النص المفهرس
صفحات 121-140
١١٧ ١١ - ربما أَذكر في متن ((الإعلاء))(١) أو في الحاشية أحاديث ضعافاً - لم أقف على تقوية أَحد لها - بقصد الاعتضاد دون الاحتجاج . وقد أُذكر في الحاشية أيضاً أحاديث من ((كنز العمال)) وغيرها من كتب الفن، لم أَقف على حالها من الصحة والحُسْنِ والضعف ، والمقصودُ بذكرها تأييدُ ما في المتن بكثرة الطرق، أَو التنبيهُ على أن للمسألة أصلاً في الحديث وإن لم نقف على تفصيل سنده . فانًّا إذا وجدنا في كتب الفقه قولاً يوافقه حديثٌ أَخرجه أَحدٌ من أئمة الفن غلَبَ على الظن أنه قد بلغ أَثمتنا، ولعلهم اطّلعوا له على سند يصلُح للاحتجاج به ؟ وعَدَمُ اطلاعنا عليه لا يستلزم ضعفه ولا رَدَّهُ، لقصور نظرنا وقِلَّةِ عُدَّتنا، فكثيرٌ من كتب الأحاديث وأسماءِ الرجالَ لم يبقَ لها في هذا الزمان غيرُ الاسم، ولم نقف لها على رسم، ولو سُلِّم ضعفُهُ فموافقَةُ قياسِ الفقهاءِ إياه قرينة ترجح جانب القبول كما تقدمت الإِشارة إليه(٢)، ونذكُرُ دليلَه فيما يأتي من الفصول. وجزى الله خيراً من يعيننا في هذا الخطب الجليل ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . (١) أي ((إعلاء السنن))، وهذا الكتابُ الذي بين يديك: مُقَدّمَةٌ له . وهي تدلُّ على عِظَم وفخامة ذلك الكتاب . (٢) في ص ٥٧ و ٥٨ . ١١٨ الفصيل الرابع في حكم الرفع والوقف والوصل والقطع ، وفي حُجيّة أقوال الصحابة وأجلّة التابعين ، وفي حكم الزيادة من الثقة . ١ - قال في ((تدريب الراوي))(١): إِذا روى بعضُ الثقات الضابطين الحديثَ مرَسَّلاً وبعضُهم متصلاً، أَو بعضُهم موقوفاً وبعضُهم مرفوعاً ، أو وصله هو ، أَو رفعه في وقت أَو أَرسله ووقفه في وقت آخر: فالصحيح عند أهل الحديث والفقه والأصول أن الحكم لمن وصله أَو رفعه، سواءٌ كان المخالفُ له مثلَه في الحفظ والإتقان أو أكثرَ منه، لأَن ذلك أَي الرفع والوصل زيادةُ ثقة وهي مقبولة . اه . وقال النووي في مقدمة ((شرح مسلم)) له (٢) إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلًا وبعضُهم مرسلاً، أَو بعضُهم موقوفاً وبعضُهم مرفوعاً، أَو وصله هو، أَو رفعه في وقت وأرسله، أَو وقفه في وقت: فالصحيحُ الذي قاله المحققون من المحدثين وقاله الفقهاءُ وأَصحاب الأُصول وصححه الخطيب البغدادي: أَنَّ الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ، لأَنه زيادةُ ثقة وهي مقبولة. اهـ . وقال أيضاً في ( باب صلاة الليل) (٣): الصحيحُ بل الصوابُ الذي (١) ص ١٣٨ . (٢) ١ : ٣٢ . (٣) ٦ : ٢٩ . عليه الفقهاءُ والأُصوليون ومحققو المحدِّثين أنه إذا رُوِي الحديث مرفوعاً وموقوفاً، أَو موصولًا ومرسلًا: حُكِمَ بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة . وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد . انتهى . وبهذا ظهر لك أن الرفع والوصل زيادة لا تنافي الإرسال والوقف. وإلا لم تكن مقبولة ولو كان الرافع ثقة. لأن زيادة الثقة إنما تقبل إِذا لم تكن منافية لرواية الجماعة كما سيأتي (١) . قال السيوطي في ((التدريب))(٣): وقال الماوردي: لا تعارض بين ما ورد مرفوعاً مرةً وموقوفاً على الصحابي أخرى، لأنه يكون قد رواه وأفتى به . اهـ . وقال الدار قطني في حديث ابن عباس مرفوعاً ((الأذنان من الرأس)): إِنَّ إِسناده وَهَمّ، وإِنما هو مرسَل. وتبعه عبد الحق في ذلك . وقال: إنَّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروي عن سليمان بن موسى عن النبي ◌َُّ مِرسَلاً. وتعقَّبه ابنُ القطان بأَن هذا ليس بقدح فيه، وما يَمنع أَن يكون فيه حديثانِ مسنَدٌ ومرسَل. قال ابن القطان: إِسنادُه صحيح لاتصاله وثقةٍ رواته (٣). اهـ (٤). (١) في المقطع - ٣ - من هذا الفصل ص ١٢٢-١٢٤. (٢) ص ١٣٩ . (٣) وقد أطال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((النكت