النص المفهرس

صفحات 181-200

١٧٧
وقال ابن جرير: لو كان كلُّ من ادُعيَ عليه مذهبٌ من المذاهب
الرديئة، ثبّتَ عليه ما ادُّعِيَ به، وسقطتْ عدالتُه، وبطلت شهادتُه
بذلك، للزم تركُ أَكثر محدِّفي الأمصار ، لأَّنه ما منهم إلا وقد نسَبه قوم
إلى ما يُرغَبُ به عنه. اهـ(١) .
لا يؤخذ بقول كل جارح ولو كان الجارح من الأئمة.
فقد يمنع من قبول جرحه موانع ...
٤ - لا يحل لك أن تأُخذ بقول كل جارح في أَي راوٍ كان، وإِن
كان ذلك الجارح من الأَئمة أَو من مشاهير علماء الأمة ، فكثيراً ما يوجد
أَمرٌ مانعٌ من قبول جرحه، وحينئذٍ يحكم برد جرحه . وله صور كثيرة
لا تخفى على المهرة :
منها : أَن يكون الجارحُ نفسُه مجروحاً فحينئذ لا يُبادَرُ إِلى قبول
جرحه ، وكذا تعديله ما لم يوافقه غيره، كالأَزدي فإن في لسانه دَهَقاً (٢).
(١) من ((مقدمة الفتح)) ص ٤٢٧ و٢: ١٥١ . فهذا الإمام البخاري
- على إمامته المجمع عليها - لمّا ترجم له ابن أبي حاتم الرازي في
كتابه ((الجرح والتعديل)) ٢/٣: ١٩١ قال: ((محمد بن إسماعيل
البخاري أبو عبد الله ، قدمَ عليهم الري سنة ٢٥٠ ، سمع منه أبي
- أبو حاتم - وأبو زُرعة - الرازيان -، ثم تَرَكا حديثَه عندما كتّبَ
إليهما محمد بن يحيى النيسابوري: أنه أظهر عندهم أنّ لفظه بالقرآن
مخلوق))انتهى. وبسببه ذكره الذهبي في كتابه ((الضعفاء والمتروكين))!
فهل نترك حديث البخاري كما تركه أبو حاتم وأبو زُرعة والنيسابوري؟!
(٢) يعني شِدّة ومغالاة .

١٧٨
وهو مسرف في الجرح، قال الذهبي في ترجمة أَبان بن إسحاق المدني(١)
بعد ما نَقَلَ عن أَبي الفتح الأزدي: أَنه متروك. قلت: لا يُتْرَكُ فقد
وثَّقْه أَحمدُ والعِجْلي، وأَبو الفتح يُسرِفُ في الجرح، وله مصنف كبير
إلى الغاية في المجروحين، جَرَح خلقاً بنفسه لم يَسبقه أحد إلى التكلم
فیھم، وهو متكلَّم فيه . اهـ .
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (أحمد بن شَبِيب
الحَبَطي البصري) (٢) بعد ما نقل عن الأَزديّ فيه: غيرُ مَرْضي : قلت :
لم يَلتفت أحد إلى هذا القول بل الأَزدي غيرُ مرضي . اهـ .
وقال أيضاً في ((مقدمة الفتح)) في ترجمة (عكرمة) (٣) ما نصه: أمّا
الوجهُ الأُول فقول ابن عمر ( فيه) لم يَثبُت عنه،لأنه من رواية أبي
خَلَف الجزَّار عن يحيى البَكَّاءِ أنه سمع ابن عمر يقول ذلك؛ ويحيى
البكاءُ متروك الحديث(٤) . قال ابنُ حِبَّانَ: ومن المحال أَن يُجرَح العدلُ
بكلام المجروح . اهـ .
ومنها : أن يكون الجارحُ من المتعنِّتين المشدِّدين في الجرح، فإن
هناك جمعاً من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدّد في هذا الباب ، فيجرحون
الراوي بأَدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه، فمثلُ هذا
(١) من ((ميزان الاعتدال)) ١ : ٥ .
(٢) ١ : ٣٦.
(٣) ص ٤٢٦ و٢ : ١٥٠.
(٤) وهو (يحيى بن مسلم الأزدي). ترجمته في ((الميزان)) ٤ : ٣٨٢
و ٤٠٨، و((تهذيب التهذيب» ١١ : ٢٧٨.

١٧٩
توثيقه معتبر، وجَرحُه لا يُعتبَر ما لم يوافقه غيره ممن يُنصِف ويُعتبَر.
فمن المتعنِّتين المشدِّدين: أبو حاتم، والنسائيُّ، وابنُ مَعِين، وأبو الحسن
ابن القطان، ويحيى بنُ سعيد القطان، وابنُ حِبَّان. وغيرُهم، فإنهم
معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه .
قال الذهبي في ((الميزان» في ترجمة ( سفيان بن عيينة) (١) : يحيى
ابن سعيد القطان متعنت جداً في الرجال . اهـ . وقال أيضاً في ترجمة
( سيف بن سليمان المكي )(٢): حَدَّث يحيى القطان مع تعنّته عن سيف.
اهـ .
وقال أيضاً في ترجمة ( الحارث الأَعور) (٣): حديثُ الحارث في ((السنن
الأَربعة )» (٤) ، والنسائيُّ مع تعنّتِهِ في الرجال فقد احتَجَّ به وقوَّى أَمره. اه(٥).
(١) ٢ : ١٧١ .
(٢) ٢ : ٢٥٢ .
(٣) ١ : ٤٣٧
(٤) قلتُ: وهو (الحارث بن عبد اللّه الأعور الهَمْداني) . ولشيخنا
الأستاذ عبد العزيز بن الصّدّيق الغُمَاري المغربي جزء في توثيقه ، سمّاه
((الباحث عن عِلَل الطعن في الحارث)). دافع فيه عنه. وذهب إلى
أنه أوثق من بعض رجال ((الصحيحين)). فانظره. وفي ((الجزء))
هفوات لسان قاسية وقعت منه ! طُبع في القاهرة بمطبعة الشرق دون
تاريخ ، بعد سنة ١٣٧٠ في ٤٤ صفحة .
وانظر ما علّقه الشيخ أمير علي الهندي على ((تقريب التهذيب))
لابن حجز ص ٨٨ من الطبعة الهندية المطبوعة في لكنو بمطبعة نولكشور
سنة ١٣٥٦ .
(٥) وسيأتي قريباً في ص ١٨٧ نص ثان لابن حجر في تعنّت النسائي
.

