النص المفهرس

صفحات 141-160

:
١٣٧
على من طالع ((الآثار)) لمحمد رحمه الله .
وما ذلك إلا لكون أَقواله في الأكثر منسوبةً إِلى أَحد من السلف"
صريحاً أَو إيماءً، بل ربما احتَجَّ أَبو حنيفة بقول إبراهيم مع وجود
قول بعض الصحابة على خلافه، وذلك فيما عَلِمَ الإِمامُ أَن قول إبراهيم
فيه هو قول عبد الله أَو عمر أَو علي رضي الله عنهم ، وليس برأي منه (١) .
وبالجملة فيكون قولُ إبراهيم حجةً وإن لم يصرح به أصحابنا ولكن
صنيعهم يدل عليه .
(١) مع العلم أن لإبراهيم النخعي آراءً تفرّد بها ، اجتهاداً منه، وهو مجتهد
يخطىء ويصيب كما هو الشأن في كل مجتهد . وقد تابعه أبو حنيفة في
بعض المسائل دون تمحيص النظر في أدلتها .
قال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في ((تأنيب الخطيب)) ص ١٣٩
((إنّ المجتهد قد يُخطىء في التفريع، ولأبي حنيفة بعض أبواب في
الفقه من هذا القبيل ، ففي كتاب (المزارعة ) أخذ بقول إبراهيم
النخعي ، وجعَلَه أصلاً ففرّع عليه الفروع ، وفي كتاب (الوقف )
أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلاً ، ففرّع عليه المسائل ،
فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى رَدّها صاحباه )) .
وقال في ((المقالات)) ص ٢٠١ (( والمجتهد كثيراً ما يتابع بعض
من تقدمه من أهل العلم في مسألة ، بدون أن يفحص عن الدليل . ولأني
حنيفة مسائل تابع فيها أمثال شريح والنخعي من غير أن يبذل المجهود
في معرفة دليل قول منها . - كمسألة من أسلم وعنده عشر نسوة .
فقد تابع فيها النخعيَّ كما في ((الموطأ)» للإمام محمد ص ٢٤٠ وخالفه
صاحباه -. وأمثالُ تلك المسائل مغمورة في زاخر استنباطاتهم الدقيقة)).

١٣٨
الفصيل الخامس
في أحكام المرسل من الأحاديث والأخبار ، والمدلَّس منها ، والمعلَّق
والمنقطع والمعضّل .
١ - قال ابن الحنبلي في ((قفو الأَثر)) (١): والمختارُ في التفصيل
قبولُ مرسَلِ الصحابي إجماعاً، ومرسَلِ أَهل القرن الثاني(٢) والثالث
عندنا ( أي الحنفية ) وعند مالك مطلقاً، وعند الشافعي بأحد أُمور
خمسة : أَن يُسنده غيرُه، أَو أَن يرسله آخر وشيوخُهما مختلفة، أَو أَن
يَعضُده قولُ صحابي، أَو أَن يَعضُده قولُ أَكثر العلماء، أَو أَن يُعرَف
أنه لا يُرسِل إلا عن عدل . اهـ .
٢ - وأَمَا مرسَلُ من دون هؤلاء فمقبول عند بعض أصحابنا مردود
عند آخرين، إلا أن يروي الثقاتُ مرسّله كما رووا مُسنَده، ( فيقبل
اتفاقاً ) . فان كان الراوي يرسل عن الثقات وغيرهم : فعن أبي بكر
الرازي من أصحابنا وأبي الوليد الباجي من المالكية عدَمُ قبولِ مرسَله
اتفاقاً. كذا في ((قفو الأثر)) أيضاً (٣).
قلت : وبهذا عُلمِ أَنَّ كونَ الراوي يُرسِلُ عن الثقات وغيرهم جَرْحٌ
(١) ص ١٤ .
(٢) وهم التابعون ، والقرن الثالث هم أتباع التابعين . وتلك هي القرون
الثلاثة المشهود لها بالخيرية، وهي المعنيّة بقوله مَ الِ: ((خيرُ أمّي
قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ... )) رواه البخاري ٧ : ٤ .
(٣) ص ١٥ .

