النص المفهرس

صفحات 201-220

١٩٧
وبالجملة إِذا صدّرَ الجرحُ من تعصب أَو عداوة أو منافرة أَو نحوٍ
ذلك فهو جرح مردود، وكذا جرْحُ الأَقران بعضهم في بعض إِذا كان
بغير حجة وبرهان، وكان مبنياً على التعصب والمنافرة ، فإن لم يكن
هذا ولا ذاك فهو مقبول فافهم .
الأوصاف المشروطة في الراوي لقبول روايته .
وذكرُ العوارض التي لا تضر
٥ - أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه على أنه يُشتَرَطُ في
الراوي أَن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، بأن يكون مُسلِماً بالغاً عاقلاً
سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفَّل، حافظاً إِن
حدَّث من حفظه، ضابطاً لكتابه من التبديل والتغيير إِن حدَّث منه (١)،
عالماً بما يُحيل المعنى إِن رَوَى به. كذا في ((تدريب الراوي))(٣) . فلا
(١) قلت : ولقد تبارى الأئمة المحدثون في ضبط الكتاب والمحافظة عليه
من أن يُدخَل عليه تغيير أو تبديل ، إلى أن ضُرِب ببعضهم المثلُ في
ذلك. قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة (ابن
ديزيل) ٢: ٦٠٨ - ٦٠٩ ((هو الحافظ الرحّال أبو إسحاق إبراهيم
ابن الحُسين الكسائي الهمذاني، المتوفى سنة ٢٨١ رحمه الله تعالى.
كان يُضرَّبُ بضبط كتابه المثل. قال صالح بن أحمد محدّث همذان :
سمعتُ علي بن قيس يقول : الإسنادُ الذي يأتي به ابنُ د یزیل ، لو
كان فيه أن لا يؤكل الخبز، لوَجَبَ تركُه، لصحة إسناده . وقيل:
إنه سَمِعَ خبرَ أني جَمْرة عن ابن عباس من عفان بن مسلم البصري
أربع مئة مرة)) . انتهى متمماً ما وقع فيه من سقط .
(٢) ص ١٩٧ .

١٩٨
يُقبَلُ خبرُ كافٍ ومجنونٍ وصبيِّ ومعتوهٍ ومغفَّلٍ وفاسقٍ . والمرادُ بالضبط
أن يكون حفظهُ لما يسمعه أَرجحَ من عدم حفظه، وذكرُه له أَرجحَ من
سهوه. كذا في ((أُصول الآمدي))(١). فلا يَضرُّه طروءُ النسيان والسهو
والوَهَم أحياناً، فإن هذا لا يخلو منه أحد كما في الحديث ((إِنما أَنا بَشْرٌ
أَنْسَى كَما تَنْسَون))(٢) .
وفي ((اللسان))(٣) وقال ابن المبارك: من ذا سَلِمَ من الوَهَم ؟ وقال
ابنُ معين: لست أُعجَبُ ممن يُحدِّث فيُخطىء، وإنما أَعجب ممن يحدِّث
فيصيب . قلتُ: وهذا أيضاً مما ينبغي أَن يُتوقَّفَ فيه، فإذا جُرِحَ الرجلُ
بكونه أَخطأً في حديث، أَو وهِمَ ، أَو تفرَّد، لا يكون ذلك جرحاً مستقراً ،
ولا يُرَدُّ به حديثُه . اهـ .
والمرادُ بالسلامة من أسباب الفسق: أَن لا يكون مرتكباً لكبيرة،
مصراً على الصغيرة، وتفصيلُ ذلك في المطولات (٤)
(١) هو ((الإحكام في أصول الأحكام)) ٢: ١٠٦ .
(٢) رواه عن ابن مسعود: البخاري ١ : ٤٢٢، ومسلم ٥ : ٦١ - ٦٢ ،
وابن ماجه ١ : ٣٨٠. وتمام الحديث عند الشيخين: «فإذا نسيتُ
فذكروني ... )).
(٣) أي ((لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر ١ : ١٧ - ١٨ .
(٤) هذه الجملة من قوله ( والمراد ... ) إلى هنا كانت في الأصل في آخر
المقطع - ٥ - فقدّمتها إلى هنا لوثيق الارتباط بما سبقها ، واعتماداً على
الإذن من شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى ورعاه .

