النص المفهرس
صفحات 1-20
بَيَانِ الرَّحْمُ والإِيهَامِ الوَاقِعَيْنْ في كَاف ◌ِ لَاخْتِكَإِمَّة الحَّافِظِ ابْتُ القَطِّنِ الفَاسِيْ أبو الحسن علي بنْْ محمّد بن عَبْ الملك (ت ٦٢٨هـ) دراسة وتحقيق د. الحسين أيت سَعيد المَجَلّد الأوّل الدّراسَة دارطيبة للنشرو التوزيع حُقُوقُ الطَبَع مَحَفوظَة الطَّبَعَّة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧م ١٤١٧ دارطيب للنشر والتوزيع المملكة العَهبيّة السعوديّة - الهيَاض - السويدي - ش السويدي العامْ - غرب النفَق ص.ب: ٧٦١٢ - رمز بريدي: ١١٤٧٢ - ت: ٤٢٥٣٧٣٧ - فاكس: ٤٢٥٨٢٧٧ كلمة جمعية الحافظ ابن عبد البر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم؛ وبعد : فتتشرف (جمعية الحافظ ابن عبد البر للتعريف بالتراث الإسلامي) بمراكش بإصدارها لحلة بهيجة وتاج مكلل بدرر العلم، وفرائد النقد القويم: كتاب: (بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام) للحافظ الناقد البارع المحقق أبي الحسن علي بن محمد الشهير بابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ)، والذي انتهت إليه الإمامة - في عصره - في النقد ومعرفة الرجال وعلل الحديث. ولقد ظل كتاب ابن القطان هذا مصدرًا أمينًا ، وركنًا متينًا يأوي إليه المحققون في علم الحديث كالمزي، والزيلعي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني وغيرهم لحل كثير من المعضلات في الجرح والتعديل والعلل. ولقد أبان ابن القطان- رحمه الله - في هذا الكتاب عن اطلاع واسع، وتحرير بديع، وفهم دقيق عميق لعلم الجرح والتعديل؛ وقد ساعده على ذلك تمكنه من كثير من مصادر الحديث النادرة حيث كان قيمًا على مكتبة الدولة الموحدية بمراكش. ولا شك أن إصدار مثل هذا الكتاب العظيم يعد اليوم فتحًا كبيراً للمشتغلين بعلم الحديث؛ فقد تضمن الكتاب مسائل حديثية في الجرح والتعديل لم يعلم لسالف فيها قول غير ابن القطان، كما أن له اجتهادات فريدة في مثل قضية تعارض الجرح والتعديل. وقد قيض الله لهذا الكتاب الدكتور الحسين آيت سعيد الذي اهتبله وبالغ في تحقيقه مبالغة تدل على حبه لهذا العلم وتوغله في تحقيق التراث؛ فنسأل الله أن يجزيه عن ذلك خير الجزاء وأن ينفع به الإسلام والمسلمين. وجمعية الحافظ ابن عبد البر بنشرها لهذا الكتاب وكتابها الأول: (التصحيف وأثره في الحديث والفقه) للباحث جمال اسطيري إنما تسعى إلى تغطية جانب مهم من جوانب نشر العلم الشرعي المراد تحقيقه من خلال الالتزام بالكتاب والسنة لإرساء القواعد العلمية للنقد والتحقيق التي أقرها علماء الأمة حسمًا للفوضى التي قد تعتري الدعوة الإسلامية اليوم باسم العلم، وعودة بمنهج التربية والتعليم إلى ما كان عليه السلف الصالح. والله من وراء القصد وعليه التكلان وبه المستعان. تصدير (وهو نص الكلمة التي ألقاها المشرف على الرسالة عند مناقشتها في ٩٤/٣/٢٢) بقلم الدكتور فاروق حمادة أستاذ كرسي السنة وعلومها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس الرباط جسم الهالرحمنالرحيم