١٣٩
في مرسل من هو دون القرون الثلاثة ، وأَما أَهل القرون الثلاثة فمرسَلُهم
مقبول عندنا مطلقاً كما مر (١).
قال العلامة سيف الدين الآمدي الأصولي الشافعي في كتابه « الإحكام ))(١)
ما نصه: اختلفوا في قبول الخبر المرسل، وصورته ما إذا قال من لم يَلق
النبي ◌َّلْلِ وكان عدلاً: قال رسول الله صَلِّ: كذا - ، فقبِلَه أبو حنيفة
ومالك وأحمد بن حنبل في أشهر الروايتين عنه وجماهيرُ المعتزلة(٣)، وفصَّلَ
عيسى بن أبان - من الحنفية - فقبِلَ مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي
التابعين ومن هو من أئمة النقل مطلقاً دون من عدا هؤلاء .
وأَما الشافعي رضي الله عنه فإنه قال: إِن كان المرسَلُ من مراسيل
الصحابة ، أَو مرسَلًا قد أَسنده غيرُ مرسِله، أَو أرسله راوٍ آخر يروي عن
غير شيوخ الأَول، أَو عَضّده قولُ صحابي أَو قولُ أكثر أهل العلم ،
أَو أَن يكون المرسِلُ قد عُرف من حاله أنه لا يرسل عمن فيه علة من
جهالة أو غيرها كمراسيل ابن المسيَّب فهو مقبول وإلا فلا(٤)، ووافقه
(١) أي آنفاً في ص ١٣٨.
(٢) ٢ : ١٧٧ - ١٨٠ .
(٣) وقال العلامة طاهر الجزائري: ((والعمل بالمرسل هو مذهب أبي حنيفة ،
ومالك ، وأحمد في روايته المشهورة . حكاها النووي وابن القيم وابن
كثير وجماعة من المحدثين، وحكاه النووي في ((شرح المهذب )» عن
كثير من الفقهاء أو أكثرهم، قال: ونقلّه الغزالي في (المستصفى))
١٦٩:١ عن الجماهير)).
(٤) انظر هذه الشروط مفصلة في كتاب ((الرسالة)) للإمام الشافعي رضي
اللّه عنه ص ٤٦١ - ٤٦٤ .

١٤٠
على ذلك أكثرُ أصحابه والقاضي أبو بكر وجماعة من الفقهاء .
والمختارُ قبولُ مراسيل العدل مطلقاً . ودليلُه الإجماع والمعقول:
أما الإجماع فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل
من العدل، أما الصحابة فانهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس مع كثرة
روايته. وقد قيل: إنه لم يسمع من رسول الله مَ لٍ سوى أربعة أحاديث
لصغر سِنَّه(١)، وأيضاً ما رُوي عن البراء بن عازب أنه قال: ما كلُّ ما
(١) قال البخاري في (باب الحشر) ١١: ٣٣٠ (( حدثنا علي ، حدثنا
سفيان ، قال عمرو : سمعت سعيد بن جبير ، سمعت ابن عباس ،
سمعت النبي مَ الِ يقول: ((إنكم ملاقو اللّه حُفَاةً عُراةً مُشاة)).
قال سفيان - ابن عيينة - : هذا مما نَعُدّ أن ابن عباس سمعه من النبي
وعلّق الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ١١: ٣٣٠ على قول
سفيان بقوله : (( يريد أن ابن عباس من صغار الصحابة ، وهو من
المكثرين ، لكنه كان كثيراً ما يرسل ما يسمعه من أكابر الصحابة ،
فأما ما صرّح بسماعه له فقليل ، ولهذا كانوا يعتنون بعدّه . فجاء عن
محمد بن جعفر غُنْدَر أن هذه الأحاديث التي صرّح ابن عباس بسماعها
من النبي ◌ِ رائع : عشرة . وعن يحيى القطان ويحيى بن معين وأبي داود
صاحب ((السنن)): تسعة.
وأغرب الغزالي في ((المستصفى)) ١ : ١٧٠ وقلده جماعة ممن
تأخروا عنه - كالآمدي المنقول كلامُه هنا - فقال: لم يسمع ابن
عباس من النبي ◌ِوالتّ إلا أربعة أحاديث . وقال بعض شيوخ شيوخنا :
سَمِعَ من النبي ◌ِ التِّ دون العشرين من وجوه صحاح. قلتُ: وقد
اعتنيتُ بجمعها فزاد على الأربعين ما بين صحيح وحسن ، خارجاً عن

10
19 -2
١٤١
تحدّثكم به سمعناه من رسول الله عَلِّ، ولكن سمعنا بعضَه وحدَّثَنا
أَصحابُنا ببعضه. وأَما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار،
ويدل على ذلك ما رُوي عن الأعمش أنه قال : قلتُ لإبراهيم النخعي :
إذا حدَّثتني فأَّسنِدْ ، فقال: إذا قلتُ لك: حدثني فلان عن عبد الله ،
فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: حدَّثني عبد الله فقد حدثني جماعة
عنه . ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب والشعبي
وغيرهما . ولم يزل ذلك مشهوراً فيما بين الصحابة والتابعين من غير
نكير فكان إجماعاً .
وأما المعقولُ فهو أَن العدل الثقة إذا قال: ((قال رسول الله عد اله
كذا)) مُظهِرًا للجزم بذلك، فالظاهرُ من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو
عالم أَو ظان أَن النبي ◌َِّ قال ذلك، فإنه لو كان ظاناً أن النبي ◌َّه
لم يقله، أو كان شاكاً فيه لما استجاز في دينه النقلَ الجازم عنه ، لما فيه
من الكذب والتدليس على المستمعين ، وذلك يستلزم تعديل من رَوى عنه ،
وإلا لما كان عالماً أَو ظاناً بصدقه في خبره. اهـ . ثم أَطال الآمدي في
الجواب عما عسى أن يورده الموردون على كلامه فليراجع (١).
الضعيف ، وزائداً أيضاً على ما هو في حكم السماع ، كحكايته
حضور شيء فُعل بحضرة النبي ◌ِ المِ)). انتهى. ونحوه في ((فتح
المغيث )) للسخاوي ص ٦٣ .
(١) قلت: وللشيخ ابن تيمية تفصيل آخر في مسألة (المرسَل)، قال رحمه
(اللّه تعالى في كتابه ((منهاج السنة النبوية)) ٤: ١١٧ ((أحاديثُ سبب
النزول غالبها مرسل ليس بمسند ، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل :

