النص المفهرس

صفحات 21-40

مقدمة

الحمد لله الذي تستمد المناهج من وحيه، وتستقى المعارف والعلوم من
علمه وهديه، وتستعار الكمالات من قدسيته وقيوميته، وتؤصل النظريات
الآنية والمستقبلية وفق نواميس كونه، وتقرع أبواب علم المغيبات بإذنه وأمره،
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
والصلاة والسلام على معدن الفصاحة، وأرومة البلاغة والبيان، نبينا
محمد ◌ّي ، خلاصة بني عدنان، وعلى آله الطهرة الأبرار، وصحبه الكملة
الأخيار.
أما بعد :
فإن البشرية لم ترق مدارج الكمال النهائي، ولم تضع قدمها على المنهج
المهيمن إلا ببعثة محمد تَّه، ونزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمٍ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
(١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٣) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمَ﴾ [العلق: ١ - ٣].
فكانت الكرامة ملازمة للقراءة من ذلك الحين، فحيثما كثرت القراءة
الواعية؛ تكثر الكرامة الإنسانية، وتفيض الخيرات الكونية، التي تزخر بها
الأرض والسموات.
وبهذه الانطلاقة الإلهية، أقلعت البشرية من ظلمات الجهل إلى نور
اليقين، وأصبحت تشق طريقها نحو الكمال الإنساني، وخلفت وراءها أغلال
المناهج الأرضية، التي كانت قد أفقدتها توازنها، وأورثتها العوج في مسيرتها
ونظرتها للحياة، وأخرتها للوراء قروناً تترى.
ولذلك كانت المناهج عامة قد تبلورت صورتها لدى المسلمين من ذلك
الوقت، ومن بينها مناهج النقد الحديثي، التي حصحصت معالمها، ونضجت
طرائقها منذ أمد بعيد.
٢٣

فهذا أبو حنيفة الإمام، المتوفى سنة مائة وخمسين من الهجرة، قد سلك
في كتابه: ((الفقه الأكبر)) أدق المناهج العلمية، من جهة ترصيفه، وتبويبه،
وترتيبه، وضم الند إلى نده، والنظير إلى شبيهه.
وهذا الإمام مالك بن أنس، قد نحا المهيع نفسه في كتابه الموطأ، حيث
جمع بين المنهج النظري والتطبيقي، ودعم النصوص المجردة بالنصوص
العملية، التي تبين كيفية إنزال المجرد على الوقائع، فكان التأصيل غير بعيد
عن العمل والتطبيق، وكانت لحمة البناء وسداه مرتبطتين بالواقع، ومستمدتين
منه عناصر الترابط .
هذا، وإن الكلام عن المناهج والمنهجية، قد استفاض فيه الحديث في
عصرنا الحالي، فعقدت لذلك ندوات، وألقيت فيه محاضرات، سواء على
مستويات قطرية أو دولية.
فكان الجميع مقتنعاً بأن المناهج المعاصرة لم تكن في مستوى العصر
الحديث، ولم تنتج آثارها؛ فالمعاهد العلمية والجامعات في نمو واطراد،
والعلماء الأكفاء في مسار عكسي؛ من الهبوط، والدونية، وفقدان الكفاءة.
والعقل يقضي بأنه كلما تيسرت وسائل التعليم وذللت عقباتها، توفرت
الكفاءات، وازدهرت العلوم، وكان الإبداع أكثر، والرؤية أشمل.
ولبُّ المشكلة، ومكمَنُ أدوائها قد لا يمسه أحد، وإن مُسَّ فإنما يشار إليه
عرضاً، ولا يوقف عنده طويلاً لتقويم نتائجه وآثاره، سواء بحسن نية من
المخلصين، أو بسوء نية من المبيتين الكاشحين.
وجوهر المشكلة يكمن في أن ثقافتنا أساساً مرتبطة بهويتنا التي تسري في
لحومنا ودمائنا، وتطبع عقليتنا؛ فالمناهج الغريبة عن تكويننا هذا، لا يمكنها أن
٢٤