١٨٠
وقال الذهبي في ترجمة ( عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي ) (١) :
وأَما ابنُ حِبَّان فقد تقعقع (٢) كعادته. اهـ(٣).
وإليك نصاً ثالثاً من ((هدي الساري)) له أيضاً، قال في ترجمة (أحمد
ابن عيسى التستري) ص ٣٨٤ و ٢: ١١٣ ((عاب أبو زرعة على مسلم
تخريجَ حديثه، ولم يبين السبب، وقد احتج به النسائي مع تعنّته)).
انتهى . ونقله شيخنا المؤلف في المقطع - ٣٣ - من ( تتمة في مسائل
شتى ) في أواخر الكتاب .
(١) ٣ : ٤٥ .
(٢) هكذا جاء في ((الرفع والتكميل)) ص ١٧٧، والذي في ((الميزان)):
( يقعقع ) . انتهى . والقعقعة: تتابع صوت الرعد. وتمام عبارة الذهبي :
((وأما ابن حبان فانه يُقعقع كعادته ، فقال فيه : يروي عن الضعفاء أشياء
ويُدلِّسُها عن الثقات، فلما كثُرّ ذلك في أخباره فلا يجوز عندي
الاحتجاجُ بروايته بكل حال )) .
(٣) قلت: وبهذا اندحَضَ ما زعمه بعضُهم أن ابن حِبّان متساهل في
الرجال وواسع الخطو في التوثيق ، يوثق كثيراً ممن يستحق الجرح ،
وهو قول ضعيف فإنك قد عرفت أنه معدود في المتعنتين وله إسراف
في الجرح . ومن هذا حاله لا يمكن أن يكون متساهلاً في تعديل الرجال .
وإنما يقع التعارض في توثيقه وجرح غيره لاختلافه عن الجمهور في
بعض الشروط كمجهول العدالة ضعفه الجمهور وهو عند ابن حبان ثقة
إذا كان شيخُه والراوي عنه ثقتين ولم يكن الحديثُ منكراً كما سيأتي
قريباً في المقطع - ١٠ - من هذا الفصل . (ش).
قال عبد الفتاح : تابَعَ شيخُنا المؤلف حفظه الله تعالى اللكنويَّ في
(( الرفع والتكميل)، ص ٢٠٣ - ٢٠٤ على هذا الرأي . وفي هذا الذي
ذهبا إليه نظرٌ بالغ ، فإنه لا تنافي بين ما نُسِبَ إلى ابن حبان من
١

١٨١
٠
التساهل في التوثيق ، وما ذكره عنه هنا من التعنّت والإسراف في
الجرح ، فإنه كما يبدو : متساهلٌ في التعديل ، متشدّدٌ في الجرح .
وقد اشتهر تساهلُه في التوثيق اشتهاراً كبيراً، إذكلُّ راوٍ انتفت جهالةُ
عينه كانثقةً عنده إلى أن يَتبين جرحُه. ونَصّ على تساهله هذا غيرُ واحد
من العلماء القدامى والمتأخرين، وأشار إليه شيخنا المحقق الكوثري رحمه
الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه ((المقالات ))ص٦٩ و١٨٥ و ٣٠٣.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه تعالى في مقدمة كتابه ((لسان
الميزان)) ١ : ١٤ - ١٥ ((قال ابن حبان: من كان منكر الحديث على
قِلّته لا يجوز تعديلُه إلا بعد السّبْر . ولو كان ممن يروي المناكير
ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلاً مقبول الرواية ، إذ الناسُ في
أقوالهم على الصلاح والعدالة حتى يَتبيّن منهم ما يوجب القدح ، هذا
حكمُ المشاهير من الرواة . فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء
فهم متروكون على الأحوال كلها .
قلتُ - القائل ابن حجر - : وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من
أن الرجل إذا انتفت جهالةُ عينه كان على العدالة إلى أن يَتبيّن جرحُه :
مذهبٌ عجيب ! والجمهور على خلافه . وهذا مسلك ابن حبان في
كتاب ((الثقات)) الذي ألفه، فإنه يذكر - فيه - خلقاً ممن نصّ
عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون. وكأنّ عند ابن حبان أنّ جهالة
العين ترتفع برواية واحد مشهور ، وهو مذهبُ شيخه ابن خزيمة .
ولكن جهالةُ حاليه باقيةٌ عند غيره .
وقد أفصح ابنُ حِبّان بقاعدته فقال: العدلُ من لم يُعرّف فيه
الجرح ، إذ التجريحُ ضِدُ التعديل ، فمن لم يُجرّح فهو عدل حتى
يَتبيّن جرحُه، إذ لم يُكلّف الناسُ ما غاب عنهم .