١٤٢
ثلاث علوم لا إسناد لها ، وفي لفظ : ليس لها أصل: التفسير، والمغازي.
والملاحم . يعني أن أحاديثها مرسلّة .
والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردّها، وأصحُّ الأقوال :
أنّ منها المقبول ، ومنها المردود ، ومنها الموقوف . فمن عُلم من
حاله أنه لا يُرسِلُ إلا عن ثقة : قُبِلَ مرسَلُه . ومن عرف أنه
يرسل عن الثقة وغير الثقة - إن - كان إرسالُه روايةٌ عمن لا يُعرّف
حاله فهذا موقوف ، وما كان من المراسيل مخالفاً لما رواه الثقات :
كان مردوداً .
وإذا جاء المرسل من وجهين ، وكلّ من الراويين أخذ العلم عن
شيوخ الآخر ، فهذا يدل على صدقه ، فإن مثل ذلك لا يتصور في
العادة تماثل الخطأ فيه وتعمّدُ الكذب. فإنّ هذا ممّا يُعلّم أنه صدق .
فإنّ المخبرَ إنما يؤتى من جهة تعمّد الكذب ومن جهة الخطأ . فإذا
كانت القصة مما يعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبران ، فالعادة تمنع تماثلهما
في الكذب عمداً وخطأ ، ومثلُ أن تكون قصة طويلة فيها أقوال كثيرة .
رواها هذا مثلَ ما رواها هذا . فهذا يُعلم أنه صدق .
وهذا مما يُعلَم به صدق محمد وموسى عليهما السلام ، فإن كلاً
منهما أخبرَ عن الله وملائكته وخَلْقِه للعالم وقصة آدم ويوسف وغير هما
من قِصَص الأنبياء عليهم السلام بمثل ما أخبر به الآخر ، مع العلم
بأن واحداً منهما لم يستفد من الآخر، وأنه يمتنع في العادة تماثل الخبرين
الباطلين في مثل ذلك ، فإن من أخبرَ بأخبار كثيرة مفصلة دقيقة عن
مخبرّ معين، لو كان مبطلاً في خبره لاختَلَف خبره . لامتناع أنّ
مبطلاً يختلق ذلك من غير تفاوت ، لا سيما في أمور لا تهتدي العقول
إليها . بل ذلك یبین أن كلاً منهما أخبر بعلم وصدق .
=

١٤٣
وهذا مما يعلمه الناس من أحوالهم ، فلو جاء رجل من بلد ، وأخبر
عن حوادث مفصلة حدثت فيه . تنتظم أقوالاً وأفعالاً مختلفة . وجاء
من عَلِمنا أنه لم يواطئه على الكذب فحكى مثلَ ذلك ، عُلم قطعاً أن
الأمر كان كذلك ، فإن الكذب قد يقع في مثل ذلك ، لكن على سبيل
المواطأة وتلقي بعضهم عن بعض ، كما يتوارث أهل الباطل المقالات
الباطلة ، مثل مقالة النصارى والرافضة ، فإنها وإن كان يُعلم بضرورة
العقل أنها باطلة ، لكنها تلقاها بعضهم عن بعض ، فلما تواطؤًا عليها
جاز اتفاقهم فيها على الباطل .
والجماعة الكثيرون يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات ، على سبيل
التواطؤْ إما عمداً للكذب ، وإما خطأ في الاعتقاد . وأمّا اتفاقهم على
جحد الضروريات من دون هذا وهذا فممتنع )) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: (( واحتج بالمرسل
أبو حنيفة وأصحابُه ، ومالك وأصحابه ، وكذا الشافعي وأحمد
وأصحابهما: ١ - إذا اعتّضد بمسند آخر، ٢ - أو مرسَل آخر
بمعناه عن آخر ، فيدل على تعدد المخرج ، ٣ - أو وافقه قول بعض
الصحابة ، ٤ - أو إذا قال به أكثر أهل العلم . فإذا وُجد أحد
هذه الأربعة دلّ على حجة صحة المرسل)).
ثم قال رحمه الله تعالى: ((واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ
وكلام الفقهاء في هذا الباب ، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث
المعيّن إذا كان مرسلاً ، وهو ليس بصحيح على طريقهم - ومصطلحهم -
لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي ◌َ المِ. وأما الفقهاء فمرادُهم
صحةُ ذلك المعنى الذي دلّ عليه الحديث، فإذا عضّدَ ذلك المرسَل
قرائنُ تدلّ على أن له أصلاً قوِيَ الظنّ بصحة ما دَلّ عليه، فاحتُجْ

