النص المفهرس
صفحات 81-100
٧٧ عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ((إِنما حَرَّم رسولُ الله ◌َله من الميتة لحمَها، فأَما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به))، وأَعلَّه بتضعيف عبد الجبار بن مسلم، وهو ممنوع فقد ذكّرَه ابن حبان في ((الثقات)). فلا يَنْزِل الحديث عن الحسن . أه . وقال السيوطي في (التعقبات))(١) في حديث عائشة مرفوعاً: ((لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤُّمهم غيره)) رداً على ابن الجوزي حيث أَعلَّه بعيسى بن ميمون أَنه لا يُحتَجِّ به، وبأَحمد بن بشير أنه متروك بما نصه : الحديثُ أخرجه الترمذي، (وأَحمد بن بشير) احتَجَّ به البخاري، ووثّقه الأكثرون ، وقال الدار قطني : ضعيفٌ يُعتبَرُ بحديثه . و (عيسى) قال فيه حماد: ثقة. وقال يحيى مرَّةً: لا بأس به. وضعَّفه غيرُهما، ولم يُتَّهم بكذب، فالحديثُ حَسن . اهـ . وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢) في ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث : قال ابن القطان : هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يُسقِطُ له حديثَه إِلا أَنه مختلَف فيه، فحديثُهُ حسَن . اهـ . قلت: وفي هذه العبارات بأَسرها دليلٌ على ما قلنا : إنَّ الراوي إِذا كان مختلفاً فيه فهو حَسَنُ الحديث، وحديثُهُ حسن . ولو لا مخافة التطويل لأَديت لك بأزيد من ذلك بالتفصيل . ومن طالع كتب الرجال والعمل والتعقبات على الموضوعات لا يشك في هذا الأصل قط . (١) ص ٥٤ . (٢) ٥ : ٢٦٠ . ٧٨ ٨ - الحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوَّة. ولهذا أَدرجَتْه طائفةٌ في نوع الصحيح، كالحاكم وابن حِبَّان وابن خُزيمة ، مع قولهم: بأَنّه دون الصحيح المبيَّن أولاً. قاله في ((تدريب الراوي)»(١). وقال الحافظ في ((شرح النخبة)) (٢): وهذا القسم من الحَسَن(٣) مُشارِكٌ للصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه، ومُثابِهٌ له في انقسامه إلى مراتبَ بعضُها فوق بعض . اه . ٩ - الحديث الحسن لذاته إذا رُوي من غير وجه ولو وجهاً واحداً آخر ، قَوِيَ وارتفع من درجة الحسن إلى درجة الصحيح، قاله في ((تدريب الراوي :"، وصرح به في ((شرح النخبة) (*) ١٠ - والحديث الضعيف إذا تعددت طرقه ولو طريقاً واحدة أُخرى، ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن وكان محتجاً به (٦). (١) ص ٩١ . (٢) ص ٣٣ . (٣) أي الحسن لذاته . (٤) ص ١٠٣ . (٥) ص ٣٣ . (٦) هذا الإطلاق في تقوية الضعيف بتعدّد طرقه دون تقييد لنوع ضعفه . قد يوهم أن مجرّد تعدّدٍ طرقه بُعَدّ جابراً، يرتقي به الحديث من ضعيف إلى حسن . كما يخطىء به كثير من العلماء المتأخرين . وهذا ليس بمراد من المؤلف قطعاً، بدليل الأمثلة التالية المنقولة عن ((التدريب)) و((شرح النخبة)). وبدليل ما سيجيء صراحةً في ص ٨٠ عن ((التدريب)). ٧٩ قال الحافظ ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) ص ٣٧ (( ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت : فمنه : ضعف يُزيلُه ذلك ، بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه . مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر . عرفنا أنه مما قد حفظه . ولم يختَلَ فيه ضبطُه له . وكذلك إذا كان ضعفُه من حيث الإرسال . زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام. حافظ ، إذ فيه ضعف قلیل یزول بروايته من وجه آخر . ومن ذلك : ضعفٌ لا يزول بنحو ذلك ، لقوة الضعف، وتقاعُدٍ هذا الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب ، أو كون الحديث شاذاً )). انتهى . قال الحافظ ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) تعليقاً على القسم الأول الذي ينجبر ضعفُهُ بتعدّدٍ طرقه: ((لم يَذكر للجابر ضابطاً يُعْلَمُ منه ما يصلح أن يكون جابراً أَو لا ، والتحريرُ فيه