١٩٩
بیان ما لا یکون جرحاً في الراوي
٦ - إِنما يُعتَبَرُ الجرحُ إِذا كان في أحد الشروط المذكورة دون ما
سواها، فلا يكون الإرسالُ والتدليسُ والاشتغالُ بالفقه ، والدُّخولُ في عمل
السلطان إِذا كان جائزاً شرعاً، والركوبُ على الخيل ، وركضُ الدواب ،
وكثرةُ الكلام المباح، وتقليلُ الرواية وقلةُ الشيوخ وقلُ الرِّحْلة وأمثالُها:
جرحاً، فإنها لا تضر بعدالةِ الراوي وضبطِه، وقد صَرِّح بذلك الأُصوليون
من أصحابنا والمحققون من المحدثين منا ومن غيرنا . والبسط في
المطولات .
قال الآمدي في ((الإِحكام))(١): وليس من الجرح تركُ الحكم بشهادته ،
لجواز أَن يكون ذلك بسببٍ غيرِ الجرح، ولا الشهادةُ بالزنا وكلِّ ما
يوجب الحدَّ على المشهود عليه إذا لم يَكمُلْ نصابُ الشهادة، لأَنّه لم يأت
بصريح القذف وإنما جاء ذلك مجي ءَ الشهادة، ولا بما يَسوغُ فيه
الاجتهادُ وقد قال به بعضُ الأَئمة المجتهدين كاللَّعب بالشطرنج وشُزب
النبيذ ونحوه، ولا بالتدليس لأنه ليس من الكذب وإنما هو من المعاريضِ
المُغنِية عن الكذب . اهـ .
وفي ((المنار)) وشرحه ((نور الأنوار))(٢): والطعنُ المبهَمُ من أَتمة
الحديث لا يَجرحُ الراوي عندنا، بأَن يقول: هذا الحديثُ مجروح
أو منكر ونحوَهما، إلا إذا وقع مفسَّراً بما هو جَرْحٌ متفِرٌ عليه الكلُّ.
(١) ٢ : ١٢٧ .
(٢) ص ١٩٢ .

٢٠٠
لا مختلفُ فيه، بحيث يكون جَرحاً عند بعض دون بعض، ومع ذلك
يكون صادراً ممن اشتَهَر بالنصيحة دون التعصب، حتى لا يُقبَل الطعنُ
بالتدليسِ والإرسالِ وركضِ الدابة والمزاح وحداثةِ السن وعدمِ الاعتياد
بالرواية واستكثار مسائل الفقه . اهـ .
وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح))(١): القسمُ الثاني فيمن ضُعِّفَ
بأَمرٍ مردود، كالتحامل أَو التعنتِ، أَو عدمِ الاعتماد على المضعِّفِ الكونِه
من غير أَهل النقد ، أَو لكونِه قليل الخبرة بحديث من تَكلَّم فيه أو
بحالِهِ (٢)، أَو لتأَّخرِ عصره ونحو ذلك، ويلتحقُ به من تُكُلِّم فيه بأَمر
(١) ص ٤٦١ و ٢ : ١٨٠.
(٢) وقع في الأصل : (ولكونه قليل الخبرة ... ). وهكذا وقع في طبعتي
((هدي الساري)) البولاقية والمنيرية . والتصحيح المثبت هو من مخطوطة
((هدي الساري)» المحفوظة في مكتبة الرياض السعودية - وهي مكتبة
عامة في مدينة الرياض - تحت الرقم ٨٦/١٢ حديث ، وكُتب عليها
غلطاً: ((الكوكب الساري مقدمة فتح الباري)). وهي نسخة كُتبت في
حياة المؤلف الحافظ ابن حجر ، في ٦٢٠ ورقة بالقطع الصغير جداً .
وقُرئت عليه ، وعليها خطّه ، وجاء في آخرها ما يلي :
((تمت مقدمة شرح البخاري ، جمع الشيخ الإمام الحافظ أبي الفضل
أحمد بن علي العسقلاني، مدّ اللّه تعالى في عمره ونفع به )). ثم يلي
ذلك :
(( هذه المقدمة بخط الإمام العلامة أبي حنيفة زمانه ، ونادرة وقته
وأوانه . سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن فارس ، شيخ الحنفية
المشهور بقارىء ((الهداية)). تغمده الله تعالى ومؤْلّفها بالرحمة

٢٠١
لا يَقدحُ في جميعٍ حديثه، کمن ضُعِّف في بعض شيوخه دون بعض،
وكذا من اختَلَط أَو تغيَّر حفظُه، أَو كان ضابطاً لكتابه دون الضبط
لحفظه ، فإِنَّ جميع هؤلاءٍ لا يَجْمُلُ إطلاقُ الضعف عليهم بل الصوابُ
في أمرهم التفصيل . اهـ . .
حكم إنكار الراوي لروايته
٧ - المرويُّ عنه إِذا أَنكَر الرواية ، فإن كان إِنكارَ جاحدٍ بأَن يقول :
كذبتَ عليَّ وما رويتُ لك هذا، يَسقطُ العمل بالحديث اتفاقاً، وإِن كان
إنكارَ متوقف بأَن قال: لا أَذكر أَني رويتُ لك هذا الحديث أَو لا
. أعرفه، فعند أبي يوسف والكرخي وأحمد بن حنبل يَسقط العمل به ،
وعند محمد والشافعي ومالك لا يسقط. كذا في ((المنار)) و((نور الأنوار))
(١)
مع حاشيته (١).
والرضوان وجميع المسلمين . وقُوبلت على مؤلفها شيخ الإسلام أبي
الفضل ابن حجر ، وعليها تخاريج كثيرة بخطه رحمه الله ورحم علماء
المسلمين )) . انتهى .
وقد توفي قارىء ((الهداية)) سنة ٨٢٩ . وفرَعَ ابن حجر من تأليف
((المقدمة)) سنة ٨١٣، كما في ترجمته في ((الضوء اللامع)) لتلميذه
السخاوي . فالنسخة قديمة موثّقة ، وقد قابلتُ بها بعض المواضع بالطبعة
البولاقية ، فرأيتهما متوافقتين تمام الموافقة ، حتى في المواضع التي رأيت
عليها تعليقات ملحقة بموضعها من أصل النسخة . وقد يكون فيها مزايا
زائدة على أصل المطبوعة ، تتبدّى عند المقابلة التامة بها ، والله أعلم .
(١) ص ١٩٩ .