١٨٢
وقال في ضابط الحديث الذي يُحتَجّ به: ١ - إذا تعرّى راويه
من أن يكون مجروحاً . ٢ - أو فوقه مجروح ٠ ٣ - أو دونه
مجروح ٠ ٤ - أو كان سندُه مرسَلاً أو منقطعاً . ٥ - أو كان
المتنُ منكراً. هكذا نقله الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في ((الصارم
المنكي )» من تصنيفه . وقد تصرّف في عبارة ابن حبان ، لكنه أتى
بمقصده وسياقٍ بعض كلامه في (أيُّوب) آخر مذكور في حرف الألف.
قال الخطيب : أقل" ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان
فصاعداً من المشهورين بالعلم ، إلا أنه لا يَثبُتُ له حكم العدالة
بروايتهما . وقد زعم قوم أن عدالته تَثبُتُ بذلك، وهذا باطل ، لأنه
يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته . فلا تكون روایتُه عنه تعديلاً
له ولا خبراً عن صدقه . كيف وقد وُجِدَ جماعة من العدول الثقات
رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم . مع علمهم
بأنهم غيرُ مرضيين ، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب ، مثلُ قولٍ
الشعبي : حدّثّنا الحارثُ وكان كذاباً . وقولِ الثوري : حدّثّنا ثُوير
ابن أبي فاختة و کان من أركان الكذب . وقول یزید بن هارون : حدّثنا
أبو رَوح وكان كذاباً . وقولِ أحمد بن مُلَاعِب: حدّثنا مُخَوَّل
ابن إبراهيم وكان رافضيّاً . وقول أبي الأزهر : حدثنا بكر بن
الشَّرود وكان قدّرياً داعية .
قلت - القائل ابن حجر - : وقد رَوَى هؤلاء كلّهم في مواضع
أخری عمن سُمي سا کتین عن وصفهم بما وصفوهم به ، فکیف تكون
روايةُ العدل عن الرجل تعديلاً له ؟ لكن من عُرِفَ من حاله أنه لا
يروي إلا عن ثقة. فإنه إذا رَوَى عن رجل : وُصفَ بكونه ثقةً عنده .
كمالك وشعبة والقطان وابن متهدي وطائفةٍ ممن بعدهم ». انتهى . =

١٨٣
وقال الحافظ في ((القول المسدَّد في الذب عن مسند أحمد)) (١): ابنُ
حبان ربما جَرَح الثقة حتى كأنه لا يَدري ما يَخرج من رأسه ! اهـ .
كذا في ((الرفع والتكميل)) (٢).
وقال الذهبي(٣) في ترجمة ( محمد بن الفضل السَّدُوسي عارم) شيخ
البخاري بعد ذكرٍ توثيقه عن الدار قطني: قلتُ : فهذا قولُ حافظ العصر
الذي لم يأت بعد النسائي مثلُه، فأين هذا القولُ من قول ابن حِبَّان
الخَسَّاف(٤) المتهوِّر ؟ !.
ومن هذا تَبَيّن لك مذهبُ ابن حبان وتساهُلُه في التوثيق . فإذا
رأيتَ في كتب الرجال أو كتب الجرح والتعديل قولهم : (وثّقّه ابنُ
حبان ) أو ( ذكرَهُ ابن حبان في الثقات ) فالمرادُ بتوثيقه عنده : أنّ
جهالة عينه قد انتفَت ، ولم يُعلّم فيه جرح . وهذا مسلك متّسعٌ خالف
فيه جمهور أئمة هذا الشأن، فكان به من المتساهلين في التوثيق، والله أعلم.
(١) ص ٣٣ .
(٢) ص ١٧٦ - ١٧٨. وأصل هذه الكلمة للذهبي قالها في ((الميزان))
في ترجمة ( أفلح بن سعيد المدني ) ١ : ٢٧٤ .
(٣) في ((الميزان ))٤: ٨.
(٤) هكذا الصواب فيها (الخَسّاف ) بالخاء المعجمة ثم بالسين المهملة ، كما
في نسخ ((الميزان)) الموثوقة المقروءة على المؤلف غير مرَّة، ففي نسخة
الظاهرية بدمشق التي قرأها ابن الواني على المؤلف الذهبي ثلاث مرات:
( الخسّاف ) وفوق السين علامة الإهمال للحرف عند علمائنا السابقين،
وكذلك هي (الحسَّاف) في نسخة الخزانة العامة في الرباط بالمغرب، المقروءة
على المؤلف أكثر من ست مرات، كما أفادني بذلك كلٌ من محافظ الخزانة
العامة بالرباط الأخ الأستاذ السيد عبد الله الرجراجي ، وأمينة المخطوطات
بظاهرية دمشق الأستاذة السيدة أسماء الحمصي، وقد تفضّلا فصوَّرا لي