أن يقال : إنه يترجع إلى الاحتمال في طرَفي القبول والردّ ، فحيث يستوي الاحتمالُ فيهما فهو الذي يصلح لأن يتجبر ، وحيث يقوى جانب الردّ فهو الذي لا ينجبر . وأما إذا رجّح جانب القبول فليس من هذا الباب ، بل ذاك في الحسن الذاتي، والله أعلم)). انتهى. فالأولى في عبارة شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى لتسلم من الإيهام أن تكون هكذا: والحديثُ الضعيفُ الموصوفُ رُواتُه بسوء الحفظ ونحوه إذا تعدّدت طرقه ... ثم مثلُ سوء الحفظ : الاختلاط، والتدليس ، والإرسال ، وأشباهُها . ٨٠ قال في ((تدريب الراوي))(١): ولا بِدْعَ في الاحتجاج بحديث له طريقان، لو انفرد كل منهما لم يكن حجة ، كما في المرسَل إذا ورد من وجه آخر مسنداً، أَو وافقه مرسَل آخر بشرطه كما سيجيء . اهـ . وفيه أيضاً (٢): وكذا إذا كان ضعفها لإرسال أو تدليسٍ أُو جهالةِ رجال زال بمجيئه من وجه آخر، وكان دون الحسن لذاته . اهـ . وفي ((شرح النخبة))(٢): ومتى تُوبِع السيءُ الحفظِ بمعتبَر، كأَن يكون فوقَه أَو مثلَه لا دونه، وكذا المختلِطُ الذي لم يتميز، والمستورُ . والإسناد المرسَلُ، وكذا المدلَّسُ إذا لم يُعرَف المحذوفُ منْه: صار حديثُهم حَسَناً لا لذاته، بل وصْفُه بذلك باعتبار المجموع من المتابع والمتابع، لأَن كلَّ واحدٍ منهم باحتمال كون روايته صواباً أَو غيرَ صواب : على حد سواء، فاذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رجَحَ أَحَد الجانبين من الاحتمالين المذكورين ، ودَلَّ ذلك على أَن الحديث محفوظ . فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. والله أعلم . اهـ . وفي ((ما ثبت بالسنة )»(٤) نقلاً عن الحافظ العراقي: وظاهِرُ كلام البيهقي أن حديث التوسعة ( في عاشر المحرَّم ) حسَنٌ على رأي غير ابن حِبَّان أيضاً، فانه رواه من طرق عن جماعة من الصحابة مرفوعاً. (١) ص ٩١ . (٢) ص ١٠٤ . (٣) ص ٧٤ و ٧٥ . (٤) ص ١٧ و ١٨ . ٨١. ثم قال: وهذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة، لكن إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعض أحدثَتْ قوَّةً . وإنكارُ ابن تيمية بأن التوسعة لم يُروَ فيها شيءٍ عنه عَ لَّهِ وَهَمٌ لما عَلِمِتَ. وقولُ أحمد: إنه لا يصح - أي لذاته - لا لا ينفي كونَه حسناً لغيره، والحسَنُ لغيره يُحتَجُّ به كما بُيِّن في علم الحديث . انتهى ( أي كلام العراقي ) . وقال المحقق في ((الفتح)) (١) فهذه عِدَّةُ أحاديث لو كانت ضعيفة حَسُنَ المتنُ، فكيف ومنها ما لا يَنزل عن الحسَن . وفيه (٢) أيضاً: فهذه. طرق متكثرةٌ، عن أكثر من عشرة من الصحابة ، لو كان كل منها ضعيفاً ثبتَتْ حُجِيَّةُ المجموع، فكيف وبعضُها لا يَنزل عن الحسَن. اهـ . وفي ((تدريب الراوي))(٣): وأَما الضعيفُ لفسقِ الراوي أَو كذِبه، فلا يُؤثِّر فيه موافقةُ غيره له إذا كان الآخَرُ مثلَه (٤) لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر، نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكّراً أَو لا أَصلَ له، صرَّح به شيخ الإسلام - أي الحافظ ابن حجر -. قال: بل ربما كثُرت الطرق حتى أوصلَتْه إلى درجة المستور وسيءٍ الحفظ، بحيث إذا وُجِدَ له طريق آخر ، فيه ضعفٌ قريبٌ محتمَل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجات الحسن. اهـ. (١) ١ : ٦٧ . (٢) ١ : ١٩ - ٢٠ . (٣) ص ١٠٤ . (٤) دَلّ هذا القيد على أن الآخَرّ إن لم يكن مثله، بل أحسنَ حالاً منه تُفيد موافقتُه. (ش) . ٨٢ وقال العلامة المحدث العارف الشَّعْراني تلميذ الحافظ السيوطي في ((الميزان))(١): وقد احتَجَّ جمهورُ المحدثين بالحديث الضعيف إذا كثُرتْ طرقُه، وأَلحقوه بالصحيح تارةً والحسنٍ أخرى (٢) ، وهذا النوع من الضعيف يوجد كثيرًا في كتاب ((السنن الكبرى)) للبيهقي، التي أَلَّفها بقصد الاحتجاج لأقوال الأئمة وأقوال أصحابهم، فانه إذا لم يجد حديثاً صحيحاً أَو