٢٠٢
حکم عمل الراوي بخلاف روايته
٨ - عملُ الراوي بخلاف روايته بعد الرواية مما هو خلاف بيقين:
يُسقِطُ العملَ به عندنا، وأَما إذا كان قبل الرواية، أَو لم يُعرَف تاريخه
فليس ذلك بجرح . كذا في ((المنار)) وشرحه (١). وتعيينُ الراوي بعضرَ
محتمَلاتِهِ بأَن كان مشتركاً فعمِلَ بتأويلٍ منه، لا يَمنع العملَ به بتأويلٍ.
آخر . كذا فيه أيضاً (٢). وامتناعُ الراوي عن العمل بروايته مثلُ العملِ
بخلافه. صرَّح به في ((المنار)) أيضاً .
حکم عمل الصحابي بخلاف الحديث
٩ - عمَلُ الصحابة أَو صحابي بخلاف الحديث يُوجبُ الطعن فيه
إذا كان الحديثُ ظاهراً لا يحتمل الخَفَاءَ عليهم أَو عليه، وإذا كان
يَحتمل الخفاءَ فلا يوجب ذلك جَرْحاً فيه. كذا في ((المنار)) وشرحه(٣).
وكذا عملُهم بمقتضى حديثٍ دليلٌ على صحته كما قال الشافعي رحمه
الله في المرسَل إذا عضده قولُ صحابي: يُحتَجُّ به فكذا عمَلُه . وقد
ذكرناه فيما مضى (٤).
بيان الجهالة الضارّة والجهالة غير الضارّة في الراوي
١٠ - جهالةُ الصحاني لا تضر صحة الحديث، فإنهم كُلَّهم عدول،
(١) ص ١٩٠ .
(٢) ص ١٩١.
(٣) ص ١٩١
(٤) في ص ١٣٩ .

٢٠٣
فلا يُحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد الرواة، كذا في ((تدريب
الراوي ))(١). وقال الآمدي في ((الإِحكام))(٢): اتفق الجمهور من الأَّئْمَّة
على عدالة الصحابة ( مطلقاً ) اهـ .
وأَما جهالةُ غير الصحابي فعلى ضربين: إما أن يكون مُبهَماً أَو غيرَ
مبهم :
فالمبهمُ اختُلِفَ في قبول حديثه، والذي ينبغي أن يكون مذهبنا (٣)
قبولُه وإن أُبهِم بغير لفظ التعديل(٤)، ولكن بمثل الشرط الذي اعتبرناه
في المرسَل، كذا في ((قفو الأثر))(٥). وهو أن يكون من القرون الثلاثة
دون ما عداها .
وغيرُ المبهم إِما أَن يكون مجهولَ العينِ والحالِ جميعاً، وسيأتي
حكمه(٦) ، أَو يكون مجهول الحال فقط مع كونه معروف العين، أَو
يكون عدلَ الظاهر خفيَّ الباطن ويقال له : المستور عندهم، فمذهبُ
الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثرٍ أهل العلم أن مجهول الحال غيرُ مقبول
الرواية ، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله . وقال أبو حنيفة وأتباعه :
(١) ص ٢١١
(٢) ٢ : ١٢٨ .
(٣) يعني الحنفية .
(٤) الإبهام بلفظ التعديل كقوله : حدثني الثقة . والإبهام بغير لفظ التعديل
كقوله : أخبرني شيخ ، أو بعضهم ، أو فلان ، أو ابن فلان ، ولا
يسميه باسمه .
(٥) ص ٢٠ ملخصاً .
(٦) في ص ٢٠٦ .