اللهم إنا نحمدك بجميع محامدك، ما علمنا منها وما لم نعلم، ونثني عليك الخير كله، ونستمطر توالي آلائك، ومدرار نعمائك وأفضالك، ونصلي ونسلم على خيرتك من خلقك محمد بن عبد الله عبدك ورسولك، الذي نورت به البصائر، وهديت به من الضلالة، وأنرت أرجاء الكون بضياء ما آتيته من الرسالة التي بلغها حق البلاغ، ثم تركها أمانة في أعناق أجيال الإسلام، ترثها قرنًا بعد قرن، فتقوم بما ينبغي لها حق القيام، وعلى آله وصحابته الهداة الكرام، ومن تبعهم بإحسان وإيمان إلى أن يدخل المكرَّمون دار السلام. أيها الملأ الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد : فها هنا كانت مراتع وادعة، وغياضٌ فيحٌ واسعة، وعيون ثرة نابعة، ٠ ٥ تتقلب فيها أسراب القطا، وخيوط النعام، وقطعان الظباء والآرام، في غفوة من الدهر، وسکون من الأيام. ها هنا كان ذلك قبل ستين وأربعمائة للهجرة. وشاء العلي الأعلى، أن تصير مسارب القطا، ومراتع الظباء، مسارح واسعة لكواكب العلماء والنبهاء، ومهوى أفئدة الأولياء والصلحاء، ومطالع شموس للباحثين المبدعین النبغاء، جيلاً بعد جيل، وقبیلاً إثر قبیل، حتى يومنا هذا، وإن شاء الله إلى يوم الحشر والجزاء. فلله أنت أيتها ((الحمراء، مراكش)) كم كان لعبقك ولا زال من تأثير على الأرواح الطيبة، ولروحك نفاذ في العقول الكاملة النيرة؟! تقلبنا في فجاجك من (المنارة)» إلى «سيدي يوسف بن علي)) ومن («باب أغمات)) إلى ((باب دكالة)) بل إلى ((أسيف)) و((أسيل)) * حينا من الدهر، وفي شرخ الشباب، فوجدنا ذكريات المجد تتلاطم على جدرانك، ومعاقد العز والعظمة في أزقتك وبنيانك. فنفذ تأثيرك إلى الشغاف من القلب، وحزَّ أخاديد لا تفنى في العقل واللب. وإني إذ أجلس اليوم هذا المجلس الموقر، في هذه الرحاب العلمية، لمناقشة هذه الأطروحة الجليلة، لا أدري من أين أبدأ؟ وفي أي مدى أقف؟ وقد أخذت أيتها ((الحمراء مراكش)) من تفكيرنا بأمجادك وعلمائك کل مأخذ، وسددت إلا عن محاسنك البادية للقاصي والداني كل منفذ، فهل أتكلم عن الزمان؟ أم عن المكان؟ أم عن الإنسان؟ أم عن الآفاق المبشرة بالخير، وهي أحياء قائمة الآن في مدينة مراكش. ٦ بادية للعيان؟! وإن لكل واحدة من هذه متسعًا من القول، ومجالاً أفيح من البيان. لقد صفا الزمان، وأصفى الدهر، واستتب للدولة الموحدية الأمر، بعد الخمسين وخمسمائة على حد قول الوزير أبي جعفر بن سعيد الغرناطي، حين خاطب عبد المؤمن بن علي في جبل طارق: تكلم فقد أصغى إلى قولك الدهر فما لسواك اليوم نهي ولا أمر وحاول فلا برٌّيفوت ولا بحر ورم كل ما قد شئته فهو كائن لقد مدت الدولة الموحدية رُواقها قويَّة موطدة على القرآن الكريم، والسنة والجماعة من الأطلس غربًا، إلى النيل شرقًا، ومن جبال ((الپيرينيه)) في قلب أوربا شمالاً إلى آخر مدى وصله إنسان الحضارة في قلب إفريقيا جنوبًا. صفا الأمر بلا مخالف أو منازع، خلا مُنْتزين هنا تارة، وهناك أخرى، فينطفئون بأسرع مما يظهرون؛ لأن الدهر في إسعاد وإقبال، وريح النصر تخفق في