تنشئ كفاءات علمية، وأطراً مقتدرة؛ لأنها مناهج تفعل مفعولها في بيئتها
التي ولدت فيها، فهي لا تجرب في غير ربوعها، ولا تقبل النبت في غير
أراضيها، فالتجارب تصنع ولا تستورد.
وإذا كان التاريخ بيْدَر التجارب، وخير من يتحاكم إليه في نجاحها أو
فشلها؛ فإنه يشهد بلسان حاله أن المناهج العلمية لما كانت الصبغة الإيمانية
تصبغها، كانت قد آتت ثمارها، وكونت أفذاذاً من العلماء في تخصصات
شتى، مازالت البشرية تعيش على نتاجهم، وتهتدي بنظرياتهم، ولم تطق
التقنية الحديثة - بكل ما أوتيت من وسائل العلم المتطورة، إلى حد ما كانت
البشرية تحلم به - أن تتجاوز إبداعهم ونظرياتهم، فهي تفرض نفسها عليهم،
وتدخل في صميم أعمالهم، سواء تفطنوا لذلك أو جهلوه أو تجاهلوه.
هذا، ومن العقوق للآباء: التنكر لمآثرهم، وازدراء معالمهم، والتنقيص
من مظاهر عظمتهم.
ومن الوفاء لهم: السير على دربهم، واقتفاء آثارهم في وصل حلقات
الحاضر بالماضي، بالبناء على ما أسسوه، وإتمام ما بدؤوه، وترميم ما وقع من
خَلَل فيما شيدوه، مع الأخذ بعين الاعتبار خصائص الأمكنة والأزمنة، فلكل
مقام مقال، ومع استغلال أکبر لكل ما هيئ من الإمكانات المتاحة، دون تنکر
للمبادئ.
فالحضارة هي حضارة فكر، لا حضارة مادة، فالمتحضر الحقيقي يصنع في
المادة عجباً، دون أن يؤدي به ذلك إلى التنكر لقيمه وأصوله.
هؤلاء آباؤنا، فإن جحدهم جاحد، واجهناه بمقالة الفرزدق لجرير :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
٢٥

هذا، وإن ما وَدَعه الأقدمون من تراثهم، لا ينبغي إغفاله بإطلاق، كما لا
يجوز الانهماك فيه بإطلاق، والنظرة الثاقبة المستمدة من الواقع، تنظر لهذه
التركة من زاويتين، وتصنفها إلى صنفين:
● صنف تجاوزه الزمن، وكان صالحاً لوقتهم، حيث أعملوه في حل
مقفلاتهم، وتذليل إشكالاتهم في آنهم، ولم يعُدْ عندنا مثلُ نوع تلك
المشكلات حتى نحتاج إليه فيها، فالانشغال بهذا النوع من التراث مَهْدرة
للوقت، ومَضيعة للجهود، وعائق في وجه الطُّفرة إلى الأمام، وإحياء هذا
النوع من التراث إماتة للعبقريات، وإبعاد عن نيل شأو المطلوبات، وتسلِّ بما
لا يغني في معالجة الآنيات المعلقات.
● وصنف في مكامنه عناصر الصلاح والبقاء، الصالحة لکل مناخ،
ولكل تربة؛ لأنه يجسد نظريات عامة ومجردة، خلاقة في بابها، قابلة
للتطبيق في عصر الذرة والحاسوب، فإحياء هذا النوع دَيْن في عنق الأمة،
والانشغال به إسهام في دفع عجلة الترقي إلى الأمام، وإضافة رصيد غني من
المعايير إلى الأرصدة السابقة، وإماتته والانصراف عنه وعن إحيائه جناية على
الأمة، وفَتَّ في ساعدها المحتاج للعاضد، وإرجاء لمسيرتها نحو مشارف
الكمال المؤدية لغد أفضل .
فالأمة في حاجة لمن يوجز لها السبل، لا من يطيل لها في المسافات،
وينأى بها عن تدارك العوائص قبل استفحالها، والداء قبل سريانه، فالآسي
من يضع البلسم على الداء، لا من يصف الدواء والأدواء، والحكيم من
يعطيك العبرة من التجربة، لا من يوكلك إلى إعادة التجربة.
هذا، وإن من بين الكتب التراثية التي تدخل في الصنف الثاني، وتستحق
٢٦