١٤٤
.
به مع ما احتف من القرائن .
وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة . كالشافعي
وأحمد وغيرهما ، مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل
حينئذ . وقد سبق قول أحمد في مرسلات ابن المسيّب : إنها صحاح .
ومثلُه في كلام ابن المديني)). انتهى . نقله شيخنا المحقق الكوثري
رحمه الله تعالى في تعليقه على ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي ص ٥٢.
ثم أعقبه بقوله: ((ومن رَدَّ المرسل فقد رَدْ شطر السنة . ولا يضر
الانقطاع في المرسل المقبول . وتفضيلُ المذاهب وأدلتها في (المرسل )
في ((جامع أحكام المراسيل)) للحافظ العلائي وغيره )).
ومن لطيف ما استدلّ به شيخنا المحقق الإمام الكوثري رحمه الله
تعالى لقبول (المرسل) ما علقه على ((شروط الأئمة الخمسة)) الحازمي
ص ٤١، فقال رحمة الله تعالى عليه :
((قال الحافظ أبو سعيد صلاح الدين العلائي في ((جامع التحصيل
لأحكام المراسيل )) بعد أن سرد أسماء من ذُكِرَ بالتدليس من الرواة :
هؤلاء كلّهم ليسوا على حد واحد ، بحيث إنه يُتوقّفُ في كل ما
قال فيه واحد منهم : (عن) ولم يصرح بالسماع . بل هم على
طبقات :
أولها من لم يوصف بذلك إلا نادراً جداً . بحيث إنه لا ينبغي أن يعد
فيهم . كيحيى بن سعيد ، وهشام بن عروة ، وموسى بن عقبة .
وثانيها من احتمل الأئمة تدليسَه وخرّجوا له في الصحيح وإن لم
يُصرِّح بالسماع، وذلك إما لإمامته ، أو لقلة تدليسه . في جنب ما
رَوَى ، أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة ، وذلك كالزهري . وسليمان
الأعمش ، وإبراهيم النخعي ، وإسماعيل بن أبي خالد . وسليمان

١٤٥٠
التيمي، وحُمَيَد الطويل ، والحكم بن عتبة ، ويحيى بن أبي كثير .
وابن جُرَيَج، والثوري، وابن عيينة، وشَريك، وهُشَيم ، ففي
((الصحيحين)) وغيرهما لهؤلاء الحديثُ الكثير مماليس فيه التصريح بالسماع.
وبعضُ الأئمة حمَلَ ذلك على أن الشيخين اطلعا على سَمَاعِ الواحد
لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ ( عن ) ونحوها من شيخه، وفيه تطويل.
والظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم آنفاً من الأسباب . انتهى كلام العلائي .
موسى بن عقبة ، ذكره ابن حبان والإسماعيلي بالتدليس ، قال
الإسماعيلي : يقال : إنه لم يسمع من الزهري شيئاً، وروايته عن الزهري
في ((صحيح البخاري)).
وأبان بن عثمان ، له عن أبيه في ((صحيح مسلم)). قال أحمد :
ما سمع من أبيه .
وأبو إسحاق له عن أبي طُوالة في ((البخاري)) ولم يسمع منه .
ذكره ابن مردويه .
وزهرة بن معبد ، توقف ابن أبي حاتم في روايته عن ابن عمر ،
وهي في ((البخاري)).
وسليم بن عامر ، قال أبو حاتم : لم يدرك المقداد بن الأسود .
وحديثه عنه في (( صحيح مسلم )) .
وعامر الشعبي . أنكر أحمد سماعه من أبي هريرة ، وخرّجا في
(( الصحیحین )) حديثه عنه .
وأبو عبيدة . ما سمع أباه ابن مسعود . وقد أدخلوا حديثه في
((الصحيح)). إلى غير ذلك مما تجده وأمثاله في الكتاب المذكور
وغيره ، وهو كتاب جليل جمّ الفوائد في بابه .
- فقبولُ تلك الأحاديث على فرض انقطاعها لأحد الأسباب المتقدمة : .

١٤٦
وفي ((تدريب الراوي))(١): وقال غيرُهُ ( أَي المصنف): محلُّ قبوله
عند الحنفية ما إذا كان مُرسِلُه من أَهل القرون الثلاثة الفاضلة(٢) . فان
كان من غيرها فلا، لحديث: ((ثم يفشو الكذب)) صحَّحه النسائي.
وقال ابن جرير: وأجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل (٣)، ولم يأت
قبولٌ للمرسل وتصحيحٌ له. كما هو مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم .
على اختلاف بينهم في شرط الأخذ بالمرسل ، وإن خالف ذلك مصطلحُ
المحدّثين بعدهم .
وأما عَدُّ تلك الأحاديث - في غير ما ورد فيه صريحُ السماع
بطريق صحيح - مسموعة" خاصة فتجوُّهُ دون إثباته خَرَطُ القَتّاد .
ومعرفةُ أمثال تلك المواضع من الصحاح تُجدي عند التعارض والترجيح )).
(١) ص ١٢٠ .
(٢) وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين. كما تقدم بيانه تعليقاً في ص ١٣٨.
(٣) رَدَّ دعوى الإجماع الحافظ ابن حجر في ((نكته على مقدمة ابن
الصلاح))، وتبعه تلميذه السخاوي في ((فتح المغيث)) ص ٥٧ بأنّ
ابن المسيب وابن سيرين والزهري لا يقبلون المرسل ، وهؤلاء من
التابعين . وتبعهم شعبة وابن مهدي ويحيى القطان ممن قَبْلَ الشافعي .
انتهى .
وقال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)» ص ٦٢ (( ويجاب عن قول
الطبري: إنه لم ينكره أحد إلى رأس المئتين ، بما رواه مسلم في ((مقدمة
صحيحه)) ١ : ٨١ عن ابن عباس أنه لم يقبل مرسل بعض التابعين
( بُشير بن كعب العَدَوي) مع كون ذلك التابعي ثقةً محتجاً به
في الصحيحين)». انتهى .
وأشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)» في ترجمته

