
بيعته، وبويع أبو زكرياء يحيى، الملقب بالمعتصم، وكان ابن القطان من جملة
(١) البيان المغرب: ص ٢٧٠.
(٢) الذيل والتكملة: (١٧٤/١/٨).
١٤١

من حضر نكث بيعة المأمون خوفاً على نفسه منه، وتقديم المعتصم عليه،
ودخل المأمون مراكش، ونكل بالموحدين الذين نكثوا بيعته، وانهرم المعتصم
أمام عمه المأمون، ولجأ إلى سجلماسة، ومعه ابن القطان، فتوفي هناك.
قال ابن عبد الملك: ((لما دخل المأمون مراكش على الوجه الشنيع الذي
دخلها عليه، فصل المعتصم من ظاهرها في فل أصحابه وشيعته، وكان منهم
أبو الحسن بن القطان، متولیاً القضاء بین حزبه، فانتهبت داره، وذهب کل ما
کان فيها من مال و کتب، وکانت سبعة عشر حملاً، منها حملان بخطه، ولم
يزل مع مغروره المعتصم في حركاته، واضطراب أمره مع عمه المأمون، إلى أن
لجأ المعتصم أمام عمه إلى سجلماسة.
فأدركت أبا الحسن بها منيته، مبطوناً حسيراً على ما فقد من أهله وبيته
وكتبه، وسائر ممتلكاته، وكان وفاته بين العشائين من الليلة التي أهل فيها
شهر ربيع الأول من سنة ثمان وعشرين وستمائة، ودفن بالركن الواصل بين
الصفحين: الشمالي والغربي من الزنقة، لصق الجامع الأعظم بسجلماسة،
وقبره هناك معروف حتى الآن))(١) .
وقال ابن القاضي: ((إلى أن توفى بسجلماسة، وهو متولي قضائها من
علة البطن ... )(٢).
وهذه العلة يمكن أن تكون سماً سقيه من طرف أعدائه، ويمكن أن تكون
غيره.
وهكذا وضع حد لحياة حافلة بالجد والمثابرة، والتأليف، فلو كانت
(١) الذيل والتكملة (١٩٤/١/٨-١٩٥).
(٢) جذوة الاقتباس: ٤٧١ القسم الثاني، (ع-ي).
١٤٢

مؤلفاته نجت من حوادث الزمن، لأطلعتنا على كثير من قضايا ومشاريع علمية.
نحن في أمس الحاجة إليها، وهكذا يجني الدخول في السياسة على إنجازات
علمية ضخمة، تذهب سدى، وتحرم الأمة من رصيد معرفي مهم، وتضاف
بذلك مثل هذه النكسة إلى النكسات السابقة، فتتراكم أساب التخلف وتعطي
عطاءها، فتزداد هوة الأمة، ويتسع خرقها على الراقع.
١٤٣

الباب الثاني
آثار ابن القطان العلمية
وتحت هذا الباب أربعة فصول

الفصل الأول
مؤلفاته وقيمتها العلمية
وتحت هذا الفصل
أ- تمهيد
ب- ترتيب هذه المؤلفات حسب فنونها