الاهتمام والإحياء، كتبَ الحافظ ابن القطان الفاسي، وخاصة منها كتابه:
(«بيان الوهَم والإِيهام، الواقعين في كتاب الأحكام)» الذي يعتبر بحق سلسلة
في مصنفات المنهج النقدي الحديثي بكل المقاييس، وتطبيقاً رائعاً لقواعده
وأسسه .
وهو واحد من جملة الإسهامات الوافرة التي شارك بها الغرب الإسلامي
في بلورة أسس المناهج، وتوضيح معالمها، فقد أودع فيه مؤلفه زبدة أبحاثه،
وخلاصة آرائه، وحصيلة تتبعه واستقصائه، وعصارة علمه وخبرته وتجربته .
ففيه من القواعد المنهجية الممهدة، والابتكارات العلمية، والأسس
المؤصلة، ما يجعله في مصاف ما يجب إحياؤه، ولفت الأنظار إليه، والعناية
به .
ومنذ أن أسس المسلمون حضارتهم الإيمانية في الأندلس، لم يبخل هذا
البلد المعطاء بإفادة الحضارة الإنسانية، والمشاركة في إيصالها إلى أوج
عظمتها، فکم خرجت معاهده ومساجده من محدثین، وفقهاء، ولغویین،
وفلاسفة، ومفكرين، وصيادلة، ومازالت المكتبات العالمية تزخر بإنتاجهم
في تخصصات متنوعة.
فوصلوا بذلك حاضر الأمة بماضيها، لعلمهم بأن التاريخ عبارة عن
سلسلة تتداخل حلقاتها، ويأخذ آخرها بعنق أولها، ففقدان حلقة من حلقاتها
يظلم درب مسيرة الأمة، ويجعلها تتخبط في المعايير، فتضيع بذلك هُويَّتها،
وتنجرف نحو الغثائية التي لا قرار لها .
فتحصينُ الأمة لهويتها أساس في بناء حضارة تسعد الإنسان، وفقدان
الهوية إنما تبنى عليه حضارة مدمِّرة ومشقية للإنسان.
٢٧

وشتان بين حضارة مبنية على هوية إيمانية، يسعد فيها الشقي، وینال فيها
المحروم، ويأمن فيها الخائف، ويرحم فيها الضعيف، ويحترم فيها القوي،
وحضارة بناها أوزاع لا تعرف أصولهم، كالحضارة الأمريكية، التي أشقت
الإنسان ولم تسعده، وخوفت الآمن ولم تؤمنه، وتسلطت على الضعيف ولم
ترحمه، وتجبرت على الشعوب فاستعمرتها، بدل أن تطلق لها عنان حريتها،
لتبني وتبدع وفق النمط الذي ينسجم مع فطرتها، ويتلاءم مع سنن الله الكونية
المبثوثة هنا وهناك.
فإذا كان الغرب الإسلامي له رسالة حضارية أداها ويؤديها؛ فإن موقعه
الجغرافي والقاري يعطيه خصائص ومميزات - سواء على مستوى المناهج ، أو
على مستوى التفكير، أو على مستوى التناول- تتلاءم مع بيئته وموقعه،
والخصائص والمميزات إثراء وإغناء للحضارة الإنسانية، فلا تتناقض مع
الأسس المتفق عليها، بل هي تزيدها خصوبة ونماء، وتوجهها الوجهة
الواقعية، التي تقبل التطبيق في كل الأصقاع، ولولا الخصائص التي تكيف
الأفكار المشتركة؛ لما استطعنا أن نطبق القواعد العامة في البلدان المختلفة
البيئات، ولولا مرونة تلك الخصائص والمميزات؛ لبقيت الكليات ذوات
أذهان لا ذوات أعيان.
D
٢٨