١٤٧
عنهم إِنكارُه ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأسٍ المائتين . قال ابن
عبد البر: كأَنّه يعني أن الشافعي أول من رَدَّه (١). اه.
٣ - المرسلُ دون المسند المتصل عندنا، خلاف ما قاله بعضهم: من
أَسنَدَ فقد أَحالك، ومن أرسل فقد تكفَّل لك.
قال ابن الحنبلي في ((قفو الأثر)) (٢) في بيان مراتب الصحيح والحسن
ما نصه : إن كانت فيه صفاتُ الصحيح كلُّها بلا خلاف، فهو مقدم
على ما هي فيه مع الخلاف في وجود بعضها، أَو مع الخلاف في كونه
شرطاً للصحة بعد الاتفاق على عدَمِه، نحو الاتصال بالنسبة إلى من
يصحح مرسل أهل القرون الثلاثة - وهم أصحابنا الحنفية -، ونحو
الضبط بالنسبة إلى من يصحح ما نَقَّلَه عدل وإِن لم يكن ضابطاً . اد .
فاذا تعارض المرسَلُ والمسنَدُ يقدم المسنَدُ إِلا إِذا اعتَضَدَ المرسَلُ بأحد
الوجوه الخمسة التي ذكرها الشافعي رحمه الله(٣). وزاد الأصوليون في
وجوه الاعتضاد أن يوافقه قياس كما في ((تدريب الراوي )) (٤) . فيكون
٤٧١:١ فقال: ((وهو الذي أنكر عليه ابنُ عباس الإرسال، وقصته في
مقدمة صحيح مسلم )) انتهى .
وأما ما نسبه الحاكم إلى مالك من ردّه المراسيل، كما في «فتح
المغيث)) للسخاوي ، فإن صح فهو شاذ ومخالف لما حكاه عنه أئمة مذهبه
وحفَظَتُه كالحافظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١: ٢ . وهو بمذهب
إمامه أعرف .
(١) على أن ابن عبد البر ألمع إلى ضعف دعوى الإجماع في كلام ابن جرير ،
فقال في ((التمهيد)) ٤:١ ((وزعم الطبري أن التابعين بأسرهم ... )).
(٢) ص ٨. (٣) وتقدمت ملخصة" في ص ١٣٨. (٤) ص ١٢٢ .

١٤٨
كالمسنَد بل فوقه في بعض الصور. قال في «تدريب الراوي»(١): فان
صِحَّ مَخرجُ المرسَل بمجيئه من وجه آخر مسنداً أَو مرسلًا، أَرسله من
أَخَذَ عن غَير رجال المرسَل الأول كان صحيحاً، ويَتَبَيَّنُ بذلك صحةُ
المرسَل، وأَنهما أَي المرسَلَ وما عضَدَه صحيحان، لو عارضهما صحيح
من طريقٍ واحدة رجَّحناهما عليه بتعدد الطرق إذا تعذَّر الجمع بينهما .
اج ملخصاً .
وقال العيني في ((عمدة القاري))(٢): إنَّ مرسلَينِ صحيحين إذا
عارضا حديثاً مسنداً كان العملُ بالمرسلَينِ أَولى . اهـ .
٤ - ما ذكره الشافعي من اعتضاد المرسَل بالمسند، فالمراد بالمسند
في كلامه ما لا يكون منتهض الإسناد. قال في ((تدريب الراوي))(٣).
صَوَّرَ الرازيّ وغيرُه من أَهل الأُصول المسنَدَ العاضد بأَنْ لا يكون منتهض
الإِسناد، ليكون الاحتجاج بالمجموع، وإلا فالاحتجاج حينئذ بالمسند
فقط . اهـ .
: ٥ - صحَّح المحدِّثون مرسَلَ بعض الأئمة من التابعين فلنذكر ذلك:
١ - مراسيل الشَّعْبي:
قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))(٤): قال أحمد العِجْلي: مرسَل
(١) ص ١٢٠
(٢) في (باب ترك النبي ◌َّ الِ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد)
٣٠ : ١١٦ .
(٣) ص ١٢٢ .
(٤) ١ : ٧٩