٢٠٤
يُكتَفَى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامةِ عن الفسق ظاهراً .
كذا في (أُصول الآمدي))(١) .
وفي ((قُرَّة العين في ضبط أَسماءِ رجال الصحيحين)) (٢): لا يُقبلُ
مجهول الحال ، وهو على ثلاثة أقسام :
أَحدُها : مجهول العدالة ظاهراً وباطناً، فلا يُقبَل عند الجمهور .
ثانيها : مجهول العدالة باطناً لا ظاهراً، وهو المستور، والمختارُ قبوله،
وقَطَعَ به سُلَيم الرازي، وعليه العملُ في أَكثر كتب الحديث المشهورة
فيمن تقادم عهدُهم وتعذَّرت معرفتُهم .
ثالثها: مجهول العين وهو كل من لم يعرفه العلماءُ ولم يُعرف حديثُه
إلا من جهة راوٍ واحد . اهـ .
وفي مقدمة ((مسند الإمام الأعظم)) لبعض الفضلاء(٣): قال القسطلاني
في ((الإِرشاد)): وقَبِلَ المستورَ قومٌ ورجَّحه ابنُ الصلاح . وقال ابن حجر في
(شرح النخبة)): وقد قَبِلَ روايته جماعةٌ بغير قيد. ونقَلَ عن علي القاري(٤)
أنه قال: والُختار هذا القولَ ابنُ حِبَّان تبعاً للإِمام الأعظم. إِذ العدل
(١) ٢ : ١١٠.
(٢) لعبد الغني البحراني ص ٨ .
(٣) هو العلامة المحقق المحدث محمد حسن السنبهلي المتقدم ذكره تعليقاً في
ص ١٠٩. والنص المشار إليه هنا هو في مقدمة كتابه العظيم ((تنسيق
النظام في مسند الإمام )»ص ٦٨ .
(٤) وهو في كتابه ((شرح شَرحِ النخبة)، ص ١٥٤.

٢٠٥
عنده من لا يُعرَف فيه الجرح . قال(١): والناسُ في أحوالهم على الصلاح
والعدالة ، حتى يتبين منهم ما يوجب الجرح، ولم يُكلَّف الناسُ ما
غاب عنهم وإِنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر . اهـ .
وقال في ((تدريب الراوي))(٢): وروايةُ المستور وهو عدلُ الظاهر
مجهولُ العدالة باطناً: يَحتجُّ بها بعضُ من رَدَّ الأَوَّل(٣)، وهو قول بعض
الشافعيين . قال الشيخ ابن الصلاح: ويُشبِهُ أَن يكون العمل على هذا
في كثير من كتب الحديث، في جماعة من الرواة تقادَمَ العهدُ بهم.
وتعذَّرت خبرتُهم باطناً، وكذا صحَّحه المصنِّف في ((شرح المهذب)). اهـ .
وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة مالك المصري(٤): قال ابن
القطان: هو ممن لم تَثبت عدالتُه، يريد أنه ما نَصَّ أَحد على أَنه ثقة .
وفي رواة ((الصحيحين)) عدّدٌ كثير ما علمنا أَنَّ أَحداً نَصَّ على توثيقهم.
والجمهورُ على أَنَّ من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ، لم يأت بما
يُنكَرُ عليه: أَنَّ حديثه صحيح . اهـ .
وفي ((فتح المغيث)) للسخاوي (٥) نقلاً عن الحافظ ابن حجر ما نصه :
وإذا لم يكن في الراوي المجهولِ الحال جرحٌ ولا تعديل، وكان كلٌّ من
(١) أي ابن حبان .
(٢) ص ٢١٠ .
(٣) المراد بالأول روايةُ مجهول العدالة ظاهراً وباطناً ، وهو الذي خلا عن
التوثيق وجرَحه بعضُهم جرحاً مبهماً. وقد ذكرنا حكمه فيما سبق في ص
١٧٣ (ش ).
(٤) هو مالك بن الخير الزّبادي المصري وهو في ((الميزان)) ٣ : ٤٢٦.
(٥) ص ١٤ .

٢٠٦
شيخه والراوي عنه ثقة ، ولم يأت بحديث منكّر، فهو ثقة عنده ( أي
ابن حبان) (١). وفي ((كتاب الثقات)) كثير ممن هذا حاله، ولأجل ذلك
ربما اعترض عليه في جعلِهم ثقاتٍ من لم يَعرف اصطلاحه ، ولا اعتراض
عليه فإنه لا يُشاحُ (٢) في ذلك. اهـ. (٣) وذكّر مثله في ((تدريب الراوي))(٤).
ولعلك علمتَ بهذا موافقةً كثير من المحدثين لأبي حنيفة في قبول
رواية المستور، فتنبه له .
ومدارُ جهالة العين ومعرفتِها عند المحدثين على الرواة عنه، فمن
روى عنه واحد فقط فهو مجهول العين عندهم، ومن رَوى عنه عدلان
صار معروفاً وارتفَعَتْ جهالةُ عينه كما في ((تدريب الراوي))(٥) . وعندنا
على كثرةٍ الرواية وقِلَّتِها كما سيأتي (٦):
ثم اعلم أن مجهول العين وهو الذي روى عنه واحد، ليس بمردود
الرواية عند المحدثين اتفاقاً بل فيه اختلاف، فقيل: لا يُقبل مطلقاً،
وقيل: يقبل مطلقاً، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيداً على
الإِسلام ، وقيل : إن تفرّد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل - كابن
مهدي ويحيى بن سعيد - قُبِلَ وإلا فلا، وقيل: إن كان مشهوراً في
(١) وتقدم ذكر هذا في فاتحة الكتاب ص ٢١ .
(٢) وقع في ((فتح المغيث)) (لا يشاحح) وفي (الرفع والتكميل)). (لا
تشاحح ) . أي بالفك فيهما ، ووجهُ العربية الإدغام كما أثبته .
(٣) من الرفع والتكميل ص ٢٠٨ .
(٤) ص ٥٣ .
(٥) ص ٢١١ .
(٦) قريباً في ص ٢٠٧ .