العد
الموضوع المبحوث وأهميته
وموضوع هذا البحث هو كتاب «بيان الوهم والإِيهام، الواقعين في كتاب
الأحكام))، للحافظ ابن القطان الفاسي، دراسةً وتحقيقاً وتعليقاً.
وأهمية هذا الموضوع لا يمكن أن أشخصها في هذه العجالة، وإنما سأشير
لها مقتضباً وموجزاً، ومن أرادها بكمالها فلیتوخها في ثنايا الكتاب، فهو
أحسن من يعبر عن نفسه، ويميط اللثام عن وجهه، ویزیح الغموض عن ذاته.
وأهمية هذا الكتاب تتجلى فيما يلي:
١ - إنه كتاب في علم العلل، بكل ما يحمل هذا المصطلح من معان دقيقة.
٢ - إنه انفرد بتصحيحات وتضعيفات لنصوص نبوية لا توجد في غيره.
٣ - إنه وثق فيه مؤلفه رجالاً، وجرح آخرين، لا تستفاد أحوالهم إلا من
جهته .
٤ - إنه يحوي ثروة كثيرة من النصوص النبوية التي فقدت مصادرها
الأولى، وأصبح هو المصدر الوحيد الذي يرجع إليه فيها، كمصنفات قاسم بن
أصبغ، ومسند بقي بن مخلد، وغيرهما من النفائس التي ضمن كتابه هذا
قسطاً وافراً من نصوصها .
٥ - إن الناظر في كتب من بعد ابن القطان - الذين ينقلون آراءه ويقرُّونها
ويعترفون بمضمونها - لا يسعه إلا أن يُكبر هذا الكتاب، وهذه الأهمية تستدعي
أن لا يُغفَل مثل هذا الكتاب، فهو أجدر بالتحقيق والنشر من مئات الكتب
التي لا تضاهيه ولا تداني مرتبته، وليس بينك وبين هذه الحقيقة - أيها القارئ-
إلا أن تفتح مقدمته مسترسلاً، وهو سيثبت لك بلا عناء هذه الحقيقة ويجليها .
٢٩

دواعي اختيار هذا الموضوع:
إن الحافظ ابن القطان الفاسي، يعرفه المشارقة أكثر من المغاربة، حتى إنه
ليخيَّل لكثير إذا ذكر ابن القطان أنه يحيى القطان، الإمام المعروف، المتوفى
سنة ثمان وتسعين ومائة هجرية، للاعتقاد بأن هذا الحافظ - في مثل هذا
المستوى الذي يناطح الكبار - لا يمكن أن يكون مغربياً، الشهرة المغاربة
بالاشتغال بالفروع دون الأصول، فكان هذا شرارة عابرة في ذهني منذ أمد
بعيد، وما دريت أنها تختمر في فؤادي، ولا أنها تعمل عملها، حتى فوجئتُ
بتحول جاد وغريب عني، يؤنبني على عدم الاهتمام بتاريخ الأندلس وتراثه،
ومن ثم ؛ يَجَّمت بوجهي مؤلفات الغرب الإسلامي، اقتناء، وقراءة، وتعرفت
على بقي ابن مخلد الأندلسي في أول شخصيات الأندلس، فأكبرت علمه
ونبله، وعلمت أن في المَزادة مزيداً.
ولما تتبعت إصدارات التمهيد لابن عبد البر بنَهَم وشغَف؛ دريت أن
للأندلس رصيداً من المحدثين، وأنها مهد لعديد من فطاحل هذا الشأن،
وواصلت البحث في درب التنقيب عنهم، حتى أصبح علمي ضرورياً بأن
المدرسة الأندلسية في الحديث لا تقل عن نظيراتها كفاءةً في العالم الإسلامي،
وقد مَدَّت شجرة الحديث الأندلسية رواقها إلى المغرب، وضربت بجذورها
في الأرض المغربية، فكان من جملة ثمارها الحافظ ابن القطان الفاسي، الذي
انتقينا كتابه - الوهم والإيهام - موضوعاً لهذه الرسالة، لأسباب متعددة نجملها
فيما يلي:
١ - النقول المستفيضة في كتب الرجال، وكتب الحديث، عن ابن القطان
الفاسى.
٣٠