١٤٩
الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً. اهـ. وكذا في ((تهذيب
التهذيب)) (١). وفيه أيضاً (٢): قال الآجُرِّي عن أبي داود: مرسَلُ
الشعبي أحب إليَّ من مرسل النخعي . اهـ .
٢ - مراسيل النّخَعي :
وفي ((نصب الراية)) (٣): وأَسند ابنُ عدي عن ابن معين أنه قال:
مراسيلُ إِبراهيم صحيحة إلا حديث ((تاجر البحرين)) و((حديث
القهقهة )). اهـ (٤)
(١) ٥ : ٢٦٧ .
(٢) ٥ : ٦٨ .
(٣) ١ : ٥٢ . .
(٤) وكذا أسند البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١ : ١٤٨ عن ابن معين. قال
الزيلعي في ((نصب الراية)) ١: ٥١ - ٥٢ (( أما حديث تاجر البحرين ،
فرواه ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) ٢: ٤٤٨: وكيع، ثنا الأعمش ،
عن إبراهيم قال: جاء رجل إلى النبي ◌َ الله فقال: يا رسول الله إني
رجل تاجر ، أختلِفُ إلى البحرين ، فأمره أن يصلي ركعتين. يعني
القصر . وأما حديث القهقهة فأخرجه الدار قطني في « سننه ٥ ١ : ١٧١
عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : جاء رجل ضرير
البصر، والنبي عَ له في الصلاة ، فعَثّرٍ فتردّى في بئر فضحكوا .
فأمر النبي نزلتلم من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة)).
وكذا قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١: ٣٠ (( مراسيل إبراهيم
النخعي عندهم صحاح)). كما سينقله المؤلف بعد قليل ص ١٥٤ عن
((الجوهر النقي)) وفي الفصل السادس بعد المقطع - ١١ - تحت عنوان

١٥٠
وفي ((تدريب الراوي))(١): وأما مراسيل النخعي فقال ابن معين :
مراسيل إبراهيم أحبّ إليَّ من مراسيل الشعبي . وعنه أيضاً: أُعجَبُ
إليَّ من مرسلات سالم بن عبد الله والقاسم وسعيد بن المسيّب. وقال أحمد:
لا بأس بها . اهـ .
٣ - مراسيل ابن المسيّب :
وفيه أيضاً(٢) عن الحاكم في ((علوم الحديث)) قال: وأُصحُّها - كما
( فائدة). وقال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في (( فقه أهل
العراق وحديثهم)) ص١٤٧ وأهل النقد يعدون مراسيل النخعي صحاحاً .
بل يفضلون مراسيله على مسانيد نفسه ، كما نص على ذلك ابن عبد البر
في «التمهيد)، ١ : ٣٨ . انتهى.
وكذلك نصَّ على صحة مراسيل النخعي الطحاويُّ في ((شرح معاني
الآثار المختلفة المأثورة)) ١: ١٣٣، ثم الدار قطني في ((السنن))
٣ : ١٧٣ - ١٧٤، وتقدم نقلُ كلامه في ص ١٣٥. ونقل كلامه
الزيلعي في ((نصب الراية )) ٤: ٣٥٨. وأطال ابن القيم في ((زاد المعاد))
في بيان صحة مراسيل النخعي في بحث ( عدَّة الأمة) ٤: ٣٩٦ - ٣٩٧.
وجاء في كلامهم أعني الطحاوي والدار قطني وابن القيم: ((مراسيل
النخعي عن ابن مسعود ... )). ولم يقصدوا بهذا أن مراسيله عن غيره
ليستِ بصحاح ، بل هذا إنما وقع في كلامهم اتفاقاً، وحسبك دليلاً
عليه إطلاقُ كلام العجلي وابن معين ، وخاصة ما ورد في كلامه من
استثناء ، فإنه دليل العموم ، وكذلك يدل عليه تعميم كلام ابن عبد البر
وما نقله شيخنا الكوثري عنه .
(١) ص ١٢٤ .
(٢) ص ١٢٣
٧

١٥١
قال ابن معين - مراسيلُ ابن المسيَّب لأنه من أولاد الصحابة، وأَدرك
العشرة، وفقيهُ أَهل الحجاز ومفتيهم(١)، وأَولُ الفقهاءِ السبعة الذين
يَعتدُّ مالِكٌ بإجماعهم كإجماع كافة الناس. اهـ (٢).
(١) ومع هذا قد رَدّ الإمامُ الشافعي رضي الله عنه مراسيلَ سعيد بن المسيب
في زكاة الفطر بمُدّين من حنطة ، وفي التّوليّة في الطعام قبل استيفائه ،
وفي دية المعاهد ، وفي قتل من ضرّب أباه . ذكره شيخنا المحقق
الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على((ذیول تذكرة الحفاظ )) ص ٣٢٩،
وانظره أيضاً ففيه كلمات أخرى تتعلق بالمرسل ، وفيها فوائد حسنة .
(٢) ولهذا قال الحافظ ابن عبد الهادي في ((التنقيح)): مراسيل سعيد بن
المسيب حجة. كما نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢: ٤٢٣.
وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)) من بحث فسخ النكاح بالعيب ٤ : ٥٩
((روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال: قال عمر :
أيما امرأة تزوّجت وبها جنون أو جُذامٍ أو بَرَص، فدَخَل بها
- الزوج - ، ثم اطَّع على ذلك: فلها مهرُها بمسيسه إياها ، وعلى الولي
الصداقُ بما دلّس ، كما غرّه .
ورَدُّ هذا بأنَ ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد ،
المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة . قال الإمام أحمد : إذا لم يُقبَل
سعيد بن المسيب عن عمر فمن يُقْبَل ؟ ! .
وأئمةُ الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب : قال
رسول اللّه عَ الترٍ، فكيف بروايته عن عمر؟ وكان عبد الله بن عمر
يُرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر فيفتي بها . ولم يطعن أحد قط من
أهل عصره ولا من بعدهم ، ممن له في الإسلام قول معتبر في روايةٍ
سعيد بن المسيب عن عمر ، ولا عبرة بغيرهم)).