على مقدمة ابن الصلاح ، في تخريج هذا الحديث . بحيث استوعب ثلاث صفحات . ثم ختمها بقوله : ((إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلاً. وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه » . (٤) من ((نصب الراية)) للزيلعي ١ : ١٩ . ١٢٠ وفيه دليل على عدم المنافاة بين الإِرسال والرفع . وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (١): فالتعليلُ المذكور بهما غيرُ قادح، لأَن رواية حُسَين مشتملة على الرفعِ والوقفِ معاً، فإذا اشتمل غيرُها على الموقوف فقط، كانت هي مشتملة على زيادة لا تنافي الرواية الأُخرى فتقبل من الحفاظ . اهـ . ٢ - قال الحافظ في ((شرح النخبة))(٢): وزيادةُ راويهما - أَي الصحيح والحسن - مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أَوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأَن الزيادة إما أن تكون لا تَنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها (٣)، فهذه تقبل مطلقاً، لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيرُه، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رَدُّ الرواية الأُخرى، فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين مُعارِضها، فيُقبَل الراجح ويرد المرجوح . واشتهر عن جمع من العلماءِ القولُ بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل . اهـ (٤). (١) ص ٣٤٩ و ٢ : ٨٥ . (٢) ص ٣٧ . (٣) كالرفع والوصل ونحوهما. (ش). (٤) تمام عبارة الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)): ((واشتهر عن جمع من العلماء القولُ بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل. ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذاً . ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه . ١٢١ والمنقول عن أئمة المحدثين المتقدمين كابن مهدي ويحيى القطان وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدار قطني وغيرهم : اعتبارُ الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها . ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة . وأعجَبُ من ذلك إطلاقُ كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة . مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك)). ثم ذكر من كلام الشافعي ما يدل على ذلك . ولابن حبان في مقدمة («صحيحه)) ١ : ١٢٠ تفصيل في هذه المسألة على نحو آخر، قال : (( وأما زيادة الألفاظ في الروايات ، فإنَّا لا نقبل شيئاً منها إلا عمن كان الغالب عليه الفقه ، حتى يُعلّم أنه كان يروي الشيء ويعلمه . حتى لا يُشَك فيه أنه أزاله عن سنّنه أو غيّره عن معناه أم لا . لأن أصحاب الحديث الغالبُ عليهم حفظُ الأسامي والأسانيد دون المتون . والفقهاء الغالبُ عليهم حفظُ المتون وإحكامها وأداؤها بالمعنى ، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين . فإذا رفع محدث خبراً وكان الغالب عليه الفقه ، لم أقبل رفعه إلا من كتابه ، لأنه لا يعلم المسنّد من المرسَل ، ولا الموقوف من المنقطع . وإنما هِمّتُهُ إحكام المتن فقط . وكذلك لا أقبَلُ عن صاحبٍ حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظ في الخبر . - لأن الغالب عليه إحكام الأسناد وحفظ الأسامي . والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ - إلا من كتابه . هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ)). انتهى. قال عبد الفتاح : وهذا الذي ذكره ابن حبان إن كان فيه بعض الوجاهة من جانب ما ذكره من اهتمام الفقيه واهتمام المحدث . فهو مردود ومخالف لما عليه الجمهور من سائر الجوانب ، وهو من تشدّد ابن حبان ومما كان يسميه شيخنا الكوثري تفلسف