١٨٤
الكلمة وصفحتها تصويراً ، فلهما مني أطيب الشكر وأجزلُه.
وكذلك جاءت في نسخة ((الميزان)) بخط المحدّث الكبير المتقين
برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي ، التي نُشرت عنها طبعة البابي
الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨٢ .
وكذلك جاء ما يؤيده في ((شرح الألفية)) للعراقي نفسه من بحث
( معرفة من اختلط من الثقات ) ٤ : ١٥٧ من طبعة القاهرة سنة
١٣٥٥، وفيه: ((وأنكر صاحبُ ((الميزان)) هذا القولَ من ابن حبان،
ووصّفَه بالتخسيف والتهوير)). ومثله تماماً في ((فتح المغيث)) للسخاوي
ص ٤٨٩. ووقع في طبعة المغرب من ((شرح الألفية)) للعراقي ٣ : ٢٦٩
هكذا: ((ووصفه بالفحش والتهوير)) . وهو تحريف .
وجاء محرفاً إلى (الحشاف) في طبعة ((الميزان)) المطبوعة بالهند سنة
١٣٠١، ثم في طبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٥، ثم في الأصل هنا تبعاً
لهما ، فاعرفه وتجنبه .
وتمامُ كلام الذهبي: ((فأين هذا من قول ابن حبان الحسّف المتهوّر
في عارم ؟! فقال : اختلط في آخر عمره وتغيّر ، حتى كان لا يدري
ما يُحدّثُ به ، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة ، فيجب التنكب عن
حديثه فيما رواه المتأخرون ، فإذا لم يُعرَف هذا من هذا تُرِكَ الكل ،
ولا يُحتجّ بشيءٍ منها. قلتُ - القائل الذهبي - : ولم يقدر ابن حبان
أن يسوق له حديثاً منكراً ، فأين ما زعم ؟! ».
وإليك شواهد ونماذج أخرى من خَسْف ابن حبان ومهوّره ، لتشهد
فيها كيف يتصرف في تراجم كثير من الرجال ، فيظلمهم ويقلب
حالهم من حال إلى حال . وقد كان شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله
تعالى يسمي تصرّفه هذا (تفلسفاً) ويسميه هو : (فيلسوف أهل
الجرح والتعديل ) . وإليك تلك الشواهد :

١٨٥
١ - قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة (سويد بن عمرو
الكلبي ) ٢ : ٢٥٣ بعد نقله توثيقه عن ابن معين وغيره: ((أما ابن
حبان فأسرف واجترا فقال : كان يقلب الأسانيد ، ويضع على الأسانيد
الصحيحة المتونَ الواهية )).
٢ - وقال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) في ترجمة
(سالم الأفطس) ص ٤٠٢ و١٢٩:٢ (( أفرط ابن حبان فقال: كان مرجئاً،
يقلب الأخبار ، وينفرد بالمعضلات عن الثقات ، اثُّهم بأمر سوء فقُتِل
صَبْراً. قلتُ - القائلُ ابن حجر - : فهذا الأمرُ السوء الذي زعم ابن
حبان أنه اتّهم به هو كونُه مالاً على قتل إبراهيم - الإمام ابن علي بن
عبد الله بن عباس - وأما ما وصفه من قلب الأخبار وغير ذلك فمردودٌ
بتوثيق الأئمة له ، ولم يستطع ابن حبان أن يورد له حديثاً واحداً )) .
٣ - وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في ((تهذيب التهذيب)) في
ترجمة ( الحسين بن علي الكرابيسي ) ٢ : ٣٥٩ - ٣٦٢ الفقيه الشافعي
وصاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه: ((قال الخطيب : كان فَهِماً
عالماً فقيهاً ، وله تصانيف كثيرة في الفقه وفي الأصول تدل على حُسن
فهمه وغزارة علمه . كان أحمد يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ - أي
خلق القرآن - ، وكان هو أيضاً يتكلم في أحمد ، فتجنب الناسُ الأخذ
عنه. وقال ابن حبان في ((الثقاتٍ)): كان ممن جمع وصنّف ، وممن
يُحسن الفقه والحديث، أفسده قِلّةُ عقله)). انتهى.
فانظر ووازن بين ابن حبان كيف وصف هذا الرجل بقلة العقل
وأن ذلك أفسده ، وبين الخطيب كيف أثنى عليه ووصفه بالفتّهِم
وبحُسن الفهم وغزارة العلم ؟!
٤ - وإليك نموذجاً رابعاً وأخيراً - إذ التتبع لمثل هذه النماذج
ب

١٨٦
لا يقف عند حد - فيه التصرّفُ العجيب، ساق الخطيب في (( تاريخ
بغداد )» ١٣: ٣٩٠ من الطبعة الأولى و ١٣: ٤٠٧ من الطبعة الثانية
المصريتين بسنده إلى وكيع بن الجراح قوله: ((وجدنا أبا حنيفة خالف
متي حديث )) .
وقد ساق هذا الخبرّ بسنده عن الخطيب شيخنا الكوثري رحمه الله
تعالى في ((تأنيب الخطيب)، ص ٨٩، ثم وجه معناه خيرَ توجيه على
فَرض صحّة السند إلى وكيع ، وهو من أجلّ أصحاب أبي حنيفة ،
ثم قال في ص ٩٠ في ابن حبان كلمةً جامعةً في حاله :
((وهناك غريبة من محمد بن حبان - فيلسوف أهل الجرح والتعديل -
حيث تزيّدَ على هذا الكلام الذي يُعزّى إلى وكيع ، وتصرّف في الرأي .
وقال في كتابه في الضعفاء في ترجمة أبي حنيفة: (( كان أجَلّ في نفسه
من أن يكذب ، ولكن لم يكن الحديث شأنه ، فكان يروي فيخطىء من
حيث لا يعلم ، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم ، حدّث بمقدار
مثّي حديث ، أصاب منها في أربعة أحاديث ، والباقية إما قَلَبَ
إسنادَها ، أو غيَّرَ متنها )).
هكذا يقول صاحبُ ابن خُزيمة في حفظ أبي حنيفة الذي دانت
الرقاب لعلمه وفقهه وحفظه ، وشُهِرَ عنه أنه لا يبيح للراوي الرواية
بما طرأ عليه نسيانُه لحظة، ولم يستمر حفظُه عنده من آن التحمل
إلى آن الأداء ، وكذلك لا يبيح له الرواية بما وجده بخط نفسه ما لم
يذكر روايته، كما في ((الإلماع)» القاضي عياض ص ١٣٩ وغيره .
ولم يكن أبو حنيفة يجعل المجاهيل الذين لم يدرس أحوالَهم في
عداد الثقات ، كما كان ابن حبان يفعله تبعاً لشيخه في زمن متأخر جداً .
بل كان يدرس أحوال الرواة الذين هم بينه وبين الصحابة مباشرة .