٢٠٧
غير العلم بالزهد أَو النجدة قُبِلَ وإلا فلا ، واختاره ابن عبد البر، وقيل :
إن زكَّاه أَحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحِدٍ عنه قُبِلَ وإلا
فلا، واختاره أَبو الحسن بن القطان، وصحَّحه شيخ الإِسلام - أي
الحافظ ابن حجر - کذا في «تدریب الراوي)» (١) .
وأَما عندنا فوَحْدَةُ الراوي عنه ليس بجرح، صرَّح به في ((مسلَّم
الثبوت)) وشرحه ((فواتح الرحموت)) (٢) ..
والمجهولُ - أَي مجهولُ العين - عندنا هو من لم يُعرَف إلا بحديث
أو حديثين وجُهِلَتْ عدالتُه، سواءٌ انفرد بالرواية عنه واحد أم روى عنه
اثنان فصاعداً، فحكمُه أن هذا المجهول إن كان صحابياً فلا يضر جهالته
كما مرَّ (٣)، وإِن كان غيرَه: فإما أن يظهر حديثه في القرن الثاني أو لا،
فإن لم يظهر جاز العمل به في الثالث لا بعده، وإن ظهر فإن شَهد له السلفُ
بصحة الحديث أو سكتوا عن الطعن فيه قُبِل، أَو رَدُّوه رُدَّ، أَو قَبِلَهُ
البعض وردَّه البعض مع نقل الثقات عنه، فإن وافق حديثُه قياساً مَّاً
قُبِلَ وإلا رُدَّ. كذا في ((قفو الأثر)) (٤) - مع تغيير يسير في التعبير -.
وإذا كان - الراوي - معروف الرواية والعدالة قُبِلَ مطلقاً: سواءٌ
عُرِفَ بالفقه أو لا ، وسواءٌ وافق حديثُه قياساً مَّا أَو لا، وسواءٌ رَوى عنه
(١) ص ٢١٠ - ٢١١ .
(٢) ٢ : ١٤٩ .
(٣) أول هذا المقطع ص ٢٠٢ .
(٤) ص ٢٠ .

٢٠٨
واحد أو اثنان فصاعداً، والتفرقةُ بين المعروف بالفقه والمعروف بالعدالة
مذهبُ عيسى بن أَبان، وأَما عند الكرخي ومن تابعه من أصحابنا فليس
فقهُ الراوي شرطاً لتقدم الحديث على القياس ، بل خبرُ كل عدل مقدَّم
على القياس إذا لم يكن مخالفاً للكتاب والسنة المشهورة. كذا في ((نور
الأنوار))(١) .
واختلفت كلمةُ أَصحابنا في المستور، فيُعلَم من كلام الآمدي وعلي
القاري - المذكور سابقاً(٢) - قبولُه عندنا مطلقاً. وقال في ((قفو الأَثْر)) (٣)
وأَما المستور وهو عندنا من كان عدلاً في الظاهر(٤) ولم تُعرف عدالته في
الباطن، سواءٌ انفرد بالرواية عنه واحد أم روى عنه اثنان فصاعداً ،
فحكمُ حديثه الانقطاعُ الباطنُ وعدمُ القبول إلا في الصدر الأول . اهـ .
أي القرون الثلاثة المشهود لها بالخير، كما صرَّح به في باب الانقطاع(٥).
ونَقَلَه (٦) في مقدمة (مسند الإِمام)) (٧) عن القاري أيضاً حيث قال:
والثامن عشر ما نُقِلَ عنه (٨)، وحاصلُ الخلاف(٩) أَن المستور من الصحابة
(١) ص ١٨٠ .
(٢) في ص ٢٠٣ وص ٢٠٤ .
(٣) ص ٢٠ .
(٤) بأن لم يجرحه أحد جرحاً مفسّراً. (ش) .
(٥) أي في ((قفو الأثر)) في ص ١٥ .
(٦) أي العلامةُ السنبهلي في ((تنسيق النظام في مسند الإمام)).
(٧) ص ٦٨ .
(٨) أي عن الإمام أبي حنيفة.
(٩) أي بين أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد في (المستور ) كما في

