النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون وثانيها التلقى دلالة، وهى أن الصحابة يرى رسول الله عَ لّ يقول أو يفعل، فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره، فأخبروا بذلك الحكم، فقالوا: الشىء الفلانى واجب، وذلك الآخر جائز، وأكابر هذا الوجه(١) عمر وعلى وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم اهـ ملخصا (١-١٠٤). وقال فى "إزالة الخفاء(٢)": صحابه رضوان الله عليهم باعتبار كثرت وقلت روايات حدیث بر چهار طبقه اند: (١) مکثرین که مرویات ایشان هزار حدیث باشد فصاعدا. (٢) ومتوسطین که مروبات ایشان قریب پنج صد حديث فصاعدا باشد، ومثل أبو موسى وبراء بن عازب. (٣) وجمع که مروبات ایشان چہل حديث باشد فصاعدا تا سه صد وچهار صد. (٤) ومقلین که مروبات ایشان تا چهل نمیرسد. جمهور اهل حدیث گفته اند که مکثرین از صحابه هشت كس اند: أبو هريره وعائشه صديقه وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وجابر وأبو سعيد خدرى، واز متوسطين: عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وأبو موسى أشعرى وبراء بن عازب، وأمثال ایشان را شمرده اند. کہ از هر یکے زياده از پنج صد و کمتر از هزار در دست مردم موجود است. واین فقیر درین مقدمه بحثے دارد، وآن آنست که در حدیث فاروق اعظم وعلى مرتضى وعبد الله بن مسعود بسیار يافته می شود آنچه موقوف ست ظاهراً ومرفوع است حقیقةً. ازین عزیزان نقل بسیارے در باب فقه، ودر باب احسان، ودر باب حکمت یافتہ کہ بوجوه بسیارے مرفوع است بس این عزیزان از مکثرین باشند، وشواهد این مقدمه بسیار است، ومتفطن لبیب را گنجائش ست که آنچه در باب فقه واحسان ذکر کرده اند بر احادیث مرفوعه مثبته در اصول عرض کند، وبشناسد که کدام (١) أى التلقى دلالة (المؤلف). (٢) أخذنا عبارة "إزالة الخفاء" من تذكرة الأعظم لبعض فضلاء عصرنا، وقد جربنا صحة نقله فى هذا الكتاب فى أكثر المواضع منه (المؤلف). ٢٢ مقدمة إعلاء السنن ..... مرفوع است. انتهى ملخصا مع تغير يسير فى التعبير (مقصد، کدام حديث ٢-٢١٤) . ثم قال بعيد هذا: قصه كوتاه حديث بسياراز مرويات أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود درمیان دفاتر هست که بی بانتساب آنها باین عزیزان غير متفطن لبيب نميتواند برد اهـ. فقد رأيت أن الشيخ -قدس الله سره- عد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلى. ابن أبى طالب وعبد الله بن مسعود من المكثرين فى الحديث، لكون أكثر أقوالهم الموقوفة عليهم موافقة للأحاديث المرفوعة بالعرض عليها، خلاف ما عليه الجمهور من عدهم إياهم فى المتوسطين، فكذلك الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه من المكثرين فى الحديث أيضًا، لكون جملة كبيرة تنوف على آلاف كثيرة من أقواله ومسائله موافقة للمرفوعات بالعرض عليها، وبهذا قال ابن المبارك: ((لا تقولوا رأى أبى حنيفة رحمه الله، ولكن قولوا تفسير الحديث)). ذكره القارئ فى المناقب عن سويد بن نصر عنه (ص-٤٦٠). وقال ابن حجر المكى فى "الخيرات الحسان": مر أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من أئمة التابعين وغيرهم، ومن ثم ذكره الذهبى وغيره فى طبقات الحفاظ من المحدثين، ومن زعم قلة اعتنائه بالحديث فهو إما لتساهله بأهله أو حسده، إذ كيف يتأتى لمن هو كذلك استنباط مثل ما استنبط من المسائل التى لا تحصى كثرته مع أنه أول من استنبط من الأدلة على الوجه المعروف فى أصحابه عنه اهـ. وإن طالت بنا الأيام، وساعدتنا التوفيق ببلوغ المرام، من تكميل هذا الكتاب(١) الذى نحن بصدده بحسن الختام، فسوف ترى إن شاء الله بالعيان ما سمعته بصريف الأقلام. فإن قلت: هب، إن لرواية الحديث وجهين: التلقى رواية، والتلقى دلالة، فلم اختار أبو حنيفة الوجه الثانى، وترك الأول الذى اختاره المحدثون أكثرهم؟ قلت: لما فيه من النسبة إلى رسول الله مظلته، ودونه هول المطلع، فاختار رضى الله عنه الوجه الثانى، وروى أكثر المرفوعات بطريق الإفتاء، (١) أى إعلاء السنن (المؤلف). ٢٣ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون وعليه أدرك مشايخه وسلفه. قال الدارمى: حدثنا ثابت بن زيد ثنا عاصم قال: سألت الشعبى (١) عن حديث فحدثنيه، فقلت: إنه يرفع إلى النبى معَ لِّ، فقال: لا! على من دون النبى ◌ِّّ أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان على من دون النبى مرّاتٍ، وقال: أخبرنا إسحاق بن عيسى ثنا حماد بن زيد عن أبى هاشم عن إبراهيم(٢) قال: ((نهى رسول الله مرّظلٍّ عن المحاقلة والمزابنة)) فقيل له: أما تحفظ عن رسول الله عز ◌ٍّ حديثا غير هذا؟ قال: بلى! ولكن أقول: ((قال عبد الله قال علقمة أحب إلى)) (ص- ٣٢). وأخرج عن توبة العنبرى قال: قال لى الشعبى: أرأيت فلانا الذى يقول: ((قال رسول الله ێے)) قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا، فما سمعته یحدث عن رسول الله ◌َّرِ شيئا إلا هذا الحديث اهـ (ص-٣٣). وذكر الذهبى فى التذكرة عن أبى عمرو الشيبانى قال: كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا، لا يقول: ((قال رسول الله مٍِّ)) فإذا قال: ((قال رسول الله مَ لِّ)) استقله الرعدة، وقال هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا اهـ (١-١٥). وروى مجالد عن الشعبى قال: كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من امرئ ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث. كذا فى "تذكرة الحفاظ للذهبى" (١-٧٧). قلت: ولذا ندم المكثرون من أكابر المحدثين على إكثارهم منه. فقال شعبة وهو أمير المؤمنين فى الحديث: وددت أنى وقاد الحمام، ولم أعرف الحديث، وقال أيضاً: ما شىء أخوف عندى أن يدخلنى النار من الحديث. كذا فى "التذكرة للذهبى" (١-٨٥). وقال سفيان الثورى وهو سيد الحفاظ: وددت أنى نجوت من العلم لا على ولا لى، وما من عمل أنا أخوف على منه، يعنى الحديث (١- ١٩١ ، تذكرة). هذا! ومع ذلك فما يوجد من أحاديث أبى حنيفة التى أسندها إلى رسول الله مرّ له كثير أيضًا، منها: ما جمعه الحفاظ فى مسانيده، ومنها: ما ذكره أصحابه محمد بن الحسن فى (١) وهو أكبر شيخ أبى حنيفة (المؤلف). (٢) النخعى شيخ الإمام (المؤلف). ٢٤ مقدمة إعلاء السنن الآثار، والموطأ، وكتاب الحجج، والمبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والكبير، وغيرها، وأبو يوسف وابن المبارك، والحسن بن زياد، وغيرهم فى كتبهم، ووكيع ابن الجراح فى "مسنده"، وابن أبى شيبة، وعبد الرزاق فى مصنفيهما، والحاكم فى "مستدركه"، وابن حبان فى صحيحه، والبيهقى فى سننه، وكتبه، والطبرانى فى معاجمه الثلاثة، والدارقطنى فى سننه، وفى غرائب مالك، وغيرهم فى غيرها من الكتب، فلو جمعنا تلك الأحاديث كلها فى مجلد واحد لكان كتابا ضخما، قال ابن حجر المكى فى الخيرات الحسان: وقد خرج الحفاظ من أحاديثه مسانيد كثيرة، اتصل بنا كثير منها، كما هو مذكور فى مسندات مشايخنا اهـ (ص-٦٩). الفصل الرابع في توثيق أبى حنيفة وجودة حفظه قلت: أما ورعه، وزهده وتقواه، وعدالته فأمر لا يرتاب فيه مرتاب، قد اتفقت كلمات الأئمة بالثناء عليه فى هذا الباب، وأما كونه ثقة فى الحديث، وعدلا فى الرواية فقد ذكر الحافظ فى التهذيب، قال محمد بن سعد العوفى: سمعت ابن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ، وقال صالح بن محمد الأسدى عن ابن معين: كان ابو حنيفة ثقة فى الحديث إهـ (١٠ - ٤٥٠). وقال ابن عبد البر فى كتاب الانتقاء فى فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: سئل يحيى بن معين وعبد الله بن أحمد الدورقى يسمع من أبى حنيفة؟ فقال يحيى بن معين: هو ثقة، ما سمعت أحدا ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث بأمره، وشعبة شعبة اهـ. وقال ابن عبد البر أيضًا فى كتاب بيان جامع العلم: قيل ليحيى بن معين: يا أبا زكريا! أبو حنيفة كان يصدق فى الحديث؟ قال: نعم! صدوق، وقال: كان شعبة حسن الرأى فى أبى حنيفة اهـ. وقال ابن عبد البر: وقال ابن المدينى: أبو حنيفة ثقة لا بأس به اهـ. من "اخراهر المضيئة" (١-٢٩). ٢٥ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون وقال ابن الحجر المكى فى "الخيرات الحسان" (ص-٣١): سئل (ابن معين) هل حدث سفيان الثورى عنه (أى عن أبى حنيفة؟) قال: نعم! كان ثقة، صدوقا فى الفقه والحديث اهـ. وفيه أيضاً (ص-٣٢): وقال شعبة: كان والله حسن الفهم جيد الحفظ اهـ. وقد تقدم قول إسرائيل بن يونس ((نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه وأشد فحصا عنه)) اهـ. وقال الحافظ ابن عبد البر: الذين رووا عن أبى حنيفة، ووثقوه أكثر من الذين تكلموا، وقد قال الإمام على بن المدينى: أبو حنيفة روى عنه الثورى، وابن المبارك وهو ثقة لا بأس به اهـ. وقال الحافظ ابن أثير الجزرى: كان إماما فى علوم الشريعة مرضيا اهـ. من "التعليق الحسن" (١-٨٨). قلت: وشعبة أول من تكلم فى الرجال، وابن معين إمام الجرح والتعديل، وكذا ابن المدينى وإسرائيل بن يونس إمام حافظ حجة، من أوعية العلم، أثبت الناس فى أبى "إسحاق، احتج به الجماعة، فكفى بهؤلاء موثقين، وبحفظ أبى حنيفة شاهدين. وقال يحيى بن آدم: سمعت الحسن بن صالح يقول: كان النعمان بن ثابت فيما نعلم متثبتا فيه إذا صح عنده الخبر عن رسول الله مرّ لغيره، لم يعد إلى غيره اهـ من "الجواهر" (١-٢٨). ومن أكبر الدلائل على حفظ الإمام، وأعظم الحجج لسعة علمه فى الحديث: كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم، وكثرة أصحابه الآخذين عنه، ذكر صدر الأئمة أبو المؤيد موفق ابن أحمد المكى عن أبى حفص عمر بن الإمام بكر بن محمد بن على الزرتجرى عن والده رحمه الله، أنه قال: وقعت منازعة بين أصحاب الإمام الأعظم أبى حنيفة، وأصحاب الإمام المعظم الشافعى رضى الله عنهما، ففضل كل طائفة صاحبها، فقال أبو عبد الله بن أبى حفص الكبير، وهو إمام أئمة الحديث لأصحاب الشافعى: عدوا مشايخ الشافعى رحمه الله، كم هم؟ فعدوهم، فقالوا: إنهم بلغوا ثمانين شيخا، فقال لهم: فعدوا مشايخ أبى حنيفة، فعدوهم، فقالوا: إنهم بلغوا أربعة آلاف، وقد ذكر صدر الأئمة موفق بن أحمد فى مناقب أبى حنيفة: سبع مائة وثلاثين رجلا من مشايخ المسلمين ممن رووا عنه رضى الله عنه (١)، كذا فى "جامع المسانيد" (١-٣٠). (١) أى من أبى حنيفة رحمه الله (المؤلف). ٢٦٠ مقدمة إعلاء السنن قلت: وذكر الحافظ السيوطى فى "تبييض الصحيفة" نقلا عن "تهذيب الكمال" للحافظ المزى: أربعة وسبعين من مشايخه، وخمسة وتسعين من أصحابه، وإنما اكتفى المزى على هذا القدر لكونه لم يرد الاستيعاب فى بيان المشايخ الرواة والأصحاب، كما لا يخفى على من طالع مقدمة تهذيب التهذيب. وقال ابن حجر المكى فى ذكر شيوخه: هم كثيرون لا يسع هذا المختصر ذكرهم، وقد ذكر منهم الإمام أبو حفص الكبير: أربعة آلاف شيخ، وقال غيره، له أربعة آلاف شيخ من التابعين، فما بالك بغيرهم؟ منهم الليث بن سعد، وكذا مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهذان الإمامان من جملة الآخذين عنه اهـ (ص-٢٦). ولنذكرههنا جماعة من أكابر شيوخه، وطائفة من أجلة أصحابه، فإن فى ذلك لذ کری لأولى الألباب. قال أبو محمد البخارى الحارثى: كتب إلى صالح بن أبى رميح: حدثنا أبو حمزة الأنصارى خالد بن أنس، قال: سمعت عبد الله بن دادو الخريبى يقول: قلت لأبى حنيفة: من أدركت من الكبراء؟ قال: القاسم(١) وسالما وطاوسا وعكرمة ومكحولا وعبد الله بن دينار والحسن البصرى وعمرو بن دينار وأبا الزبير وعطاء وقتادة وإبراهيم(٢) والشعبى ونافعا وأمثالهم اهـ. كذا فى "جامع المسانيد" (٢-٣٣٣). والأجلة من أصحابه الذين رووا عنه، وأخذوا بأقواله: يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثورى -ولكن كان يدلس، ولا يصرح باسم أبى حنيفة إلا قليلا- وحفص بن غياث، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وعبد الله بن يزيد المقرى، وعبد المجيد بن عبد العزيز شيخ الإمام الشافعى، وعبد الوارث بن سعيد، وعلى بن مسهر، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والفضل بن موسى السينانى، والقاسم بن معين المسعودى، وقيس بن الربيع، والليث بن سعد المصرى، والمعافى بن عمران الموصلى، ومكى بن إبراهيم البلخى، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون، ويونس بن بكير، والإمام محمد بن الحسن (١) ابن محمد بن أبى بكر الصديق، أو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. (٢) النخعى أو إبراهيم بن المنشر (المؤلف). ٢٧٠ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون الشيبانى والإمام أبو يوسف القاضى، والإمام زفر بن الهذيل، وداود بن نصير الطائى، وفضيل بن عياض الزاهد، وابن جريج، ومسعر بن كدام، وأبو معاوية الضرير -رحمهم الله تعالى- كذا فى تبييض الصحيفة للسيوطى، وجامع المسانيد للخوارزمى (١-٢٩). وقال أبو عبد الله بن مندة الأصفهانى: أخبرنا الأستاذ أبو محمد الحارثى البخارى فى كتاب الكشف له قال: لو لم يستدل على فضائل أبى حنيفة إلا برواية الكبار عنه، كعمرو بن دينار، فإنه من شيوخ أبى حنيفة، وكبار العلماء، وقد روى عنه، وعبد الله · ابن يزيد المقرئ، روى عنه لتسع مائة حديث، ومسعر بن كدام وإسماعيل بن أبى خالد، وشريك بن عبد الله (القاضى)، وحمزة بن حبيب المقرئ روى عنه الكثير، وعاصم ابن أبي النجود إمام القراء، وشيخ أبى حنيفة كان يسأله، ويأخذ بقوله، وكان يقول: ((جزاك الله خيرا يا أبا حنيفة! أتيتنا صغيرا، وأتيناك كبيرا)). كذا فى "جامع المسانيد" (١-٢٩، ٣٠) . قلت: وكذا سليمان بن مهران الأعمش من شيوخ أبى حنيفة، ومع ذلك فقد أخذ عنه. قال ابن مندة الحافظ: أخبرنا الأستاذ أبو محمد البخارى الحارثى، حدثنا الحسن بن معروف، حدثنا أبو بكر حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت ...... على بن مسهر يقول: خرج الأعمش إلى الحج، فشيعه أهل الكوفة، وأنا فيهم، فلما أتى القادسية رأوه مغموما، فقالوا فى ذلك فقال: على بن مسهر شيعنا؟ قالوا: نعم! قال: ادعوه لى، فدعونى، وكان يعرفنى بمجالسة أبى حنيفة، فقال لى: ارجع إلى المصر(١)، وسل أبا حنيفة أن يكتب لى المناسك فرجعت فسألته فأملأ على، ثم أتيت بها إلى الأعمش اهـ. من "جامع المسانيد" أيضاً (١-٢٦). وذكر القارئ فى مناقب الإمام عن سفيان بن عيينة، قال: شيئان ما كنت أرى أن قراءة حمزة ورأى الإمام يتجاوز أن قنطرة الكوفة، وقد بلغا الآفاق، وعن الأوزاعى يقول: هو أعلم الناس بمعضلات المسائل، وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد قال: كنا مع جعفر بن محمد (٢) فى الحجر، فجاء الإمام فسلم، وسلم عليه جعفر، وعانقه، وسايله (١) أى الكوفة (المؤلف) . (٢) هو الصادق (المؤلف). ٢٨ مقدمة إعلاء السنن حتى سأله عن الخدم، فلما قام قال قائل: يا ابن رسول الله! هل تعرفه؟ قال: ما رأيت أحمق منك، أسأله عن الخدم وتقول: ((هل تعرفه)) هذا أبو حنيفة أفقه أهل بلده. وعن . الواقدى قال: كان الإمام مالك كثيرا ما يقول بقوله (١) وإن كان لا يظهره، وقال إسماعيل بن أبى فديك: رأيت مالكا قابضا على يد الإمام، وهما يمشيان، فلما بلغ المسجد قدم الإمام، فسمعته لما دخل المسجد قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا موضع الأمان فآمنى من عذابك، ونجنى من النار)). وقال ابن المبارك: كان مسعر إذا رآه قام له، وإذا جلس جلس بين يديه، وكان معظما له مائلا إليه، ومثنيا عليه، ومسعر من مفاخر الكوفة فی زهده وحفظه (ص- ٤٥٩). وقال الحافظ السمعانى فى "الأنساب" له: قال مسعر: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرط فى الاحتياط لنفسه اهـ (٤٧). وقيل له: لم تركت رأى أصحابك، وأخذت برأيه (أى أبى حنيفة؟) قال: لصحته، فأتوا بأصح منه لأرغب عنه إليه اهـ. كذا فى "الخيرات الحسان" (ص-٣٥). ونقل بعض العلماء عن قلائد ابن حجر قال سفيان الثوری: کنا بین یدی أبى حنيفة کالعصافیر بین یدی البازی، وإن أبا حنيفة سيد العلماء، وعن تاريخ ابن خلكان وغيره من قول يحيى بن معين: ((القراءة عندى قراءة حمزة، والفقه فقه أبى حنيفة، وعلى هذا أدركت الناس)) كذا فى "تنسيق النظام مقدمة مسند الإمام" (ص-٩١٨)، وذكره السيوطى أيضًا فى الصحيفة (ص-٣١)، وبهذا يظهر كون ابن معين مقلدا، ومتقيدا لمذهب أبى حنيفة. (١) أى بقول أبى حنيفة. قلت: دليل ذلك أن مذهب مالك من أقرب المذاهب إلى مذهب أبى حنيفة، كما لا يخفى على المتأمل. ٢٩ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون ٨ الفصل الخامس في الجواب عن مطاعن بعض العلماء في الإمام وقبل الدخول فى هذا الباب، والخوض فى لجة هذا العباب يجب على الطالب استحضار ما قدمناه في مقدمة الإعلاء من أصول الجرح والتعديل. فنقول أولا: قد تقرر فى موضعه أن من ثبتت عدالته، وأذعنت الأمة لإمامته لا يقبل فيه جرح أصلا. وأيضًا قد تقرر فى الأصول أن العدالة تثبت بالاستفاضة والشهرة أيضاً، فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث أوغيرهم، وشاع الثناء عليه بها، وكفى فيها ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها، وأبو حنيفة قد استفاضت إمامته، واشتهرت عدالته، كالشمس فى كبد السماء، وضوءها فى كل ناحية، وكل مكان، عبد الله بمذهبه منذ مائتين وألف سنين، وأتباعه، ومقلدوه شطر أهل الإسلام، بل أزید منه فى كل حين، وحسبك من دلائل إمامته اشتهار مذهبه فى عامة بلاد الإسلام، بل فى كثير من البلاد لا يعرف إلا مذهبه كبلاد الروم والهند والسند وما وراء النهر وسمرقند وكابل وبخارا . وقال ابن حجر (١): قال بعض الأئمة لم يظهر لأحد من الأئمة المشهورين مثل ما ظهر لأبى حنيفة من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع العلماء، وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه فى تفسير الأحاديث المشتبهة، والمسائل المستنبطة والنوازل، والقضايا، والأحكام، كذا فى "رد المحتار" (١-٥٨). وقد مر أيضًا نقلا عن السبكى أن الجارح لا يقبل منه الجرح، وإن فسره فى حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه اهـ. وقد قال أبو عمر بن عبد البر: الذين رووا عن أبى حنيفة، ووثقوه، وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، كذا فى مقدمة التعليق الممجد (ص-٣٢). (١) أى المكى (المؤلف). ٣٠ مقدمة إعلاء السنن وتقدم أيضًا أنه إذا اجتمع فى الراوى جرح وتعديل فإن كان مبهمين يقدم التعديل، وإن كان الجرح مفسرا والتعديل مبهما قدم الجرح، وإن كان التعديل مفسرا أيضًا بأن يقول المعدل: عرفت السبب الذى ذكره الجارح، ولكنه برئ منه، أو أن ذلك لا يقدح فى عدالة الراوى، أو أن منشأ الجرح عداوة دنيوية أو حسد مثلايقدم التعديل، ويكون الجرح مردودا. قال على القارئ فى شرح شرح النخبة: حاصله: أن الجرح إما مفسر أو غيره، وعلى الشقين إما من العارف بالأسباب أو غيره، والثانى مردود مطلقا، أى مفسرا كان أو غيره، صدر فيمن ثبتت عدالته أو غيره، والأول مقبول فيمن لم يثبت عدالته، وإما فيمن ثبتت عدالته فمقبول أيضًا إن كان مفسرا، ولم ينفه المعدل بطريق معتبر، ومردود إن كان غير مفسر، أو كان مفسرا، وقد نفاه المعدل بطريق معتبر، كما صدر من النسائى فى كتاب الضعفاء: نعمان بن ثابت أبو حنيفة ليس بالقوى فى الحديث اهـ من حاشية "شرح النخبة" (ص-١١٢). فنقول: إن الجروح فى أبى حنيفة رحمه الله أكثرها بل كلها مبهمة، فلا تقبل بإزاء تعدیل من عدله. ووثقه، لاسيما وقد ذكر المعدلون الأسباب التی جرحه بها الجارحون، وردوها عليهم. وبينوا كونها ناشئة من الحسد، أو أنها فى الحقيقة ليست من الجرح فى شىء. قال ابن عبد البر: والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق فى الرأى والقياس، وقد مر أن ذلك ليس بعيب، كذا فى مقدمة (التعليق الممجد) (ص- ٣٢). وفيه أيضًا: قال يحيى بن معين ((أصحابنا (١) يفرطون فى أبى حنيفة وأصحابه)) اهـ. وقال ابن أبى داود عن نصر بن على سمعت ابن داود يعنى الخريبى يقول: ((الناس فى أبى حنيفة حاسد وجاهل)) كذا فى "تهذيب التهذيب" (١٠- ٤٥١). وزاد الخطيب: وأحسنهم عندى حالا الجاهل، وروى الخطيب عن أحمد بن عبدة القاضى قال: كنا عند ابن أبى عائشة(٢) فذكر حديثا لأبى حنيفة، فقال بعض من حضر: لا نريده، فقال لهم: أما (١) أى أهل الحديث (المؤلف). (٢) هو موسى من رجال الجماعة ثقة عابد تابعى (المؤلف). ٣١ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون أنكم لو رأيتموه لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلا إلا ما قال الشاعر: من اللوم أو سدوا المكان الذى سدوا أقلوا عليهم ويلكم لا أبالكم ذكره السيوطى فى "تبييض الصحيفة" (ص-٢٢و٢٣). وقد تقدم قول الحسن بن عمارة: وما يتكلمون فيك إلاحسدا اهـ. وروى الطحاوى عن أبيه محمد بن سلامة، حدثنا عثمان بن سعد قال: كنا بباب أبى عاصم النبيل، فجرى ذكر أبى حنيفة، فمن محب مفرط، ومن مبغض مفرط، فدخلت على أبي عاصم فقال: ما هذا اللفظ؟ فقلت: جرى ذكر أبى حنيفة فمن محب مفرط، ومن مبغض مفرط، فقال لى: ما هو والله إلا كما قال عبد الله بن قبس: الله بما فضلت به النجباء حسدوا إن رأوك فضلك كذا فى "الجواهر" (١-١٠٣). قلت: وأبو عاصم هذا من كبار شيوخ البخارى، وإذا تبين كون الجارح حاسدا أو متعنتا يصير الجرح هباءً منثورا، وإلا فلو قبلنا كل ما ادعى أحد فى أحد ما سلم لنا واحد من المحدثين الأعلام، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون، فأنشد کم بالله أرونی من هو الذى لم يتكلم فيه أحد. هذا هو جوابنا عن تلك المطاعن على سبيل الإجمال، وأما على وجه التفصيل فنقول: ذكر بعضهم أولا عن الميزان للذهبى: ((أبو حنيفة إمام أهل الرأى، ضعفه النسائى من جهة حفظه وابن عدى وآخرون، وترجم له الخطيب فى فصلين من تاريخه، واستوفى كلام الفریقین معدلیه ومضعفیه)) اهـ. قلت: قد مرت الإشارة سابقا إلى كون هذا الكلام إلحاقيا، لأن الذهبى صرح فى مقدمة الميزان أنه لا يذكر فيه الأئمة المتبوعين فى الإسلام لجلالتهم فى النفوس، ولو ذكره الذهبى فى الميزان لذكره الحافظ فى اللسان، ولكنه لم يذكره، وأيضًا فلو كان أبو حنيفة عنده ضعيفا من جهة الحفظ لم يذكره فى طبقات الحفاظ له، على أن تضعيف النسائى وابن عدى لا يعتبر به فى جنب توثيق ابن معين، وشعبة، وعلى بن المدينى، وإسرائيل بن ٣٢ مقدمة إعلاء السنن يونس، ويحيى بن آدم، وابن داود الخريبى، والحسن بن صالح أو غيرهم. وقد مر قول شعبة: ((كان والله حسن الفهم جيد الحفظ)) اهـ. وقول ابن معين: ((كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدث إلا بما يحفظ)) اهـ. وقول إسرائيل: ((نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه وأشد فحصا عنه)) اهـ. وقول يحيى بن آدم: ((جمع أبو حنيفة حديث بلده كله، ونظر فيه إلى آخر ما قبض عليه النبى مَ ◌ٍّ)) اهـ. وذكر الخريبى: حفظه على أهل الإسلام السنن والفقه اهـ. وقال الحسن بن صالح: ((كان متثبتا فيه فيما نعلم)) اهـ. وهؤلاء كلهم معاصرون لأبى حنيفة رحمه الله، أو قريبو العهد به، وهم أعلم الناس به من النسائى، وابن عدى، وأمثالهما من المتأخرین عنه بکثیر، فقولهم أحرى بالقبول، وقول المتأخر زمانا أجدر بالرمى فى حضيض الخمول. قلت: وهذا هو الجواب عما ذكروه ثانيًا عن الدارقطنى، فإنه لما أخرج حديث أبى حنيفة ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) فى سننه، تعقبه بقوله: ((هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله غيز أبى حنيفة، والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان)) اهـ. فكيف يقبل قول الدارقطنى هذا، وقد تقدم عن ابن معين: أبو حنيفة ثقة، ما سمعت أحدا ضعفه، هذا شعبة! يكتب إليه أن يحدث بأمره، وشعبة شعبة اهـ. فهل شىء أعجب من هذا أن يحيى بن معين لم يسمع تضعيفه من أحد، وسمعه الدارقطنى الذى ولد بعد مأتين من وفاة الإمام. ولقد أجاد ابن عبد البر حيث قال: قد أفرط أصحاب الحديث فى ذم الإمام أبى حنيفة، وتجاوزوا الحد فى ذلك، ذكره بعض الفضلاء فى حاشية مسند الإمام (ص-٦٢). وقد تقدم مثل ذلك عن ابن معين: أنه قال: أصحابنا يفرطون فى أبى حنيفة اهـ. وقال ابن حجر المكى الشافعى فى الخيرات الحسان: ومن المتعصبين على أبى حنيفة الدارقطنى، وأبو نعيم، فإنه لم يذكره فى الحلية، وذكر من دونه فى العلم والزهد اهـ. وقال الحافظ ابن حجر فى مقدمة الفتح: ومن ثم لم يقبل جرح الجارحين فى الإمام أبى حنيفة حيث جرحه بعضهم بكثرة القياس، وبعضهم بقلة معرفة العربية، وبعضهم بقلة رواية الحديث، فإن هذا كله جرح بما لا يجرح به الراوى اهـ. كذا فى "تنسيق النظام" (ص-٨). 2 F ٣٣ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون وقال الطحاوى: حدثنى القاضى أبو حازم حدثنى سعد بن روح عن عبد الله بن داود (الخريبى) قال له رجل: ما عيب الناس فيه على أبى حنيفة؟ فقال: والله ما أعلمهم عابوا عليه فى شىء إلا أنه قال فأصاب، وقالوا فأخطأوا، ولقد رأيته يسعى بين الصفا والمروة، وأنا معه، وكانت الأعين محيطةً به، كذا فى "الجواهر المضيئة" (١-٢٧٥). وقال الحافظ ابن عبد البر: وأهل الفقه لا يلتفتون إلى من طعن عليه، ولا يصدقون لشىء من السوء ينسب إليه، كذا فى "الخيرات الحسان" (ص-٣٧). فهذا تعديل مفسر لا يقبل بجنبه جرح مبهم أبدا . وقال العينى فى "البناية": أبو حنيفة أثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار، مثل عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، والأعمش، وسفيان الثورى، وعبد الرزاق، وحماد بن زيد، ووكيع، وكان يفتى برأيه الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد، وآخرون