ابن حبان رحمه الله تعالى . فلا يُلتفت إليه . ١٢٢ قلت: دلَّ كلامه على قبول زيادة راوي الحسن أيضاً، فما قاله السيوطي في ((التدريب)) والنووي في ((شرح مسلم)» وغيرِه من أنها تُقبَلُ إذا رواها بعض الثقات الضابطين، أرادا به ما يعم رواة الصحيح والحسن كليهما، فراوي الصحيح عَدْلٌ تام الضبط ، وراوي الحسن: من خَفَّ ضبطه مع بقية شروط الصحيح كما في ((شرح النخبة)) (١). وقد قدمنا (٢) أَن من اختُلفَ في توثيقه وتضعيفه حَسَنُ الحديثِ أيضاً، فتقبل زيادته لكونه من رواة الحسن ، فليتنبه لذلك . وقال في ((نور الأنوار ))(٣): إذا كانَتْ في أَحد الخبرين زيادةٌ فان كان الراوي - أَي الصحابي - واحدًا يؤخذ بالمثبِت للزيادة. وإذا اختَلَف الراوي فيُجعَل كالخبرين ويُعمَل بهما، كما هو مذهبنا في أَن المطلَق لا يُحمل على المقيد في حكمين . اهـ . قلت : هذا مقيد بما إذا لم تكن الزيادة منافية كما هو الظاهر ،وفيه مزيدُ تفصيل سيأتي (٤) . ٣ - لا يُقبَل تفرد راوي الصحيح والحسن إذا كان منافياً لما رواه (١) ص ٣٢ . (٢) في ص ٧٢ وما بعدها . (٣) في مبحث التعارض ص ٢٠٠ - ٢٠١ . (٤) أي في المقطع التالي - ٣ - من هذه الصفحة حتى ص ١٢٤ . ١٢٣ جماعة من الثقات، ويُسمَّى ذلك شاذاً . قال الحافظ في ((شرح النخبة))(١): إِن الشاذ ما رواد المقبولُ مخالفاً لمن هو أولى منه . هذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح . .(٣) قال ابن الحنبلي رحمه الله في ((قفو الأثر))(٢): وعلى قياس ما سبق" لا تُقبل زيادة الضعيف إذا خالفت رواية الثقة. هذا، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى رد الزيادة مطلقاً، وتُقِلَ عن معظم أصحاب أبي حنيفة . والمختارُ عند ابن الساعاتيّ وغيره من الحنفية أنه إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف، كما لو نُقِلَ أَنه ◌َ ◌ّهِ ((دخل البيت)) فزاد: ((وصلَّى))، فان اختَلَفَ المجلس(٤) قُبِلَتْ باتفاق، وإن اتحَد وكان غيره قد انتهى في العدد إلى حد لا يتصور غفلتهم عن مثل ما زاد لم تُقبَل، وإن لم ينته - إلى هذا الحد - فالجمهور على القبول خلافاً لبعض المحدثين وأحمد في رواية، وإن جُهِلَ حالُ المجلس فهو بالقبول أولى مما إذا اتحد بذلك الشرط، وأما إذا كانت الزيادة مخالفة فالظاهر التعارض . اهـ . (١) ص ٤٠ . (٢) ص ١١ - ١٢ . وقد جمع فيه أصولَ الحديث على مذهب الحنفية. (ش). (٣) وهو ((أن زيادة العدل عند الشافعي لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنما يلزم قبولها من العدل الحافظ ، لأن العدل غيرُ النعةِ الذي هو العدلُ الضابطُ معاً )) . (٤) أي مجلسُ سماع من أتى بالزيادة ومجلسُ سماع من لم يأت بها من أصحابه . (ش) . ١٢٤ وبهذا عرفتَ أَن الحنفية لا يقبلون زيادة الثقة إذا لم تخالف أيضاً إلا بشرائط لا مطلقاً . (تَتِمة) وإذا وُجِدَ للشاذ متابِع أَو شاهد انتَفَى عنه شذوذُه وصلَح للاحتجاج به . ويدخل في المتابعة والاستشهاد روايةُ من لا يُحتَجِّ به وحده بل يكون معدوداً في الضعفاء . وفي كتابَيْ ((البخاري)) و((مسلم)) جماعةٌ من الضعفاء ذكّرَاهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، - كما سيأُتي (١) ، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء : فلانٌ يُعتبر به، وفلانٌ لا يُعتبَر به. كذا في ((قفو الأَثْر)) (٢). ومثلهُ في ((تدريب الراوي »(٣) وغيره . ٤ - الانقطاع نوعان: ظاهر وباطن ، فالظاهر كالمرسَل من الأخبار وسيأتي بيانه(٤) . والباطن نوعان أيضاً: الأول: ما يكون الاتصال فيه ظاهرًا، ولكن وقع الخلل بوجه آخر وهو فقد شرائط الراوي. وحكمه أَن لا يُقبَل خبر الكافر والفاسق والصبي والمعتوه والذي اشتدت غفلتُه (وهذا هو الضعيف بمراتبه . وقد ذكرنا أَحكامه(٥)، وسيأتي لها بقية في قواعد الجرح