١٨٧
وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (١) في ترجمة ( محمد بن أبي عدي
البصري ): أبو حاتم عنده عَنَتٌ. اهـ. وقال في ((بذل الماعون في فضل
الطاعون)) يكفي في تقويته ( أَي أبي بَلْج يحيى الكوفي ) توثيقُ النسائي
فيَقبَل روايةَ من يستأهل القبول، ويَردّ روايةَ غيره ، ولم يكن بينه
وبين الصحابي في الغالب إلا واحد أو اثنان ، فمن السهل جداً على مثله
في اليقظة معرفةُ أحوالهم ، ومن المتواتر خَتْمُه القرآن في ركعة ، وهذا
من الدليل على قوة حفظه .
فابنُ حبان فيلسوف أهل الجرح والتعديل ، يجعل هذا الإمام العظيم
الذي أصبح ذكاؤه وحفظُه مضربَ مثل في مشارق الأرض ومغاربها ،
كأحد المغفلين من أصحابه من الرواة الجامدين . وليس في كلامه شَمّة
من الحقيقة ، وإنما هو لون آخر من التعصّب .
والكلام في ابن حبان طويل الذيل ، وأقلّ ما قيل فيه قولُ ابن
الصلاح : غَلِطَ الغلطَ الفاحش في تصْرّفه ! ووصّفَه الذهبي بالتشغيب
والتشنيع. ومما يؤخذ به أنه قد ذكَرَ في كتاب ((الثقات)) خلقاً كثيراً،
ثم أعاد ذكرهم في المجروحين وادّعى ضعفتهم ، وذلك من تناقضه
وغفلته . وكثيراً ما تراه يذكر الرجل الواحد في طبقتين متوهماً كونه
رجلين .
وطريقتُه في التوثيق من أوهن الطرق ، وإن سبقه في ذلك شيخه
ابن خزيمة ، وهو جِدُّ عريق في التعصب ، جامعٌ بين التعنّت البالغ
والتساهل المردول في موضع وموضع. راجع ترجمته من ((ميزان
الاعتدال)) و((معجم ياقوت)) في (بُست) و((المنتظم)) لابن
الجوزي، تستخلص منها حال الرجل في التشغيب وسوء التصرف)).
(١) ص ٤٤١ و٢ : ١٦٢ .

١٨٨
وأبي حاتم مع تشدُّدهما. اهـ(١).
وقال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ ))في ترجمة أبي الحسن بن القطَّان(٢)
بعد ما حكى مدحَه : ولكنه تعنَّت في أحوال الرجال فما أَنصف ،
بحيث إنه أَخَذَ يُلِيِّنُ هشام بن عُروة ونحوَه. اهـ. وقال في ((الميزان)»
في ترجمة هشام(٣) بعد ذكر توثيقه: لا عبرة بما قاله أبو الحسن بن
القطَّن، فدَعْ عنك الخَبْطَ وَذَرْ خَلْطَ الأَئمة الأَثبات بالضعفاء والمخلِّطين،
فهو شيخُ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان . اهـ .
وقال السَّخاوي في ((فتح المغيث))(٤): قسَمَ الذهبي من تَكلَّم في
الرجال أقساماً :
٠
فقسمٌ تكلَّموا في سائر الرواة كابنٍ مَعين وأبي حاتم .
وقسمٌ تكلَّموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة .
وقسمٌ تكلَّموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي .
قال : والكلُّ على ثلاثة أقسام أيضاً(٥) :
١ - قسمٌّ منهم متعنِّت في التجريح متثبت في التعديل، يغمز
الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وَثَّق شخصاً فعَضَّ على قوله بالنواجذ ،
(١) من ((الرفع والتكميل)) ص ١٧٩.
(٢) ٤ : ١٤٠٧ .
(٣) أي (هشام بن عروة) ٤ : ٣٠١ - ٣٠٢.
(٤) ص ٤٨٢. ومثله في كتابه (( الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التوريخ))
ص ١٦٧ .
(٥) زدت ( أيضاً ) متابعةً لنص الذهبي عند السخاوي .