٢٠٩
والتابعين وأتباعهم يُقبل، بشهادته عَ لَّ لهم بقوله ((خيرُ القرون قَرْني،
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (١) . وغيرهم لا يُقبل إلا بتوثيق ،
وهو تفصيل حسن . اهـ .
والذي ظهر لي من كلام فقهائنا أن المراد بقبول رواية المستور من
غير الصحابة عندهم هو : جَوَازُ العمل بها دون الوجوب ، وكذا مجهول
العين من غيرهم، والله أعلم .
فائدة
ومن عُرِفَتْ عينه وعدالته، وجُهِلَ اسمُه ونسبُه احتُجَّ به ( اتفاقاً )،
وفي ((الصحيحين)) من ذلك كثير. وإذا قال : أخبرني فلان أو فلان ،
على الشك وهما عَدْلان احتُجَّ به، فإن جُهِلَ عدالة أَحدهما أَو قال : فلان
(( شرح شرح النخبة)) لعلي القاري ص ١٥٥.
(١) هو في ((الصحيحين)) بنحو هذا اللفظ عن عبد الله بن مسعود
مرفوعاً : - واللفظ للبخاري - ((خيرُ الناسِ قرني ، ثم الذين يلونهم ،
ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه ، ويمينُه
شهادته )). رواه البخاري في ( كتاب الشهادات) ٥ : ١٩١، ومسلم
في ( فضائل الصحابة ) ١٦ : ٨١ .
وانظر طائفة من الأحاديث في خيرية القرون الثلاثة في ((مجمع
الزوائد)، للهيثمي ١٠ : ١٨ - ٢١ .

٢١٠
أَو غيرُه، ولم يُسمه لم يُحتجَّ به، لاحتمال أن يكون المخبِرُ المجهولَ.
(١)
كذا في ((تدريب الراوي »
٠
قلت : ويجري في مجهول العدالة اختلافُنا الذي ذكرناه (٢).
ثبوت العدالة بالاستفاضة والشهرة
وذكرُ من اشتهرت عدالتهم من الأئمة
١١ - تَثْبُتُ العدالةُ بالاستفاضة والشهرة ( أَيضاً)، فمن اشتهرت
عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث أو غيرهم، وشاع الثناءُ عليه
بها كفى فيها - أي في عدالته - ، ولا يُحتاج مع ذلك إلى معدِّل
ينص عليها .
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى
التزكية إذا لم يكونا مشهورَينِ بالعدالة والرضا، وكان أمرهما مشكلاً
ملتيِساً، قال : والدليل على ذلك أن العلم بظهور سرهما واشتهار عدالتهما
أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة .
كذا في ((تدريب الراوي)) ملخصاً (٣).
قلت : فمثلُ أَبني حنيفة ومالك والسفيانَينِ والأوزاعي والشافعي ومحمد
ابن الحسن وأبي يوسف وأحمد بن حنبل والليث وشعبة وابن المبارك
ووكيع وابن معين وابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر
(١) ص ٢١٤ .
(٢) أي في أوائل هذا المقطع ص ٢٠٣ - ٢٠٧ .
(٣) ص ١٩٨ - ١٩٩ .

٢١١
واستقامة الأمر لا يُسأل عن عدالتهم(١)، وإنما يُسأل عن عدالة من خفي
أَمرُه، وأَما هؤلاءِ فقد اشتَهرت عدالتُهم عند المحدثين أو غيرهم من
الفقهاء وأهل العلم .
قال الذهبي في ((الميزان)) (٢): وكذا لا أذكر في كتابي من الأَئمة
المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإِسلام وعظمتهم في النفوس
مثل أبي حنيفة(٣) والشافعي والبخاري. اهـ .
(١) وقد سُئِل أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه ؟ فقال: مثلُ إسحاق
يُسألُ عنه؟! وسُئل ابنُ معين عن أبي عُبَيد؟ فقال : مثلي يُسأل عن
أبي عُبَيد؟! أبو عُبَيَد يُسألُ عن الناس. من (( تدريب الراوي))
ص ١٩٩ .
(٢) ١ : ٢ .
(٣) وبهذا يُعلم أن ما يوجد في بعض نسخ ((الميزان)) من ذكر أبي
حنيفة فيه ، وتضعيفه من جهة الحفظ فهو إلحاق ، لأن المؤلف نَصّ
بلغفله على عدم ذكره فيه أحداً منهم ، كيف وقد ذكَرَ الذهبي أبا
حنيفة في الحفاظ في ((تذكرته ))، ونَصّ في أول كتابه هذا بقوله :
هذه تذكرة بأسماء معدَّلي حملة العلم النبوي ومن يُرجع إلى اجتهادهم
في التوثيق والتضعيف والتصحيح والتزييف. اهـ . فهذا يدل على أن
أبا حنيفة عنده حافظ إمام مجتهد في الحديث معدّل حامل للعلم النبوي .
(ش) .
قلت : قد أوسع الإمام اللكنوي القول جداً في الاستدلال على إلحاق
ترجمة أبي حنيفة في بعض نسخ ((الميزان)) في كتابه ((غيث الغمام
على حواشي إمام الكلام )) ص ١٤٦ وما بعدها ، وذكر وجوهاً كثيرة
في تأييد نفيها عن ((الميزان))، نقلتُ بعضها فيما علقته على ((الرفع