أ- تمهيد:
إن مواهب العالم وخبرته، لا تصقل إلا بممارسة الكتابة، ومزاولة
التأليف، ومن لا يزاول التأليف لا يوثق بعلمه ولو حفظ ما حفظ، فبالتأليف
يزكو العلم ويرسخ، وتتبلور مناهجه وخباياه لدى الباحث، فكم من باحثين
متوسطي الثقافة، تصدوا للتأليف، فخلدوا أسماءهم في التاريخ!، وكم من
فطاحل من العلماء، كان العلم شعارهم ودثارهم، ويسري في عروقهم
كالدماء، مات علمهم بموتهم، فلا هم ورَّثوه في القراطيس، ولا في منحنيات
الصدور، فبدسهم في التراب اختفت معالم حياتهم كأنهم لم يكونوا !.
والحافظ ابن القطان من الذين خلدوا مآثرهم، بما أسدوه للمكتبة الإسلامية
من مؤلفات قيمة، لها اعتبارها في ميزان المعرفة والعلم، فهي لا يزيدها الزمان
إلا جدة، لأصالة منهجها، وللابتكار الذي یکاد یکون سمتها الأولى.
وابن القطان قد ألف وأكثر من التأليف، في مناحي علمية متعددة، لكن
يبقى الميدان الذي أخذ حيزاً كبيراً من مؤلفاته، هو علوم الحديث وما له به
علاقة من التاريخ والسير .
فبهذا العلم عرف، وبه يترجم، وبه يصنف في مصنفات الحفاظ، فلولاه
لما لمع ابن القطان ولا اشتهر، فإعجاب الباحثين به إنما جاء من هذه الجهة لا من
سواها، فحينما يُذكَر الحديث والمحدثون، يذكر ابن القطان.
ومؤلفاته أغلبها أتت عليه دواهي الزمن، فتلف وضاع، وما بين أيدينا
يعطينا فكرة عما فقد، وخاصة أن أهم كتاب ألفه ابن القطان في النقد
الحديثي، هو بين أيدينا؛ فبه عرف في الشرق والغرب، وعليه المعول في تجلية
حقيقته .
١٤٩

ب - ترتيب مؤلفاته حسب فنونها.
أ- مؤلفاته في الحديث:
١ - كتاب بيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الأحكام، وهو الذي
نحن بصدد تحقيقه، وسيأتي الكلام عليه بتفصيل.
٢ - نقع الغلل، ونفع العلل، في الكلام على أحاديث السنن لأبي داود.
قال ابن عبد الملك: ((وكمل له نحو ... في ثلاثة أسفار ضخمة)).
قلت: وهذا الكتاب ولا يوجد عنه خبر ولا أثر في الخزائن العامة.
٣ - كتاب في الرد على أبي محمد بن حزم في كتاب المحلى، مما يتعلق به
من علم الحديث ولم يتمه(١) .
ويبدو أن هذا الكتاب تعقب فيه أوهامه الكثيرة في المتون والرجال، كما
يظهر أنه ألفه بعد الوهم والإيهام، لأنه في أماكن متعددة انتقد أبا محمد في
تقليده ابن حزم، كقوله - ناعياً عليه ذلك -: ((فإن شيخه ومعتمده في التصحيح
والتضعيف أبا محمد بن حزم، يضعف المنهال هذا ... ))(٢).
فلما وجد هذه الأخطاء مستفحلة، واجتمع له منها شيء كثير في الوهم
والإيهام، أفردها بالتأليف، ولعل اضطراب أحواله في أواخر الأمر حال دون
إتمامه .
٤ - كتاب حافل، جمع فيه الحديث الصحيح، محذوف السند حيث
وقع، من المسندات، والمصنفات، كمل منه كتب الطهارة، والصلاة،
(١) الذيل والتكملة (١٦٧/٨).
(٢) انظر: الحديث (١١٠٦).
١٥٠

والجنائز، والزكاة، في نحو عشر مجلدات(١) .
ولو قدر له أن يتم هذا الكتاب لكان قد أراح من كثير من القضايا المعلقة،
ولقدم لنا مشروعاً علمياً ضخماً، مازال ينتظر من يقوم به، من تمییز كل ما
صح في كل باب، وجمْعه في موطن واحد، حتى يسهل تناوله للعامة
والخاصة.
٥ - رسالة في حديث عاشوراء، في التوسعة على العيال، وهي في نحو
خمس عشرة ورقة، وقد انتهى فيها إلى تحسين حديث: ((من وسع على أهله
وعياله يوم عاشوراء، أوسع الله عليه سائر سنته))(٢).
وتوجد منها نسخة في مكتبة ابن يوسف، وسترى النور - إن شاء الله- عما
قريب بتحقيقي .
٦ - رسالة في منع المجتهد من تقليد المحدث في تصحيح الحديث لدى
العمل.
وهذه الرسالة غريبة في عنوانها، ولا نعرف محتواها بالضبط، إلا أنه
يلوح من العنوان، أن المحدث قد يصحح الحديث، ويراه المجتهد متعارضاً
عنده مع أصول أخرى، أو ما هو أولى منه، فيمنعه ذلك من اتباع المحدث في
التصحيح المقتضي للعمل.
كما وقع ذلك في كثير من الأحاديث، صححها المحدثون وردها الفقهاء
لاعتبارات وملاحظ يعتمدونها، وأغلبها لا يستند إلى أساس، ولا تقاوم ما
ردوه من الرواية ، وهذا يستشف أيضاً من قوله في الوهم والإيهام: (( وهبه أنه
(١) الذيل والتكملة: (١٦٨/٨).
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير: (٦٥/٤) وغيره.
١٥١