(13)
-١٩
١٨٩
وتمسَّك بتوثيقه. وإذا ضعَّف رجلاً فانظر هل وافَقَه غيرُه على تضعيفه؟
فإِن وافقه ولم يُوثَّق ذلك الرجلَ أَحدٌ من الحُذَّاقِ فهو ضعيف ، وإِن
وثَّقه أَحد فهذا هو الذي قالوا فيه: لا يُقْبَل فيه الجرحُ إلا مفسراً ،
يعني لا يكفي فيه قولُ ابن معين مثلاً: ضعيف، ولم يُبيِّن سببَ ضعفه ،
ثم يجيءُ البخاري وغيرُه يُوثِّقه .
٢ - وقسم منهم متسمِّحُ كالترمذي والحاكم .
٣ - وقسمٌ معتدل كأحمد والدار قطني وابنٍ عدي . اهـ
(١) ومن جرّاء تشدّد المتشددين وتسامح المتسامحين جرى ما قاله السخاوي
في (( فتح المغيث)) ص ٤٨٣، قال رحمه الله تعالى: ((ولوجود التشديد
ومقابله - أي التسامح - نشأ التوقف في أشياء من الطرفين ، بل ربما
رُدّ كَلامُ كلّ من المعدِّل والجارح مع جلالته وإمامته ونقده وديانته :
إمّاً لانفراده عن أئمة الجرح والتعديل كالشافعي رحمه الله في (إبراهيم بن
محمد بن أبي يحيى ) ، فإنه كما قال النووي: لم يُوثّقه غيرُه ، وهو
ضعيف باتفاق المحدّثين .
أو لتحامله كالنسائي في (أحمد بن صالح أبي جعفر المصري )
الحافظِ المعروف بابن الطبري ، حيث جرّحّه بقوله : ليس بثقة ولا
مأمون ، ترکه محمد بن یحیی ، ورماه یحیی بالكذب . فانه كما قال أبو
يعلى الخليلي : ممن اتفق الحُفّاظ على أن كلامه فيه : فيه تحامل . قال :
ولا يَقدَح كلامُ أمثاله فيه. وقال الذهبي في ((الميزان)): إنه آذى
نفسه بكلامه فيه ، والناسُ كلهم متفقون على إمامته وثقته )) .
(٢) قلت : في عَدّ ابن عدي من القسم الثالث - المعتدل - نظر طويل،
إذ هو من المتعنتين على الحنفية وغيرهم . كما بسطه المحقق اللكنوي
في ((الرفع والتكميل)) في (الإيقاظ - ٢١) ص ٢٠٨ - ٢١٦. وقد

١٩٠
وقال الحافظ ابن حجر في ((نُكَته على ابن الصلاح)): إِنَّ كل طبقة
من نُقَّاد الرجال لا تخلو من متشدِّد ومتوسط .
فمن الأُولى : شعبةُ وسفيانُ الثوري، وشعبةُ أَشْدُّ منه .
ومن الثانية : يحيى القطانُ وابنُ مهدي ، ويحيى أَشدُّ منه .
ومن الثالثة : يحيى بنُ مَعِين وأحمدُ بن حنبل، ويحيى أَشدُّ من أحمد.
ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أَشدُّ من البخاري. اهـ(١).
والمتشدِّدون من المتأخرين(٢) منهم :
١ - ابنُ الجوزي مؤلِّف كتاب ((الموضوعات)) و((العِلَل المتناهية)).
ألّف شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى كتاباً حافلاً في نقد (( كامل
ابن عدي))، سمّاه ((إبداء وجوه التعدي في كامل ابن عدي)).
ما يزال مخطوطاً. وانظر نماذج من تعديه في ((الإمتاع بسيرة الإمامين
الحسن بن زياد وصاحبه محمد بن شجاع )) لشيخنا الكوثري ص ٥٩
و ٦٦ و ٦٩. وانظر يضاً ما علقته على ((الرفع والتكميل)) ص ٢٠٩
وما بعدها ففيه كشف لهذا الجانب من حال ابن عدي .
(١) من ((الرفع والتكميل)) مختصراً من ص ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) هذا الكلام عن المتشددين المتأخرين من هنا إلى آخر هذا المقطع هو كلام
اللكنوي في ((الرفع والتكميل)). كما سيصرح به المؤلف في آخره .
وقد شرحتُ - فيما علّقتُه على ((الرفع والتكميل)) - تشدّدَ كل
واحد من هؤلاء المتشددين، مع ترجمة أكثرهم ، فأغنى ذلك عن
إعادته هنا، فانظره في ((الرفع والتكميل)، ص ١٩٤ - ٢٠٠ وص ٣٩٣
من ( الاستدراك ) .

١٩١
٢ - وعُمَرُ بن بَدْر الموصلي مؤلِّف ((رسالة في الموضوعات)) ملخصة
من ((موضوعات ابن الجوزي)).
٣ - والرَّضِيَّ الصاغاني اللغوي، له رسالتان في الموضوعات(١).
٤ - والجُوزقائيُّ مؤلِّف كتاب ((الأباطيل)).
٥ - والشيخُ ابن تيمية الحرَّاني مؤلف ((منهاج السنة)).
٦ - والمجدُ اللغوي مؤلِّف ((القاموس)) و((سِفْر السعادة))، وأَمثالُهم،
فلهم تعبَّتُ في جرح الأحاديث، فيبادرون إلى الحكم بوضع الحديث أو
ضعفه بوجود قَدْح ولو يسيراً في راويه ، أو لمخالفته لحديث آخر، فكم
من حديث قويّ حكموا عليه بالوضع أو الضعف، و کم من حديث
ضعيفٍ بضعف يسير حكموا عليه بقوة الجرح، فالواجب على العالم
أن لا يبادر إلى قبول أقوالهم بدون تنقيح أحكامهم. كذا في ((الرفع
والتكميل »(٢).
قلت: ومن النُّقَّاد من له تعنُّتٌ في جرح أَهل بعضِ البلاد، أَو بعضٍ
المذاهب خاصة دون الكل :
١ - كالجوزجاني(٣)، فإن له تعنتاً في جرح الكوفيين خاصة.
(١) هذا النص عن ( الرضي الصاغاني) لم يكن في الأصل ، وزدته من
((الرفع والتكميل)) المنقول عنه هذا المقطع بكامله .
(٢) ص ١٩٤ - ٢٠٠ .
(٣) استوفيتُ ترجمة (الجوزجاني) وشرح تعصبه على الكوفيين فيما علّقته
على ((الرفع والتكميل)) الكنوي ص ١٨٩ - ١٩٠. فارجع إليه .