٢١٢
وتوسَّع الحافظ ابن عبد البر فيه فقال: كلُّ حامِلِ علمٍ معروفٍ
العناية به فهو عَدلُ، محمولٌ في أمره أبداً على العدالة حتى يتبين جرحه ،
ووافقه على ذلك ابن الموَّاق من المتأخرين، كذا في ((تدريب الراوي )) (١).
والتكميل )) ص ١٠٠ - ١٠١ .
ثم عزّزَتُ نفيتها بما ذكرته من وقوني على النسخ المخط طة الموثوقة
الخالية من الترجمة المشار إليها ، واثنتان منها قُرئتا على المؤلف الذهبي .
إحداهما ثلاث مرات ، والثانية أكثر من ست مرات ، وكلها خالية
من ترجمة أبي حنيفة ، وأطلتُ في ذلك بما يحسن الوقوف عليه فانظر
ص ١٠١ - ١٠٤ من ((الرفع والتكميل)).
ثم وقفت على تحقيق جيد في نفيها أيضاً ، للصديق العلامة الشيخ
محمد عبد الرشيد النعماني الهندي حفظه الله تعالى ، في كتابه النافع الهام :
( ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه)) ص ٤٧، حقّق فيه
دَسّ ترجمة أبي حنيفة على ((الميزان)) على وجه آخر ، غيرِ الذي
ذكرتُه وذكره اللكنوي وشيخُنا المؤلف هنا، فانظره في كتابه المذكور.
ثم رأيت الأمير الصَّنْعاني يقول في ((توضيح الأفكار)) ٢: ٢٧٧
((لم يُترجَم لأبي حنيفة في ((الميزان)). انتهى. وكذلك لا وجود
لترجمة أبي حنيفة في ((الميزان)) في نسخة الحافظ الضابط المتقن محدث
حلب سبط ابن العجمي ، وهو قد فرغ من نسخها سنة ٧٨٩ عن نسخة
قوبلت وعليها خط المؤلف . فقد تضافرت الأدلة على دَسّ ترجمة
أبي حنيفة في ((الميزان))، وأنها أُلحقت في بعض النسخ بغير قلم مؤلفه
الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى .
(١) ص ١٩٩ .

٢١٣
ما ترتفع به جهالة العين عن الراوي
١٢ - برواية عدلين ترتفع جهالة العين عند الجمهور ولا تثبت به
العدالة . وقال الدارقطني : من رَوى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته
وثبتت عدالته كذا في ((التعليق الحسن))(١) نقلاً عن ((فتح المغيث))
(٢)
للسخاوي (٢) .
وقال ابن القيم في ((زاد المعاد))(٣) في حديث أبي رُكانة في التفريق
بالعُنَّة ما نصه : ولا عِلة لهذا الحديث إلا رواية ابن جُريج له عن بعض
بني أبي رافع، وهو مجهول، ولكن هو تابعي، وابنُ جريج من الأئمة
الثقات العدول، وروايةُ العدل عن غيره تعديل له ، ما لم يُعلَم فيه جرح،
ولم يكن الكذبُ ظاهراً في التابعين(٤). قال: ولا يُظَنُّ بابن جريج أَنه
حمله عن كذاب، ولا عن غير ثقةٍ عنده ولم يُبيِّن حاله . اهـ .
وهذا يُشعر بارتفاع الجهالة عن الراوي برواية عدل واحد عنه إذا
كان من القرون المشهود لها بالخير ، فهذا قريب من مذهب ساداتنا
= (٥)
الحنفية فتذكَّر (٥).
وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)» (١٦) في حديث أم سلَمَة «أَفْعَمْياوانٍ»:
(١) للعلامة النِّيمَوي ١ : ٧٨ .
(٢) ص ١٣٧ .
(٣). ٤ : ٥٧
(٤) يشير الشيخ ابن القيم رحمه الله تحليل بقوله: (( ولم يكن الكذب ظاهراً
في التابعين )) إلى أنه قد يقعُ من بعض أفراد منهم ، كما قال بعضهم
في (جابر الجُعْفي) انظر ترجمته في ((الميزان)) وغيره.
(٥) وقد تقدم ذكره في ص ٢٠٧ .
(٦) ٩ : ٢٩٤ .