حسناً يَستَدِلُّ به لقولِ ذلك الإِمام أَو قولِ أَحد من مقدِّديه يَصيرُ يَروي الحديث الضعيف من كذا كذا طريقاً، ويكتفي بذلك ويقول: وهذه الطرق يقوِّي بعضُها بعضاً . اهـ . (١) ١ : ٦٨ . (٢) وقد نقل الإمام تقي الدين السبكي في ((شفاء السقام)، ص ١١ قول" ابن الصلاح: ((وقِسمٌ - من الضعيف - يكون ضعفُ راويه ناشئاً من ضعف الحفظ ، مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر ، عرفنا أنه مما قد حقّقه ولم يختلّ فيه ضبطه له )). ثم أعقبه السبكي بقوله: ((فاجتماعُ الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يزيدها قوةً ، وقد يترقى بذلك إلى درجة الحسن أو الصحيح)). وقال الحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) في مبحث (الحسن) ص٤٣: ((وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح لا يلزم من ورود الحديث من وجوه متعددة أن يكون حسناً ، لأن الضعف يتفاوت ، فمنه ما لا يزول بالمتابعات ، ومنه ضعفٌ يزول بالمتابعة ، كما إذا كان راويه سيّءٌ الحفظ ، أوَ رُوِيّ الحديثُ مرسَلاً ، فإن المتابعة تنفع حينئذ ، ويُرفَعُ الحديثُ عن حضيض الضعف إلى أوج الحُسْن أو الصّحّة )) . ٨٣ ١١ - ما سكت عنه أَبو داود فهو صالح للاحتجاج به (١). (١) الذي قاله أبو داود في ((رسالته في وصف تأليفه لكتاب السنن)) ص ٦ : ((وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح)). فقولُهُ (صالح) يُحتَمَلُ أن يكون صالحاً (للاحتجاج به)، ويُحتمّلُ أن يكون صالحاً (للاعتبار به ) . فإطلاقُ شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى تبعاً لغيره أنه صالح (للاحتجاج به) ليس على ما ينبغي . قال شيخنا المحقق الكوثري عليه الرحمة والرضوان في تعليقه على ((رسالة أبي داود)) ص ٦ عند قوله فيها (( ... فهو صالح)): ((أي للاعتبار ، أو للحُجّة . وتعيينُ أحدهما تابع للقرينة القائمة كما هو شأن المشترك. وادّعاءُ أنه صالح للحجّة تقويلٌ لأبي داود ما لم يقله)) . انتهى . وقد أشار السيوطي في ((تدريب الراوي)) ص ٩٧ إلى هذين الاحتمالين في قوله: (فهو صالح) فقال: ((فعلى ما نُقل عن أبي داود بُحتمَلُ أن يريد بقوله: (صالح) الصالح للاعتبار دون الاحتجاج ، فيشمل الضعيف أيضاً)). انتهى . لكن قال ابن كثير في (( اختصار علوم الحديث )) ص ٤٤ بعد أن ذكر قول أبي داود: (( وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح)): ((ويُروى عنه أنه قال: وما سكتُّ عنه فهو حَسَن)). انتهى. قال عبد الفتاح: الظاهرُ أن هذه الرواية شاذة ضعيفة، والرواية الصحيحة : (فهو صالح) ، كما جاءت في ((رسالته))، ونقلها عنه الجمّ الغفير من الحفاظ الجهابذة كابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم ، ولم يذكروا سواها . ثم إنّ أبا داود قد يسكتُ عن الحديث الضعيف البين الضعف والنكارة ، اكتفاء بظهور حاله عن بيان متغامزه . قال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه ((مقالات الكوثري)) في مقال (أسطورة ٨٤ الأوعال) ص ٣١٢: ((وسكوتُ أبي داود على حديث الأوعال - الذي رواه في ((سننه)) في كتاب السنة . في (باب في الجهمية ) ٤ : ٢٣١ - لا يدل" على أنه صالح للاعتبار عنده، حيث كان ظاهر العلل، على أنه لا اعتبار فيما انفرد به راو. وقد نّصّ الذهبي في ((سِيَرَ النبلاء)) على أن ما قيل: إن ما سكت عليه أبو داود فهو صالح عنده ، فمقيّدٌ بما إذا لم يكن الخبرُ المسكوتُ عليه ظاهِرَ العِلَل كما هنا، على ما نقله عبد الحي اللكنوي في ((الأجوبة الفاضلة)). انتهى. وقد استوفى شيخنا بيان نكارة خبر الأوعال في مقاله المشار إليه وأشار في تعليقه على ((رسالة أبي داود)) ص ٦ إلى مضمون كلام الذهبي. وإليك عبارة الذهبي من ((الأجوبة الفاضلة)» ص ٦٨. وقد قسّم الذهبي ما رواه أبو داود إلى ستة أقسام ، قال بعد بيان القسم الخامس منها: ((ثم يليه ما كان بيّنّ الضعف من جهة