١٩٢
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (١): الجوزجاني لا عبرة بحطِّه على
الکوفیین . (٢) اهـ .
٢ - وكالذهبي فإنه لتقشفه وغاية وَرَعِه مُسرِفٌ في جرح الصوفية
والأشاعرة جداً (٣). قال التاج السبكي في ((طبقات الشافعية))(٤): هذا
(١) ١ : ٩٣.
(٢) وقال الحافظ في ديباجة ((اللسان )) ١: ١٦: وممن ينبغي أن يُتوقّف
في قبول قوله في الجرح : من كان بينه وبين من جَرَحه عداوة سببُها
الاختلاف في الاعتقاد ، فإن الحاذق إذا تأمّل ثَلْبَ أبي إسحاق
الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدة انحرافه في
النَّصْب وشُهرةٍ أهلها بالتشيع ، فتراه لا يتوقف في جرح من ذَكَرَ
منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة .
ويلتحقُ بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيراً ما يقع
بين العصريين الاختلاف والتباين لهذا وغيره. فكلُّ هذا ينبغي أن يُتْأنَّ
فيه ويتأمل . اهـ .
قلت : وقد جَرّح أكثرُ المحدثين أصحاب أبي حنيفة لظنهم بأنهم
يُقدّمون الرأي على الحديث ، مع أنه فِرية عليهم بلا مرية ، فلا يُقبل
فيهم الجرح من المحدثين إلا بعد التأني والتأمل فيه. (ش).
(٣) أشرتُ إلى مواطن تعنّتِه على الصوفية والأشاعرة فيما علّقتْه على
((الرفع والتكميل)) ص ١٩٠ - ١٩٤، فانظره .
(٤) ٠١: ١٩٠. وقد تعرّض التاج السبكي لشيخه الإمام الذهبي رحمه الله
تعالى في مواطن كثيرة من ((طبقات الشافعية))، وإليك الإشارة إليها
١ : ١٩٠ - ١٩٢ و١٩٧ - ١٩٩، و٢: ٢٤٨ - ٢٤٩، و ٣ :
٢٥٨ - ٢٥٩ و ٢٦١، و٤: ٢٣٩. و٥ : ٣٦، وفي ترجمة الإمام

١٩٣
شيخنا الذهبي له علم ودِيانة، وعنده على أهل السنة تحمَّلُ مفرط ، فلا
يجوز أَن يُعْتَمَدَ عليه، وهو شيخُنا ومعلِّمُنا، غير أن الحق أحقُّ بالاتباع،
وقد وَصَلَ من التعصب المفرط إلى حد يُستحيى منه. اه .
٣ - وكالدار قطني(١) وأمثاله من متأخري أهل الحديث، فإِن لهم
تعنتاً في أبي حنيفة وأصحابه كما لا يخفى على من طالع كتبهم .
قال العلامة بحر العلوم في ((فواتح الرحموت)) (٢): لا بد للمزكّي
أن يكون عدلاً عارفاً بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفاً
ناصحاً، لا أن يكون متعصباً ومُعجَباً بنفسه، فإنه لا اعتداد بقول
المتعصب، كما قَدَح الدار قطني في الإِمام أبي حنيفة بأَنَّه ضعيفٌ في
الحديث ، وأَيُّ شناعة فوق هذا؟ إِلى أَن قال: والحقُّ أَن الأقوال التي
صَدَرَتْ عنهم في حق هذا الإِمام الهُمام، كلُّها صدرت من التعصب ، لا
تستحقُّ أَن يُلتَفَت إليها، ولا ينطفىءُ نورُ الله بأفواههم، فاحفظه .
٤ - وكالخطيب البغدادي صاحب ((تاريخ بغداد))(٢) قال مؤلف
الذهبي نفسه (محمد بن أحمد) ٥ : ٢١٧ ولكنه وقع منه في كثير مما
قاله مبالغة وشطط في حق الذهبي ، فضلاً عن كونه شيخَه ومعلّمه
ومطوّق عنقه بالفضل، فالاعتدالُ حِليةُ الرجال .
(١) قف على نماذج من تعصّب الدار قطني ، وعلى ذكر من انتقد تعصبه
من العلماء في ((الرفع والتكميل)) وما علّقتُه عليه في ص ٥٤ و٥٥ ٦٣.
(٢) ٢ : ١٥٤ .
(٣) لفظ ( وكالخطيب ... ) إلى هنا زيادة مني على الأصل. وانظر كلام