١٥٢
قلت : وقد تقدم(١) عن ابن معين أنه قال في مراسيل النخعي : إِنها
أَعجبُ إِلَّ من مرسلات سالم بن عبد الله والقاسِمِ وسعيد بن المسيَّب . اه .
فتعارضت أقوالُه في ترجيح مراسيل النخعي وابن المسيب بعضها على
بعض ، والله أعلم .
٤ - مراسيل شريح القاضي :
قلتُ : وينبغي أن يكون مرسَلُ شُرَيح القاضي أيضاً صحيحاً
كمراسيل ابن المسيب والنخعي ، فإِنه مخضرم ثقة من أجلة التابعين
الكبار ،استقضاه عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، رَوی عن النبي ◌َّائِّ
مرسَلا، وجُلُّ روايته عن الصحابة . وذكر أبو نُعيم في ((الصحابة)) بسنده ما
يدل على لُقيِّه رسول الله عَّهِ، ورواه ابن السكن من هذا الوجه في كتاب
((الصحابة)) له، وقال: لم أجد له ما يدل على لقيه رسول الله عز لته إلا
هذا. ولأجله ذكره الحافظ في ((الإصابة )) في القسم الأول من الصحابة(٢).
فتابعيُّ محتمَلُ الصحبة أولى بصحة الإرسال من التابعين ، فإِن إرساله
قريب من إرسال الصحابي فافهم. وسيأتي عن ابنِ حِبَّان(٣) مَا يدل على
قبول مراسيل كبار التابعين مطلقاً ، لكونهم لا يرسلون إلا عن الصحابة .
(١) قريباً في ص ١٥٠ .
(٢) ٣ : ٣٠٢ .
(٣) قريباً في ص ١٥٩ .

١٥٣
٥ - مراسيل الحسن :
وأَما مرسلات الحسن فقال ابن المديني : مرسَلاتُ الحسن التي رواها
عنه الثقات صحاح، ما أَقلَّ ما يَسقُطُ منها. وقال أبو زُرعة: كل شيءٍ
قال الحسن: قال رسول الله مع ظمه، وجدتُ له أصلاً ثابتاً ما خلا أربعة
أحاديث (١). وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قال الحسن في حديثه :
قال رسول الله عز لته، إلا وجدنا له أصلاً إلا حديثاً أَو حديثين. اهـ (٢).
٦ - مراسيل ابن سيرين :
قلتُ: وكذا مراسيلُ محمد بن سيرين صِحاح أيضاً، ففي ((الجوهر
(١) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص ١٨٣ ((وليته ذكرها؟)).
وروى أبو داود في ((سننه)) في آخر ( باب لزوم السنة ) ٤ : ٢٠٦
((عن عثمان البَنّ قال: ما فسَّر الحسَنُ آيةً قطُّ إلا عن الأثبات)).
(٢) من ((تدريب الراوي)) ص١٢٤. وقال السيوطي بعده: (( قال الحافظ ابن
حجر: ولعله أراد ما جزَمّ به الحسن )). قال عبد الفتاح : وهذا
التقييد ضروري، ولعله يكون توفيقاً بين ما ذُكِرّ أعلاه في (مراسيل
الحسن ) من أنها صحاح، وبين قول الإمام أحمد - كما في ((التدريب))
و ((تهذيب التهذيب)))) ٧: ٢٠٢ ((وليس في المرسلات أضعف من
مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح ، فإنهما كانا يأخذان عن كل
أحد )). وقول الدار قطني كما في ((تهذيب التهذيب)) ٢: ٢٧٠
((مراسيله فيها ضعف)). وقول ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١: ٣٠
(( وقالوا : مراسيل عطاء والحسن لا يُحتج بها ، لأنهما كانا يأخذان
عن كل أحد . وكذلك مراسيلُ أبي قلابة وأبي العالية )) . وقولِ
الحافظ العراقي في ((شرح ألفيته)) في بحث (الموضوع) ١ : ٢٧٦
(( ومراسيلُ الحسن عندهم شبهُ الريح)). والله أعلم.
=