٢١٤
أَنتما ؟ (١) إِسنادُه قوي، وأَكثَرُ ما عُلِّلَ به انفرادُ الزهري بالرواية
عن نبهان ، وليست بعلة قادحة ، فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه
مكاتَبُ أُم سلَمة ، ولم يجرحه أَحد لا تُرَدُّ روايته . اهـ .
قال في « تدريب الراوي)» (٢): وإِذا رَوى العدل عمن سماه لم يكن
تعديلاً عند الأكثرين من أهل الحديث وغيرِهم، وهو الصحيح، وقيل :
هو تعديل، إذ لو عَلِمَ فيه جرحاً لذكره ولو لم يذكره لكان غاشاً في
الدين ، وقيل : إِن كان العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدل كانت
روايته تعديلاً ، وإلا فلا، واختاره الأصوليون كالآمدي وابن الحاجب
وغيرهما . اهـ (٣).
(١) رواه أبو داود في ((سننه)) في (كتاب انمياس) في (باب وقل للمؤمنات
يغضضن من أبصارهن) ٤ : ٦٣، والترمذي في ( أبواب الأدب ) في
باب ( ما جاء في احتجاب النساء من الرجال) ١٠ : ٢٣٠ .
(٢) ص ٢٠٨ .
(٣) وإليك ذكر طائفة من المحدثين وُصِفوا بأنهم لا يحدثون إلا عن ثقة.
قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ص ١٣٤ (( من كان لا يروي إلا عن
ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد، وبقِيّ بن مَخْلَد . وحَريز بن
عثمان ، وسليمان بن حرب، وشعبة ، والشعبي ، وعبد الرحمن بن
مهدي ، ومالك ، ويحيى بن سعيد القطان .
وذلك في شعبة على المشهور ، فإنه كان يَتعَنّتُ في الرجال ، ولا
يروي إلا عن ثَبْت ، وإلا فقد قال عاصم بن علي : سمعت شعبة يقول :
لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثين . وفي ذلك اعتراف منه

٢١٥
قلت: والأَول أَحوط، والثاني أقوى وأَوثقُ دليلاً، ولكن ينبغي
تقييده بالقرون الثلاثة ، والثالث أَعدل وأَوسط ، ولا حاجة إلى تقييده
بقَرْن دون قرن .
وفيه أيضاً (١): إِذا قال: حدثني الثقة أَو نحوُه من غير أن يسميه ،
لم يُكتَف به في التعديل على الصحيح حتى يسميه ، وقيل: يُكتفى بذلك
. مطلقاً كما لو عيَّنه، لأَّنه مأمون في الحالتين معاً . اهـ .
قلت : إِذا كان الراوي القائل: حدثني الثقة ثقةً فالذي ينبغي أن
يكون مذهبُنا قبولَ مثل هذا التعديل في حق من هو من القرون الثلاثة ،
لأَن المجهولَ منها حجة عندنا، فالمجهول بصيغة التعديل أولى بالقبول ،
وأَما في غيرها فلا .
بأنه يروي عن الثقة وغيره ، فيُنظّر. وعلى كل حال فهو لا يروي عن
متروك ولا من أُجمع على ضعفه .
وأما سفيان الثوري فكان يترخّصُ مع سعة علمه وشدّة ورعه .
ويروي عن الضعفاء ، حتى قال فيه شعبة : لا تحملوا عن الثوري إلا
عمن تعرفون ، فإنه لا يبالي عمن حمّل)). انتهى.
وسيأتي في (الفائدة) التالية ذكرُ جماعة آخرين ممن قيل فيهم :
لا يروي إلا عن ثقة .
(١) أي في ((تدريب الراوي)» ص ٢٠٥ - ٢٠٦.

٢١٦
فائدة
في ذكر جماعة من الأئمة لا يروي كل منهم إلا عن ثقة (١)
١ - يحيى بن سعيد القطان. ٢ - وابن مهدي. لا يرويان
إلا عن ثقة، كما مر (٢) نقلاً عن ((تدريب الراوي)). ٣ - وكذا مالك (٣).
(١) أي عنده، وقد يكون ثقة عنده وعند غيره . وتقدم تعليقاً عن
السخاوي في ص ٢١٤ ذكرُ طائفة من الأئمة- وفيهم غيرُ من ذُكر
هنا - ممن لا يروي إلا عن ثقة . فانظرهم .
وهذا الذي قالوه : ( فلان لا يروي إلا عن ثقة ) إنما هو في مقام
زيادة التمتين والتوثيق لمن قيل فيه . أو تمتين وتوثيق شيخه . وليس
مقولاً على سبيل التتبع والاستقراء التام لشيوخه ، فذاك متعذر ،
وسترى شواهده فيما يأتي. وما أحسن قولَ الحافظ السخاوي - كما
سبق تعليقاً في ص ٢١٤ - ((من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في
النادر)) وقولَ شيخه ابن حجر - وسيأتي تعليقاً في ص ٢١٧ - ((مِثلُ
أن يكون الرجل قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة )).
ثم من التزم أن لا يروي إلا عن ثقة، قد يكون من رَوى عنه ثقةٌ
عنده وليس ثقة عند غيره . كما سترى في ( الأسلمي ) ص ٢٢١ الذي
رَوَى عنه الشافعي رضي الله عنه، فقد كان ثقّةً عنده. كذاباً عند غيره.
(٢) في ص ٢٠٦.
(٣) لكن جاء في ((تهذيب التهذيب)) ٩: ٣٠٤ و ١٠: ٧ و ٩ ((قال
يحيى بن معين : كلُّ من رَوى عنه مالك فهو ثقة . إلا عبد الكريم بن
أبي المُخَارِقِ)). وفي ((نصب الراية)) ٢: ٤٥٩ ((قال النسائي:
لا نعلم أن مالكاً حدّث عمن يُترك حديثه إلا عبد الكريم بن أبي المخارق
البصري )) .