١٩٤
((تنوير الصحيفة)"(١): لا تغتر بكلام الخطيب ، فإن عنده العصبية
الزائدة على جماعة من العلماء كأبي حنيفة وأحمد وبعضٍ أصحابه،
وتحامَلَ عليهم بكل وجه، وصنَّف فيه بعضُهم ((السهم المصيب في
حَبِد الخطيب » .
٥ - وأما ابن الجوزي فقد تابع الخطيب. اهـ ١١. كذا في ((الرفع
والتكميل)» (٣) .
قلت: واتِّباعُ ابن الجوزي للخطيب عجيب! فقد نقل السَّرُوجي (٤)
العلماء في تعصّب الخطيب على أبي حنيفة وغيره ، وذكرٍ من ألّف في
الردّ عليه في ((الرفع والتكميل)) وما علّقته عليه في ص ٦٢ - ٦٣
و ٢٧٥ .
(١) هو الإمام المتفنِّن المتقن الشيخ يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي
الحنبلي المتوفى سنة ٩٠٩ . وكتابه هذا في مجلّد كبير .
(٢) وقد عجِبَ سبطُ ابن الجوزي من جده إذ تابع الخطيب ، فقال في
((مرآة الزمان)): وليس العَجَبُ من الخطيب، فإنه طعن في جماعة
من العلماء ، وإنما العَجَبُ من الجد كيف سَلَك أسلوبه وجاء بما هو
أعظم! انتهى. من ((الرفع والتكميل)) ص ٦٣ .
(٣) ملخصاً من ص ١٨٩ - ١٩٤ و ٥٤ - ٦٣ .
(٤) هو أبو العباس قاضي القضاة بمصر : أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني
ابن أبي إسحاق السَّرُوجي الحنفي ، ولد سنة ٦٣٩، وتوفي سنة ٧٢٠
بالقاهرة، ونسبتُه (السَّرُوجي) بفتح السين وضم الراء إلى (سَرُوج)
مدينة بنواحي حرّان من بلاد جزيرة ابن عُمَر شماليّ الموصل . كان

١٩٥
عن ابن الجوزي ( أَنه قال ): والخطيبُ لا ينبغي أن يُقبَل جرحُه ولا
تعديلُه، لأَنَّ قولَه ونقْلَه يدل على قلَّةِ دين ، كذا قال العيني في
(١)
((البناية))(١) .
وقال التاج السُّبْكي في ((طبقات الشافعية)) (٢): الحذّرَ الحذّرَ أَن
تفهم أن قاعدتهم ( الجرحُ مقدم على التعديل ) على إطلاقها ، بل الصواب
أَن من ثبتَتْ إِمامتُه وعدالتُه، وكَثُرَ مادحوه وندَرَ جارحوه، وكانت هناك
قرينةٌ دالَّةٌ على سبب جَرْحه من تعصِّبٍ مذهبي أو غيرِه لم يُلتَفَت إلى
جرحه . اهـ .
وفيه أيضاً (٣): قد عرَّفناك أَن الجارح لا يُقبَل منه الجرح وإن فسَّره
في حقٍّ من غلبَتْ طاعاتُه على معاصِيه، ومادحوه على ذامِّيه، ومزُّوه على
جارحيه ، إِذا كانت هناك قرينةٌ يَشهد العقل بأَن مثلها حامل على الوقيعة
في الذي جرحه، مِن تعصبٍ مذهبي أو منافسة دنيوية، كما يكون بين
النظراءِ، أَو غيرٍ ذلك، فلا يُلتفَت لكلام الثوريِّ وغيرِه في ( أبي حنيفة )،
إماماً فاضلاً رأساً في الفقه والأصول ، شيخاً في المعقول والمنقول .
صنّف التصانيف المقبولة ، منها : شرح الهداية سمّاه الغاية ، واشتهر
بغاية السَّرُوجي لم يكمله . والفتاوى السَّرُوجية ، وكتاب أدب القضاء ،
وغيرها. ترجم له القرشي في (الجواهر المضية)) ١ : ٥٢ واللكنوي
في (( الفوائد البهية)) ص ١٣ .
(١) ١ : ٦٢٨ .
(٢) ١ : ١٨٨.
(٣) أي في ((طبقات الشافعية)) ١ : ١٩٠

١٩٦
ءِ
وابنٍ أَبي ذئب وغيرِه في ( مالك ) ، وابنٍ مَعين في ( الشافعي)، والنسائي
في (أحمد بنِ صالح المصري ) ونحوه .
ولو أطلقنا تقديمَ الجرح لما سَلِمَ لنا أَحَدٌ من الأَئمة ، إِذ ما من إِمام
إلا وقد طَعَنَ فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون. اهـ(١).
وقال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢) في ترجمة (الحفظ أبي نُعَيم ):
كلامُ ابن مَندَهْ في أَبي نُعَيم فظيع لا أُحبُّ حكايته، ولا أَقبلُ قولَ كلّ
منهما في الآخَر، بل هما عندي مقبولان . - إِلى أَن قال -: كلامُ
الأقرانِ بعضِهم في بعض لا يُعبأُ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة،
أو المذهب، أَو الحسد . وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمتُ أَن
عصراً من الأعصار سَلِمَ أَهلُه من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو
شئتُ لسردتُ من ذلك كراريس . انتهى(٣
(١) هذه الجملة وسابقتها من كلام التاج السبكي جاءتا في كلمة ضافية له
في ((طبقات الشافعية)) ١ : ١٨٦ - ١٩٩، سمّاها (قاعدة في الجرح
والتعديل ) وأتبعها (قاعدة في المؤرخين)، نشرتُهما في رسالة مستقلة
سنة ١٣٨٩ ، وألحقتهما بآخر ((الرفع والتكميل)) للكنوي من طبعته
الثانية، فانظرهما ففيهما فوائد جمة. وانظر ص ٢٧٠ - ٢٧٣ من
(( الرفع والتكميل)) أيضاً لهذا المعنى أيضاً .
(٢) هذا سهو من شيخنا المؤلّف سلّمه اللّه ، فإن الذهبي قال هذا في
((الميزان)) في ترجمة أبي نعيم ( أحمد بن عبد الله) ١: ١١١. وكذلك
هو سياق اللكنوي في ((الرفع والتكميل)، ص ٢٦٧ الذي نقل عنه
المؤلف .
(٣) من ( الرفع والتکمیل » ص ٢٦٧ - ٢٧٠