١٥٤
النقي)) (١) قال أبو عمر في أوائل ((التمهيد))(٢): وكلُّ منَ عُرِفَ أَنه لا
يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه وترسيلُه مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب
ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح . اهـ .
٧ - مراسيل محمد بن المنكدر :
وكذا مراسيل محمد بن المنكدر صحاح أيضاً . قال ابن عيينة :
ما رأيت أَحدأ أَجدرَ أَن يقولَ: قال رسول الله عَ لٍ، ولا يُسأَلَ عمن هو
من ابن المنكدر ، يعني لتحرِّيه . اهـ. كذا في ((التهذيب)) (١).
٨ - ١٤ مراسيل طائفة من ثقات التابعين وتابعيهم :
وفي ((تدريب الراوي))(٤): وقال يحيى بن سعيد (٥) : مرسلاتُ سعيد
وقد استوفى البزَّار رحمه اللّه تعالى بيان الصحابة الذين سمع منهم
الحسن، أو أرسل عنهم ، ونقله عنه الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية))
١ : ٩٠ - ٩١، فانظره فإنه مما يستفاد. كما تعرّض لذلك أيضاً ابنُ
أبي حاتم في كتابه ((المراسيل)) ص ٢٦ - ٣٥، والظاهر أنه لم يقف على
كلام البزّار ، فانظره أيضاً . وسرأتي في آخر الكتاب في ( تتمة في مسائل
شتى ) في المقطع - ١٣ - الكلامُ على سماع الحسن من أبي هريرة
وسَمُرة ، وأنه قد سمع منهما .
(١) في كتاب الحج في ( باب المفرد والقارن يكفيهما طواف واحد وسعي
واحد ) ٥ : ١٠٩ .
(٢) ١ : ٣٠.
(٣) ٩ : ٤٧٥
(٤) ص : ١٢٥
(٥) هو يحيى بن سعيد القطان .

١٥٥
ابن جُبير أحبُّ إليَّ من مرسلات عطاء(١) ، قيل: فمرسلاتُ مجاهد أُحب
إليك أَو مرسلاتُ طاوس ؟ قال : ما أَقْرَبَهما ، ومرسلاتُ عمرو بن دينار
أَحبّ إِلَيَّ، ومرسلات معاوية بن قُرَّة أحب إليَّ من مرسلات زيد بن
أَسلم، ومرسلاتُ مالك بن أنس أحبُّ إِلَّ، وليس في القوم أُصحَّ
حديثاً منه. اهـ (٢).
(١) قال أبو داود في ((السنن)) في (باب ركعتي المغرب أين تصليان)
٢: ٣١ وقد ساق فيه حديثاً ((عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس.
قال : كان رسول اللّه ◌َ اتلل يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى
يتفرق أهل المسجد)). ثم ساقه من طريق أخرى: ((عن يعقوب بن
عبد الله، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن النبي مَ اقل بمعناه)).
ثم قال أبو داود: ((مِرسَل. سمعتُ محمد بن حُميد يقول: سمعت
يعقوب" يقول : كلُّ شيء حدثتكم عن جعفر ، عن سعيد بن جبير
عن النبي معَ اللهِ، فهو مسنّدٌ عن ابن عباس، عن النبي ◌ِلَّهِ)).
(٢) قال الحافظ السخاوي في ((فتح المغيث)) ص ٦٣: ((المرسل مراتب:
١ - أعلاها ما أرسله صحاني ثبت سماعه . ٢ - ثم صحاني له
رؤية فقط ولم يثبت سماعه. ٣ - ثم المخضرم. ٤ - ثم المتقين
كسعيد بن المسيب. ٥ - ويليها من كان يتحرّى في شيوخه كالشعبي
ومجاهد. ٦ - ودُونتها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن.
وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة ، والزهري ، وحُميد الطويل .
فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين .
وهل يجوز تعمّده - أي تعمّد إرسال الحديث - ؟ قال شيخنا
- الحافظ ابن حجر - : إن کان شیخه الذيحد ثه به عدلاً عنده وعند
غيره فهو جائز بلا خلاف . أو لا : فمنوع بلا خلاف . أو عدلاً عنده
فقط أو عند غيره فقط: فالجوازُ فيهما محتمل بحسب الأسباب الحاملة عليه)).

١٥٦
٦ - قد نص المحدثون على مراسيل بعض التابعين وأتباعهم
بالضعف .
١ - مراسيل عطاء :
قال ابن المديني : كان عطاءً (١) يأخذ عن كل ضرب . مرسلاتُ مجاهد (٢)
أَحبُّ إِلَّ من مرسلاته بكثير .
٢ - مراسيل الزهري :
ومراسيلُ الزهري(٣) - قال ابن معين ويحيى بن سعيد القطان -:
ليس بشيء، وكذا قال الشافعي(٤)، قال: لأَنَّا نجده يروي عن سليمان
ابن أَرقم(٥) . وروى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسَلُ الزهري
شرٌّ من مرسل غيره، لأَّنه حافظ، وكلّما قدَرَ أَن يُسمِّي سمَّى، وإنما
يَترك من لا يَستحب أن يسميه .
(١) هو عطاء بن أبي رباح المكي .
(٢) هو مجاهد بن جَبْر المكي .
(٣) هو محمد بن شهاب الزهري .
(٤) كما في ((الرسالة)) ص ٤٦٩ وفي ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص٣٨٦،
وأسنده إليه ابنُ أبي حاتم في ((آداب الشافعي)» ص ٨٢ فقال: ((أخبرني
أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُرّيج قال: سمعت الشافعي يقول : يقولون:
يحاني! فلو حابينا لحابينا الزهري ، وإرسالُ الزهري ليس بشيء .
وذلك أنا نجده روى عن سليمان بن أرقم » .
(٥) وهو ضعيف متروك عند المحدثين باتفاق . فقد تكون الرواية التي يُرسلها
الزهري من طريقه .