أرجائها، من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال. وكانت درَّة هذه الدولة الفتية، وحاضرتها البهية مراكش الحمراء. وفي أفيائها تقلب على رأس هذه الدولة المهيبة رجال عظام، وأئمة كرام بدءاً من عبد المؤمن بن علي، إلى يعقوب المنصور، الذي سنجعل مدانا في الحدیث عنده. تمكنوا من الثقافة الإسلامية - القرآن الكريم، وعلومه وفنونه، والسنة الشريفة بتعدد اتجاهاتها، والفقه الإسلامي بمذاهبه وأصوله وقواعده - وعرفتهم ٧ حلقات دَرْس هذه العلوم، وأذعن لهم في معرفتها المحبون والخصوم. لقد أراد هؤلاء الأجلاء إعادة أمر السنة النبوية جَذَعًا، وجعلها مع القرآن الكريم لجميع شؤون الدولة والحياة مرتكزاً ومنزعًا، فاستقدموا إلى مراكش كل مذكور بعلم، وجميع من يشار إليهم بإبداع وفهم، وقربوهم إليهم، وأطلقوا لهم عقال الاستنباط والاستنتاج، وجمعوهم في مجالس منيفة للمناظرة والمحاورة والحجاج، وأسسوا الدروس الحديثيَّة، ووسعوا دائرة العمل بالسنة النبوية السنيَّة فالتف حولهم جميع العلماء، الذين طاول نجمهم في ظلال الدولة الموحدية الجوزاء، وما نالوا في رفعة هذه الدولة إلا العطاء تلو العطاء، وعلا على الخصوص شأن علماء السنة والحديث، فكان لهم السهم الأوفر والطيران الحثيث. وتحوّلت مراكش إلى روضة منيرة بعلمائها وصلحائها وعزِّ دولتها، تضاهي بغداد في أيام تألقها، وحاضرة قرطبة وزهرائها إيَّان أوجها وازدهارها، ودمشق الشام أيام تطاولها وعظمتها . في هذا المكان وهذا الزمان ترعرع حافظ المغرب، وأحد نجوم علوم الحديث الزاهرة على مدى الأزمان أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك المعروف بابن القطان. فهو مغربي الدار، مراكشي القرار، رَضَع من لبان القرويين وعبَّ علوم السنة والحديث، والفقه والأصول، من علماء مراكش والواردین، وتابع سيره العلمي حتى غدا صدرًا من الصدور، اعترف له بذلك الكبار من العلماء، من جميع البقاع على مر العصور. وتكفي شهادة محقق المذهبين، الشافعي والمالكي، أبي الفتح ابن دقيق العيد المتوفى ٧٠٢ هـ المتفق على أنه مجدِّد القرن السابع الهجري، وقد أقر له ٨ بالعلم والفضل، ورفيع المكانة، والعهد بينهما قريب، فقد ذكر العبدري صاحب الرحلة أنه التقى ابن دقيق العيد بمصر فقال له: عندكم بمراكش رجل فاضل، فقال له: من هو؟ فقال: علي بن القطان، وذكر كتابه: بيان الوهم والإيهام. لقد بلغ هذا الإمام قمّة المجد العلمي ما بين سنة ثمانين وخمسمائة للهجرة ٥٨٠هـ وعشرين وستمائة للهجرة ٦٢٠ هـ، وكتب خلال أربعين سنة من دقائق الأفكار، وصائب الآراء والآثار، ما تركه شاهداً على تألق المغرب، ومشاركاته العلمية المتميزة، ردحاً غير قصير من الدهر. لقد كانت مساهمات هذا الإمام في السنة النبوية وعلومها، والفقه الإسلامي بجميع مذاهبه والأصول والتاريخ والآداب والسياسة الشرعية. وجميع ما كتبه وسطره، لقي التقدير والإجلال في عصره، وما تلاه، وانتشرت مؤلفاته مع الشمس، إلا أن أجمع كتاب أبدى فيه قوَّة عارضته، وأظهر فيه ثاقب فكره، وعميق براعته، هو كتاب ((بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي)). لقد رأى ابن القطان كتاب الأحكام الشرعية لعبد الحق الإشبيلي - الذي أدركه بالسن - كتابًا حفیلاً، ونال في حلقات الدرس تقديرًا وتبجيلاً، ورأى فيه ما يحتاج إلى إصلاح وتقويم، واستدراك وتتميم، ليكون جليل الفائدة كبير العائدة، فأقبل على ذلك ووطن نفسه عليه، وقام بعمل هو الأول من نوعه في تاريخ السنة النبوية الشريفة. وهنا لابد لي من التنبيه إلى أن الباحث المسلم الذي لا يعيش عصره في أفكاره، ولا يناطح دهره في آرائه، ویتوجه إلى أبحاث ماتت أو تكاد، قد ٩ حكم على نفسه بالهوان والنسيان إلى يوم المعاد. لقد كانت نصوص السنة النبوية تودّع في كتبها بالأسانيد، ويحكم المتخصصون على كل إسناد بما يستحقه، واستمر هذا الأمر حتى القرن الخامس الهجري، إذ طالت الأسانيد، واتسعت سلاسل الرواة، فبدأت مرحلة أخرى بعد ذلك هي حذف الأسانيد، وضم بعض الكتب إلى بعض في الموضوع الواحد، مع بيان المصدر الأصل. كالجمع بين الصحيحين للحميدي، وعبد الحق، والجمع بين الخمسة لرزين السرقسطي، وكان ذلك مركزاً على أحاديث الأحكام، لتكون قريبة المتناول، ميسرة للباحثين والفقهاء، وظهر قبل عبد الحق الإشبيلي عدد غير كبير، أتينا على ذكرهم في كتابنا ((نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإيهام)). ولما جاء عبد الحق الإشبيلي انتفع بسابقيه، وأتى في هذا الباب بما لم يأت أحد بمثله فيه، فجمع آلاف الأحاديث في الأحكام الشرعية ومستند الفقهاء، وهذا لبُّ العلوم الإسلامية، وعين معارفها السماوية، مما مكن لعمله هذا الرسوخ في محاريب العلم، والاعتماد في مجالس المناظرة والفهم، وبقي عمله من حيث الجمع والترتيب أهم عمل حتى يومنا هذا، فيما نعلم، والله أعلم. وجاء دور ابن القطان فتتبع هذه الآلاف من الأحاديث، نقدًا وتمحيصًا، وبيانًا وتفحيصًا، متونًا وأسانيد، مصادر وموارد، واحدًا إثر آخر. وكشف عن صحيحها وسقيمها بحجة واضحة ، وعبارة مفصحة، وبالتالي فقد خدم الإسلام والفكر الإسلامي خدمة جُلَّى، وخاصة علم الحديث في نصوصه وقواعده، وعلم الفقه الذي يرتكز على القرآن والسنة. ١٠ وشرَّع بابًا جديدًا في مناهج البحث، ووقف أمام عدد من قضاياه، وأعاد النظر فيها وغدا مَنْ بعده يقتفون أثره، ويرتسمون خطاه، فيوردون الحديث، ويتكلمون عليه تصحيحًا وتضعيفًا، وجرحًا وتعديلاً، وهذا أمر لم يكن من قبل إلا قليلاً، ولا أعلم أحدًا سبقه في هذا الميدان خلا الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى ٣٢٧هـ. في كتابه علل الحديث، الذي رتبه على أبواب الفقه وجمع فيه علم أبيه وعمّه، ولكن أين هذا من ذاك، فالبون شاسع، والشقة بينهما بعيدة. بل إني أؤكد أن كتاب ابن أبي حاتم - وهو مطبوع - قطرة من بحر ابن القطان من جميع الوجوه. وأما عمل أمير المؤمنين في الحديث الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدار قطني المتوفى ٣٨٥هـ في كتابه العلل - وأمثاله من كتب العلل - فله وجهة أخرى، وبينه وبين عمل سميِّه