راويه ، فهذا لایسکتعنهبلیُوهّنُه غالباً، وقد بسكتُ عنه بحسبشهرته ونكارته)). ثم قال شهخنا الكوثري في تعليقه على « رسالة أبي داود » ص ٦ قال النووي: في ((سنن أبي داود)) أحاديثُ ظاهرة الضعف، لم يُبيّنها مع أنه متفق على ضعفها . فلا بد من تأويل قوله : ( وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح). اهـ. ثم ناقض النوويّ نفسه في ((شرح المهذب))، واحتج فيه بما سكت عليه أبو داود إطلاقاً . وهذا ليس بجيد . وقد روى أبو داود عن أمثال ابن لهيعة . وصالحٍ مولى التّوأمة . وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان . وسَلَمَّة بن الفضل. ودَلْهتم بن صالح ، وغيرهم من الضعفاء ساكتاً عنهم . وسكوتُه إنما يتبيّنُ بعد استقصاء الروايات المختلفة من كتاب ((السنن)). لأن في بعضها ما ليس في الآخر )) . انتهى كلام شيخنا الكوثري . ٨٥ وبعد كتابة ما تقدم رأيت للحافظ ابن حجر إمام هذه الصناعة كلاماً . جامعاً في تجلية حال ((سنن أبي داود ))، لخّص فيه كلام الذهبي وزاد عليه . رأيتُ إيراده هنا على طوله ، لما فيه من استيفاء المقام ، ولصعوبة الوقوف عليه، قال رحمه اللّه تعالى في كتابه المحرّر النفيس ((النكت على مقدمة ابن الصلاح )) - واللّه المسئول أن يعينني على نشره وتقديمه لأهل العلم - بعد أن رَدّ على من زعم أن شرط أبي داود كشرط مسلم : «ومن ها هنا یتبینُ أن جميع ما سکتَ علیه أبو داود لا یکون من قبيل الحسن الاصطلاحي ، بل هو على أقسام : ١ - منه ما هو في ((الصحيحين)). ٢ - أو على شرط الصحة . ٣ - ومنه : ما هو من قبيل الحسّن لذاته . ٤ - ومنه: ما هو من قبيل الحسن إذا اعتَضَد. وهذان القسمان كثيرٌ في كتابه جداً. ٥ - ومنه : ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يُجمّع على تركه غالباً . وكلُّ هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها ، كما نقَلَ ابنُ منده عنه أنه يُخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال ... )). ثم نقل الحافظ رحمه الله تعالى الأقوال الواردة عن الإمام أحمد في هذه المسألة - مسألة الاحتجاج بالضعيف إذا لم يجد في الباب غيره - ثم قال الحافظ بعد ذلك: ((فهذا نحو ما حُكي عن أبي داود، ولا عَجَبَ فإنه كان من تلامذة الإمام أحمد ، فغيرُ مستنكر أن يقول قوله ... )). ثم قال الحافظ: (( ومن هنا يظهر ضعفُ طريقة من يحتجّ بكل ما سكت عليه أبو داود ، فإنه يُخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ، ويسكت عنها ، مثل ابن لهيعة ، وصالحٍ مولى التّوأمة ، ٨٦ وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان . وسَلّمة بن الفضل. ودَلْهَم بن صالح ، وغيرِهم ، فلا ينبغي للناقد أن يقلّده في السكوت على أحاديثهم ... ٦ - وقد يُخرج لمن هو أضعفُ من هؤلاء بكثير، كالحارث ابن دِحْية. وصّدَقة الدقيقي ، وعثمان بن واقد العمري ، ومحمد بن عبد الرحمن البَيْلَماني ، وأني جَنّاب الكلبي . وسليمان بن أرقم . وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة . وأمثالهم من المتروكين . ٧ - وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة . وأحاديث المدلسين بالعنعنة . والأسانيد التي فيها من أُبهمَت أسماؤهم . فلا يتجه الحكمُ لأحاديث هؤلاء بالحُسْن . من أجل سكوت أبي داود . لأن سكوته : تارةً يكون اكتفاءً بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه ، وتارةً يكون لذهول منه ، وتارةً يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته . كأني الحويرث ، ويحيى بن العلاء . وغيرهما . وتارةً يكون من اختلاف الرواة عن أبي داود . وهو الأكثر ، فإن في رواية أبي الحسن ابن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد. ما ليس في رواية اللولوي وإن كانت روايته أشهر ... )) . ثم قال بعد كلام طويل: ((فالصوابُ عدمُ الاعتماد على مجرّد . سكوته . لما وَصّفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ، ويقدمها على القياس ». انتهى كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وقد انتَقَدَ الحافظ المنذريُّ قبلَه سكوتَ أبي داود على أحاديث ضعيفة لم يُبيّنها، فقال في فاتحة ((الترغيب والترهيب))١: ٥ ((وأُنبّهْ ٨٧ قال المنذري في مقدمة ((ترغيبه))(١) وكلُّ حديث عزوتُه إلى أَبي داود وسكتُّ عنه، فهو كما ذكر أَبو داود لا يَنزِلُ عن درجة الحَسَن، على كثير مما حضرني حال الإملاء مما تساهل أبو داود في السكوت عن تضعيفه)). وأيضاً صّنعَ مثلَ ذلك من النقد والبيان في ((مختصر سنن أبي داود)) الذي ألفه قبل ((الترغيب)) دون أن يُنبّه على هذه الناحية من صنيع أبي داود . ومن أجل أن سكوت أبي داود يُحتَمَلُ أن يكون مما تساهل فيه ، ترى العلماء المحققين إذا احتجوا بحديث سكت عليه أبو داود قالوا : سكت عليه أبو داود والمنذري ، كما تراه في مواضع من ((نصب الراية)) للزيلعي، منها ١: ١ و ١٤ و١٧ و٧٦ و١٢٣ . و٢ : ١٤٠. ومن ((فتح القدير)) الكمال بن الهمام، منها : ١ : ١٧ و ٤٢٦ و ٥٢٦ ... ومن ((نيل الأوطار)) للشوكاني، منها : في (باب ما جاء في كراهية القزّع ... ) عقب الحديث الثالث ١: ١١٠، وفي ( باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ... ) عقب الحديث الثاني ١ : ٢٥٧، وفي (باب بيان أنها الوسطى ... ) عقب الحديث الثامن ١ : ٢٧٧ ، وفي (باب ني المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها ... ) عقب الحديث الرابع ٢ : ٩٨ ولا فرق بين أن يكون سكوت المنذري عليه في (( مختصر سنن أبي داود)) أو في ((الترغيب والترهيب))، كما هو ظاهر بين، والحمد لله رب العالمين . (١) ١ : ٥ . ٨٨ وقد يكون على شرط ((الصحيحين)) أو أحدهما. اهـ (١) .. وقال العلامة الشوكاني في ((نيل الأوطار))(٢) وقد قدَّمنا أَن جماعة من أئمة الحديث صرَّحوا بصلاحية ما سكتَ عنه أبو داود للاحتجاج . (٣) اهـ (٣). وقال في ((تدريب الراوي))(٤): ومِن مظانِّه - أَي الحَسن - أيضاً (١) قال الشوكاني في أواخر مقدمة ((نيل الأوطار)) ١: ١٢ ((وقد اعتّنى المنذري رحمه الله في نقد الأحاديث المذكورة في ((سنن أبي داود)) ، وبيَّن ضعف كثير مما سكتَ عنه ، فيكون ذلك خارجاً عما يجوز العمل به ، وما سكنا عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج ، إلا في مواضع يسيرة قد نبّهتُ على بعضها في هذا الشرح )) . (٢) في (باب قراءة سورتين في كل ركعة ) عقب الحديث الثالث ١٩٣:٢. (٣) قد علمت من التعليقة المطوّلة ص٨٣ - ٨٧ أن هذا لا يصح على إطلاقه. وإليك تعيين جملة من المواطن في ((نيل الأوطار)) تقدّم فيها النص على أن ما سكت عليه أبو داود فهو صالح ، أو استدلّ الشوكاني فيها بسكوت أبي داود عن الحديث على أنه صالح : في آخر المقدمة ١ : ١١، وفي ( باب جواز ذلك في البنيان ) عقب الحديث الرابع ١ : ٧٣ ، وفي ( باب جواز اتخاذ الشعر وإكرامه ... ) عقب الحديث الثالث ١ : ١٠٧ ، وفي (باب ما جاء في كراهية القَزّع ... ) عقب الحديث الثالث أيضاً ١: ١١٠، وفي (باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ... ) عقب الحديث الثاني ١ : ٢٥٧ ، وفي ( باب بيان أنها الوسطى ... ) عقب الحديث الثامن ١ : ٢٧٧ ، وفي (باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها ... ) عقب الحديث الرابع ٢ : ٩٨ . (٤) ص ٩٦ . ٠ ٨٩ ((سُننُ أَبِي داود))، فقد جاءَ عنه أَنه يَذكر فيه الصحيحَ وما يُشبهه ويقاربه، وما كان فيه وَهْنٌ شديد بيَّنَه . وما لم يَاكُر فيه شيئاً فهو صالح . اهـ . وقال المنذري في حديث أبي داود ((لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فاذا التفت انصرف عنه)): وأبو الأحوص هذا - الراوي - لا يُعرَفُ اسمُه، لم يَرو عنه غيرُ الزهري ، قال بحیی ابن معين: ليس بشيء . وقال الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم . قال النووي في ((الخلاصة)): هو فيه جهالة، لكن الحديث لم يضعفه أبو داود فهو حَسَنٌ عنده(١). اهـ. من ((الزيلعي))(٢). ١٢ - ما ذكره الحافظ من الأحاديث الزائدة(٣) في ((فتح الباري)) وسكتَ عنه، فهو صحيح أو حسن عنده، كما صَرَّح به في ((مقدمته))(٤) (١) هذا الحديث مما انتقده المنذري كما تراه صريحاً ، وقولُ النووي فيه : ( لم يضعفه أبو داود فهو حسن عنده ) ليس بجيد . فقد قرّر هو - كما سبق نقلُه - في كلام شيخنا الكوثري - أن أبا داود سكت على أحاديث ظاهرة الضعف . أي فلا يُعتَدّ بسكوته دائماً ، فيكون استدلالُ النووي هنا على حسن الحديث بمطلَقٍ سكوت أبي داود ، مع قولٍ النووي بجهالة في راويه - وقول ابن معين والكرابيسي فيه - : مما ناقض فيه نفسه ، كما أشار إليه شيخنا الكوثري فيما تقدم ص ٨٤ ، والله أعلم . (٢) يعني ((نصب الراية )) ٢: ٨٩. (٣) يعني بها الأحاديث التي يوردها في شرح أحاديث البخاري . (٤) وهي المسماة ((هدي الساري إلى فتح الباري)). وقد طبعت مع ((فتح الباري )) بمطبعة بولاق سنة ١٣٠١ . ثم طبعت وحدها بالمطبعة المنيرية ٩٠ بما نصه: ثم أَستخرجُ ثانياً ما يتعلَّقُ به غَرَضٌ صحيح في ذلك الحديث ، من الفوائد المَثْنية والإسنادية من تتمات وزيادات، وكشفٍ غامض ، وتصريحٍ مدلِّس بسماع، ومتابعةِ سامع من شيخ اختَلَط قبلَ ذلك ، منتزِعاً كلَّ ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد، بشرطِ الصحةِ أَو الحُسْن فيما أُوردُه من ذلك. اهـ . وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار»(١) في حديث خَوْلة بنت حكيم (« أنها سألت النبي ◌ُِّئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ... )): وذكّره الحافظ في ((الفتح)) ولم يتكلم عليه اهـ. وقال أيضاً (٢) في حديث يعلى بن أمية ((أَن رسول الله عَ لئل رأى رجلاً يغتسل بالبراز (٣) ... )): وقد أخرج البزَّارُ نحوَه من حديث ابن عباس مطولاً، وقد ذكره الحافظ في ((الفتح)) ولم يتكلم عليه. اهـ . وفيه دليل على أن سكوت الحافظ في «الفتح» عن حديث حجةٌ ودليلٌ على صحته أَو حسنه، والله أعلم . قلت: وكذا سكوت الحافظ عن حديث في ((التلخيص الحبير)) دليل على صحته أَو حسنه ، فان الشوكاني رحمه الله ربما يَحتجُّ بسكوته في ((التلخيص)) أيضاً كما يحتجُّ بسكوته في ((الفتح))، يظهر ذلك سنة ١٣٤٧ . والنص المذكور هو في ص ٣ من طبعة بولاق ، وفي ١ : ٣ من الطبعة المنيرية . (١) في (باب من ذكر احتلاماً ولم يجد بللاً أو بالعكس ) عقب الحديث الأول ١ : ١٩٤ . (٢) أي الشوكاني في ((نيل الأوطار)) في (باب الاستتار عن الأعين للمغتسل وجواز تجرده في الخلوة) عقب الحديث الأول ١ : ٢٢٠. (٣) أي بالفضاء والعراء . ٩١ بمراجعة ((نيل الأوطار)) (١). ١٣ - لا يَلْزَمُ من قولهم: ( ليس في الباب شيءٌ أَصحُّ من هذا): صِحَّةُ الحديث(٢) ، بل المرادُ أَنه أَصحُّ شيء في هذا الباب، وكثيرًا ما يريدون بهذا الكلام هذا المعنى اهـ. كذا في ((الجوهر النقي)) (٣). قلتُ: فيجوز أن يكون ضعيفاً ولكنه أَمثَلُ من غيره، ولا يجوز أن يكون موضوعاً (٤). (١) وإليك تعيين جملة من المواطن في ((نيل الأوطار)) استدّل" الشوكاني فيها لاعتماد الحديث بسكوت الحافظ ابن حجر عليه في ((التلخيص الحبير)): فمن ذلك في (باب الختان) في شرح الحديث الأول ١ : ٩٨، وفي (باب المبالغة في الاسنتشاق ) عقب الحديث الثاني ١ : ١٢٧ ، وفي ( باب تعاهد الماقَينِ وغيرهما ... ) عقب الحديث الأول ١ : ١٣١، وفي (باب وقوف الإمام أعلى من المأموم ) تعليقاً على الحديث الثاني حديث ابن مسعود ٣ : ١٦٤، وفي (باب صلاة الخوف ) عقب النوع الخامس منها ٣ : ٢٧٣ ، وفي أول كتاب الجنائز (باب من كان آخر قوله : لا إله إلا الله ... ) في شرح الحديث الثالث ٤: ١٨. وغيرُ هذه المواطن كثير جداً فلا أُطيلُ به . (٢) أي الصحة الاصطلاحية. ومثله قول الترمذي في ((جامعه)): ((حديث فلان أصح شيء