كثيرون اهـ. من حاشية مسند الإمام لبعض الفضلاء (ص- ٦٢). وذكروا ثالثا عن التاريخ الصغير البخارى: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا الفزارى(١) قال: كنت عند سفيان(٢) فنعى النعمان، فقال: الحمد لله، كان ينقض الإسلام، عروة عروة! ما ولد فى الإسلام أشأم منه اهـ (ص-١٧٤). قلت: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، فوالله لم يولد فى الإسلام بعد النبى ◌ّه وأصحابه أيمن وأسعد من النعمان أبى حنيفة، ودليل ذلك ما هو شاهد من اندراس مذاهب الطاعنين عليه، وانتشار مذهب أبى حنيفة، وازدياده اشتهارا ليلا ونهارا، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا حنيفة، وهذه الرواية لا أتهم بها البخارى، فإنه حدث كما سمع، ولكن أتهم بها شيخه نعيم بن حماد، فإنه وإن كان حافظا للأحاديث، ووثقه بعضهم، ولكن قال الحافظ أبو بشر الدولابى(٣): نعيم يروى عن ابن المبارك، قال (١) لعله أبو إسحاق (المؤلف). (٢) لعله الثورى (المؤلف) . (٣) قلت: هذا الجرح، وإن رده الحافظ، وتكلم عليه، ولكنه لا يشفى الغليل، ولا يقوى العليل، فإن الحافظ أبا بشر الدولابى، والحافظ الذهبى حكياه جزما به، ولم يكونا ليجزما بشىء لا أصل له. ٣٤ مقدمة إعلاء السنن النسائى: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث فى تقوية السنة، وحكايات فی ثلب أبى حنيفة كلها كذب، وكذا قال أبو الفتح الأزدى، قالوا: كان يضع الحديث فى تقوية السنة، وحكايات مزورة فى ثلب أبى حنيفة، كلها كذب، كذا فى "تهذيب التهذيب" (١٠-٤٦٢ و٤٦٣). وفى الميزان: قال العباس بن مصعب فى تاريخه: نعيم بن حماد وضع كتبا فى الرد على الحنفية اهـ (٣ -٢٤٠). وإنى والله أجل نعيم بن حماد عن نسبته إلى الوضع فى الحديث النبوى، ولكن لا شك فى كونه شديدا على الحنفية، متعصبا على إمامهم، فلا يقبل قوله، ولا روايته فى حقه أبدا . ولو سلمنا صحة ما رواه، فسفيان كان معاصرا لأبى حنيفة، ومن أقرانه، وقد ورد عنه الثناء على الإمام أيضاً، كما مر من قوله (( كنا عند أبى حنيفة کالعصافیر بین یدی البازى، وإنه سيد العلماء)) اهـ. ولما عزاه الإمام بموت أخيه، قام له، وأكرمه، وبجله، وأجلسه فى مكانه، وقال لمن أنكر عليه ذلك: ((هذا رجل من العلم بمكا! إن لم أقم لعلمه أقوم لسنه، وإن لم أقم لسنه أقوم لورعه: قمت لفقهه)) اهـ. وقد تقدم نقلا عن السبكى أنه لا يلتفت لكلام الثورى وغيره فى أبى حنيفة، وابن أبى ذئب وغيره فى مالك، وابن معين فى الشافعى اهـ. لكونه ناشئا من المعاصرة والمنافرة ونحوها. وذكروا رابعا ما فى التاريخ الصغير للبخارى أيضاً: سمعت الحميدى يقول: قال أبو حنيفة: ((قدمت مكة فأخذت من الحجام ثلث سنين لما قعدت بين يديه، قال لى: استقبل الكعبة فبدأ بشق رأسى الأيمن، وبلغ إلى العظمين» قال الحمیدی: فرجل ليس عنده سنن عن رسول الله ◌َّ ◌ِّرِ، ولا أصحابه فى المناسك وغيرها كيف يقلد أحكام الله فى المواريث والفرائض والزكاة والصلاة وأمور الإسلام اهـ (ص-١٥٨). قلت: أراد الحمیدی أن ینقصه، ولكنه قد مدحه من حیث لا يدرى، فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان حييا كريما شاكرا لمن فعل معه الجميل، أو علمه شيئا ولو حرفا. واحدا، ولم يكن ممن يكتم إحسان الناس به .... ، ونعمتهم عليه، فلما حصل الشىء من أمور الدين على يد حجام حدث بمعروفه، وأظهر كونه معلما له أداءً لحقه، ويا عجبًا من الحميدى أن إمامه الشافعى رضى الله عنه يقول: ((حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير ٣٥ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون كتبا))، ويقول: ((أعاننى الله فى الحديث بابن عيينة، وفى الفقه بمحمد))، وسيأتى، ومعلوم أن علوم محمد تابعة عن علم أبى حنيفة، وقال الإمام الشافعى: ((من أراد الفقه فليلزم أبا حينفة، وأصحابه)). وقال: ((كل من أراد الفقه فهو عيال أبى حنيفة))، ومع ذلك لا يشكر الحميد، نعمة الإمام الذى وشيخ شيخه، يسىء أدبه، وینکر نعمته. والجواب عن قوله: ((رجل ليس عنده سنن رسول الله مَّ اللّه إلخ)). إن هذه الواقعة أى قدوم الإمام بمكة، وتعلمه من الحجام السنن الثلث لعلها كانت فى حداثة الإمام وصغر سنه، فإنه كان حج مع أبيه وهو صغير، ولا يبعد تعلم الصغير من أحد شيئا من الأحكام لم يكن له علم به قبل ذلك، لاسيما وقد كان اشتغال الإمام بالعلم بعد بلوغه، كما ذكره فى رد المحتار، على أنه يمكن أن يكون هذا الحجام من أجلة العلماء الكرام وأكابر التابعين العظام، فإن الزمان كان زمان شباب الإسلام وبلوغ العلم أعلى ذروة السنام، حتى فاز فيه الموالى، والعبيد، والجوارى، والتجار، والزراع، وأهل الصنائع بحفظ الأحاديث والآثار. فكان الإمام تعلم هذه السنن من عالم من علماء التابعين كان يحترف بالحجامة، ولا عيب فيه بلا ريب. فإن العلم لا يحصل كله من شيخ واحد فى يوم واحد، والصنائع والحرف لا تأبى عن العلم، ولا تمنع صاحبها عن أخذه، فكثير من المحدثین بناؤون، وحطابون، وبياعون، وحاكة نساجون، كما لا يخفى، ومن أين علم الحميدى أن هذا الحجام لم يكن عالما من التابعين؟ وأنه لم يذكر هذه السنن الثلاث مسندا إلى النبى معَ ◌ّه بسنده أو موقوفا على صحابي جليل؟. وأما قوله: ((كيف يقلد فى أحكام الله وعلم المواريث والفرائض إلخ)). فأقول: إنى لم يقلده الحميدى فقد قلده من هو أكبر منه أعنى سيدنا الإمام الشافعى الذى قدده الحميدى، ويحيى بن سعيد القطان، ومالك بن أنس، وسفيان الثورى، وأحمد بن حنبل، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن معين، وأمثالهم. فالشافعى تعلم من محمد فقه أبى حنيفة واستفاد منه العلم، واعترف بكونه من عيال أبى حنيفة، وهذا لا شك فيه، ومالك كان يأخذ بقول أبى حنيفة كثيرا كما مر، وإن كان يسره ولا يظهره، وكذا سفيان الثورى، كما سيجىء، وأحمد طلب الحديث والعلم أولا عند أبى يوسف القاضى، وأخذ الفقه من كتب محمد، كما سيجىء، وأما الآخرون فتقليدهم للإمام ٣٦ · مقدمة إعلاء السنن ظاهر. ثم قلده الملوك، والسلاطين، والخلفاء، والوزراء، والعلماء، والمحدثون، والصالحون، والفقهاء، والعابدون، حتى عبد الله بمذهبه فى الإسلام ما لم يعبد بغيره، وهذا ببركة الأدب الذى جبل عليه أبو حنيفة، حتى لم يستنكف عن الأخذ من الحجام، فجعله الله إمام الأمة، أعظم الأئمة، مقتدى الأنام: معذبة فى حضرة ومغيب فدت نفوس الحاسدين فإنها ویجهد اُن یأتی لها بغریب وفی تعب من يحسد الشمس نورها وذكروا خامسا أنه كان قليل الاعتناء بالحديث، وهذه والله فرية بلا مرية، ومن تأمل فى ما ذكرناه سابقا أذعن بكونه مكثرا من الحديث، حافظا له، ثقة، حجة، متقنا، متثبتا فيه، ولنذكر ههنا أيضًا نبذاً مما يدل على عظمة شأنه فى الحديث. الفصل السادس في كون أبى حنيفة طلابا للحديث، وأجمع الناس له قال النضر بن محمد القريشى المروزى وكان من أصحاب أبى حنيفة: قدم علينا يحيى بن سعيد الأنصارى، وهشام بن عروة سعيد بن أبى عروبة، فقال لنا أبو حنيفة: ((انظروا، أ تجدون عند هؤلاء شيئا نسمعه))، كذا فى "الجواهر المضيئة" (٢-٢٠١). قلت: والنضر هذا من رجال النسائى. قال محمد بن سعد: ((كان مقدما فى العلم، والفقه، والعقل كان صديقا لعبد الله بن المبارك، وكان من أصحاب أبى حنيفة)). وقال النسائى، والدارقطنى: "ثقة". وذكره ابن حبان فى الثقات، كذا فى "التهذيب" (١٠-٤٤٤). وفيه دليل على طلب الإمام للحديث، وأنه كان إذا ورد فى بلدته واحد من المحدثين اشتاق إلى السماع منه، مع رحلته لطلب الحديث إلى مكة، والمدينة، والبصرة، وأخذ عن أقرانه وأصاغره. ٣٧ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون روى سعيد بن أبى مريم عن أشهب بن عبد العزيز، قال: ((رأيت أبا حنيفة بین یدی مالك بن أنس كالصبى بين يدى أبيه)). قلت: فهذا يدل على حسن أدب أبى حنيفة وتواضعه، مع كونه أنس بن مالك بثلاث عشرة سنة اهـ. كذا فى تذكرة الحفاظ للذهبى (١-١٩٥). قلت: وهذا الأدب إنما كان لما عند مالك من الأحاديث، وكذا كان مالك يتأدب مع الإما أيضًا، كما مر أنهما مشيا آخذين بيد بعضهما، فلما وصلا إلى المسجد قدم مالك أبا حنيفة. وقال الشافعى رحمه الله: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: ((نعم! رأيت رجلا لو كلمك فى هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته)). ذكره السيوطى فى تبييض الصحيفة نقلا عن الخطيب (ص-١٦). وهذا يدل على عظمة قدر الإمام فى قلب الإمام مالك. وذكر ابن حجر عن أبى يوسف، قال: ((ما خالفته (أى أبا حنيفة) فى شىء قط فتدبرته إلا رأيت مذهبه أنجى فى الآخرة. وكنت ربما ملت إلى الحديث فكان هو أبصر بالحديث الصحيح منى. وقال: كان إذا صمم على قول درت على مشايخ الكوفة هل أجد فى تقوية قوله حديثا أو أثرا، فربما وجدت الحديثين والثلاثة، فأتيته بها فمنها ما يقول: هذا غير صحيح أو غير معروف. فأقول له: وما علمك بذلك مع أنه يوافق قولك؟ فيقول: أنا عالم بعلم أهل الكوفة)). كذا فى "الخيرات الحسان" (ص-٦٩). وذكر القارئ فى مناقبه: أن الإمام عاد الأعمش فى علته، فقال: إن الناس يستثقلوننى وأنت(١) زدتنى عندهم ثقلا. فقال الإمام: ((لولا العلم الذى يجرى على لسانك ما رأيتنى أبدا، لأن فيك خصالا أنا كاره لها تتسحر عند طلوع الفجر الثانى وتقول هو الأول وقد صح عندى أنه الثانى، وترى الماء من الماء ولا ترى الاغتسال من الإكسال، ولولا ما عندك من الأحاديث ما كلمتك)). فما تسحر الأعمش بعدها إلا قبل الثانى، ولا جامع إلا وقد قتسل. وقال: صلاة وصيام كيف يكون باختلاف. وقال: (١) فيه دليل على قبول الناس قول الإمام فى الجرح والتعديل (المؤلف). ٣٨ مقدمة إعلاء السنن والله لا أفتيت بذلك أبدا اهـ (ص-٥٠٠). قلت: فمن كان يأخذ الحديث عمن كان يكرهه كيف لا يأخذ عمن كان يرضاه؟ وهذا هو الطلب للحديث. والله. وقال الأثرم لأحمد (١): كتبت أنا وأنت عن على بن بحر عن محمد بن الحسن الواسطى عن مسعر، قال: كنت عند جابر(٢) فجاءه رسول أبى حنيفة ما تقول فى كذا وكذا؟ قال: سمعت القاسم بن محمد وفلانًا وفلانا حتى عد سبعةً، فلما مضى الرسول قال جابر: إن كانوا قالوا. كذا فى "تهذيب التهذيب" (٢-٥١). وفيه أيضًا: قال أبو يحيى الحمانى عن أبى حنيفة: ((ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفى، ما آتيته بشىء من رأى إلا جاءنى فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها)) اهـ (٢-٤٨). وفيه دليل على شدة طلب الإمام للحديث عن كل من كان يحمله حتى يتبين له أمره. ووصفه ابن المبارك، فقال: كان والله شديد الأخذ للعلم ذابا عن المحارم متتبعا لأهل بلده شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثقات، والأخذ من فعل رسول الله عَ لَّه اهـ. من الخيرات الحسان لابن الحجر (ص-٣٣). وفى "الجواهر المضيئة": قال محمد بن شجاع: قال حبان: كان أبو حنيفة لا يفزع إليه فى أمر الدين والدنيا إلا وجد عنده فى ذلك أثر حسن اهـ (١-١٨٤). وفيه دليل على کثره جمعه للحديث. ومحمد بن شجاع هو صاحب الحسن بن زياد اللؤلؤى جرحه المحدثون بجرح فظيع كما هو مذكور فى الميزان والتهذيب، ولكن قال الذهبى فى سير النبلاء: كان من بحور العلم، وكان صاحب تعبد وتهجد وتلاوة، وله كتاب المناسك فى نيف وستين جزءاً. وقال العينى فى البناية: فإن قلت: أهل الحديث يشنعون عليه تشنيعا بليغا، ونقل ابن الجوزى عن ابن عدى أنه كان يضع الحديث فى التشبيه وينسبه إلى أهل الحديث. قلت: من جملة تصانيفه كتاب الرد على المشبهة، فكيف يصح هذا عنه؟ كذا فى "الفوائد البهية" (ص-٧٠). وفى الجواهر المضيئة: كان فقيه أهل العراق فى وقته، والمقدم فى (١) أى ابن حنبل (المؤلف). (٢) الجعفى (المؤلف). ٣٩ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون الفقه والحديث وقراءة القرآن مع ورع وعبادة. وقال الحاكم: رأيت عند محمد بن أحمد بن موسى القمى عن أبيه عن محمد بن شجاع كتاب المناسك فى نيف وستين جزءا كبارا دقاقًا ، وله كتاب تصحيح الآثار وهو ( كتاب) كبير، وكتاب النوادر، وكتاب الرد على المشبهة اهـ (٢ - ٦٠ و٦١). قلت: ويظهر من ترجمته فى الميزان تعصبه لأبى حنيفة، وكان يطعن فى أحمد بن حنبل، والشافعى، فلأجل ذلك طعن فيه أحمد، وأصحابه، والمحدثون، ولكنه رجع عن ذلك فى مرضه قبل موته، وأثنى على الشافعى، كما فى الميزان أيضاً (٣-٧٢٠). وحبان بن على هو أخو مندل مختلف فيه، قال ابن خراش: قال يحيى بن معين: ((حبان ومندل صدوقان)). وقال الدورقى عنه: ((ليس بهما بأس)) اهـ. وقال الخطيب: ((كان صالحا دينا)). وقال حجر بن عبد الجبار بن وائل: ((ما رأيت فقيها بالكوفة أفضل منه)). وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال العجلى: ((كوفی صدوق))، وتكلم فيه آخرون، کما فى "تهذيب التهذيب". (٢-١٨٣ و١٨٤). وذكر الطحاوى عن شيخه ابن أبى عمران (١): حدثنى محمد بن شجاع قال: قلت لعباد بن صهيب: أخرج إلى ما عندك عن أبى حنيفة، فقال: ((عندى قمطر(٢) ولكن لا أحدثك برأيه، وأحدثك بما شئت من حديثه))، كذا فى الجواهر المضيئة (١-٢٦٧). فيه دليل على كثرة حديث الإمام، وعباد بن صهيب مختلف فيه، أما أبو داود فقال: ((صدوق قدرى)). وقال أحمد: ((ما كان بصاحب كتب، وكان عنده من الحديث شىء عظيم، قد سمع الأعمش، وروى أحمد بن روح عن عباد مائة ألف حديث)). وقال ابن .دى: ((لعباد بن صهيب تصانيف كثيرة، ومع ضعفه يكتب حديثه)). وقال عبدان: ((لم يكذبه الناس، وإنما لقنه صهيب(٣) بن محمد بن صهيب أحاديث فى آخر الأمر)). وفى رواية شاذة عن ابن معين: هو ثبت. وقال الساجى: قال يحيى بن معين: ((كان من (١) ثقة كما فى حسن المحاضرة (المؤلف). (٢) أى صندوق كبير، قاموس (المؤلف). (٣) ابن أخى عباد (المؤلف) .. ٤٠ مقدمة إعلاء السنن الحديث بمكان إلا أن الله يضع من يشاء ويرفع من يشاء)) اهـ من اللسان مختصرا (٣-٢٣) . وفى "الجواهر المضيئة" فى ترجمة يوسف بن يعقوب أبى يوسف الإمام: أنه روى عن أبيه عن أبى حنيفة كتاب الآثار، وهو مجلد ضخم اهـ. ويوسف هذا قال الخطيب: كان قد نظر فى الرأى، وسمع الحديث من يونس بن أبى إسحاق، والسرى بن يحيى اهـ (٢-٢٣٥). وكان أبو يوسف استخلف ابنه هذا على الجانب الغربى، فأقره الرشيد على عمله، وولاه قضاء القضاة بعد موت أبيه، كذا فى "جامع المسانيد" (٢-٥٧٩). قال الطحاوى: حدثنى ابن أبى عمران حدثنى الحسن بن عبدويه الوراق، قال: لما خرجت جنازة أبى يوسف كان فيمن شهدها أبو يعقوب الخزيمى قال: فجعل الناس يقولون: ((مات الفقه، مات الفقه)). فأنشأ أبو يعقوب يقول: إن مات يعقوب وما تدری يا ناعى الفقه إلى أهله حول من صدر إلى صدر لم يمت الفقه ولكنه فزال من ظهر إلى ظهر ألقاه يعقوب إلی یوسف فهو مقيم فإذا ما توى حل وحل الفقه فى قبر كذا فى "الجواهر" (٢-٢٣٤). وبه یظهر جلالة یوسف هذا، وقد روى عن أبيه عن أبى حنيفة كتاب الآثار فى مجلد ضخم، ففيه دليل عظيم على كثرة حديث الإمام. وروى الطحاوى عن بكار بن قتيبة (١): سمعت أبا عاصم النبيل(٢) قال: كنا عند أبى حنيفة بمكة فكثر عليه أصحاب الحديث وأصحاب الرأى (أى يسألونه)، فقال: ((ألا رجل يذهب إلى صاحب الربع (المنزل) حتى يفرق عنا هؤلاء)). فقلت له: أنا أذهب إليه ولكن بقى معى مسائل أحب أن أسأل عنها. قال: ((ادن فاسأل)). قال: فدنوت، فسألته وسأله غيرى، فأجابه ونسينى. ثم كثر عليه سؤالهم، فقال: ((قد كان هاهنا فتى زعم أنه (١) ثقة كما فى حسن المحاضرة (المؤلف). (٢) ثقة لا يسأل عنه (المؤلف) ت