٢ - إقرار أئمة هذا الشأن تصحيحه وتضعيفه، وتجريحه وتعديله، واعتماد
قوله، إلا في النادر المتعقَّب عليه، فكان هذا من جملة اللفتات التي لفتتْ
النظر إليه.
٣ - الدراسة الجدية القيمة التي قدمها العلامة الدكتور إبراهيم بن
الصديق، بدار الحديث الحسنية على ((بيان الوهم والإيهام))، فهي أيضاً
أعطتني شهادة على عظمة هذا الكتاب وغناه، واستحقاقه للنشر والتحقيق،
فقد أبرزت هذه الدراسة أن تأخير تحقيق مثل هذا الكتاب تقصير من المغاربة،
وعدمُ الاعتناء به إغفال لجانب وضَّاء من إسهامهم في بلورة المعرفة، وتأسيس
المناهج.
٤ - انتظار صدور هذا الكتاب محققاً منذ زمن بعيد ولم يصدر، وخاصة
بعدما سمعنا صيحات بأنه يحقق هنا أو هناك، وقد قام باحث بتسجيله
لدكتوراة الدولة بالسعودية، ولكنه لما سمع أن الشيخ إبراهيم بن الصديق
يعمل فيه تركه، لاعتقاده بأنه يحققه.
ثم نشر مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت في مجلته: أخبار
التراث الإسلامي -العدد الرابع من ذي الحجة ١٤٠٥ - سبتمبر - ١٩٨٥ -
الصفحة الثامنة - أن الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي بالعراق يوشك أن ينتهي
من تحقيق هذا الكتاب، وكنت لكل هذا مراقباً ومواكباً.
ولما التحقت في الرباط بكلية الآداب، شعبة الدراسات الإسلامية.
عمرها الله تعالى - راودتني فكرة تحقيق هذا الكتاب، وخاصة أنه لم يظهر في
الوجود بعدَ كل ما ذكرنا، ولكني أقدم فيه رجلاً، وأؤخر أخرى، ثم انقدح
في ذهني أن أراسل الجامعات الشهيرة التي لا يمكن أن تغمض عينها عن مثل
٣١