في هذا الباب )). (٣) في (باب التكبير في صلاة العيدين) ٢٨٦:٣. وقال النووي في ((الأذكار)) في ( باب أذكار صلاة التسبيح) ص ١٦٩ لا يلزم من قولهم: (أصحُ شيء في هذا الباب كذا ) صحةُ الحديث، فإنهم يقولون: هذا أصحّ ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفاً ، ومُرادُهم أرجحُه أو أقلُّه ضعفاً ». (٤) قلت : ومن هذا الاصطلاح أيضاً قولُ أبي داود في «سننه)» في کتاب ٩٢ الفصل الثالث في حكم العمل بالضعيفِ وشرائطِهِ إذا لم يُروَ إلا من وجه واحد ، فإن ورد من وجهين فصاعداً فقد تقدّم(١) أنهملحق بالصحيح تارةً والحَسَنِ أخرى ١ - قال في ((الدر المختار))(٢): فيُعمَلُ به في فضائل الأعمال. اه(٣). الطلاق في (باب البتة) عقب حديث أورده فيه: ((وهذا أصحّ من حديث ابن جُريج)). قال ابن القيم في ((تهذيب سنن أبي داود)) ٣ : ١٣٤ ((إن أبا داود لم يحكم بصحته، وإنما قال بعد روايته : هذا أصحّ من حديث ابن جريج . وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح ، فإن حديث ابن جريج ضعيف ، وهذا ضعيف أيضاً ، فهو أصح الضعيفين عنده . وكثيراً ما يُطلق أهلُ الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين ، وهو كثير في كلام المتقدمين ، ولو لم يكن اصطلاحاً لهم ، لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه ، فإنك تقول لأحد المريضين : هذا أصحّ من هذا ، ولا يدل على أنه صحيح مطلقاً )) . (١) في ص ٧٨ - ٨٢ . (٣) اختلفت الآراء في العمل بالحديث الضعيف اختلافاً كثيراً ، وطال الكلام (٢) ١ : ٨٧ . ٩٣ قال محشيه ابن عابدين : لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على الأعمال ، قال ابن حجر في ((شرح الأربعين)): لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أُعطِيَ حقَّه من العمل، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريم ولا ضياعُ حقّ للغير، وفي حديث ضعيف ((من بلَغَه عني ثوابُ عملٍ فَعَمِلَه حصَلَ له أَجُرُه وإن لم أكن قلته)). أَو كما قال(١). في هذا الموضوع واتسع ، ولقد قام المحقق الإمام عبد الحي اللكنوي بعرض الأقوال فيه وتمحيصها خير قيام في كتابه «الأجوبة الفاضلة )) فانظره وما علقته عليه فيها في ص ٣٦ - ٥٩ ، وانظر أيضاً ما كتبه شيخنا المحقق الكوثري في هذا الموضوع في ((مقالات الكوثري » ص ٤٤ - ٤٦ . (١) لم أجد هذا اللفظ في كتب الضعفاء أو الموضوعات ، وفيها أحاديث بنحو معناه، انظرها في ((اللآلىء المصنوعة)) للسيوطي في كتاب العلم ١ : ٢١٤ - ٢١٥، وفي ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) لابن عراق ١ : ٢٦٥ . وقد تعقّب العلامة المُناوي سياقة ابن حجر الهيتمي هذه فقال : ((رَوَى أبو الشيخ ابن حَيّان في كتاب الثواب عن جابر، وابنُ عبد البر عن أنس مرفوعاً : ((من بَلَغّه عن اللّه شيء فيه فضيلة فأخذ به إيماناً ورجاءً لثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك)). وقد أورد بعضُ الشراح - يعني ابنَ حجر الهيتمي - هذا الحديثَ مشوّشاً على غير وجهه ، ولم يستحضر له مخرجاً ولا صحابياً ، وقال عقبه : أو كما قال. وكان الأولى تجنّبَه لذلك)). نقله المدابغي رحمه الله في ((حاشيته )) على ((الفتح المبين)) ص ٣٢. وقال المناوي في (( فيض القدير)) عند هذا الحديث ٦ : ٩٥ : ٩٤ اهـ . ط (١). قال السيوطي: ويُعمّل به أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط . اهـ . ٢ - قال في ((الدر المختار))(٢): (فائدة) شَرْطُ العمل بالحديث الضعيف : عدَمُ شدَّة ضعفه، وأن يدخل تحت أصل عام، وأَن لا يُعتقَد سُنيَّةُ ذلك الحديث . وأَما الموضوع فلا يجوز العملُ به بحال ولا روايتُه إلا إذا قُرِنَ ببيانه . اهـ. قال ابن عابدين: شديدُ الضَّعْف هو الذي لا يخلو طريق من طرقه عن كذاب أو متهم بالكذب . قاله ابن حجر . ط . اهـ . وقولُه: وأَن لا يُعتَقّد سُنيَّةُ ذلك الحديث أَي سُنيَّةُ العمل به. وعبارَةُ السيوطي في ((شرح التقريب)): الثالث أَن لا يُعْتَقَد عند العمل به ثبوتُهُ بل يُعتَقَدُ الاحتياط . اهـ . وقوله: وأَما الموضوع فلا يجوز ((وحكم" ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ١: ٢٥٨ بوضعه وأقرّه المصنّف - يعني السيوطي في ((اللآلىء المصنوعة)) ١ : ٢١٤ - وحاول السخاوي في (المقاصد الحسنة)) ص ٤٠٥ أن ينفي عنه البطلان بأن له شواهد، ثم قال: ((فإن قيل : كيف هذا مع اشتراطهم في جواز العمل بالضعيف عدَمَ اعتقاد ثبوته؟ قلنا : بحمله على ما صَحّ مما ليس بقطعي ، حيث لم يكن صحيحاً في نفس الأمر ، أو بحمله إن كان عاماً بحيث يشمل الضعيف على اعتقاد الثبوت من حيث إدراجه في العمومات لا من جهة السند )) . (١) حرف (ط) رمز إلى العلامة الفقيه الشيخ أحمد الطحطاوي المصري ، محشي ((مراقي الفلاح)) للشرنبلالي ومحشي ((الدر المختار)) قبل" ابن عابدين ، وقد توفي سنة ١٢٣١ رحمه اللّه تعالى. (٢) ١ : ٨٧ . ٩٥ العمل به بحال، أَي ولو في فضائل الأعمال. قال ط (١): أي حيث كان مخالفاً لقواعد الشريعة، وأما لو كان داخلاً في أصل عام فلا مانع منه، لا بجَعْلِه حديثاً بل لدخولِه تحت أَصل عام. اهـ. تأَمل(٢). ٣ - قال في ((تدريب الراوي))(٣): إذا رأيت حديثاً بإسناد ضعيف، فلك أن تقول : هو ضعيفٌ بهذا الإسناد، ولا تقل: ضعيفُ المتن، ولا ضعيفٌ وتُطلِقُ بمجرد ضعف ذلك الإسناد، فقد يكون له إسناد آخر صحيح، إلا أن يقول إمام: إنه لم يُروَ من وجه صحيح، أَو ليس له إِسناد يَثْبُتُ به، أَو إنه حديث ضعيف مفسِّراً ضعفه، فإن أُطلَق الضعيفَ ولم يبين سبّبه ففيه كلام يأْتِي قريباً. اهـ . وحاصلُ ما ذكره بعدُ: أَنَّ حُكمَه التوقُّفُ حتى ينكشف حالُه . اهـ . قلت: وقد ينكشف حاله عند المجتهد بموافقة القياس، أو أَقوالٍ الصحابة والتابعين، أو دلالة النصوص وغيرها . وقد قدمنا الإشارة إليه في الفصل الأول، فتذكر (٤). ٤ - قال ابن حزم: جميعُ الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي (١) أي الطحطاوي. (٢) وجْهُ التأمل أن العمل حينئذ إنما هو على الأصل العام فقط دون الموضوع، فاللازمُ الإضافة إلى الأصل، وإخراجُ ذكر الموضوع من البين . (ش). قال عبد الفتاح : لا يجوز إدخال (الموضوع ) في جانب أصل خاص أو عام إطلاقاً . وقولُ العلاَّمة الطحطاوي هذا لا يُلتفَت إليه بالمرة. (٣) ص ١٩٤ . (٤) انظر ص ٤٩ وما بعدها . ٩٦ حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي (١). فتأمل هذا الاعتناء بالأحاديث وعظيم جلالتها وموقعها عنده. كذا في ((الخيرات الحسان)) (٢). وقال العلامة المحدث علي القاري في ((المرقاة )) (٣): إِنَّ مذهبهم القوي تقديمُ الحديث الضعيف، على القياس المجرد الذي يحتمل التزييف . اهـ . وفي ((تدريب الراوي)»(٤) حكى ابنُ مَنْدَه أنه سمع محمد بن سعد البَاوَرْدِي يقول: كان من مذهب النسائي أَن يُخرِج عن كل من لم يُجمَع على تركه . قال ابن مَندَه : وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه ويُخرج (١) قال ذلك ابن حزم في كتابه ((ملخص إبطال القياس)» ص ٦٨، ونقله عنه الحافظ الذهبي في الجزء الذي ألفه في ((مناقب الإمام أبي حنيفة » ص ٢١ . وقال ابن حزم أيضاً في كتابه (( الإحكام في أصول الأحكام)) ٧ : ٥٤ ((قال أبو حنيفة: الخبر الضعيف عن رسول اللّه عَ لهم أولى من القياس ، ولا يحل القياس مع وجوده )) . قال عبد الفتاح: بل اختلف ساداتنا الحنفية فيما إذا تعارض قولُ الصحابي والقياسُ فأيهما يقدم؟ قال فخر الإسلام البزدوي: ((أقوالُ الصحابة مقدمة على القياس ، سواء كان فيما يدرك بالقياس أولا)). كما سيأتي نصّ كلامه هذا في أول الفصل الثامن في أصول التعارض بين الأدلة . و کما سيأتي في أول المقطع -- ١٠ - من الفصل الرابع في ص ١٢٨ وما بعدها . وفي هذا ما يزيد إبطال دعوى المتقوّلين على الحنفية . (٢) ص ٧٨ . (٣) ١ : ٣ . (٤) ص ٩٧ .