أبي الحسن بن القطان عموم وخصوص، وعمل الدار قطني محدود بالقياس إلى عمل ابن القطان. لقد قفا أثره كل من جاء بعده، ولم يدركوا درجته خلا الحافظ ابن حجر، بدءًا من الحافظ ابن دقيق العيد المتوفى ٧٠٢هـ، وابن تيمية المتوفى ٧٢١هـ، وابن قيم الجوزية المتوفى ٧٥١هـ، والحافظ الذهبي المتوفى ٧٤٨هـ، الذي كان له بابن القطان اختصاص، ومن شدة تأثره به أخذ على نفسه أنه لا يذكر حديثًا في كتبه إلا مع بيان درجته، والحافظ الزيلعي المتوفى ٧٦٢هـ، والحافظ العراقي المتوفى ٨٠٦ هـ، وابن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢هـ، ومن تلاهم حتى يومنا هذا، وغدا عمل ابن القطان محط أنظارهم، ومدار أقوالهم و كتاباتهم. ١١ ويمكنني أن أقرر هنا أن عمله هذا كان الخطوة الصحيحة على طريق تنقيح كتب الفقه الإسلامي من الحديث الضعيف والواهي والموضوع، وهذا لم يكن قبل عمله، ولهذا كرَّ الذين تبعوه على كتب لها وزن واعتبار، فنفوا من خلال عمل ابن القطان ما علق بها من الشوائب والأوضار. فالزيلعي تتبع أجلَّ كتاب عند الحنفية، ألا وهو ((الهداية)) للمرغيناني فنقح نصوصه الحديثية في نصب الراية، وكانت جهود ابن القطان ماثلة فيه، ومن خلال كتاب الهداية نُفِّحت كتب الفقه الحنفي. والحافظ ابن حجر العسقلاني نقَّح الكتاب السائر عند الشافعية شرح وجيز الغزالي لأبي القاسم الرافعي في كتابه البديع ((التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)) وقال ابن حجر في مقدمة هذا الكتاب: ((وأرجو الله إن تم هذا الكتاب أن يكون حاويًا ◌ُلِّ ما يستدل به الفقهاء في مصنفاتهم في الفروع)). ومن تتبع هذا الكتاب وجد جهد أبي الحسن بن القطان مبثوثًا في ثناياها؛ بل إن الكتاب كله قائم على هذا الجهد المحمود. ومن جانب آخر، فقد شق ابن القطان في كتابه هذا عملاً لم يسبق إليه من مزجه قواعد مصطلح الحديث بالتطبيق على النصوص، وكان الأوائل لا يبرزون القواعد، والأواخر يجمعون القواعد مجردة عن النصوص، فأضاف بعمله هذا التطبيقي قواعد على غاية من الأهمية والخطورة، وكانت عند سابقيه قليلة منثورة، فجعلها في بيان الوهم والإيهام مجموعة ميسورة. لقد قایست بین عمله وعمل الإمام البيهقي المتوفى ٤٥٨هـ وهو من هو !! في كتابه السنن الكبرى، وقد أودعها أحاديث الأحكام، وتعليقات علاء ١٢ الدين المارديني المتوفى ٧٤٥هـ عليه المسماة بـ ((الجوهر النقي)) فوجدت أن صنيع الإمام البيهقي بسيط، وتعليقات المارديني رغم أنها احتذت عمل ابن القطان فهي لا تداني بيان الوهم والإيهام ولا تقاربه أو تساميه. في جوانب إبداعية أخرى في عمل ابن القطان لو تقرَّيناها لطال بنا الحديث ... هذا العمل المنفرد في ميدان الدراسات الحديثيَّة تطاولت به العصور، وطوَّحت به الدهور، حتى غدا الكتاب ومؤلفُه غريبين لا يُعرفان إلا من خاصة الخاصة من علماء الإسلام، واختلط عليهم هذا الإمام بيحيى بن سعيد القطان المتوفى ١٩٨ هـ. هذا الإمام وهذا عمله ، أليس جديرًا هذا كله بالكشف والبيان، وإبرازه في أحسن حلة وأدق تحقيق إلى أبناء هذا الزمان، ومن يأتي بعدهم من الأزمان؟ لنساهم في خدمة السنة النبوية مساهمة أصيلة، ونقدِّم - على طريق تنقيح الفكر الإسلامي - نصوصًا جليلة . لقد هدانا الله تعالى بنعمة منه وفضل إلى التعريف الموجز والإشارة إلى هذا الكتاب الجليل في مقال نشرناه بمجلة دعوة الحق المغربية، وهو حول نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإيهام، وكان ذلك منذ عشرين سنة أو زهائها، ثم أخرجناه في كتاب أودعناه غررًا من عيون علم مصطلح الحديث، وقلت آنئذ : إن هذا البحث خطوة على طريق نشر تراث هذا العالم الكبير الحافظ ابن القطان الفاسي. ومرت الأيام والسنون، وجاءني هذا الشاب المراكشي، يريد تسجيل أطروحته لدكتوراه الدولة، بعد أن تمرَّس بعلم الحديث وفنونه، وناطح علماءه وأساطينه، في بحثه الذي قدمه لنيل دبلوم الدراسات الإسلامية العليا حول الجرح والتعديل عند الحافظ ابن حجر العسقلاني، وناقشناه في مدرج الشريف ١٣ الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وعرض علي من الموضوعات ما عرض، حتى قال لي: صح عزمي على تحقيق كتاب بيان الوهم والإيهام، فأجبته إلى طلبته، وساعدته على مقصده، شريطة أن يكون التسجيل في معقل دار أبي الحسن بن القطان، ومدارج صباه، وميادين أنظاره ورؤاه، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، لتكون بذلك من خلف أسوار القرون محيين لذكراه، مرجّعين لصداه، محافظين على إرثه وما أسداه، في مدينته التي أخلص لها، وذرعت فضاءَها وفجاجها خطاه. فإذا كان رحمه الله قد خرج عن مراكش أخريات أيامه أسيفًا حسيرًا في فتنة سياسية عمياء، فها نحن اليوم نؤكد أن أفكاره التي تفتقت هاهنا في جنبات هذه الربوع الطيبة الندية، وقدمها للدنيا بنفس رضيَّة سخيَّة، لا تزال حية نابضة قويَّة، متوارثة مرويَّة يحييها شاب مراكشي جَلْد، ومدافع عن السنة عنيد ... فرغب هذا الشاب المتصدر أمامكم في ذلك أيما رغبة، وانشرح صدره لهذا الشرط بسرور ومحبة، وكتبنا إلى أخينا السيد القيدوم فحقق الأمنية، وسهل لهذا الأستاذ بكلية الآداب هذه الوثبة العلمية، وهكذا فلتكن الأجيالُ لتراث الأجداد المنير باعثة ، وعليه محافظة وله وفيَّة. وأقبل السيد الحسين آيت سعيد على هذا الكتاب الفريد بصبر ومثابرة، ومتابعة ومواترة، فنسخ النسخ، وقابل ... وخرَّج النصوص، وفصَّل ... ودرس الكتاب وتأمل ... واستدرك ما ينبغي استدراكه وكمَّل ... ، ونقَّح التراجم وحصَّل .. واستخلص النتائج، ووضع القواعد وأصَّل ... ، ومهد ١٤ لكل هذا العمل برفق، فتأنى وتمهل. وكل عمل من هذه الأعمال جليل وحفيل. وقد أظهر في كل واحد منها معرفة وعلمًا ودقة وفهمًا، بما يجعلنا نرتاح لعمله، وخاصة تخريج النصوص ودرسها وتتبعها وفحصها، وتضعيفها وتصحيحها، بما هو جدير بأن يسلك به في زمرة المحدِّثين الشباب، الذين نرجو من السميع العليم أن يكون لهم مستقبل ناضر، وعطاء علمي زاهر . لقد أنجز صاحب هذا البحث عملاً علميًا رفيعًا، وسلك في إنجازه طريقًا بديعًا، وسيأتي يوم قريب إن شاء الله، يكون