هذا الكتاب القيم؛ فكتبت لعديد من الجامعات في الخليج العربي، مستفهماً
عن تحقيقه، أو الاهتمام بتحقيقه، فجاءت الردود بأنه لم يسجل في أي منها،
وبعضُ هذه الردود تؤكد أن المغاربة أولى بتحقيق هذا الكتاب، فكان هذا
حافزاً جديداً، ودافعاً قوياً للإقبال عليه.
ثم كاتبت علامة العراق الشيخ صبحي السامرائي - حفظه الله وأطال عمره -
مستفهماً عن تحقيقه هذا الكتاب، فأجابني جزماً بأن الكتاب لا يحقق في أي
جهة من الجهات، وأن الشیخ السلفي لا يحققه، وما نُشر عنه من ذلك هو
خطأ، وكان هذا مطمئناً لي إلى حدما، مع تشجيع الشيخ صبحي السامرائي
لي على تحقيقه، ووَعَد بإرسال كل ما أحتاجه من مخطوطات لذلك، مما في
مكتبته العامرة بالنوادر.
ثم في النهاية راسلت الشيخ حمدي السلفي نفسه، ورَدَّبأن الكتاب ما
حققه ولا اشتغل به، وشجعني هو أيضاً على تحقيقه، ووعد بإرسال كل ما
أطلبه منه مما عنده من مخطوطات لإتمام هذا العمل، ولكن حرب الخليج
حالت دون هذه الأمنية، وكان هذا كله بعلم شيخي الدكتور فاروق حمادة
الذي تحمس لهذا الكتاب، وقد أعارني نسخته من بيان الوهم والإيهام،
وبقیت عندي مدة حتی نسخت أکثرها.
أ
هذا، وقد لمست في الأجوبة التي وصلتني عن عدم تحقيق هذا الكتاب.
رغم أهميته -سببين اثنين لعدم الإقدام عليه.
أحدهما: وجود نسخة وحيدة تامة، في دار الكتب المصرية، مصورة عن
نسخة ترکیة، وفي نصفها الثاني بیاض، ففهم الباحثون من ذلك أن البياض
كثير، ولذلك لا تصلح للتحقيق.
٣٢

وثانيهما: عدم معرفة أكثرهم بوجود نسخة ثانية ناقصة في خزانة
القرويين بفاس، فظن هؤلاء أن الاشتغال بتحقيق الكتاب على نسخة واحدة
فيها بياض كثير غيرُ مفيد، فانصرفوا عن الكتاب لذلك، لأمر أراده الله تعالى،
وكان هذا كله في صالحي، والله يهيئ أسباب ما شاء لمن شاء.
٥ - المغاربة أولى بإحياء تراثهم وتحقيقه؛ لأنهم أدرى بخصوصيات
بلدهم، وعقليته، وتكوينه، فهم أقدر على سبر غور منحنيات نفوس المؤلفين
والكُتَّاب، الذين يتأثرون بواقعهم، وخاصة بعد ثبوت أن للمشارقة أخطاء في
حق المحدثين المغاربة .
فهذا الذهبي - رحمه الله - إمام عصره، لَّا ترجم لابن القطان، لم يتجاوز
نقل ما قاله عنه أهل بلده، وترجمه في صفحة ونصف، وهو یترجم من دونه
بمفاوز في صفحات.
٦ -الكتاب ليس بالسهل الذي يمكن تحقيقه من طرف أي واحد، فهو
كتاب يحتاج لخبرة في علم العلل، وصبر في تتبع الأسانيد، واستقصاء
المتون، ودون ذلك لا يمكن فهم أغراضه ومراميه، ومن لم يأنس من نفسه
القدرة على التعامل معه؛ فلا حق له في التعرض له.
٣٣

خطة العمل:
قسمت العمل في خدمة هذا الكتاب إلى قسمين :
أ- قسم الدراسة.
ب- وقسم التحقيق.
فأما قسم الدراسة فيحتوي على مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب.
فأما المقدمة؛ فتشتمل على تجلية أهمية الموضوع، وذكر أسباب اختياره.
وأما التمهيد؛ فيتناول الكلام على النشاط العلمي في القرن السادس،
وأسباب انتعاشه وازدهاره، وخاصة في الدولة الموحدية، وقد أعطى هذا
الانتعاش وهذا الازدهار ثماره المرجوة فيما بعد.
وأما الباب الأول؛ فقد خصصته للتعريف بالحافظ ابن القطان.
وتحت هذا الباب ثلاثة فصول:
• الفصل الأول: ترجمة الحافظ ابن القطان الفاسي.
وتحت هذا الفصل ثلاثة مباحث :
- المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وکنیته، ولقبه، ونشأته الأولى
والثانية.
- المبحث الثاني : طلبه للعلم، وشيوخه فيه.
- المبحث الثالث: تلاميذه.
• الفصل الثاني: ابن القطان الحافظ ومكانته العلمية.
وتحت هذا الفصل أربعة مباحث:
٣٤