ذهب إلى أن الواو ترتِّب، لم يكن ينبغي له من حيث هو محدث أن يسوي
الألفاظ على مذهبه، وإنما عليه نقلها كما هي لينظر فيها من تنتهي
إليه ... )) (١).
ومن تنتهي إليه يقصد به - والله أعلم - الفقهاء، ويرشح ذلك أنه عرَّض
ببعض رواة الحديث بقوله: ((وهؤلاء إنما يؤتون من قلة الفقه، فهم يسوون
بين الألفاظ المتغايرة الدلالات، وينبغي أن تسقط الثقة بمن هذه حاله))(٢).
٧ - رسالة في تفسير قول المحدثين في الحديث: إنه حسن(٣).
ويظهر أن هذا التفسير انتصر فيه للحديث الحسن لذاته؛ لأن مذهبه عدم
القول بالحسن لغيره كما سيأتي بتفصيل، ويمكن أن يكون قد أوضح هذه
المسألة الشائكة التي لم تتضح بعض مباحثها إلى الآن، لعدم ضبط خفة ضبط
الراوي بضابط دقيق، لا يحتاج معه الباحث لأي معاناة.
٨- أحاديث في فضل التلاوة والذكر.
٩ - مقالة في تبيين التناسب، بين قول النبي ◌َّه: ((ويتوب الله على من
تاب» وما قبله من الحدیث.
ب- مؤلفاته في الرجال:
١٠ - تجريد من ذكره الخطيب في تاريخه، من رجال الحديث، بحكاية أو
شعر.
وهو في مجلدين متوسطين (٤).
(١) انظر: الحديث (١٧٣).
(٢) انظر: الحديث ٢٣٥ .
(٣) الذيل والتكملة (١٦٨/٨).
(٤) المصدر نفسه (١٦٧/٨).
١٥٢

١١ - شيوخ الدار قطني. في مجلد متوسط.
١٢ - برنامج شيوخه.
١٣ - مقالة في فضل عائشة.
جـ- مؤلفاته في الفقه:
١٤ - النظر في أحكام النظر، وهو كتاب حافل في بابه، متوسط الحجم،
يتكلم فيه عما يجوز من النظر وما لا يجوز، والنظر للضرورة، ونظر الرجال
للنساء، ونظر النساء للرجال، ونظر النساء إلى النساء، ونظر الرجال إلى
الرجال، وقد حُقق هذا الكتاب تحت إشراف شيخنا الدكتور فاروق حمادة-
حفظه الله - وهو الآن تحت الطبع.
١٥ - البستان في أحكام الجنان، قال ابن عبد الملك: ((مجلدان
متوسطان))(١) .
١٦ - مقالة في الوصية للوارث.
١٧ -مقالة في الرهن یوضع على يد أمین فیعتدي فيه.
١٨ - مقالة في الطلاق الثلاث.
١٩ - مقالة في الختان.
٢٠ - مقالة في معاملة الكافر.
قال ابن عبد الملك: ((جمعها للناصر حين وفد عليه البابوج أحد عظماء
النصرانية))(٢).
(١) الذيل والتكملة: (١٦٧/٨).
(٢) المصدر نفسه: (١٦٨/٨).
١٥٣