فيه هذا الكتاب وأصله أحكام عبد الحق بين يدي الباحثين والدارسين عملاً لهذه الكلية مبرورًا، ولمحققه ومنجزه جهداً مشكوراً. لقد عرفت صاحب هذا العمل منذ سنين طوالاً دؤوبًا، لا يلوي في طريق المعرفة وتوجهه إليها على شيء غير جمع ما يمكن أن يجمعه مثله بجد ونشاط من علماء المشرق والمغرب، وكرع من حياض القرآن الكريم والسنة المطهرة وعلوم اللغة وفنونها منذ نعومة أظفاره، وتابع مسيره بهمة لا تني، وعزيمة لا تفتر أينما حل وارتحل في شرق الأرض في الحجاز، وفي غربها في مراكش وأحوازها والرباط وفجاجها . وها هو عمله بين يدي لجنة من أهل العلم والفضل لتسدِّده وتقوِّمه، وإني وأنا المشرف عليه لي ملاحظات تبدأ بإخراج النص وطباعته وما اعتراه من الثخانة والهفوات، مع أخطاء علمية في بعض الصفحات، وهي ليست بالكثيرة ولا الوفيرة، وإن إخواني أعضاء هذه اللجنة المحترمة سيقدمونها له مع غيرها مما لم أدركه، أو فاتني تتبعه وفوق كل ذي علم عليم. ١٥ وكيفما كان الأمر فإن أي عمل بشري لا يخلو من الهنات، ورحم الله من قال : النقص أصل في الطبيعة كامن وبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد والناجح الرابح من عدت خطيئاته، ولم تحص إصاباته، والخاسر البائر من عدَّت إصاباته، وعزت على العدِّ خطيئاته. شاكرًا لهؤلاء الإخوة الفضلاء، وللسيد قيدوم هذه الكلية التي تحمل اسم علم من أعلام المعرفة والهداية، وسائلاً المولى تعالى أن يجزيهم عني وعن صاحب هذه الأطروحة أحسن الجزاء ويكتب لهم الأجر والثناء. وقبل أن أنهي كلامي حول هذا العمل العلمي الجليل أعلن في هذا الملأ الكريم والمعهد العلمي الذي يحمل اسمًا لامعًا في سماء الروايات وضبطها، ونقل السنة وحفظها، أني أطوق عنق الأستاذ الحسين آيت سعيد بإجازتي الحديثية التي تُوصلنا بسيد البرية ائتساء بعمل المحدثين، واتباعًا لمنهجهم الرصين لما أعلمه من أهليته لذلك، بالشروط المعتبرة عند أئمة هذا العلم وعلمائه، مؤكدًا على ابننا الروحي الحسين آيت سعيد أن يكون متمسكًا بالسنة النبوية ، وأدبها الرفيع، وتعاليمها الغراء في سعة الصدر وبعد النظر، وإصاخة السمع للحق كائناً من كان مصدره من البشر، وخفض الجناح للمؤمنين، وعدم رؤية النفس، وقديماً قيل: ((يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر))، كما أوصيه بالإخلاص في القول والعمل وأن يخصنا بدعواته الصالحات في الغدوات والعشيّات، في الخلوات والجلوات، ونحن بدورنا لا ننسى من صالح الدعاء إخواننا وأبناءنا، الذين شمَّروا عن ساعد الجد وتجردوا لخدمة الكتاب والسنة. ١٦ اللهم إنا نسألك أن تفتح بأنوار اليقين قلوبنا، وتبسط بصالح الأعمال جوارحنا، وتُنطق بالكلم الطيب ألسنتنا، وتُزيِّن بالسنة الحسنة آثارنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلّين بمنِّك وكرمك يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه خادم الكتاب والسنة الدکتور فاروق حمادة في ٤ شوال ١٤١٤ هـ بشارع الإِمام علي بالقنيطرة (من مدن المغرب الأقصى) ١٧ أولاً الدراسة