- المبحث الأول : أقوال جهابذة النقاد فيه.
وتحت هذا المبحث مطلبان:
• المطلب الأول: ثناء العلماء على حفظه وإتقانه وفهمه.
• المطلب الثاني: تصنيفه ضمن طبقات الحفاظ.
- المبحث الثاني: العلوم التي برز فيها.
- المبحث الثالث : ابن القطان ومدی استفادته من شيوخه.
- المبحث الرابع: ابن القطان واتهامه بالتشدد في التجريح.
الفصل الثالث: الأعمال التي تولاها ابن القطان في الدولة الموحدية.
وتحت هذا الفصل أربعة مباحث :
- المبحث الأول: وظائفه في الدولة الموحدية.
- المبحث الثاني: الانتقادات والتهم الموجهة إليه بسبب هذه الوظائف
وغيرها .
- المبحث الثالث: الجواب عن هذه الانتقادات.
- المبحث الرابع: وفاته وأسبابها.
الباب الثاني: آثار ابن القطان العلمية.
وتحت هذا الباب أربعة فصول:
الفصل الأول: مؤلفاته وقيمتها العلمية.
وتحت هذا الفصل:
أ- تمهید .
ب - تصنيف هذه المؤلفات حسب فنونها .
٣٥

• الفصل الثاني: علاقة ((بيان الوهم والإيهام)) بكتب الأحكام.
وتحت هذا الفصل :
- المبحث الأول: التدرج التاريخي لكتب الأحكام.
- المبحث الثاني: أبو محمد: عبد الحق الإشبيلي، وكتابه ((الأحكام
الوسطى)). وتحت هذا المبحث مطلبان:
• المطلب الأول: التعريف بأبي محمد عبد الحق، على سبيل
الاختصار.
● المطلب الثاني: التعريف بالأحكام الوسطى.
- المبحث الثالث : منهجه فيها .
- المبحث الرابع: معالم المنهج النقدي عند أبي محمد عبد الحق وابن
القطان الفاسي في کتابیهما.
وتحت هذا المبحث ما يلي:
أ- المعالم المنهجية المشتركة بينهما.
ب- المعالم المنهجية المختصة.
جــ المقارنة بين شخصية أبي محمد وابن القطان من حيث المنهج.
- المبحث الخامس: علاقه ((بيان الوهم والإيهام)) بـ ((الأحكام
الوسطى)).
وتحت هذا المبحث ما يلي:
أ- العلاقة بينهما علاقة تكامل.
ب- ((بيان الوهم والإيهام)) موضوع على ((الأحكام الوسطى) لا الكبري.
الفصل الثالث: القيمة العلمية لكتاب ((بيان الوهم والإيهام)).
٣٦

وتحت هذا الفصل خمسة مباحث:
- المبحث الأول: التعريف ((ببيان الوهم والإيهام)).
- المبحث الثاني: منهج المؤلف فيه، وأسباب تأليفه.
- المبحث الثالث: قيمته من حيث القواعد الاصطلاحية.
وتحت هذا المبحث ثلاثة وعشرون فرعاً اصطلاحيًا.
- المبحث الرابع : قیمته من حیث التجريح والتعديل، ومن حيث
النقول عن مصنفات مفقودة، ومن حيث النصوص الكثيرة التي يحويها .
وتحت هذا المبحث ما يلي:
أ. قيمته من حيث التجريح والتعديل.
ب - قيمته من حيث النقول عن مصنفات مفقودة.
جــ قيمته من حيث النصوص الكثيرة التي يحويها.
- المبحث الخامس: مصادر المؤلف في هذا الكتاب.
ويشتمل هذا المبحث على ما يلي:
أ-تمهید .
ب - تصنيف المصادر حسب فنونها .
الفصل الرابع: اهتمام النقاد ((ببيان الوهم والإيهام)).
ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول : المصنفات الموضوعة عليه.
وتحت هذا المبحث تمهيد وخمس مصنفات.
- المبحث الثاني : المؤلفات الناقلة عنه.
ويشتمل هذا المبحث على تمهيد ومؤلّفيْن.
٣٧