والتعديل)(٦). (١) في الفصل السابع في ألفاظ الجرح والتعديل . (٢) ص ١٣ . (٣) ص ١٥٣ - ١٥٦ . (٤) في الفصل الخامس في ص ١٣٨ وما بعدها . (٥) فيما تقدم في الفصل الثاني في المقطع - ١٠ - منه ص ٧٨-٨٢، وفي الفصل الثالث في ص ٩٢ وما بعدها في أكثر مقاطعه . (٦) في الفصل السابع في المقطع - ٥ - . ١٢٥ والثاني : ما وقع فيه الخلل لمخالفته لدليل فوقه بالعَرْضِ عليه بأن خالف الكتاب، وكان الكتابُ قطعيَّ الدلالة على معناه كان الخبر مردوداً منقطعاً، وأما إذا لم يكن الكتابُ قطعيَّ الدلالة ، والحديثُ نُقِلَ بالسند الصحيح، فحينئذٍ لا يُترَك الحديث بل تُوُوَّل الآية ويُعمَل بالخبر. كذا في ((نور الأنوار)) مع حاشيته(١). ٥ - وكذا لا يُقبَل الحديث - أي خبرُ الواحد - إذا خالف السنة المعروفة متواترةً كانت أَو مشهورة . ٦ - وكذا لا يُقبَلُ إِذا ورد في حادثة مشهورة خلاف ما رواه الجماعة، كما إذا روى الجماعة أَنه ◌َ اللَّه كان يُسِرُّ بالتسمية، ورَوى واحد أَنه جَهَر بها لا يُقبل، فان حادثة الصلاة مشهورة مستمرة، كان يحضرها ألوف من الرجال ، ولم يسمع إلا واحد، هذا عجيب(٢) . وفي ((التوضيح))" (٣) وإما ( أن يكون الانقطاع ) بكونِهِ شاذاً في البلوى العام . اهـ . ٧ - وكذا إذا أَعرض عنه الأَّئمةُ من الصدر الأول - أَي الصحابة رضي الله عنهم، - فانهم إذا تكلموا بينهم بالرأي ولم يلتفتوا إلى الحديث كان ذلك دليلَ انقطاعه. ذكرَ كل ذلك في («المنار)» و«نور الأنوار )» (٤) (١) ص ١٨٤ - ١٨٥ (٢) نور الأنوار ص ١٨٥ - ١٨٦ (٣) ٢ : ٩ (٤) ص ١٨٦ ٥٠ ١٢٦ قلت: وكذا عدَمُ اهتمام الصحابة بفعل مع توفر دواعيه دليل على كراهته ولو تنزيهاً ، وعلى ضعف ما ورد فيه، فان عدم اهتمامهم به وإعراضَهم عنه لا يتصور مع كونه مشروعاً ، فضلًا عن كونه مندوباً إِليه. وكذا كونُ الحديث متروكَ العَمَلِ به في قرن الصحابة أو التابعين علامَةُ نسخِه أو ضعفِه، كما يدل عليه كلام ((المنار)) المذكور، وصرَّح به في ((التلويح)» (١) بقوله: وأما الثاني وهو الانقطاع بالمعارضة بسبب إعراض الصحابة، فلأَّنه يُعارِضُ إجماعَهم على عدم قبوله، وعلى ترك العمل به، فيُحَمَلُ على أنه سهو أَو منسوخ(٢). ولا يخفى أن المراد اتفاق غير هذا الراوي، وإلا فهو متمسِّك به لا محالة . اهـ . ملخصاً. وتحصَّلَ بذلك أنه يشترط عندنا لصحة الحديث مع عدالة الراوي وضبطه : كونُ الحديث بحيث لا يُخالِفُ قطعيَّ الكتاب ولا السنة المشهورة، وأَن لا يكون مُعْرَضاً عنه ومتروك العملِ به في الصدر الأول ، ولا يكون شاذاً في البلوى العام ، بل ظاهرًا منتشرًا، فاحفظه فانه نافع جداً ، وقد أغنانا الأصوليون من أصحابنا عن إقامة الدليل عليها، فانهم فرغوا من ذلك في كتبهم . ٨ - واعلم أن لفظ السُّنَّة يدخل في المرفوع عندهم . قال ابن عبد (١) ٢ : ١٠ . (٢) لا يقال : كيف يتصور الإجماع مع مخالفة بعض الصحابة وهو المتمسِّك بهذا الحديث . قلنا : كونُه متمسكاً به فَرعُ ثبوته ، وكونُه خلافَ الإجماع قادحٌ في ثبوته ، فافهم . (ش) . ٠٫٠ ٤ ١٢٧ البر في ((التقصي)): واعلم أن الصحابي إذا أطلق اسم السنة فالمراد به سنة النبي ◌َِّ، وكذلك إذا أطلقها غيرُهُ ما لم تُضَف إلى صاحبها كقولهم: سُنَّةُ العمرين، وما أشبه ذلك. انتهى كلامه كذا في ((الزيلعي)) (١). وكذا قوله(٢): أَصبتَ السنة، أَو سنةً أبي القاسم، ففي ((محاسن البُلْقِيني)) من الشافعية: التنبيهُ على أنه في معنى قوله: من السنة كذا، وأن يقول: كنا نفعل كذا، من غير أن يضيفه إلى عهده عَ لِّ. ومختارُ السّراج الهندي مِنَّا (٣) أنه إن أضافه إليه فهو مرفوع وحجة قطعاً، وإلا فالظاهر أن المراد بكنا نفعل كذا ، أَو كانوا يفعلون كذا : التقريرُ، فيكون الظاهر أنه مرفوع وحجة. كذا في «قفو الأثر))٤١) . قلت: وكذا أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الكتب القديمة قولًا لا مجال للاجتهاد فيه ، ولا له تعلّقٌ ببيان لغة وشرحٍ غريب: مرفوعٌ (١) يعني ((نصب الراية)) ١ : ٣١٤. (٢) أي قول الصحاني لمن سأله عن عمل أو قول صدر منه فقال له الصحاني : أصبتّ السنة ... (٣) أي الحنفية . (٤) ص ٢٤ . هذا إذا كان المراد بقوله : كنا نفعل كذا ، أو كانوا يفعلون كذا : فعلَ الجميع ، وأما إذا كان المرادُ به فعلَ البعض فلا حجة فيه ، كقول بعض الصحابة : كنا لا نغتسل إلا من الماء . أراد به جماعةٌ من الأنصار دون سائر الصحابة ، فإن المهاجرين كانوا يغتسلون من ولوج أنزل أو لم يُنزل، فافهم فقد نبه على ذلك الطحاوي في ((مشكله)). (ش). ١٢٨ حكماً، كما في ((قفو الأَثر)) أيضاً (١). ولو قال مثلَ ذلك تابعي هذا حالُه فهو أيضاً مرفوع حكماً، ولكنه مرسَلٌ لحذفه اسم الصحاني. ودليله ما في ((تدريب الراوي))(٢): وأما قولُ من قال: إن تفسير الصحاني مرفوع، وهو الحاكم قال في ((المستدرك)): ليعلم طالبُ الحديث أَن تفسير الصحافي الذي شهِدَ الوحي والتنزيل، عند الشيخين حديثٌ مسنَد، فذاك في تفسيرٍ يتعلق بسبب نزول الآية أو نحوِه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي عَ لَّهِ ، ولا مدخل للرأي فيه ، وغيرُه موقوف . قلت: وكذا يقال في التابعي إلا أن المرفوع من جهته مرسل . اهـ ملخصاً . ولا يخفى أَن ما لا مدخل للرأي فيه يستوي فيه التفسير وغيره . ٩ - إذا قال التابعي : كانوا يفعلون كذا، و: كانوا يقولون كذا، و: لا يَرون بذلك بأُساً، فالظاهرُ إِضافتُه إلى الصحابة إلا أن يقوم دليل على غير ذلك، وهذا ظاهر بالتتبع . وكذا إذا قال : كان السلف يفعلون ، أو يقولون كذا، فإِطلاق السلف في كلام التابعين لا يكون إلا على الصحابة فقط، وفي كلام من بعدهم على الصحابة والتابعين جميعاً . ١٠ - قولُ الصحابي المجتهِد فيما لا نصَّ فيه حُجَّة عندنا يُترَكُ (١) ص ٢٣. ومثَّلَ له بقوله: ((كأخبار بدء الخلق والأنبياء والملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة ، وكأخبار تضمنت الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص ، أو يقول : أمرنا بكذا ، أو نُهِينا عن كذا)). (٢) ص ١١٥ ١٢٩ به القياس، فاذا شاع وسكتوا مسلِّمين يجب تقليدُه إجماعاً، ولا يجب إجماعاً فيما ثبت الخلافُ بينهم، لأَن ذلك بمنزلة خلاف المجتهدين . فيجوز لمن بعدهم أن يعمل بأيهما شاءً، ولا يتعدى إلى الشق الثالث(١). لأَّنه صارّ باطلاً بالإِجماع المركَّبِ مِن هذين الخلافين . وإذا اختلفوا فكلُّ ما ثبت فيه اتفاق الشيخين يجب الاقتداءُ به . وإذا لم يُعلمَ فيه خِلافُهم من وِفاقهم فهو حجة عندنا، لاحتمال السماع من النبي عَّه . ولئنُ سلِّم أنه ليس مسموعاً منه بل هو رأي ، فرأيُ الصحابةِ أقوى من رأي غيرهم. كذا في ((نور الأنوار)) (٢). ومثلهُ في ((التوضيح مع (٣) التلويح )) وعزا أَصحابنا وأكثرُ الشافعية إلى الإِمام الشافعي رحمه الله أَنه قال: لا يُقلَّدُ أَحدُ منهم، سواءٌ كان ما قاله مُدرَكاً بالقياس أو لا . ولكن كلامه في ((رسالته البغدادية)) التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني نَصَّ على خلاف ذلك، فقد صرَّح فيه بأَن آراءِ الصحابة لنا أحمَدُ وأَولى بنا من رأينا عند أنفسنا . وقال في رواية الربيع عنه (٤) : والبدعةُ ما خالف كتاباً أَو سنة أَو أَثراً عن بعض أصحاب رسول اللّه مَّهِ، فجَعَلَ (١) يعني به الخروج عن القولين إلى قول ثالث مركب منهما ، لأنه باطل عند كل من الطائفتين ، إذ لا تقول به مركباً ، فقد أجمعوا على بطلانه . (٢) ص ٢١٦ . (٣) ٢ : ١٧ . (٤) وهي من مذهبه الجديد . ١٣٠ ما خالف قولَ الصحابي بدعة. ذكره ابن القيم في ((إعلام الموقعين))(١). وذكَرَ فيه أيضاً (٢): وإن لم يخالف الصحابيّ صحابياً آخر ، فإنَّا أَن يَشتهر قولُه في الصحابة أَو لا يشتهر، فان اشتهر فالذي عليه جماهيرُ الطوائف من الفقهاءِ أَنه إِجماعٌ وحجة ، وإِن لم يَشتهر قولُه أَو لم يُعلَم هل اشتهر أم لا ؟ فاختَلَف الناس: هل يكون حجة أم لا ؟ فالذي عليه جمهور الأُمة أنه حجة ، هذا قول جمهور الحنفية، صَرَّح به محمد بن الحسن، وذُكِرَ عن أبي حنيفة رحمه الله نصاً . وهو مذهبُ مالك وأصحابه. وتصرَّفُه في ((موطئه)) دليل عليه، وهو قولُ إسحاق بن (١) ١: ٨٠. وقال الشافعي رضي اللّه عنه في كتابه ((الأم)) وهو من مذهبه الجديد ٧ : ٢٤٦ (( ما كان الكتاب والسنة موجودين ، فالعذرُ عمن سمعهما مقطوع إلا باتباعهما ، فإذا لم يكن صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول اللّه بالفمٍ أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحبّ إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة . فنتبع القول الذي معه الدلالة . فإذا لم يوجد عن الأئمة - يعني الخلفاء - فأصحاب رسول اللّه ◌َ لهم من الدين في موضع أخذنا بقولهم ، وكان اتّباعُهم أولى بنا من اتباع من بعدهم )). انتهى . وانظر كتاب ((أصول الفقه)) للعلامة المحقق الشيخ محمد أبو زهرة حفظه الله تعالى، فقد حقق فيه ص ٢٠٣ - ٢٠٨ أن العمل بفتوى الصحابي هو مذهب أئمة المذاهب الأربعة ، خلافاً لمن يتنسب إليهم غير ذلك . (٢) أي ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ٤ : ١٢٠. ١٣١ راهويه (١) وأَبي ◌ُبَيد، وهو منصوصُ الإِمام أحمد في غير موضع عنه . واختيار جمهور أَصحابه ، وهو منصوصُ الشافعي في القديم والجديد . اهـ. ثم أطال بذكر أقوال الشافعي ونصوصه الدالة على حجية أقوال الصحابة (٢) عنده ، فليراجع (١) قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في ((تدريب الراوي)) أواخر النوع الثالث والعشرين ص ٢٢٦ ((سُثُل إسحاق بن راهويه لم قيل له : ابن راهويه ؟ فقال : إن أبي وُلِدَ في الطريق ، فقالت المراوزة - بالفارسية - راهويه ، يعني أنه ولد في الطريق . وفي فوائد ((رحلة ابن رُشَيد)): مذهبُ النحاة في هذا - راهويه - وفي نظائره فتحُ الواو وما قبلَها وسكونُ الياء ثم هاء . والمحدّثون يتنحون به نحو الفارسية فيقولون : هو بضم ما قبل الواو وسكونها وفتحِ الياء وإسكان الهاء ، فهي هاءٌ على كل حال ، والتاء خطأ . قال : وكان الحافظ أبو العلاء العطار يقول: أهلُ الحديث لا يحبون ( وَيْه). اهـ. قال الحافظ ابن حجر : ولهم في ذلك سَلَف ، رويناه في کتاب ((معاشرة الأهلين)) عن أبي عمرو، عن إبراهيم النخعي أنّ (وَيْه) اسمُ شيطان . قلت - أي السيوطي - ذكَرَ ياقوت في ((معجم الأدباء)) في ترجمة ( نفطويه) نحوّ ما ذكره ابنُ رُشيد . وقال المصنف - أي النووي - في ((تهذيب الأسماء واللغات)) في ترجمة (أبي عُبيد بن حَرْبَوَيْه) ٢ : ٢٥٨ من قسم الأسماء: هو بفتح الباء الموحدة والواو وسكون الياء، ثم هاء ، ويقال : بضم الياء مع إسكانِ الواو وفتحِ الياء . ويجري هذان الوجهان في كل نظائره ، كسيبويه ونفطويه وراهويه وعمرويه . فالأول مذهبُ النحويين وأهلِ الأدب ، والثاني مذهبُ المحدثين )). (٢) في الجزء ٤ : ١٢٠ - ١٥٦. ١٣٢ ١١ - قولُ التابعي الكبير الذي ظهر فتواه في زمن الصحابة حُجَّةٌ عندنا كالصحابي، كذا في ((التوضيح))(١). وقال ابن القيم في ((إِعلام الموقعين))(٢): قد اختَلَف السلف في ذلك، فمنهم من قال: يجب اتّباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعي ، وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية ، وقد صرّح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليداً لعطاء. وهذا من كمال علمه وفقهه، فانه لم يجد في المسئلة غيرَ قول عطاء. فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسئلة . ومن تأمل كتب الأَئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي . اهـ . ملخصاً . ١٢ - قولُ إِبراهيم النَّخَعَي حُجَّةً عندنا إذا لم يخالف قولَ الصحابي فما فوقه، فانه وإن لم يكن من كبار التابعين سناً ولكنه من كبارهم عند الإمام فقهاً (٣)، حتى قال للأَوزاعي: إبراهيم أَفقَهُ من سالم . وأيضاً فإن إبراهيم رضي الله عنه كان أَلزمَ الناس بابن مسعود وأَصحابه (٤)، وكان لسانَهم في زمانه، لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع (٢) ٤ : ١٥٦ (١) ٢: ١٧. وبعبارة ((التوضيح)) هكذا: ((فهو كالصحابي عند البعض. لأنه بتسليمهم إياه دخل في جملتهم ». (٣) وهو أحد شيوخ الإمام أبي حنيفة، كما في مقدمة شيخنا العلامة المحقق أني الوفاء الأفغاني لكتاب ((الآثار)) للإمام محمد بن الحسن الشيباني ١: ٣٠. (٤) قد توهم العبارة أن إبراهيم النخعي أخذ عن ابن مسعود. مع أنه لم يلتق به. قال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) ص ١٤ (( سمعتُ أبي يقول: لم يلق إبراهيم النخعي أحداً من أصحاب النبي عام إلا عائشة ، ولم يسمع منها شيئاً ، فإنه دخل عليها وهو صغير . وأدرك أنساً ولم يسمع منه )).اهـ ونقل نحوه عن ابن المديني وابن معين ١٣٣ يسيرة، وفي تلك اليسيرة أيضاً لا يخرج عن أقوال الصحابة : علي وعمر رضي الله عنهما . قال محدِّثُ الهند في (حُجَّةِ الله البالغة))(١) : وكان سعيد بن المسيَّب لسانَ فقهاءِ المدينة(٢)، وكانَ أَحفظَهم لقضايا عمر، ولحديث أبي (١) ١ : ١١٥ . (٢) يعني: فقهاء المدينة السبعة. وهم كما قال الحافظ القرشي في ((الجواهر المضية في طبقات الحنفية)) ٢ : ٤٢١ ((سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وخارجة بن زيد بن ثابت - الأنصاري - ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وسليمان بن يسار . وفي السابع ثلاثة أقوال : أحدها : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، نقله الحاكم أبو عبد الله عن أكثر علماء الحجاز. والثاني : أنه سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، قاله ابن المبارك . والثالث : أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، قاله أبو الزناد )). ثم ذكر سيني وفياتهم . وقال القاضي ابن خلكان في ((الوفيّات)) في ترجمة ( أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) ١: ٩٢ من الطبعة الميمنية المطبوعة ١٣١٠ ((هو أحد الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة في عصر واحد ، وعنهم انتشر العلم والفتيا في الدنيا . وإنما قيل لهم : الفقهاء السبعة وخصوا بهذه التسمية لأن الفتوى بعد الصحابة رضوان الله عليهم صارت إليهم وشُهروا بها . وقد كان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين. مثل سالم بن عبد الله بن عمر وأمثاله رضي الله عنهم ، ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء السبعة ، هكذا قاله الحافظ السَّفي . وسيأتي ذكر كل واحد منهم في حرفه » . = ١٣٤ هريرة . و- كان - إبراهيمُ لسانَ فقهاء الكوفة ( عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأصحابهما، فإذا تكلما - أَي سعيد وإِبراهيم - بشيء ولم ينسباه إلى أحد فانه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحاً أو إيماءً ونحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاءُ بلدهما ، وأخذوا عنهما وعقلوه وخرَّجوا عليه، والله أعلم . اهـ . وقال في موضع آخر(١): وكان أبو حنيفة رضي الله عنه أَلزمَهم ثم ذكرهم وترجم لهم هكذا بحسب أوائل حروف أساميهم : ١ - أبو بكر بن عبد الرحمن ٢٠ - خارجة بن زيد، ٣ - سالم ابن عبد الله، ٤ - سعيد بن المسيّب، ٥ - عُبَيد اللّه بن عبد اللّه، ٦ - عروة بن الزبير ، ٧ - القاسم بن محمد . وترى من بيان أسمائهم بعضَ المغايرة بينها وبين ما ذكره الحافظ القرشي. ثم قال القاضي ابن خلكان: ((وتوفي أبو بكر بن عبد الرحمن سنة ٩٤ للهجرة رحمه الله تعالى . وهذه السنة تسمى سَنّة الفقهاء، وإنما سُمّيت بذلك لأنه مات فيها جماعة منهم)) . وهم : أبو بكربن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهم. على اختلاف في سنة وفاة بعضهم . وقد ذكرهم العلامة عبد الحي اللكنوي في ((الفوائد البهية )) ص ٢٠٣ في ترجمة ( محمد بن يوسف بن الحسين بن عبد اللّه الحلبي الحنفي . المعروف بابن الأبيض الشهير بقاضي العسكر المتوفى سنة ٦١٤ ) . قال : ((ومن شعره : ألا كلُّ من لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجة فخُذُهم عبيدَ اللّه عروةَ" قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة )). (١) ١ : ١١٦ . ١٣٥ بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في لتخريج على مذهبه ، دقيقَ النظر في وجوه التخريجات، مقبلًا على الفروع أُتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلَخّصْ أَقوالَ إبراهيم وأقرانه من ((كتاب الآثار)) لمحمد رحمه الله و((جامع عبد الرزاق) و((مصنَّف ابن أبي شيبة)) ثم قايِسْهُ بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة، وفي تلك اليسيرة أيضاً لا يخرج عما ذهب إليه فقهاءُ الكوفة . اهـ . وذكر ابن القيم في (إعلام الموقعين))(١) ما نصه : قال ابن جرير: ولم يكن ( في الصحابة ) أَحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبَه في الفقه غيرَ ابن مسعود، وكان يَتْرُكُ مذهبَه وقولَه لقولِ عُمَر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويَرجِعُ من قوله إلى قوله . اهـ . وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه كان لا يَعدِل بقول عمر وعبد الله ابن مسعود إِذا اجتمعا (٢)، فإذا اختلفا كان قولُ عبد الله أَعجبَ إِليه لأَّنه كان أَلطف. ام (٣) . وقال الدار قطني في سننه))(٤): فهذه الرواية وإن كان فيها إرسالٌ فإبراهيم النخعي هو أعلم الناس بعبد الله وبرأيه وبفتياه، قد أَخَذَ ذلك عن أخوالِه : علقمة والأَسودِ وعبد الرحمن ابْنيْ يزيد وغيرِهم من كبراء (١) ١ : ٢٠ . (٢) أي لا يساوي قولَ أحد بقولهما إذا اتفقا. (٣) ١ : ١٧ . (٤) ٣ : ١٧٤ . ١٣٦ أصحاب عبد الله، وهو القائل: إذا قلتُ لكم : قال عبد الله بن مسعود فهو عن جماعة من أصحابه عنه، وإذا سمعته من رجل واحد سميته لكم . اهـ (١). وقال أيضاً - قبل ذلك بأَسطر(٢) -: وعبدُ الله بن مسعود أتّقى لربه وأَشحُّ على دينه من أَن يَروي عن رسول الله عَّهِ أَنه يقضِي بقضاء. ويفتي هو بخلافه، هذا لا يُتوَّّمُ مثلُه على عبد الله بن مسعود، وهو القائل في مسئلة وردّتْ عليه لم يَسمع فيها من رسول الله عَ ل شيئاً، ولم يبلغه عنه فيها قول : أقول فيها برأيي ، فان يكن صواباً فمن الله ورسوله ، وإن يكن خطأًّ فمني، ثم بَلَغَه بعد ذلك أن فتياه فيها وافَقَ قضاءَ رسول الله عَلِ في مثلها، فرآه أصحابُه عند ذلك فَرِحَ فَرَحاً لم يَرَوْهُ فرِحَ مثلَه، من موافقة فتياه قضاء رسول الله في . اهـ . قلت: فلمَّا كان ابن مسعود رضي الله عنه هذا حالَه وأنه كان يتْبَع قضاءَ رسول اللّه عٍَّ أَوَّلاً ، فان لم يجد أَخذ بقول عمر رضي الله عنه كما مر، وكان إبراهيم أعلم الناس بابن مسعود وبرأيه ويفتياه وألزم الناس بمذهبه: اختار أبو حنيفة محَجَّة إبراهيم ، وصار أَلْزَمَ الناس به وبأقرانه، فإذا وجَدَ في المسئلة قولاً عنه(٣) لا يخالفه قولُ صحابي ونحوه اختار قولَ إبراهيم، وتَرَكَ به القیاسَ واحتَجِّ به، كما لا يخفى (١) وسيأتي قريباً في ص ١٤٩ - ١٥٠ أن مراسيل إبراهيم صحاح ، فانظره. (٢) ٣ : ١٧٣ . (٣) أي عن إبراهيم النخعي .