٢١ - مقالة في نفي التعسير.
٢٢ - مقالة في الأيمان اللازمة.
٢٣ - مقالة في المنع من إلقاء التفث، في عشر ذي الحجة للمضحي.
٢٤ - مقالة في مشاطرة العمال.
٢٥ - مقالة في الأوزان والمكاييل.
٢٦ - مقالة في حث الإمام على القعود لسماع مظالم الرعية.
٢٧ - مقالة في تحريم التساب.
٢٨ - مقالة في الوصية للجنين.
٢٩ - مقالة في الإمامة الكبرى.
٣٠ - مقالة في القراءة خلف الإمام.
٣١ - الإقناع في مسائل الإجماع، وهو قيد التحقيق، بقلم شيخنا الدكتور
فاروق حمادة، ويوجد على مكروفيلم بالخزانة العامة، تحت رقم ٩٥ .
٣٢ - المقالة المعقولة، في حكم فتوى الميت، والفتوى المنقولة.
٣٣ - مقالة في التسعير، ويوجد في الذيل والتكملة: ((التسفير))، ويوجد
في الإعلام: ((مقالة في نفي التسفير))، وكلاهما يحتاج للتثبت.
د. مؤلفاته في أصول الفقه:
٣٤ - النزع في القياس، لمناضلة من سلك غير المهيع في إثبات القياس.
قال ابن عبد الملك: ((وهو في الرد على أبي علي بن الطوير(١) المذكور بعد-
(١) واسمه عمر بن محمد، الصنهاجي، المراكشي، سوسي الأصل. انظر: الإعلام (٢٧٩/٨ .
٢٨٠).
١٥٤

إن شاء الله» ..
٣٥ - مسائل من أصول الفقه، زعم أنها لم يذكرها الأصوليون في كتبهم.
قال ابن عبد الملك: ((مجلد لطيف))(١).
٣٦ - مقالة إنهاء البحث منتهاه، عن مغزى من أثبت القول بالقياس ومن
نفاه.
قال ابن عبد الملك: ((وهذه التسمية لشيخنا أبي محمد ابنه أيضاً))(٢).
هــ مؤلفات متنوعة:
٣٧ - تقريب الفتح القدسي.
قال ابن عبد الملك: ((مجلد متوسط)) (٣).
٣٨-کتاب ما يحاضر به الأمراء.
قال ابن عبد الملك: ((وبين فيه طريق مفاوضتهم، مجلد متوسط))(٤).
٣٩ - أسماء الخيل، وأنسابها وأخبارها.
قال ابن عبد الملك: ((متوسط))(٥) .
٤٠ - أبو قلمون.
قال ابن عبد الملك: ((مجلدان ضخمان))(٦) .
((وأبو قلمون: هو ثوب رومي، يتلون ألواناً، ولا سيما إذا أشرقت عليه
(١) الذيل والتكملة (١٦٨/٨).
(٢) المصدر نفسه (١٦٧/٨).
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) المصدر نفسه .
١٥٥

الشمس ويشبه به الدهر، والروض، وزمن الربيع))(١).
ولا يدرى موضوع هذا الكتاب.
هذه مؤلفاته، ويظهر على أغلبها أنها رسائل صغيرة، کان يحرر فيها
القضايا التي يستفتى فيها، أو كانت تطرح للمناقشة في الدروس الإملائية
بحضرة السلطان، فيقوم هو بتحرير الكلام عليها مسألة مسألة.
وهذه الكتب التي بلغت أربعين كتاباً، ما بين كبير وصغير، قد ضاعت لما
انتهبت داره، وما نجا منها فقد تلف بمرور الزمن، ولا يوجد منها فيما نعلم
الآن إلا ثلاثة کتب، قد ذكرناها قبل .
هذا، وقد نسي الدكتور إبراهيم بن الصديق في عده لكتب ابن القطان،
كتابه المسمى: مقالة في التسعير، وقد ذكره ابن عبد الملك له(٢) .
(١) هذا الشرح لكلمة قلمون من تعليق المحقق للذيل والتكملة على هذه الكلمة.
(٢) انظر: الذيل والتكملة (١٦٨/٨).
١٥٦

الفصل الثاني
علاقة بيان الوهم والإيهام
بكتب الأحكام
وتحت هذا الفصل مباحث

المبحث الأول
التدرج التاريخي
لكتب الأحكام

1