- المبحث الثالث: ما انتقد عليه من خلال هذه النقول.
وتحت هذا المبحث :
أ- انتقادات الزيلعي وغيره له من خلال ((نصب الراية)).
ب- انتقادات الحافظ ابن حجر له من خلال ((تلخيص الحبير)).
جــ انتقاداته له من خلال ((التهذيب)) و((لسان الميزان)).
الباب الثالث: انتقاد المنتقَد.
وتحت هذا الباب ثمانية فصول:
• الفصل الأول: ما جزم بعدم وجوده، وهو موجود.
• الفصل الثاني: المتون التي أنكر وجودها وهي موجودة.
· الفصل الثالث: الرواة الذين جهَّلهم، وهم موثقون.
الفصل الرابع: الأوهام التي وقعت له في الأسانيد.
• الفصل الخامس: الأوهام الواقعة له في النقول.
· الفصل السادس: النصوص التي لم يطلع على مواطنها.
• الفصل السابع: الأحاديث التي أبعد النجعة في عزوها.
• الفصل الثامن: ما عزاه لمصادر ولم أجده فيها .
هذا ما يتعلق بقسم الدراسة.
وأما قسم التحقيق فيشتمل على ما يلي:
أ- تمهيد في الغرض الأساسي من التحقيق.
ب- النسخ المعتمدة في التحقيق.
جــ وصف تلك النسخ.
د- منهج التحقيق.
٣٨

هـ- العقبات التي واجهتنا أثناء التحقيق.
و - النص المحقق.
ز- خاتمة في نتائج البحث.
ح۔فهارس الکتاب.
هذا، ولا أدعي لعملي في هذه الدراسة العصمة، كما أني لم أتوخ فيها
إلا التركيز على المسائل الأساسية التي أثارها ابن القطان، ولا أطيل، لأني
أخشى ضخامة الكتاب التي ستثقل كاهل القارئ، وقد سبقني إلى دراسة هذا
الكتاب الدكتور / إبراهيم بن الصديق - والفضل للسابق - لكن ذلك لا يعني أنه
أنهى كل شيء فيه، بل ترك أشياء، وأغفل أشياء، واستنتج استنتاجات،
وبعضها قد لا نتفق معه فيه، ولذلك فكل مسألة أشبعها بحثاً، فنحن لا
نكررها، وإذا کررناها فلفائدة زائدة علیه.
هذا، وإن جميع المباحث التي سطرتها في هذه الدراسة، قد اجتمع لدي
مما يتعلق بها شيء كثير، وخاصة فيما يتعلق بمنهج ابن القطان في التصحيح
والتضعيف، ومدى وفائه بمنهجه، وما يرد عليه من اعتراضات وتنبيهات،
ويقدر ذلك بنحو خمسمائة صفحة أخرى، ولكن طول انتظار الناس لخروج
هذا الكتاب إلى الوجود، وخوفنا من ضخامته، قد حالا دون بسط الكلام
على هذه القضايا، فإن كان في العمر سعة ، فسنفعل، وإن كانت الأخرى،
فالکتاب بین یدي طلبة العلم، وهم قادرون على استنباط ذلك منه.
ولذلك أيها المفضال الذي ينشد الحقيقة؛ إنك ستجد في ثنايا هذا الكتاب، من
فوائد منثورة، وشرائد مضمومة، ما يقر عینیك، ويرفع همتك.
والمأمول منك دعوتك لأخيك بظهر الغيب.
٣٩